من يربح من القطاع الزراعي في لبنان؟ ومن يخسر فيه؟

من يربح من القطاع الزراعي في لبنان؟ ومن يخسر فيه؟

تضاعفت قيمة الإنتاج الزراعي في لبنان من 1.3 مليار دولار عام 2020 إلى نحو 2.9 مليار دولار عام 2025، بحسب المركز اللبناني للبحوث والدراسات الزراعية. لكن هذا لا يعني أن الزراعة ربحت. فبينما كانت بعض القطاعات تحصد أرباحاً قياسية، كان كثير من المزارعين يبيعون بخسارة، وتتراجع الزراعات المرتبطة بالأمن الغذائي. فمن استفاد فعلاً من الانهيار ومن خسر منه؟ 

من يربح من القطاع الزراعي في لبنان؟ ومن يخسر فيه؟

1. الزراعات المرتبطة بالدولار

أكبر تحوّل شهده القطاع الزراعي ظهر في الزراعات الممنوعة. قفزت قيمة هذه المحاصيل من نحو 29 مليون دولار عام 2020 إلى 846 مليون دولار عام 2025، لتشكّل وحدها حوالى 29% من إجمالي الإنتاج الزراعي والحيواني في لبنان.  فمع انهيار الليرة وتراجع ربحية الزراعات التقليدية، تحوّلت هذه المحاصيل، ولا سيما القنب، إلى مصدر سيولة سريع وربحية مرتفعة مقارنة بالقمح أو البطاطا أو الحمضيات. وهكذا، دفع الانهيار جزءاً من الزراعة نحو المحاصيل الأعلى ربحاً والأسرع قدرة على إدخال الدولار.

2. المحاصيل الأعلى قيمة والأقل ارتباطاً بالسوق المحلية

في السنوات الأخيرة، لم تتجه الزراعة اللبنانية نحو ما يطعم السوق المحلية، بل نحو المحاصيل الأعلى قيمة والأكثر قابلية للتصدير وفي مقدمها الأشجار المثمرة التي تساهم بنحو 24.2% من مجمل قيمة الإنتاج الزراعي والحيواني في لبنان.

برز الأفوكادو كأحد أبرز الرابحين. فقد توسعت المساحات المزروعة به بأكثر من 39% بين عامي 2020 و2025، فيما ارتفع إنتاجه بنسبة 56% في عام واحد فقط (2025)، وقفزت قيمة المحصول بنسبة 80% خلال عام 2025. لا يرتبط هذا الربح بالأمن الغذائي، بل بكون الأفوكادو محصولاً موجّهاً إلى أسواق التصدير وإلى فئات مرتفعة الدخل. وهكذا، بدأت الزراعة اللبنانية تتحول تدريجياً من إنتاج الغذاء الأساسي إلى إنتاج المحاصيل الأعلى ربحاً. 

الأمر نفسه ظهر في الموز والتفاح. فالموز حافظ على ربحيته بفضل التصدير إلى السوق السورية إذ شهدت القيمة الإجمالية للقطاع ارتفاعاً من 84.5 مليون دولار إلى 110.9 مليون بين عامي 2020 و2025، فيما حقق التفاح أرباحاً استثنائية بمعدل 1.13 دولار بالكيلوغرام، نتيجة ارتفاع الأسعار على الرغم من تراجع الإنتاج بسبب الصقيع، أي أن التفاح لم يربح من وفرة الإنتاج، بل من الندرة نفسها.

3. القطاعات المحمية احتكارياً

يبدو سوق الدواجن في لبنان متنوعاً ظاهرياً، لكنه فعلياً سوق شديد التركّز تتحكم به الشركات القادرة على استيراد الأعلاف وإنتاج الصيصان وامتلاك المسالخ وشبكات التوزيع.

خلال أزمة 2021–2023، تضرر القطاع بسبب تهريب الدجاج من سوريا وارتفاع كلفة الأعلاف وانهيار القدرة الشرائية. لكن الشركات الكبرى استطاعت الصمود لأنها تملك التمويل والمخزون وشبكات الاستيراد، فيما خرج عدد كبير من المربين الصغار من السوق أو تحولوا إلى منتجين تابعين للشركات الكبيرة بعقود شبه احتكارية.

وبحسب دراسة لـBlominvest Bank، تحتكر أربع شركات ما لا يقل عن نصف سوق الدواجن اللبنانية، تتصدرها Hawa Chicken بحصة تتراوح بين 25% و30% من السوق، تليها Wilco بين 12% و15%، وTanmia بين 8% و10%، فيما تأتي Shuman Group بعدها بحصة أصغر لكن مع حضور قوي في السوبرماركت والتوزيع. 

وبحلول عام 2025 بلغت القيمة الإنتاجية للقطاع نحو 433 مليون دولار، نتيجة الحماية الاحتكارية وقف التهريب من سوريا وارتفاع إنتاج لحوم الدجاج والبيض بنسبة 10%. وهكذا، لم يكن الربح نتيجة زيادة الإنتاج فقط، بل نتيجة القدرة على حماية السوق والتحكم بسلسلة الإنتاج والتوزيع. 

4. المحاصيل كثيفة الإنتاج ومنخفضة القيمة

في المقابل، كانت الزراعات المرتبطة بالسوق المحلية أكبر الخاسرين. بعد الارتفاع الكبير الذي شهدته المحاصيل الحقلية في عامي 2021 و2022، ووصولها إلى المستوى القياسي المسجّل عام 2013، عاد القطاع ليسجل تراجعاً حاداً بحلول عام 2025، نتيجة انهيار أسعار البطاطا والبصل وأزمات التسويق والتصدير.

