mining

الرافعة الإنتاجية للسيادة
من يملك السلسلة؟

تغادر حمولة من كربونات الليثيوم مسطحاً ملحياً مرتفعاً في هضبة البونا، على الحدود بين الأرجنتين وتشيلي. هناك، يمضي المحلول الملحي نحو 18 شهراً يتبخّر في برك فيروزية بحجم بلدات صغيرة. ثم تعبر الحمولة جبال الأنديز إلى ميناء على المحيط الهادئ، ومنه تبحر إلى الصين. وبعد أشهر، يعود جزء من الليثيوم نفسه إلى أميركا الجنوبية، لكن ليس بوصفه مادة خاماً هذه المرة، بل خلايا داخل سيارة كهربائية مستوردة، أو بطارية ثابتة في منشأة للطاقة الشمسية، بسعر يساوي أضعاف السعر الذي غادر به. أكمل المعدن رحلته، أمّا القيمة فتوقّفت في نينغده ولم تعد.

ليست هذه قصة بلد أخفق في بناء المصانع، بل قصة من يملك السلسلة ويتحكّم في حلقاتها، أي في المسألة الإنتاجية نفسها. من هنا، تبقى نظرية التبعية الماركسية عدسة لا غنى عنها لقراءة الاقتصاد العالمي من موقع القارات الثلاث التي تنتج جانباً كبيراً من ثروته، لكنها تحتفظ بالقليل منها. وتُظهر «نسبة باران» كيف تحوّل البرجوازيات الطرفية الفائض الاقتصادي بصورة منهجية بعيداً من الاستثمار الإنتاجي، فيما يكشف «القيد المالي» كيف يتسرّب ما لا يُستثمر إلى خدمة الدين والمراجحة وهروب رأس المال.

تطرح كل ملاحظة، بصيغة مختلفة، السؤال نفسه: أين يذهب الفائض؟ لكننا سننقل السؤال خطوة إلى الأمام: إذا استطاع بلد ما أن يحتفظ بفائضه ويستثمره، فما الذي ينبغي أن يبنيه؟ ولماذا يمكن أن يعيد إنتاج التبعية نفسها إذا استثمر في الشيء الخطأ؟

مفارقة التقنية العالية

لنبدأ من واقعة لا تستوعبها حكاية التنمية كما ترويها الكتب. تصدّر المكسيك وماليزيا سلعاً عالية التقنية أكثر بكثير مما تصدّره البرازيل أو الأرجنتين. وبالمقاييس التي يحتفي بها البنك الدولي، من تعقيد الصادرات إلى حصّة التصنيع والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، فعل البلدان بالضبط ما يُطلب من اقتصادات الأطراف أن تفعله. ومع ذلك، كانت النتيجة مزيداً من التبعية، لا خروجاً منها.

في مؤشر التبعية البنيوية الذي نعتمده، تبلغ التبعية التقنية 0.87 في ماليزيا و0.75 في المكسيك، وهما من أعلى النتائج في العينة التي لا تضمّ بعد الاقتصادات الأفريقية. في المقابل، تقف الصين عند 0.39 وكوريا الجنوبية عند 0.40، مع أن البلدين يصدّران حصصاً مماثلة من السلع عالية التقنية. تتلاشى المفارقة ما إن نتوقف عن الخلط بين تصدير التكنولوجيا وإنتاجها. فالمكسيك وماليزيا تجمعان مكوّنات مستوردة في سلع نهائية تعبر الحدود مصنّفة «عالية التقنية»، فيما تُنتج الرقائق والتصاميم وبراءات الاختراع والآلات التي تصنع الآلات، وتتركّز القيمة المتولدة منها، في مكان آخر. لا يكون البلد هنا منتجاً للسلسلة بقدر ما يكون ورشة داخل مصنع يملكه آخرون.

لا يُحسم سؤال التنمية بمجرد دخول بلد ما إلى التصنيع. السؤال الأدق هو: إلى أي حد تُستبقى حلقات السلسلة وقيمتها داخل الاقتصاد الوطني، وإلى أي حد تتسرّب إلى الخارج؟

قرأ جيوفاني أريغي المدى الطويل للنظام العالمي، وسمّى هذه الظاهرة باسمها: تحويل الأنشطة الصناعية إلى أنشطة طرفية. فالتصنيع قد يمنح البلد مظهر التنمية، فيما يعيد إنتاج جوهر التبعية. المصانع موجودة، والوظائف موجودة، وأرقام التصدير مرتفعة أيضاً. ما يغيب هو السلسلة نفسها: شبكة المورّدين والمهندسين والقدرات التقنية والحلقات الأعلى قيمة، أي ما يحوّل المصنع من محطة تعبرها القيمة إلى جزء من نظام إنتاج وطني. لذلك، لا يُحسم سؤال التنمية بمجرد دخول بلد ما إلى التصنيع. السؤال الأدق هو: إلى أي حد تُستبقى حلقات السلسلة وقيمتها داخل الاقتصاد الوطني، وإلى أي حد تتسرّب إلى الخارج؟ ولا مجال أوضح لاختبار هذا السؤال من السلعة التي يتصارع عليها العالم اليوم.

