africa displacement

أفريقيا «مختبر الصدمات» في نظام عالمي مضطرب

أدّت الحرب على إيران إلى اضطرابات حادّة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، سرعان ما امتدّت تداعياتها إلى القارة الأفريقية المرتبطة بالاقتصاد العالمي عبر الاستيراد والتمويل الخارجي وتصدير المواد الخام. وعلى الرغم من بُعدها الجغرافي عن بؤرة التوتر، وعدم وقوعها ضمن المجال البحري المباشر للحرب، تجد أفريقيا نفسها في قلب ارتداداتها الاقتصادية. فهي لا تظهر بوصفها فاعلاً في إنتاج هذه الصدمات، بل كحيّز تنتقل إليه آثارها، ما يضعها بنيوياً في موقع أكثر عرضة لاضطرابات لا تتحكّم في مصادرها، وأقل قدرة على احتواء كلفتها، لتغدو بذلك مستورداً دائماً لاختلالات نظام عالمي شديد التقلب.

ويزداد هذا الوضع تعقيداً لأن هذه الصدمات لا تأتي منفصلة، بل تتراكم فوق بنية اقتصادية هشّة أصلاً، تقوم على اعتماد مفرط على الاستيراد، وضيق في الهوامش المالية، وارتهان متزايد لأسواق التمويل الدولية.

أسعار النفط: الصدمة الأولى في سلسلة التضخم المستورد

سرعان ما ألقت الحرب بظلالها على أسواق الطاقة في القارة الأفريقية، بعدما دفعتها أسعار النفط إلى الارتفاع بنسب تراوحت بين 40 و50% خلال فترة قصيرة، ما أعاد إحياء المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة. وتُعدّ الدول الأفريقية المستوردة الصافية للطاقة من بين الأكثر تضرراً من هذه الصدمة، وفي مقدمتها السنغال، وبنين، وإريتريا، وبوركينا فاسو، وزامبيا، وكينيا، وأوغندا، وجنوب أفريقيا، ومصر، وتونس، إذ تواجه ارتفاعاً في عجز الحساب الجاري، وضغوطاً متزايدة على العملات المحلية، وتضخماً مستورداً يتسع نطاقه تدريجياً.

تُعدّ الدول الأفريقية المستوردة الصافية للطاقة من بين الأكثر تضرراً من هذه الصدمة

ولا يقتصر أثر هذه الصدمة على المؤشرات الظرفية قصيرة الأجل، بل يمتد ليصيب جوهر التوازنات المالية في هذه الاقتصادات. ففي عدد من الدول الأفريقية المستوردة للطاقة، أحدث ارتفاع أسعار النفط خللاً مباشراً في البنى المالية التي صيغت أساساً على فرضيات سعرية منخفضة ومستقرة نسبياً. فقد بنت حكومات عديدة موازناتها العامة على تقديرات مرجعية لسعر برميل النفط في حدود 70 دولاراً أو أقل، قبل أن تدفع اضطرابات الإمدادات العالمية الأسعار إلى مستويات أعلى بشكل مفاجئ، ما خلق فجوة واسعة بين التوقعات الرسمية والكلفة الفعلية للاستيراد.

ولم ينعكس هذا التحول السريع على فاتورة الطاقة وحدها، بل بعثر مجمل حسابات الإنفاق العمومي، ولا سيما ما يتعلق بدعم المحروقات وكلفة النقل والإنتاج. ووجدت الدول نفسها أمام إعادة ترتيب غير مخطط لها لأولوياتها المالية، في سياق يتسم أصلاً بضيق الهوامش المالية وارتفاع مستويات المديونية.

وتتضاعف حدّة هذه التداعيات في الاقتصادات الأكثر اعتماداً على الطاقة المستوردة، حيث تتحول صدمة النفط سريعاً إلى موجة تضخمية تمتد عبر مختلف حلقات الاقتصاد. فارتفاع أسعار الوقود ينعكس مباشرة على النقل والإنتاج، ثم ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات. ومع تصاعد المخاطر المرتبطة بالملاحة البحرية، فُرضت رسوم شحن إضافية وارتفعت أقساط التأمين، ما أدى إلى زيادة كلفة الواردات عموماً، ولا سيما السلع الأساسية والغذائية.

وفي امتداد مباشر لهذه الضغوط المتراكمة عبر سلاسل الكلفة، لا تظهر الصدمة في شكل ارتفاع معزول للأسعار، بل كسلسلة مترابطة من إعادة تسعير الاقتصاد بأكمله: من الطاقة إلى النقل، ومن النقل إلى الغذاء والمواد الاستهلاكية. وفي ظل محدودية قدرة الحكومات على التدخل المالي أو توسيع برامج الدعم، تُترجم هذه الديناميات سريعاً إلى تآكل في القدرة الشرائية، وتراجع في مستويات العيش، واتساع الضغوط الاجتماعية داخل عدد متزايد من الاقتصادات الأفريقية.

من كُلفة السلعة إلى كُلفة الطريق

لم تقتصر تداعيات الحرب على ارتفاع أسعار الطاقة والسلع، بل امتدت إلى إعادة تشكيل أعمق في هندسة التجارة العالمية نفسها. فقد دفع اضطراب الممرات البحرية الحساسة شركات الشحن إلى إعادة توزيع خطوطها نحو مسارات أطول وأكثر أماناً، في تحول لم يغيّر كلفة النقل فحسب، بل أعاد رسم «جغرافيا الزمن» التجاري. وباتت حركة البضائع خاضعة لمسارات أكثر تعقيداً وكلفة، ترتبط بحسابات المخاطر الجيوسياسية بقدر ارتباطها باعتبارات السوق.

وقد وضع هذا التحول الموانئ الأفريقية أمام نمط جديد من الضغوط، إذ لم يعد الوصول البحري ثابتاً أو قابلاً للتوقع، بل صار رهينة تقلبات الأمن البحري وارتفاع كلفة التأمين والشحن. ولم تعد الأزمة تتعلق فقط بارتفاع أسعار الواردات، بل باضطراب انتظام تدفقها، ما انعكس مباشرة على قدرة الموانئ والشركات المحلية على التخطيط، وإدارة المخزون، والحفاظ على استقرار سلاسل التوريد.

وفي هذا السياق، أخذت التجارة مع أفريقيا تتحول تدريجياً من نظام قائم على التدفق المنتظم إلى نظام متقطع وغير مستقر، تتكدس فيه السلع في بعض الفترات وتدخل في حالة ندرة في فترات أخرى. وهو ما يفرض على الفاعلين الاقتصاديين المحليين العمل داخل اقتصاد غير خطي، ترتفع فيه كلفة التوقع بقدر ارتفاع كلفة النقل نفسها.

إذ تواجه ارتفاعاً في عجز الحساب الجاري، وضغوطاً متزايدة على العملات المحلية، وتضخماً مستورداً يتسع نطاقه تدريجياً

وأمام هذا الاضطراب، لجأت دول ومؤسسات أفريقية إلى إجراءات ظرفية للتكيف مع الصدمة. ففي تونس، قررت الشركة التونسية للملاحة (CTN) الترفيع في رسوم الشحن البحري بين تونس وأوروبا عبر معاليم إضافية مرتبطة بارتفاع كلفة الوقود وضغوط التشغيل، إلى جانب دمج عدد من الرحلات، بالتوازي مع توجهات لتحسين كفاءة الموانئ وتقليص زمن العبور.

وعلى مستوى أوسع، تعاملت شركات الشحن العالمية الناشطة في الموانئ الأفريقية مع الأزمة عبر فرض رسوم إضافية مرتبطة بمخاطر الحرب، وصلت في بعض الحالات إلى آلاف الدولارات للحاوية الواحدة، خصوصاً على الخطوط المرتبطة بموانئ شرق وغرب أفريقيا. وبذلك، كرّس العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران واقعاً جديداً في أسواق الشحن والتأمين البحري، لم تعد الدول الأفريقية قادرة على التحكم فيه بقدر ما أصبحت مطالبة بالتكيف مع تداعياته.

أما في مصر، فتدخلت السلطات عبر توسيع جزئي لبرامج دعم الوقود، مع الإبقاء على آلية التسعير التدريجي لتفادي صدمات حادة في السوق المحلية. وبالتوازي، عززت القاهرة توجهها نحو استخدام الموانئ كمراكز لوجستية إقليمية، بهدف تقليص كلفة إعادة التصدير والاستيراد، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة الشحن عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

وفي كينيا، لجأت الحكومة إلى إعادة التفاوض بشأن عقود استيراد الوقود مع الموردين الكبار، بالتوازي مع اعتماد آليات تثبيت جزئي للأسعار لفترات قصيرة، بهدف الحد من انتقال ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى أسعار النقل العام والمواد الغذائية. كما عززت الاعتماد على المخزونات الاستراتيجية من الوقود لتخفيف الضغط الفوري على السوق.

لا تظهر الصدمة في شكل ارتفاع معزول للأسعار، بل كسلسلة مترابطة من إعادة تسعير الاقتصاد بأكمله: من الطاقة إلى النقل، ومن النقل إلى الغذاء والمواد الاستهلاكية

أما في غانا ونيجيريا، فقد تركزت الاستجابة أساساً على الأدوات النقدية والمالية، من خلال تدخلات للبنوك المركزية للحد من تقلبات العملة المحلية، نظراً إلى أن تراجع قيمتها ينعكس مباشرة على كلفة استيراد الوقود والسلع الأساسية. وفي نيجيريا تحديداً، وعلى الرغم من كونها دولة منتجة للنفط، فإن اعتمادها الكبير على استيراد المشتقات النفطية يجعلها بدورها عرضة لارتفاع كلفة النقل والتأمين البحري.

وفي موازاة ذلك، واجهت الموانئ الأفريقية، خصوصاً في شرق وغرب القارة، ارتفاعاً كبيراً في رسوم الشحن والتأمين بعد تصاعد المخاطر الجيوسياسية، ما دفع عدداً من الحكومات إلى التركيز على تحسين كفاءة الموانئ وتسريع إجراءات التخليص الجمركي، باعتبارها أدوات غير مباشرة لتقليص الكلفة النهائية على الواردات والحد من انتقال الضغوط إلى المستهلكين.

تضييق الهوامش المالية والأمنية

لا يقتصر أثر الحرب على إيران على أسعار الطاقة أو كلفة النقل، بل يمتد أيضاً إلى المجال المالي عبر إعادة تسعير المخاطر على المستوى العالمي. فمع تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي، تميل الأسواق المالية إلى رفع علاوات المخاطر المفروضة على الاقتصادات الناشئة، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة اقتراض الدول الأفريقية من الأسواق الدولية.

وفي هذا السياق، تصبح خدمة الدين أكثر كلفة، ليس فقط نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً، بل كذلك بسبب تراجع شهية المستثمرين تجاه السندات السيادية عالية المخاطر. وتجد الكثير من الدول الأفريقية نفسها مضطرة إلى الاعتماد بشكل أكبر على التمويل قصير الأجل أو على المؤسسات المالية متعددة الأطراف، وغالباً بشروط أكثر تشدداً وكلفة.

أخذت التجارة مع أفريقيا تتحول تدريجياً من نظام قائم على التدفق المنتظم إلى نظام متقطع وغير مستقر، تتكدس فيه السلع في بعض الفترات وتدخل في حالة ندرة في فترات أخرى

وتؤدي هذه التطورات إلى تضييق متزايد في الهوامش المالية للدول، إذ تتجه حصة أكبر من الميزانيات العامة نحو خدمة الدين بدل الاستثمار أو الإنفاق الاجتماعي، في وقت تتصاعد فيه ضغوط التضخم وكلفة الاستيراد. وهكذا تتفاعل الصدمة الجيوسياسية مع هشاشة مالية قائمة مسبقاً، لتعيد إنتاج حلقة متواصلة من الضغط على السياسات الاقتصادية في القارة.

وتشير بيانات المؤسسات المالية الدولية إلى أن عدداً متزايداً من الاقتصادات الأفريقية يخصص نسباً مرتفعة من إيراداته لخدمة الدين، ما يحدّ بشكل مباشر من قدرته على الاستثمار في البنية التحتية والحماية الاجتماعية. كما يبيّن البنك الدولي أن أكثر من ثلث الدول منخفضة الدخل في أفريقيا تقع إما في وضع مديونية حرجة أو تحت خطر مرتفع للتعرض لها، ما يجعل أي صدمة خارجية إضافية، مثل اضطراب أسعار الطاقة أو التجارة العالمية، عامل ضغط مضاعف على الاستقرار المالي.

وفي هذا الإطار، لا تبقى التداعيات محصورة في المجال المالي، بل تمتد بصورة غير مباشرة إلى المجال الأمني، عبر ما يُعرف في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ«انتقال عدم الاستقرار». فكلما ضاقت الهوامش المالية للدولة، تراجعت قدرتها على تمويل الإنفاق الأمني والاجتماعي في آن واحد، وهو ما يرفع مستويات الهشاشة داخل بيئات متوترة أصلاً.

ويؤدي هذا الضغط، في عدد من الدول الهشة أو المتأثرة بالنزاعات، مثل منطقة الساحل والقرن الأفريقي وأجزاء من غرب أفريقيا، إلى تقليص الاستثمارات في الأمن غير العسكري، من مراقبة الحدود إلى دعم المجتمعات المحلية، وهي عناصر أساسية في احتواء التوترات ومنع تمددها. وفي المقابل، ترتفع كلفة إدارة الأمن نفسه نتيجة التضخم وارتفاع أسعار الوقود والخدمات اللوجستية.

 أكثر من ثلث الدول منخفضة الدخل في أفريقيا تقع إما في وضع مديونية حرجة أو تحت خطر مرتفع للتعرض لها، ما يجعل أي صدمة خارجية إضافية، مثل اضطراب أسعار الطاقة أو التجارة العالمية، عامل ضغط مضاعف على الاستقرار المالي

ويظهر هذا التداخل بين الضغط المالي والأمني بوضوح في منطقة الساحل، وتحديداً في مالي، التي تعيش منذ سنوات وضعاً أمنياً معقداً يتسم بتعدد الجماعات المسلحة وتراجع قدرة الدولة على فرض سيطرتها على كامل أراضيها، في سياق يتقاطع مع ضيق متزايد في الموارد العمومية وتراجع القدرة على تمويل الوظائف الأساسية للدولة.

وقد شهدت البلاد مؤخراً تصعيداً أمنياً خطيراً تمثل في هجمات منسقة استهدفت مواقع استراتيجية في العاصمة ومحيطها، إلى جانب اضطرابات متواصلة في مناطق الشمال، ما يعكس حدود قدرة الدولة على الاستجابة في ظل تآكل الهوامش المالية تحت ضغط الديون وارتفاع كلفة التشغيل وتراجع الاستثمار العمومي.

في المحصلة، لا تبدو أفريقيا مجرد فضاء يتلقى ارتدادات الأزمات العالمية، بل مساحة يُعاد فيها إنتاج اختلالات النظام الدولي نفسه. فالصدمات المرتبطة بالطاقة والتجارة والتمويل تتجاوز حدود الأسواق لتتغلغل في البنية الاقتصادية والسيادية للدول الأفريقية، حيث تتقاطع هشاشة التمويل مع تبعية الطاقة وضيق الهوامش السيادية. ومع تداخل الكلفة الاقتصادية بالضغط الأمني، تتكرس القارة بوصفها مختبراً للصدمات العالمية، ليس فقط لقياس قدرة الأسواق على التكيف، بل لاختبار حدود قدرة الدول على الصمود في عالم يزداد اضطراباً وكلفة.

    سناء عدوني

    صحافية تونسية وباحثة في الاتصال السياسي، عملت على الكثير من الخطط في الصحافة العربية والدولية.