تكمن مشكلة هذه الزراعات في أنها تنتج بكميات كبيرة وقيمتها منخفضة نسبياً، ما يجعلها شديدة الحساسية أمام التهريب أو إغلاق الحدود أو فائض الإنتاج. وهكذا، يمكن لانخفاض الأسعار أو تعثر التصدير أن يدمّر الموسم بالكامل.

شهد البصل مثلاً موسمين مزدهرين في 2022 و2023، ما دفع المزارعين إلى توسيع المساحات المزروعة من دون أي رعاية حكومية. لكن فائض الإنتاج وانخفاض الطلب الخارجي أدّيا لاحقاً إلى انهيار الأسعار وإغراق السوق المحلية. أما البطاطا، فتواجه أزمة مستمرة بسبب استيراد بطاطا منخفضة الكلفة، إضافة إلى مشاكل التصدير والحظر السعودي والحرب. وبحلول عام 2025، وصلت الأسعار إلى مستويات كارثية تهدد القطاع بأكمله. الأمر نفسه أصاب الخضار المزروعة في الحقول المكشوفة، حيث تراجعت الأسعار بنسبة 30% في شمال لبنان و75% في جبل لبنان بسبب تهريب الخضار السورية خلال موسم الحصاد ولا سيما البندورة. وهكذا، تحوّل فائض الإنتاج نفسه إلى سبب للخسارة.

5. الزراعات المتأثرة بالتغير المناخي 

لم يعد الجفاف مجرد مشكلة مناخية، بل عاملاً اقتصادياً يحدد من يربح ومن يخسر. 

تعد الحبوب أولى ضحايا الجفاف. ففي عام 2025، انخفضت المساحات المنتجة للقمح بنسبة 33% وللشعير بنسبة 55%. ولا تعني هذه الخسارة تراجع قطاع زراعي، بل تراجع قدرة لبنان على إنتاج غذائه الأساسي. فمع انخفاض ربحية الحبوب وغياب الدعم الحكومي، تراجعت جاذبية هذه الزراعات لمصلحة محاصيل أكثر ربحاً وأقل ارتباطاً بالأمن الغذائي.

كما أصاب الجفاف محاصيل أخرى مثل الصنوبر والتبغ. فقد انهار إنتاج الصنوبر من 85 طناً عام 2023 إلى 35 طناً فقط عام 2025.  على الرغم من ارتفاع القيمة الإجمالية للتبغ بسبب ارتفاع أسعار الكيلوغرام الواحد من 1.8 دولار إلى 6.2 دولار بين عامي 2020 و2025، تشهد زراعة التبغ تراجعاً مستمراً في المساحات المزروعة بلغ 12% بين عامي 2020 و2025، بسبب ضعف القدرة على الري.

6. الزراعات التي دمّرتها الحرب

الحرب بدورها لم تضرب المواسم الزراعية فقط، بل ضربت البنية الطويلة الأجل للقطاع.

تُعد أشجار الزيتون من أكثر المحاصيل تضرراً، إذ تراجع الإنتاج بنسبة 46% بين عامي 2020 و2025 نتيجة تدمير البساتين خلال الحرب، فيما تراجعت القيمة الإنتاجية بنسبة 35% بالمقارنة مع سنة الذروة في 2022. تكمن خطورة هذه الخسارة في أن الزيتون ليس محصولاً موسمياً يمكن تعويضه سريعاً، بل يحتاج إلى سنوات طويلة ليستعيد إنتاجيته.

كما تضررت الحمضيات بسبب الحرب وأزمات التصدير ما أدّى إلى تراجع حجم الإنتاج بنحو 9.2% والمساحات المزروعة بنسبة 8.1% بين عامي 2020 و2025. فيما انخفض إنتاج سمك الترويت إلى النصف بعد تدمير مزارع الأسماك على نهر العاصي العاصي خلال حرب 2023–2024، ولم تستأنف بعض المزارع نشاطها الإنتاجي، وخسر مربو النحل نحو 10% من خلاياهم في الجنوب.

لم يخلق الانهيار نموذجاً زراعياً جديداً في لبنان، بل أعاد تثبيت النموذج القديم نفسه. فالزراعة اللبنانية كانت أصلاً قائمة على المحاصيل الأعلى ربحاً والأكثر ارتباطاً بالتصدير، لا على تأمين الغذاء للسوق المحلية. بين 2020 و2022، فتح انهيار الاستيراد وارتفاع أسعار السلع الأجنبية نافذة قصيرة أمام الزراعات المحلية، بعدما لم يعد جزء كبير من اللبنانيين قادراً على شراء المنتجات المستوردة. غير أنّ هذه الفرصة لم تدم طويلاً. فبدل أن يستثمر لبنان الانهيار النقدي لتقوية الزراعات الغذائية وحماية الإنتاج المحلي، عاد القطاع سريعاً إلى تكريس النموذج نفسه: زراعة تخدم التصدير والقطاعات الأكثر ربحاً، فيما بقيت الزراعات المرتبطة بالأمن الغذائي الأضعف والأكثر هشاشة.

    ڤيڤيان عقيقي

    مديرة التحرير التنفيذية لـ«صفر».