أين تستقرّ القيمة

لم تعد بطاريات الليثيوم-أيون قطاعاً هامشياً في التحول الطاقي. ففي عام 2023، تجاوز حجم سوقها 235 مليار دولار، وهي تنمو اليوم بنسبة تراوح بين 15 و20% سنوياً. بهذا الحجم، أصبحت من أكبر الصناعات الناشئة، متقدّمةً من حيث القيمة على قطاعات كثيرة تحظى بحضور أوسع في صحافة الأعمال. وتستأثر المركبات الكهربائية وحدها بنحو 72% من الطلب، فيما باتت واحدة من كل 5 سيارات تُباع في العالم كهربائية.

لكن وراء هذه الأرقام مسألة أكبر. تتحوّل بطاريات الليثيوم-أيون إلى قطاع محرّك لموجة نمو طويلة جديدة: تقنية مركزية يتشكّل حولها عنقود صناعي يعيد تنظيم طور كامل من التراكم. رسم كوندراتييف الدورات الطويلة للنمو، وربطها شومبيتر بموجات الابتكار، قبل أن يعيد إرنست ماندل صياغة الفكرة في إطار ماركسي. والخلاصة أن الاقتصادات التي تسيطر على القطاع المحرّك تميل إلى احتلال موقع مهيمن في الحقبة التي يصنعها. خلال معظم القرن العشرين، لعبت السيارة هذا الدور، ومعها النفط وخطوط التجميع وشبكات المورّدين. ومن الولايات المتحدة إلى ألمانيا واليابان وكوريا، تشكّل الهرم الصناعي للعصر حول القدرة على إنتاج السيارات وبناء القاعدة الصناعية التي تغذّيها. اليوم، يبدو أن تقنيات الطاقة الجديدة تُنتج خليفة لهذا القطاع، وأن بطاريات الليثيوم-أيون تقع في قلبه: عنقوداً مما تسمّيه كارلوتا بيريز «نموذجاً تقنياً-اقتصادياً»، ويمكن قراءته، مع أريغي، بوصفه جزءاً من إعادة تنظيم دورة التراكم على مستوى النظام العالمي.

بالنسبة إلى اقتصادات الأطراف، ليست المسألة نظرية. فالاقتصاد الذي يُقصى عن القطاع المحرّك لموجة طويلة، يخسر الهندسة والمورّدين والخبرات والمعرفة الصناعية التي تتراكم حولها، ثم يقضي العقود التالية مستورداً ما لم يطوّر القدرة على إنتاجه.

ثمّة قيمة ضخمة يمكن اقتناصها في هذا القطاع. والسؤال هو: أين تقع هذه القيمة في السلسلة، ومن يملك حلقاتها؟ تتركّز قيمة البطارية أساساً في الخلية، التي تمثّل نحو 79% من قيمتها الإجمالية. أما التجميع النهائي لحزمة البطارية، وهو الحلقة الأكثر ظهوراً والأكثر شبهاً بالمصنع التقليدي، فلا يمثّل سوى نحو خُمس القيمة، وحصته آخذة في التراجع. وداخل الخلية نفسها، تستحوذ المواد الفعّالة، ولا سيما المهبط، على ما بين 53 و61% من الكلفة.

هنا يظهر الموقع الذي غالباً ما يُدفع إليه الطرف: الاستخراج في بداية السلسلة، والتجميع في نهايتها. وهما من الحلقات الأقل استحواذاً على القيمة. أما الحلقات الأعلى قيمة فتقع في الوسط، حيث يتحوّل الخام إلى مواد المهبط والمصعد، ثم إلى خلايا. وهذا تحديداً هو الجزء الذي قرّرت الصين امتلاكه.

إذا تتبعنا حصة الصين في السلسلة، حلقة بعد أخرى، تظهر استراتيجية يصعب تفسيرها بمنطق الميزة النسبية وحده. فالصين لا تملك سوى أقل من 7% من احتياطيات الليثيوم العالمية، ولا تستخرج سوى أقل من خُمس المادة الخام. أي إنها لا تبدأ من المورد. لكن حصتها ترتفع كلما انتقلت السلسلة من المادة الخام نحو الحلقات الأعلى قيمة: نحو 65% من تكرير كربونات الليثيوم، مقابل 15% في تشيلي و8% في الأرجنتين، ما يعني أن جزءاً كبيراً من المادة المستخرجة من المثلث الملحي يُكرَّر خارجه. وتملك الصين أيضاً نحو 85% من مواد المهبط، و95% من مواد المصعد، و80% من الإلكتروليتات، و75% من الفواصل، و83% من الخلايا الجاهزة، وأكثر من 80% من القدرة الإنتاجية العالمية، بطاقة تفوق طلبها المحلي بأكثر من 300%. وحتى الغرافيت الكروي المستخدم في المصعد يُكرَّر فيها لتزويد السوق العالمية.

ليست هذه قصة عمل رخيص أو مورد طبيعي موروث، بل صعود مخطّط داخل الحلقات الأعلى قيمة: حضور محدود نسبياً عند بداية السلسلة، وهيمنة تكاد تكتمل كلما اقتربنا من مركزها الصناعي والتقني.

وهذه الميزة لم ترثها الصين، بل صنعتها. بين عامي 2010 و2024، هبط سعر حزمة البطارية من 1,391 دولاراً إلى 131 دولاراً لكل كيلوواط-ساعة، أي بأكثر من 90%. لم يكن هذا الانخفاض ثمرة السوق وحدها، بل نتاج التوسّع الهائل في الإنتاج وتراكم الخبرة الصناعية، بما خفّض الكلفة ورفع الكفاءة، ولا سيما في بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم الأرخص والخالية من الكوبالت، حيث عجز المنافسون في كوريا والولايات المتحدة وأوروبا عن مجاراة الصين.

لم تعثر الصين على ميزة نسبية جاهزة في صناعة البطاريات كي تستثمرها. اختارت القطاع، ووجّهت إليه الائتمان والبحث والاستثمار، وتحمّلت سنوات من فائض القدرة الإنتاجية، وراكمت المعرفة والمهارات حتى تحوّلت الميزة المصنوعة سياسياً إلى واقع اقتصادي يبدو اليوم كأنه طبيعي. لم تصنع السوق هذه النتيجة وحدها؛ صنعها أيضاً قرار سياسي وصناعي طويل النفس.

وعند جمع هذه النتائج، تختصر رحلة الليثيوم القصة كلها. المعدن موجود في مثلث الليثيوم، وفي مناطق أخرى مثل أستراليا، لكن القسم الأكبر من القيمة يستقر في الصين. يتبخّر المحلول الملحي في سهول أتاكاما والبونا، ويخرج مادة أولية، ثم يعود، إن عاد، خليةً جاهزة بسعر لم يستطع البلد المصدّر اقتناص الجزء الأكبر منه.

هنا يظهر البعد الإنتاجي للتبعية داخل سلاسل القيمة العالمية بأوضح صوره. فمثلث الليثيوم لا يفتقر إلى المورد؛ بل يملك نحو نصف الإمداد العالمي. ما يفتقر إليه هو السلسلة: المصافي، ومصانع المهبط والإلكتروليتات، والمصانع العملاقة، والمهندسون، وشبكات المورّدين، والطلب المحلي القادر على جرّ هذا البناء الصناعي إلى الداخل. وكل حلقة غائبة تعني خروج جزء من القيمة والعمل والتعلّم والفائض من الاقتصاد الوطني.

الاستخراج من دون بناء السلسلة يعيد، في القرن الحادي والعشرين، منطق فضة بوتوسي: تُستخرج الثروة في مكان، فيما تتراكم القيمة والقدرة في مكان آخر. تغيّر المعدن، وبقيت البنية.

دورة ماريني المبتورة

لماذا يتكرر ذلك من سلعة إلى أخرى؟ أجابت نظرية التبعية عن هذا السؤال قبل 50 عاماً، بلغة أكثر حدّة مما قدّمه اقتصاديو النمو لاحقاً. وصف روي ماورو ماريني دورة رأس المال في الاقتصاد التابع بأنها «دورة مبتورة». في صيغتها الكلاسيكية، يتحول المال إلى وسائل إنتاج وقوة عمل، ثم إلى سلع تُباع بمال أكثر. وتقع اللحظة الحاسمة في الإنتاج: هناك تُخلق القيمة، وهناك إما تتكثّف البنية الإنتاجية للاقتصاد الوطني أو تبقى هشة ومجزأة.

في الاقتصاد الأكثر سيادة، تميل الدورة إلى الانغلاق داخلياً: يعود جزء أكبر من الفائض الناتج من الإنتاج إلى الإنتاج نفسه، ويتكاثر المورّدون، وتتراكم القدرات، وتخرج البنية الإنتاجية من كل دورة أكثر تماسكاً. أما في الاقتصاد التابع، فتنفتح الدورة على الخارج. تأتي المدخلات من الخارج بدلاً من أن تُنتج محلياً، وتتركز الحلقات الأعلى قيمة خارج البلد، ويتسرّب الفائض عبر تحويل الأرباح والقنوات المالية التي تناولتها الملاحظة السابقة. ويضاف إلى ذلك واقع أكثر بساطة: أن الأجزاء الأكثر ربحية من السلسلة تقع أصلاً في اقتصادات أخرى وتملكها شركات أخرى.

هنا يظهر الموقع الذي غالباً ما يُدفع إليه الطرف: الاستخراج في بداية السلسلة، والتجميع في نهايتها. وهما من الحلقات الأقل استحواذاً على القيمة. أما الحلقات الأعلى قيمة فتقع في الوسط، حيث يتحوّل الخام إلى مواد المهبط والمصعد، ثم إلى خلايا

هنا تبرز أيضاً مسألة ما سمّاه ألبرت هيرشمان «الروابط الإنتاجية». فالصناعة، حين تتجذّر داخل الاقتصاد، تستدعي حولها صناعات وأنشطة أخرى: مورّدين في حلقات ما قبل الإنتاج، وخدمات وصناعات في الحلقات اللاحقة. أما في الاقتصاد التابع، فلا تتكوّن هذه الروابط بالقدر نفسه، أو تتكوّن خارج حدوده. وهكذا قد يبدو الاقتصاد كأنه يتصنّع، فيما تبقى بنيته الإنتاجية مفككة.

لذلك، لا تكمن المشكلة في معدل الاستثمار وحده، خلافاً لما قد توحي به الملاحظة السابقة. يمكن لبلد أن يحافظ على معدل استثمار مرتفع نسبياً، وأن يظلّ يضخ رأس المال في جيوب إنتاجية معزولة لا ترتبط ببقية الاقتصاد. فالماكويلا، مثلاً، لا تعاني بالضرورة نقصاً في الاستثمار بقدر ما تعاني نقصاً في الروابط التي تجعل الاستثمار يولّد قدرات جديدة خارج المصنع نفسه.

من هنا، لا تكون الرافعة الحقيقية مجرد زيادة الاستثمار، بل إعادة وصل الدورة: بناء الحلقات الناقصة، وتوطين أكبر قدر ممكن من المدخلات والمعرفة والمورّدين، وتحويل موقع التجميع من جيب منفصل إلى جزء من نظام إنتاج مترابط. لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا ينتج البلد؟ السؤال الأدق هو: ماذا يولّد هذا الإنتاج حوله، وإلى أي حد يربط أجزاء الاقتصاد بعضها ببعض؟

فكّ الارتباط معكوساً

عند هذه النقطة، يحتاج التراث إلى تحديث، لا إلى تكرار. قدّم سمير أمين المفهوم الاستراتيجي: فكّ الارتباط. والبداية الضرورية هي توضيح معناه. لا يعني فكّ الارتباط الاكتفاء الذاتي أو الانغلاق، بل إخضاع العلاقات الخارجية لمنطق التنمية الداخلية، وقلب علاقة التبعية بحيث يتعامل الاقتصاد مع العالم وفق أولوياته، بدلاً من أن يعيد تنظيم بنيته الإنتاجية حول حاجات المركز. المسألة، إذاً، هي من يحدّد الأولويات، لا الانسحاب إلى ما وراء جدار.

صاغ أمين مفهوم فكّ الارتباط في ثمانينيات القرن الماضي، في لحظة كان فيها مشروع العالم الثالث يتفكّك من حوله، ولذلك حمل المفهوم شيئاً من معنى الانسحاب من اقتصاد عالمي معادٍ. لكن القرن الحادي والعشرين يفرض قراءة مختلفة. لم تفكّ الصين ارتباطها بالخروج من الاقتصاد العالمي، بل بتغيير شكل انخراطها فيه. وبهذا المعنى، استحوذت على السلسلة التي تركتها المكسيك تعبر أراضيها. هذا هو فكّ الارتباط معكوساً: انخراط في الاقتصاد العالمي يعيد بناء الاقتصاد الوطني بدلاً من أن يستنزفه.

تكوّنت هذه الاستراتيجية من أدوات واضحة: قيود على حركة رأس المال تحدّ من تسرّب الفائض؛ وشروط لنقل التكنولوجيا مقابل دخول المستثمرين الأجانب إلى السوق؛ وملكية عامة للمفاصل الاستراتيجية تحول دون فقدان الحلقات الحساسة؛ وائتمان موجّه وطويل الأجل من مصارف الدولة نحو القطاعات التي أرادت الصين امتلاكها؛ وانخراط انتقائي ومشروط في الأسواق العالمية، بدلاً من الانفتاح غير المشروط الذي وصفه صندوق النقد للأطراف. وقد بيّنت إيزابيلا ويبر كيف كان هذا التكييف للانخراط، لا رفضه، في قلب نجاة الصين من «العلاج بالصدمة» الذي دمّر قطاعات واسعة في اقتصادات أخرى. وفي الخلفية تحضر مفارقة ها-جون تشانغ: البلدان الغنية تحرم المتأخرين اليوم من الأدوات نفسها التي استخدمتها في صعودها. صعدت السلّم، ثم أزاحته خلفها.

ولم يأتِ هذا المسار ارتجالاً، بل كُتب في خطة بعد أخرى. ففي عام 2011، وقبل أن تصبح الهيمنة الصينية على البطاريات حقيقة قائمة، وضعت الخطة الخمسية الثانية عشرة مركبات الطاقة الجديدة والطاقة الجديدة والمواد الجديدة ضمن «الصناعات الناشئة الاستراتيجية» التي ستعمل الدولة على بنائها. ووجّهت صناعة المركبات نحو السيارات الهجينة القابلة للشحن والكهربائية الخالصة، وأنشأت أدوات تمويل حكومية لدعمها.

وبعد 5 سنوات، رفعت الخطة الخمسية الثالثة عشرة سقف الطموح. وضعت هدفاً لأن تبلغ مساهمة الصناعات الناشئة الاستراتيجية 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وحدّدت في قطاع المركبات الكهربائية أحد المتغيرات التي ستصبح لاحقاً في صلب المنافسة العالمية: كثافة طاقة البطارية. وأضافت استرداد البطاريات المستعملة وإعادة تدويرها، أي «الفرصة الثانية» التي سيعود إليها النص لاحقاً.

في الخطتين اللاحقتين، انتقلت الصين من تحديد القطاع إلى تحصين السلسلة نفسها. ففي عام 2021، جعلت الخطة الخمسية الرابعة عشرة «استكمال السلسلة وتقويتها» هدفاً مباشراً للسياسة الصناعية، وسعت إلى رفع تنافسية سلسلة الطاقة الجديدة بكاملها، وبناء سلاسل توريد أعلى قيمة وأكثر أمناً، وإنشاء نظام إنذار مبكر لإمدادات الموارد الحرجة عالمياً.

لا تكون الرافعة الحقيقية مجرد زيادة الاستثمار، بل إعادة وصل الدورة: بناء الحلقات الناقصة، وتوطين أكبر قدر ممكن من المدخلات والمعرفة والمورّدين، وتحويل موقع التجميع من جيب منفصل إلى جزء من نظام إنتاج مترابط

أما الخطة الخمسية الخامسة عشرة، المعتمدة في آذار/مارس 2026، فتدفع المنطق خطوة أخرى إلى الأمام. فهي تفتح مساراً للبطاريات الجديدة النمط، من مواد الأقطاب عالية السعة إلى الإلكتروليتات عالية التوصيل ومجمّعات التيار المركّبة، أي إلى التخوم الكيميائية التالية للخلية، وتضع ذلك ضمن هدف صريح برفع استقلالية السلسلة الصناعية والقدرة على ضبطها. وفي الوقت نفسه، تعمل على تأمين المدخلات التي تغذّيها، من احتياطيات المعادن الاستراتيجية إلى الأتربة النادرة والمعادن النادرة، وصولاً مجدداً إلى إعادة تدوير بطاريات الطاقة المستهلكة.

سمّت الصين القطاع، وحدّدت الهدف، وأمّنت المدخلات، ثم دفعت التخوم التقنية إلى الأمام. وعلى امتداد 4 خطط خلال 15 عاماً، ظلّ الاتجاه واحداً. وما يظهر اليوم في بعض الأدبيات الاقتصادية بوصفه «ميزة نسبية» صينية في البطاريات، كان في الواقع هدفاً سياسياً وصناعياً مكتوباً قبل أن تتحول هذه الميزة إلى واقع. لذلك لا تبدو الخطط، عند قراءتها إلى جانب صعود الصين وانهيار الأسعار، مجرد خلفية للمسار؛ إنها أقرب إلى خريطة بنائه. فالحلقات التي صعدت إليها الصين في السلسلة كانت قد حدّدتها قبل أن تهيمن عليها.

تقدّم سلسلة الليثيوم بذلك مثالاً عملياً على تحديث فكرة فكّ الارتباط. لم تنتظر الصين أن تمنحها السوق ميزة نسبية في البطاريات؛ صنعت هذه الميزة. استخدمت معادن الخارج واستثماراته وأسواقه لبناء قدرة إنتاجية داخلية، حلقة بعد أخرى، حتى استحوذت على معظم السلسلة. بهذا المعنى، لم يكن فكّ الارتباط رفضاً لليثيوم القادم من المثلث، بل ضماناً بأن يُكرَّر في الصين، وأن يتحول فيها إلى مواد مهبط ومصعد وخلايا، وأن تستقر فيها الحصة الأكبر من القيمة والأرباح والتعلّم الصناعي.

هنا تنقلب العلاقة التي تحكم الأطراف: هي تصدّر الخام ثم تستورد السلعة المركّبة؛ أما الصين فتستورد الخام لكي تملك كل ما يقع بينه وبين السلعة النهائية.

فخّان لا فخّ واحد

تسارع السردية السائدة إلى اختزال المسألة في حكاية أخلاقية عن بلدان «فشلت في التصنيع»، أو في صيغة أكثر تهذيباً تقابل بين مؤسسات جيدة وأخرى رديئة. هذا هو الإطار الذي اشتهر به دارون أكيموغلو وجيمس روبنسون: أمم تبني مؤسسات شاملة فتزدهر، وأخرى تحكمها مؤسسات استخراجية فتتراجع أو تركد. غير أن المؤشر ينقل السؤال إلى موضع آخر. فالفارق بين المكسيك والصين لا يُختزل في ثنائية النزاهة والفساد، بل يقع داخل السلسلة نفسها: أي موقع يشغله البلد فيها، وهل يسعى إلى اقتناص حلقاتها الأعلى قيمة أم يترك القيمة تعبره. المؤسسات مهمة بوصفها أدوات لتنفيذ هذا الخيار، لا بديلاً منه. لذلك تقول البيانات شيئاً أدق من كلمة «فشل»: الأطراف محاصرة بفخّين مختلفين، ولكل منهما مخرج مختلف.

الفخّ الأول هو فخّ عقدة التجميع، وتمثّله بوضوح المكسيك وماليزيا وتايلاند. تصدّر هذه الاقتصادات سلعاً متطوّرة، لكن السلسلة تمرّ عبرها من طرف إلى آخر من دون أن تتجذّر فيها. الإنتاج حقيقي، لكن جزءاً كبيراً من القيمة يُخلق خارجها، ولذلك تبلغ تبعيتها التقنية مستويات مرتفعة. تظهر هذه البصمة إحصائياً في حصة القيمة الأجنبية المضمّنة في الصادرات: فنحو ثلث القيمة الإجمالية لصادرات المكسيك وماليزيا يُنتج في الخارج قبل أن يدخل البلدين للتجميع، في مقابل نحو السدس في الصين. هكذا تبدو هذه الاقتصادات شديدة الحداثة من حيث ما تصدّره، فيما تبقى شديدة التبعية من حيث ما تملكه من عملية إنتاجه. والمخرج، كما في حالة الليثيوم، هو اقتناص الحلقات الأعلى قيمة: فرض شروط على المستثمرين، وبناء شبكة مورّدين محليين، وتجذير السلسلة في الداخل، ورفع حصة القيمة المضافة المحلية في الصادرات التي ينتجها البلد أصلاً.

أما الفخّ الثاني فهو فخّ المصفوفة الراكدة، وتمثّله البرازيل. فتبعية البرازيل التقنية أدنى بكثير من تبعية اقتصادات التجميع: 0.40 في عام 2023، مقابل 0.75 في المكسيك. ويرجع ذلك إلى أن البرازيل بنت، خلال القرن العشرين، مصفوفة صناعية مكتملة نسبياً؛ فهي ليست اقتصاد ماكويلا. لكن صورة اللحظة تخفي ما يكشفه المسار الطويل. فقد ارتفع المؤشر من 0.25 في التسعينيات إلى 0.40، فيما كانت القاعدة الصناعية تتآكل تدريجياً بفعل ضعف الاستثمار، وتراجع الإنتاجية، والعودة إلى التخصص في السلع الأولية، مع توسّع الصويا وخام الحديد على حساب قطاعات أكثر تعقيداً. وفي السنوات نفسها، كانت الصين تتحرك في الاتجاه المعاكس، من 0.60 إلى 0.39. وصل البلدان اليوم إلى مستوى متقارب، لكن من مسارين متعاكسين: البرازيل صعدت في التبعية بفعل التآكل، والصين هبطت فيها بفعل البناء.

وتعمل تبعية البرازيل عبر قنوات أخرى: البنية الإنتاجية، والتوزيع، وتحويل الفائض الذي تناولته الملاحظات السابقة، لا عبر التجميع وحده. لذلك لا تحتاج البرازيل إلى بناء سلسلة لم توجد من قبل، بقدر ما تحتاج إلى إعادة تنشيط سلسلة قائمة والدفاع عنها: وقف الانزلاق نحو التخصص الأولي، واستعادة الاستثمار والكثافة التقنية التي سمحت عقود من السياسات النيوليبرالية بتآكلها. وهذا يتطلب، كما بيّنت ملاحظة سابقة، الاحتفاظ بالفائض وتوجيهه وطنياً.  طرفٌ يحتاج إلى بناء السلسلة، وطرفٌ آخر يحتاج إلى وقف تفككها. لكن الشرط في الحالتين واحد: قدرة سياسية على دفع البنية الإنتاجية في اتجاه لا يضمنه السوق تلقائياً، وضد مصالح القوى التي تستفيد من بقائها ضعيفة.

أين لا تزال السلسلة مفتوحة

لو انتهت الحجة عند هذا الحد، لتحوّلت إلى خطاب يائس: الحلقات الأعلى قيمة حُجزت، والباب أُغلق، ولم يبقَ للأطراف سوى القبول بدورها في تصدير المُركّزات. لكن سلسلة البطاريات لم تستقرّ نهائياً بعد. لا تزال فيها منافذ واضحة يمكن تحديدها، وهنا تتحوّل الرافعة الإنتاجية من شعار عام إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ.

لنبدأ بما هو على المحك. بنى جزء واسع من اقتصادات شبه الأطراف قاعدته الصناعية حول سيارة محرّك الاحتراق الداخلي، أي القطاع المحرّك للموجة الطويلة السابقة، ومعه شبكة كثيفة من مصانع القطع والمكوّنات والتجميع. يدخل هذا القطاع اليوم في تراجع بنيوي، فيما تصعد السيارة الكهربائية العاملة بالبطارية بوصفها أحد القطاعات المحرّكة للموجة التالية، وقد باتت تقترب من سيارة واحدة من كل 5 سيارات تُباع في العالم. لذلك يقف الاقتصاد الذي بنى تصنيعه حول نواة الموجة السابقة أمام خيار قاسٍ مع صعود الموجة الجديدة: إعادة التحويل الصناعي أو التقادم. فالوقوف في المكان ليس حياداً؛ وما كان قاعدة صناعية متقدّمة في حقبة تقنية قد يتحوّل إلى قاعدة عالقة في الحقبة السابقة.

لم تنتظر الصين أن تمنحها السوق ميزة نسبية في البطاريات؛ صنعت هذه الميزة. استخدمت معادن الخارج واستثماراته وأسواقه لبناء قدرة إنتاجية داخلية، حلقة بعد أخرى، حتى استحوذت على معظم السلسلة

لكن السلسلة ليست مغلقة بالكامل. صحيح أن التركز شديد في نواة صناعة خلايا السيارات، لكنه يضعف في حلقات أخرى. وهنا تحديداً يمكن لدولة ذات موارد رأسمالية محدودة، لكن بسياسة صناعية واضحة، أن تقتنص موقعاً في السلسلة.

المدخل الأول هو التخزين الثابت، أي بطاريات الشبكات والمنشآت لا بطاريات السيارات. وهو الجزء الأسرع نمواً في السوق، بعدما قفزت قدرته العالمية 77% في عام واحد، كما أنه أقل تركّزاً من حلقات أخرى: حصة الصين فيه أقرب إلى 55%، لا إلى مستويات 80 أو 90% التي تبلغها في أجزاء أخرى من السلسلة. ويعتمد التخزين الثابت بدرجة كبيرة على بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP)، وهي كيمياء لا تحتاج إلى الكوبالت أو النيكل وتتلاءم مع البلدان التي تملك الحديد والليثيوم. كما أن متطلبات رأس المال والدقة التقنية فيه أدنى من تلك المطلوبة للمنافسة في خلايا السيارات.

المدخل الثاني هو إعادة التدوير. فمع وصول الموجة الكبرى الأولى من البطاريات إلى نهاية عمرها، ستوفّر المواد المستردّة حصة متزايدة من الليثيوم والكوبالت والغرافيت التي تحتاجها الصناعة. وتتيح هذه الحلقة دخولاً أقل كلفة وتعقيداً من التصنيع الأولي، بالاستناد إلى مورد يتولّد محلياً من البطاريات المستهلكة بدلاً من الاعتماد الكامل على المواد المستوردة.

أما المدخل الثالث فهو التنقّل الخفيف: الدراجات والسكوترات الكهربائية، وهي سوق تشبّعت بها الصين نسبياً لكنها لا تزال أكثر تجزؤاً وأقل احتكاراً من سوق السيارات الكهربائية. وقد تبلغ قيمتها نحو 360 مليار دولار في نهاية العقد. وهي أيضاً ملائمة لكيمياء فوسفات الحديد والليثيوم، ويمكن دخولها باستثمارات صناعية تراوح بين 10 و50 مليون دولار، لا بمصانع عملاقة تحتاج إلى ما بين 1 و3 مليارات دولار للمنافسة في خلايا السيارات.

لا تقوم هذه الاستراتيجية على محاولة منافسة CATL مباشرة في قلب السوق. فالرافعة الإنتاجية لدولة طرفية لا تبدأ باقتحام الحلقة الأكثر تحصيناً، بل باقتناص الحلقات التي لم تُغلق بعد: تكرير الليثيوم محلياً بدلاً من تصدير المحلول الملحي، وبناء صناعة للتخزين الثابت تستند إلى فوسفات الحديد والليثيوم، وتطوير قدرات في إعادة التدوير والتنقّل الخفيف.

والأهم أن هذه الحلقات ليست منفصلة. كل حلقة تُبنى تخلق قدرات ومورّدين ومعرفة يمكن استخدامها للصعود إلى الحلقة التالية. عندها يصبح «فكّ الارتباط معكوساً» سياسة ملموسة: لا الخروج من سلسلة البطاريات، بل الدخول إليها من المواضع التي ما زالت مفتوحة. 

أكثر من القيمة: العمل والطاقة

لا تكفي حجة اقتناص القيمة وحدها، لأنها أضيق مما هو مطروح فعلاً. فالقيمة التي تبقى في الداخل لا تتحوّل إلى أرباح فقط، بل إلى عمل أيضاً. وروابط هيرشمان الإنتاجية تعني، في نهاية المطاف، أناساً يعملون. توظّف الماكويلا عمّال تجميع، مع عدد محدود من الوظائف المحيطة بهم. أما حين تتجذّر السلسلة داخل البلد، فتتّسع خريطة العمل: عمّال مناجم وتكرير، ومهندسو مواد، وفنّيو خلايا، ومصنّعو معدات، وعمّال إعادة تدوير، إلى جانب شبكة من المورّدين والخدمات تنمو حول كل حلقة. وهذا عمل أعلى مهارة وأفضل أجراً، ويتضاعف أثره عبر بقية الاقتصاد.

وحجم الفارق كبير. فبلد نامٍ يبني السلسلة بجدية قد ينتقل من أقل من 10,000 وظيفة تقنية متخصّصة اليوم إلى ما بين 50,000 و100,000 وظيفة بحلول عام 2030، من دون احتساب العمالة غير المباشرة لدى المورّدين وفي الخدمات. لذلك لا يكمن الفرق بين تجميع البطاريات وصناعتها في مقدار القيمة المقتنصة فقط، بل في عدد الوظائف التي تولّدها الصناعة وفي نوع العمل الذي تخلقه.

وثمّة عائد آخر لا تلتقطه المقاربة المحكومة بالتصدير، فيما تحتلّه الخطط الخمسية الصينية بوضوح. فالبطارية ليست فيها منتجاً موجهاً إلى الأسواق الخارجية فقط، بل ركيزة في نظام الطاقة الوطني. تربط الخطة الخمسية الرابعة عشرة تقنيات تخزين الطاقة الجديدة بقدرة النظام على استيعاب الطاقة النظيفة، وعلى تنسيق «المصدر، والشبكة، والحِمل، والتخزين» ضمن بنية واحدة. أما الخطة الخمسية الخامسة عشرة، فتضع تقنيات التخزين الجديدة والخلايا الشمسية الجديدة في صلب منظومة طاقة من الجيل الجديد.

وعند إسقاط ذلك على اقتصاد طرفي، تتضح المسألة أكثر. تعاني معظم بلدان الجنوب العالمي عجزاً طاقياً خارجياً مزمناً: تستورد الوقود، وتسدّد كلفته بالعملات الصعبة، وتزداد بذلك هشاشتها تجاه الخارج. لذلك فإن بناء سلسلة محلية للطاقات المتجددة والتخزين والتنقّل الكهربائي لا يقتنص القيمة ويولّد العمل فقط، بل يخفّض أيضاً فاتورة استيراد الوقود ويضرب واحداً من جذور التبعية. البطارية هنا ليست سلعة صناعية فحسب؛ إنها أيضاً أداة من أدوات السيادة الطاقية.

من هنا، لا تكفي عبارة «الارتقاء الصناعي» لوصف الرافعة الإنتاجية. فعندما تُدفع إلى مداها الكامل، تحرّك 3 عناصر معاً: القيمة، والعمل، والاستقلال الطاقي. وكل عنصر يعزّز الآخر. وهذا التلاقي هو ما يجعل سلسلة البطاريات أكثر من سياسة لقطاع واحد؛ إنها مسألة تنمية سيادية، لأنها من المسارات القليلة التي تكثّف البنية الإنتاجية، وتولّد العمل، وتخفّف القيد الطاقي في الوقت نفسه.

وعند هذه النقطة يزداد السؤال السياسي حدّة: مكاسب بهذا الحجم تهدّد حتماً مصالح من يربحون من بقاء الوضع كما هو.

الرافعة لا تتحرّك وحدها

هنا نصل إلى القلب السياسي للمسألة. لا يصنع السوق هذا التحوّل من تلقاء نفسه. قال السوق لمثلث الليثيوم: صدّر المحلول الملحي، فصدّره. وقال للمكسيك: جمّعي المكوّنات، فجمّعتها. وحين تُترك الميزة النسبية تعمل وحدها، تتحوّل إلى آلية تثبّت الأطراف في الموقع الذي تشغله أصلاً. تبدو مبرهنة ريكاردو أنيقة في كتب الاقتصاد، لكنها تُقرأ، من موقع الأطراف، كحُكم. فلا تنغلق السلسلة بإشارات الأسعار، ولا بقواعد التجارة، ولا برغبة المستثمرين الأجانب. تنغلق حين تقرّر دولة أن تدفعها إلى الانغلاق، في مواجهة من يستفيدون من بقائها مفتوحة.

كل حلقة تُبنى تخلق قدرات ومورّدين ومعرفة يمكن استخدامها للصعود إلى الحلقة التالية. عندها يصبح «فكّ الارتباط معكوساً» سياسة ملموسة: لا الخروج من سلسلة البطاريات، بل الدخول إليها من المواضع التي ما زالت مفتوحة

عند هذه النقطة تعود أطروحة سمير أمين الأشد صرامة، والتي يصعب على اقتصاديات التنمية السائدة استيعابها لأنها تحليل طبقي، لا مجرد وصفة للسياسات. فالبرجوازية الكومبرادورية لن تشدّ هذه الرافعة. فرأس المال الذي يربح من تصدير المعدن، وتشغيل مصانع التجميع، واستيراد السلعة النهائية وبيعها بهامش ربح، يستفيد من بقاء السلسلة مفتوحة كي يواصل التراكم. ولذلك لا تنشأ لديه بالضرورة مصلحة في بناء المصافي ومصانع المهبط، أو في فرض نقل التكنولوجيا وتوطين الحلقات الأعلى قيمة. فمثل هذا التحوّل يعيد ترتيب مواقع الربح والقوة التي يقوم عليها تراكمه. وقد تتحدث هذه البرجوازية بلغة التكنوقراطية النيوليبرالية أو حتى بلغة التنمية الوطنية، من دون أن تقود استدخالاً فعلياً للدورة الإنتاجية ضمن أفق سيادي وتحرّري.

ذلك يحتاج إلى كتلة اجتماعية أخرى: قوى ترى مصلحتها في اقتصاد وطني أكثر كثافة وترابطاً، وتنفتح في الوقت نفسه على مسار إقليمي، وتملك القدرة على مواجهة القوى التي تستفيد من إبقاء الاقتصاد رقيقاً وهشاً.

هكذا تحتاج الرافعة الإنتاجية إلى أمرين معاً: الأداة، واليد التي تشدّها. الأداة هي بنية السياسات التي تكشفها التجربة الصينية وسلسلة الليثيوم بوضوح: قيود على حركة رأس المال، واستثمار أجنبي مشروط، وملكية عامة للحلقات الاستراتيجية، وائتمان موجّه، واقتناص طويل النفس للحلقات الوسطى الأعلى قيمة. أما اليد، فهي دولة تملك من الاستقلالية ومن القاعدة الاجتماعية ما يسمح لها باستخدام هذه الأدوات في مواجهة المصالح التي تنمو داخل التبعية وتعيش منها.

وقد فتحت اللحظة الانتقالية الراهنة مساحة أوسع للتعاون جنوب-جنوب ولأشكال بديلة من التمويل، كما وفّر الطلب والتكنولوجيا الصينيان للأطراف إمكانات لم تكن متاحة بالقدر نفسه سابقاً. لكن التعددية القطبية تمنح فرصة، لا قراراً. سيبقى الليثيوم يغادر السهل الملحي مادة أولية ما لم تظهر قوة قادرة على اتخاذ قرار مختلف.

في النهاية، لا تتعلق المسألة بالليثيوم وحده. فسلسلة البطاريات ليست إلا مثالاً عملياً على المهمة القديمة نفسها التي واجهتها الأطراف: تحويل مكمن، أو محصول، أو منصة للعمل الرخيص، إلى نظام إنتاج مترابط يحتفظ في الداخل بجزء أكبر من القيمة التي يخلقها، وبالقدرة على مواصلة خلقها. بدأ النص بحمولة كربونات الليثيوم تغادر البونا، وبقيمة خرجت ولم تعد. ودارت الحجة كلها حول الشرط الذي يسمح لهذه القيمة بالبقاء: بناء السلسلة في الداخل، بصبر، حلقة بعد أخرى.

يجعل الليثيوم هذا الدرس مرئياً فحسب. فالسؤال نفسه ينتظر خلف النحاس، والصويا، وكل سلعة ما زالت القارات الثلاث تصدّرها خاماً ثم تشتريها مصنّعة. من يملك السلسلة؟ ومن يملك القدرة على بنائها؟

أجابت هذه الملاحظة عن نصف السؤال. حدّدت الرافعة، وبيّنت، من خلال سلعة واحدة، أين يمكن استخدامها. أما ما لم تحسمه فهو: من يستطيع الإمساك بها؟ وهذا هو سؤال الملاحظة التالية: قدرة الدولة، والقوى الطبقية التي تتحرّك عبرها، على تحويل القيد البنيوي إلى مشروع تنموي، وعلى شدّ رافعة لن يشدّها السوق من تلقاء نفسه.

نُشِر هذا المقال في 25 أيار/مايو 2026 في Tricontinental Political Economy بموجب رخصة المشاع الإبداعي. 

    إميليانو لوبيز

    باحث في المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية في جامعة لا بلاتا الوطنية، وكبير الاقتصاديين في «تريكونتيننتال: معهد البحوث الاجتماعية».

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة