street art

كيف طهّرت جائزة نوبل دمار الرأسمالية الخلّاق رياضياً
جبر الاستغلال

  • الطبقة الرأسمالية هي التي تُهندس عملية الهدم وإعادة البناء، بينما تتحمّل الطبقة العاملة كامل كلفتها. العنف في هذا الترتيب هو حجر الأساس الذي يقوم عليه النظام بأسره، وليس خللاً ولا مصادفة.
  • التناقض السياسي بين الطبيعة الاجتماعية للإنتاج والملكية الخاصة لعوائده لا يُحلّ بمعادلات. المهمة الآن هي استعادة البعد السياسي للأزمة، ورفض هذا الجبر العقيم الذي يبرّر الدمار باسم التقدّم. 
  • التقدّم الحقيقي لا يُقاس بقدرة النظام على التجدّد عبر التدمير، بل ببناء نظامٍ تُشارك الجماعة في ملكية ثمار الخلق وتُحرّر فيه كلمة «تدمير» من الاقتصاد ذاته.

لم يدرس الفائزون بجائزة نوبل الأخيرة الهدم الخلّاق فحسب، إنما أكملوا مشروعاً امتدّ قرناً لتجريد نقد ماركس من شحنته الثورية، وتلميع العنف البنيوي بلغة المعادلات. تشكّل النماذج التي قدّمها هؤلاء ذروة هذا المسار الإيديولوجي، إذ حوّل واقع العنف الطبقي إلى متغيّر داخل معادلة النمو، حيث يُعاد تعريف المعاناة البشرية كأثرٍ جانبي مؤسف لكن ضروري لصحّة النظام الاقتصادي.

تحتاج الطبقة الحاكمة دائماً إلى قصص تُجمّل الخراب الذي تخلّفه. تقدّم جائزة نوبل في الاقتصاد الأخيرة والممنوحة لجويل موكير وفيليب أجيون وبيتر هاويت عن أبحاثهم في الهدم الخلّاق، أحدث أسطورة تبرّر هذا الخراب بمنطق العلم. في حكايتهم، يتحوّل الهاتف إلى هاتف ذكي في سردٍ يبدو أنيقاً ومتّسقاً، حيث يُصوَّر التقدّم كعملية لا بدّ أن تمرّ ببعض الفوضى، وتُصبح النتيجة مبرّراً للوسيلة.

لا يدور الأمر هنا حول جدلٍ أكاديمي فحسب، بل حول صراعٍ على الطريقة التي يُفهم بها عنف النظام الرأسمالي. فالتاريخ الفكري لمفهوم الهدم الخلّاق هو تاريخ تفكيك القذيفة الماركسية وتلميعها، وتحويلها إلى قطعة رمزية تزيّن واجهة الاقتصاد البرجوازي بعد أن أُفرغت من خطرها. يمثّل الفائزون بجائزة نوبل للعام 2025 اكتمال هذا المشروع لا معارضته. فقد صاغوا جبراً للاستغلال، يبرهن بالاستنتاج الرياضي أنّ عنف النظام ليس انحرافاً بل ضرورة منطقية لتحقيق كفاءته.

ماركس: الهدم الخلّاق كمرض رأسمالي

لفهم مدى السطو الإيديولوجي الذي طال فكر ماركس، لا بدّ من العودة إلى قوّته الأولى قبل أن تُنزع عنها حدّتها الثورية. لم يكن الهدم الخلّاق عنده سمة من سمات الاقتصاد السليم، بل العارض المركزي لمرض رأسمالي عميق. كان قانون حركة رأس المال في أكثر أشكاله عنفاً وتناقضاً مع ذاته.

حوّل واقع العنف الطبقي إلى متغيّر داخل معادلة النمو، حيث يُعاد تعريف المعاناة البشرية كأثرٍ جانبي مؤسف لكن ضروري لصحّة النظام الاقتصادي

تكمن عبقرية ماركس في أنه لم يفهم الفوضى الرأسمالية كحادثة خارجية، بل كضرورة داخلية متكرّرة يولّدها النظام من ذاته. أوضح في كتابه «رأس المال»، كيف تدفع غريزة التوسّع رأس المال إلى إعادة ابتكار وسائل الإنتاج باستمرار، إلى أن يتحوّل هذا الاندفاع نفسه إلى فائض تراكم يخنق الأرباح ويقود إلى انخفاض معدلها. وهنا لا يجد النظام طريقاً إلى النجاة سوى في اندلاع أزمة جديدة.

«تعمل الرأسمالية وفق منطقٍ دوري يفرض عليها أن تُفكّك قواعدها ذاتها، أي أن تُبيد «جزءاً كبيراً من رأس المال» من خلال الأزمات و«التدمير القسري لقوى الإنتاج» بغية استعادة الربحية. يُكرَّس الخلق في هذا النظام لصالح القلّة، فيما يُوزَّع الدمار على الأغلبية».

هذا ليس وصفاً مجازياً، إنما تشخيص لنظام يختنق بذاته. كتب ماركس في الـ«غروندريسه» عن «الانفجارات والكوارث والأزمات وتدمير جزء كبيرٍ من رأس المال». هذا التدمير هو انحطاط قيمة رأس المال: تُغلق المصانع وتصدأ الآلات وتُفلس الشركات، ويُلقى العمّال إلى الشوارع. إنّ هذا الانخفاض في القيمة هو فعل التدمير الذي يطهّر الساحة، ممهّداً لما تبقّى من رأس المال كي يُعاد استثماره ويستأنف الدورة من جديد. أمّا الخلق، فهو قيام الربحية من بين أنقاض استثمارات وسبل عيش طمرتها الدورة السابقة.

رأى ماركس في هذا المسار ظاهرة طبقية خالصة. فالطبقة الرأسمالية هي التي تُهندس عملية الهدم وإعادة البناء، بينما تتحمّل الطبقة العاملة كامل كلفتها. العنف في هذا الترتيب هو حجر الأساس الذي يقوم عليه النظام بأسره، وليس خللاً ولا مصادفة.

شومبيتر والفائزون بنوبل: حين تُمحى الطبقات ويُحتفى بالنظام

حوّل جوزف شومبيتر نظرية الأزمة عند ماركس إلى درس في تمجيد الرأسمالية. حذف الصراع الطبقي من المعادلة، وقدّم الرأسمالي في صورة «رائد الأعمال» البطل، والأزمة كعاصفة ضرورية من «الهدم الخلاق». لم يعد النقاش حول تناقضات النظام، بل حول طموحات المبتكر الفرد. حتى موت الزراعة القديمة تحوّل من مأساة إلى انتصار للتقدّم.

استند الفائزون بجائزة نوبل للعام 2025 إلى الإطار الذي وضعه شومبيتر بعد أن جرّد النظرية من بعدها السياسي، فحوّلوه إلى معادلات رياضية باردة. في عمله التاريخي، الذي شكّل نصف الجائزة، نقل جويل موكير مركز التحليل من الاقتصاد السياسي إلى الحقل الثقافي. بافتراضه أنّ «الانفتاح على التغيير» هو الشرط الحاسم للنمو، يُلقي اللوم ضمنياً على العمّال والمجتمعات التي تعجز عن التكيّف مع التحولات التي يفرضها رأس المال. في هذا المنظور، لم تعد المشكلة في سلطة رأس المال على توجيه التغيير، بل في «التخلّف الثقافي» لمن يقاومون تهميشهم. إنها نظرية في التهيئة الأيديولوجية لدوام الاضطراب.

تعمل الرأسمالية وفق منطقٍ دوري يفرض عليها أن تُفكّك قواعدها ذاتها، أي أن تُبيد «جزءاً كبيراً من رأس المال» من خلال الأزمات و«التدمير القسري لقوى الإنتاج» بغية استعادة الربحية. يُكرَّس الخلق في هذا النظام لصالح القلّة

تمثّل الفتِشية الرياضية عند أجيون وهاويت قلب المبرّر الإيديولوجي للرأسمالية المعاصرة. فقد صاغ الباحثان نماذج رياضية تضع الهدم الخلّاق في موقع المحرّك الرئيس للنمو الاقتصادي الكلي. يكمن «إنجازهما» في البرهان الاستنتاجي على أن ما يبدو مدمّراً على المستوى الجزئي، بالنسبة إلى العامل أو الجماعة المحلية، يشكّل على المستوى الكلي الركيزة التي يقوم عليها استقرار النظام برمّته.

إنها خدعة معرفية عميقة تُخفي العنف داخل معادلة. فحين يتبنّى الاقتصاديون «الرؤية من اللامكان» الخاصة بالنماذج الكلية، تُمحى المعاناة البشرية وتُعاد صياغتها كمتغيّرٍ موجب. لا تعود البطالة مأساة شخصية، بل معامل احتكاك ضروري في معادلة الكفاءة. وانهيار صاحب العمل في مدينة كاملة لا يُعدّ كارثة اجتماعية، بل مجرّد «إعادة تخصيص فعّالة للموارد» داخل خوارزمية النمو.

استنتاجاتهم صحيحة شكلياً، لكنها فاحشة سياسياً. فهي تمنح صبغة علمية لفكرةٍ واحدة: لا تتدخّلوا. فكلّ محاولة لحماية العمّال أو لتأمين البطالة أو لفرض الملكية العامة، تُصوَّر كـ«تشويه» لآلة السوق الجميلة التي تضبط نفسها تلقائياً. تخدم هذه الرياضيات مصلحة طبقية محدّدة بوضوح، إذ تبرّر الاستسلام أمام الاستغلال وتُقدّمه كقانونٍ منطقي للنظام. 

استعادة الأزمة

يشكّل مسار «الهدم الخلّاق» من ماركس إلى منصّة نوبل نموذجاً مكتمل الأركان لآلية الاستيعاب الإيديولوجي، أي الطريقة التي تُفرغ بها الطبقة الحاكمة النقد الجذري من مضمونه عبر تحويله إلى نظرية وظيفية داخل النظام نفسه.

لم تعد المشكلة في سلطة رأس المال على توجيه التغيير، بل في «التخلّف الثقافي» لمن يقاومون تهميشهم. إنها نظرية في التهيئة الأيديولوجية لدوام الاضطراب

قدّم ماركس نظرية سياسية واقتصادية للأزمة، تقوم على التناقض الطبقي في قلب الإنتاج الرأسمالي. ثم جاء شومبيتر ليحوّلها إلى نظرية سوسيولوجية في التغيّر الديناميكي، تُمجّد الفرد المبتكر. وفي النهاية، صاغ الفائزون بجائزة نوبل نسختها التكنوقراطية: نظرية للنمو الفعّال تُقدَّم كلغة رياضية للحتمية.

تحوّلت نماذجهم إلى جدارٍ واقٍ ضد الفعل السياسي، يقدّم الألم بوصفه ليس ثمناً بل نتيجة منطقية ضرورية. غير أنّ التناقض السياسي الذي كشفه ماركس – بين الطبيعة الاجتماعية للإنتاج والملكية الخاصة لعوائده – لا يُحلّ بمعادلات. المهمة الآن هي استعادة البعد السياسي للأزمة، ورفض هذا الجبر العقيم الذي يبرّر الدمار باسم التقدّم. فالتقدّم الحقيقي لا يُقاس بقدرة النظام على التجدّد عبر التدمير، بل ببناء نظامٍ تُشارك الجماعة في ملكية ثمار الخلق وتُحرّر فيه كلمة «تدمير» من الاقتصاد ذاته.

نُشِر هذا المقال في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2025 في Eurasia Review، وترجم إلى العربية ونشر في موقع «صفر» بموافقة مسبقة من الجهة الناشرة.

    ديباشيس تشاكربارتي

    أكاديمي وصحافي هندي، يرأس تحرير المجلة الدولية للسياسة والإعلام، ويمتلك خبرة دولية طويلة في التعليم والبحث الإعلامي تمتدّ لأكثر من 35 عاماً.أكاديمي وصحافي هندي، يرأس تحرير المجلة الدولية للسياسة والإعلام، ويمتلك خبرة دولية طويلة في التعليم والبحث الإعلامي تمتدّ لأكثر من 35 عاماً.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة