trump

بمَن تفتك العقوبات الاقتصادية على إيران؟

بعد تسرّب أخبار فشل المحادثات الأميركية-الإيرانية في إسلام أباد؛ نشرَ روبن بروكس، خبير العملات لدى «بنك غولدمان ساكس» ورئيس قسم الاقتصاد السابق في «معهد التمويل الدولي»، تدوينة على منصة «سبستاك» يحثّ فيها الإدارة الأميركية على عدم تكرار خطئها في أوكرانيا؛ إذ يرى بروكس أن تردّد الولايات المتّحدة في فرض حصار اقتصادي كامل على موسكو قد تسبّب في إطالة أمد الحرب، لذا عليها هذه المرة أن تتحرك مبكراً، ومن دون خوف من ارتفاع أسعار النفط، وأن تحاصر الموانئ الإيرانية، متعلّلاً بأن حصاراً مشدّداً للموانئ الإيرانية المطلة على الخليج سيدفع بالاقتصاد الإيراني، الذي تمثّل الصادرات النفطية 15% من ناتجه المحلي، إلى الانهيار.

في واقع الأمر، تعاني إيران حصاراً اقتصادياً منذ أكثر من 40 عاماً؛ وبحسب مشروع «إعادة التفكير في إيران» التابع لجامعة جونز هوبكنز، فإن إيران تُعدّ الدولة الأكثر تعرّضاً للعقوبات في التاريخ، إذ شهدت موجات متتالية من العقوبات، سواء أحادية الجانب أو متعددة الأطراف، منذ عام 1951. كما أنها معزولة بشكل شبه كلّي عن النظام المالي العالمي، وقد عانت عملتها من اضطرابات حادة، فيما تُعدّ معدلات الفقر والبطالة فيها من الأعلى في المنطقة. ومع ذلك، استطاعت إيران تطوير صناعاتها المحلية، وبناء علاقات اقتصادية مع عدد من الدول، على نحو يوفّر لها قدراً من المرونة في مواجهة الحصار الاقتصادي المفروض عليها.

مثّلت العقوبات الاقتصادية السلاح المفضّل لدى الإدارة الأميركية في خلال العقدين الأخيرين؛ إذ ارتفعت وتيرة استخدامها بنسبة 933% بين عامي 2000 و2021

وعند تناول تأثير هذه العقوبات على إيران؛ تُطرح عادة مجموعة من الأسئلة: هل تعمل العقوبات بالطريقة التي يُفترض أن تعمل بها؟ وإذا كان من المؤكد أنها قد تسبّبت في إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني، فلماذا لم تحقق أهدافها، سواء بإسقاط النظام الإيراني أو، في الأقل، بتغيير سلوكه؟ مَن المستفيدون ومَن المتضرّرون من تلك العقوبات؟ وما الآثار الاجتماعية المترتبة عليها؟

الجمهورية التي ولدت مُعاقبة

مثّلت العقوبات الاقتصادية السلاح المفضّل لدى الإدارة الأميركية في خلال العقدين الأخيرين؛ إذ ارتفعت وتيرة استخدامها بنسبة 933% بين عامي 2000 و2021. وهو ما دفع الدبلوماسي الأميركي السابق إدوارد فيشمان إلى تسمية هذه الفترة «عصر الحرب الاقتصادية». وفي خلال هذه الفترة، تحمّلت إيران العبء الأكبر من هذه العقوبات. وحتى مع تراجع حصّتها من 32% في عام 2000 إلى 21% في عام 2021، ظلّت إيران تتحمّل النصيب الأكبر منها 1. تسبّبت تلك العقوبات في الكثير من المصاعب الاقتصادية لطهران، إذ تشير دراسة أصفهاني إلى تضاعف معدلات الفقر في المناطق الريفية بين عامي 2010 و2019، وارتفاعها بنسبة 60% في المدن. كما تدهورت مستويات المعيشة بنسبة 17.7% في خلال الفترة نفسها، فضلاً عن انتقال نحو 8 ملايين شخص إلى الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، في حين ازدادت أعداد الفقراء بأكثر من 4 ملايين شخص. وقد تسبّبت العقوبات الاقتصادية في خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب وحدها في انخفاض الدخل الحقيقي للفرد بنسبة 14% 2.

1

بدأت رحلة الجمهورية الإسلامية مع العقوبات الاقتصادية قُبيل تأسيسها؛ فبعد حصار السفارة الأميركية في طهران واحتجاز مجموعة من الدبلوماسيين في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1979، أصدر الرئيس الأميركي جيمي كارتر قراراً بحظر واردات النفط الإيراني. وتلا ذلك مجموعة من الأوامر التنفيذية ارتبطت بتجميد أصول مالية لطهران قُدِّرت بنحو 12 مليار دولار، فضلاً عن منع الصادرات الأميركية إلى إيران، وفرض قيود مالية على معاملاتها الخارجية، ومنع الأميركيين من السفر إلى إيران أو إبرام صفقات تجارية معها. وفي خلال الفترة ذاتها، صُنِّفت الجمهورية الوليدة بوصفها «دولة راعية للإرهاب». ومع قدوم بيل كلينتون، بدأت العقوبات تأخذ بُعداً آخر، إذ سعت الإدارة الأميركية إلى جعل إيران دولة منبوذة سياسياً، وتقويض قدراتها العسكرية. وعلى مدار الأعوام التالية، تعرّضت إيران لمجموعة من العقوبات التي هدفت إلى عزلها اقتصادياً؛ ففي عام 1994 بدأت الولايات المتّحدة باستهداف مزيد من المؤسسات المرتبطة بطهران، وفي عام 1995 مُنِعت الشركات الأميركية من العمل في قطاع النفط الإيراني أو المساعدة في تطويره. فضلاً عن ذلك، أصدر كلينتون أمراً تنفيذياً بحظر الصادرات الأميركية إلى إيران، سواء بصورة مباشرة أو عن طريق طرف ثالث. مثّلت تلك الحزمة من العقوبات الموجة الأولى من العقوبات على إيران، بين عامي 1979 و1995، والتي هدفت إلى احتواء الجمهورية الوليدة.

كرّست الموجة الثانية من العقوبات، بين عامي 1996 و2006، التي صدر في خلالها قانون العقوبات على إيران، العزلة الاقتصادية المفروضة على الجمهورية الإسلامية. وعلى الرغم من أن تلك الفترة شهدت تخفيفاً لبعض القيود المتعلقة بتصدير واستيراد بعض المنتجات الغذائية والطبية، من طهران وإليها، فضلاً عن منح استثناءات للشركات الأوروبية العاملة في قطاع النفط، مثل توتال وغازبروم، فإن الإدارة الأميركية استمرّت في عزل إيران عن النظام المالي العالمي، وهو ما ترك تبعات كارثية على الأخيرة. ومع تقدّم البرنامج الصاروخي الإيراني، والتعاون المتنامي بين موسكو وطهران في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وبالتزامن مع الحملة الأميركية على العراق، لجأت الإدارة الأميركية إلى تشديد العقوبات بصورة أكبر. وفي عام 2000، مرّر الكونغرس الأميركي قانون «منع انتشار الأسلحة المتعلق بإيران». ومع قدوم إدارة بوش الابن، تركزت العقوبات بدرجة أكبر على منع إيران من تطوير برنامجها النووي، فاستُهدف الأفراد والكيانات والحكومات التي يُحتمل أن تضطلع بدور في مساعدة طهران في برنامجيها النووي والصاروخي. ومنذ ذلك الوقت، تحوّل هدف العقوبات من محاولة تغيير سلوك إيران «العدائي» إلى تقويض برنامجيها النووي والصاروخي، وممارسة ضغط يستهدف إضعاف النظام، بُغية إسقاطه.

العقوبات لم تُفضِ، كما توقّع مصمّموها، إلى دفع تلك الطبقات لممارسة ضغط فعّال على النظام لتغيير سياساته. بل على العكس، شهدت وتيرة الاحتجاجات تراجعاً منذ عام 2009، بالتزامن مع تصاعد حدّة العقوبات

مع فشل المفاوضات الأوروبية-الإيرانية على البرنامج النووي، نتيجة الضغوط الأميركية، وبالتزامن مع انتخاب باراك أوباما، بدأت الموجة الثالثة من العقوبات على إيران، بين عامي 2006 و2016، والتي قادت فيها الإدارة الأميركية جهداً جماعياً لمعاقبة طهران، ترافق مع جهود الأمم المتحدة التي أصدرت مجموعة من القرارات بفرض عقوبات على أفراد ومؤسسات إيرانية، بدعوى تورّطها في دعم إيران لامتلاك أسلحة دمار شامل. كانت استراتيجية أوباما للتعامل مع طهران هي «عصا أكبر وجزرة أكبر»، وركّزت العقوبات على تقويض القطاع المالي في إيران بهدف منعها من الحصول على الدولار لتغطية معاملاتها الخارجية، وقد طالت العقوبات بنوكاً إيرانية وأجنبية، لمنعها من تزويد إيران بالعملة الصعبة، وجعلها منبوذة مالياً. وتماشياً مع هذا التوجه، صدر في عام 2010 قانون العقوبات الشاملة على إيران، الذي استهدف بصورة رئيسة قطاعي النفط والطاقة، فضلاً عن القطاع المالي، بهدف تقويض قدرة إيران على تصدير منتجاتها النفطية، ومعاقبة أي شركة تسعى إلى الاستثمار في هذا القطاع أو تطويره، كما فرض قيوداً واسعة على النظام المالي الإيراني لتعميق عزله عن النظام المالي العالمي. وفي عام 2012 أعلنت الإدارة الأميركية، من خلال قانون إقرار الدفاع الوطني، فرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني والبنوك الأجنبية المتعاملة معه، فضلاً عن معاقبة الدول والكيانات التي تشارك في بيع وترويج النفط الإيراني أو تُجري عمليات مالية مرتبطة به. وبجانب ذلك، شُدّدت القيود على المؤسسات المالية الأميركية بحجز ومصادرة أي أصول مالية باقية تخص الحكومة الإيرانية، وقد أعقب ذلك حزمة من العقوبات استهدفت منشآت النفط والموانئ وقطاع الشحن الإيراني. وفي آذار/مارس 2012، وبعد ضغوط أوروبية وأميركية، أعلن نظام التحويلات المالية العالمي «سويفت»، فصل البنوك الإيرانية الخاضعة للعقوبات عن نظام تعاملاته المالي.

مثّل انتخاب حسن روحاني في عام 2013 اختراقاً سياسياً، مع إبداء النظام قدراً من المرونة والاستعداد للتفاوض بشأن البرنامج النووي. وبالفعل، وبعد جولات من المحادثات، شهد عام 2015 توقيع الاتفاق النووي الإيراني، أو ما عُرف بخطة العمل المشتركة الشاملة، بمشاركة إيران والولايات المتّحدة وعدد من الدول، إلى جانب الاتحاد الأوروبي بصفته منسّقاً للاتفاق. نصّ الاتفاق على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية والمالية وفق جدول زمني محدّد. وبالفعل، بدأت آثار تخفيف العقوبات تظهر على الاقتصاد الإيراني؛ إذ عادت معدلات إنتاج النفط إلى مستويات ما قبل العقوبات، وارتفعت الصادرات إلى نحو مليوني برميل يومياً. كما حققت إيران أعلى مستويات للاستثمار الأجنبي المباشر في خلال عقدين، وتمكّنت من الوصول إلى نحو 55 مليار دولار من أصولها المالية المجمّدة في الخارج، ووقّعت الشركات الإيرانية عقوداً تُقدَّر بنحو 150 مليار دولار، فضلاً عن ارتفاع معدّل التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي بنسبة 42%. وانعكس ذلك على المؤشرات الاقتصادية؛ إذ انخفض معدّل التضخم من 45% إلى نحو 8%، فيما توقّع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الإيراني بنسبة 4.5% في خلال العام المالي 2016-2017. غيرَ أنَّ «جزرة أوباما» لم تكن بالحجم الذي روّجت له الإدارة الأميركية؛ إذ كشفت الأشهر التالية عن تعقيدات كبيرة في آليات رفع العقوبات. فقد تضمّنت القرارات المنظّمة لذلك مئات الاشتراطات التي يتعيّن على المؤسسات والشركات الأميركية الالتزام بها قبل الانخراط في أي تعامل مع إيران، وهو ما أبقى الاتفاق موضع حذر وتوجّس لدى الأطراف المختلفة. ذلك التوجّس الذي وضعَ ترامب حداً له بعد عامين فقط، بإعلانه الانسحاب من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات.

كانت الموجة الأخيرة من العقوبات، أو ما عُرف بسياسة الضغط الأقصى، التي بدأها دونالد ترامب في عام 2018، وما زالت مستمرة حتى الآن، تقوم على فكرة مفادها أن العقوبات والضغوط التي مارستها إدارة أوباما هي التي نجحت في دفع إيران إلى التفاوض بشأن برنامجها النووي. ومن ثمّ، فإن تشديد هذه العقوبات ودفعها إلى حدودها القصوى، وربطها بشخصيات وكيانات رسمية، من شأنه أن يدفع النظام الإيراني إلى تغيير سلوكه، والتخلّي عن سياساته، وربما يفضي إلى إسقاطه.

وتصديقاً لهذه الرؤية، أعادت الإدارة الأميركية فرض جميع العقوبات السابقة، بعد أن وسّعتها وزادت من استهداف الشخصيات والكيانات القريبة من النظام؛ إذ أضافت 1,139 عقوبة جديدة طالت أفراداً ومؤسسات مرتبطة به، كما شملت أطرافاً أخرى ضمن أكثر من إطار للعقوبات. وقد تجلّى ذلك في الهدف الذي وضعته، والمتمثّل في خفض صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، وعزل القطاع المالي الإيراني كلياً عن النظام المالي العالمي، من خلال منع إيران من الحصول على الدولار، سواء بصورة مباشرة أو عبر طرف ثالث، فضلاً عن معاقبة الكيانات التي تستخدم العملة الإيرانية في معاملاتها التجارية، كما صنّفت البنك المركزي الإيراني بوصفه منظمة إرهابية؛ تاركةً الحكومة الإيرانية تعاني من عجز في الموازنة يتراوح بين 40% و45%، ومهدَّدةً بالإفلاس 3.

وفي خلال عامي 2018 و2019، انخفضت صادرات النفط الإيراني من 2.5 مليون برميل يومياً إلى نصف مليون فقط، وخسرت الحكومة ما يقارب 80 مليار دولار. كما فقدت العملة المحلية نحو 80% من قيمتها مقابل الدولار، وارتفع معدل التضخم من 9.6% إلى 40%. وانخفضت نسبة الإيرادات الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 17.4% في خلال عامي 2016 و2017 إلى 13.8% في خلال عامي 2018 و2019 4. وقد تسبّب انهيار الإيرادات النفطية من 42.2 مليار دولار في عام 2017 إلى 13.75 مليار دولار في عام 2019 في تقلّص الاحتياطي الأجنبي من 115 مليار دولار إلى 85 مليار دولار في خلال المدة نفسها. وتزامنت هذه التبعات مع جائحة كورونا، ما فاقم آثارها وهدّد بحدوث كارثة إنسانية. وفي خلال ولاية جو بايدن، استمر المنحنى التصاعدي للعقوبات؛ إذ وسّعت إدارة بايدن نطاقها ليشمل أفراداً ومؤسسات قريبة من المرشد الأعلى، في محاولة لتشديد الضغط أكثر على النظام، فأضافت 452 عقوبة شملت أفراداً ومؤسسات على علاقة بطهران 5. ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدا أن فرضية الحرب الاقتصادية قد استُنفدت من دون تحقيق غاياتها؛ لذا اختارت الإدارة الأميركية المضيّ قدماً باستخدام أساليب الحرب التقليدية.

الحياة في ظلّ العقوبات 

يقوم منطق العقوبات الاقتصادية على رؤية مؤدّاها أنَّ الضغط المستمر سيدفع الإيرانيين إلى الاحتجاج وممارسة الضغط على الحكومة، بما يضطرّها إلى تقديم تنازلات. وتستند هذه الرؤية إلى مجموعة من الافتراضات: أولها، حتمية حدوث اضطرابات سياسية نتيجة العقوبات؛ وثانيها، أن الاحتجاجات، في حال وقوعها، ستتوافق مع أجندة الولايات المتّحدة؛ وثالثها، أن النظام سيُبدي قدراً من المرونة تجاه مطالب المحتجّين.

توزّع الأعباء الاقتصادية للعقوبات لم يكن متساوياً، فقد تحمّلتها الطبقات الدنيا والفقيرة، ذات التأثير المحدود في المجال السياسي؛ فيما ظلّت الشرائح الأكثر تأثيراً من الطبقتين الوسطى والعليا محميّةً نسبياً، وهو ما أسهم في الحفاظ على علاقة المنفعة المتبادلة بينها وبين النظام الحاكم

تماشياً مع تلك الرؤية، عمدت الإدارة الأميركية إلى تحميل الأعباء الاقتصادية للطبقة الوسطى باعتبارها رافعة التغيير المنشود. وركّزت بعد انسحابها من الاتفاق النووي، على توجيه جزء من العقوبات إلى القطاع غير النفطي في إيران، خصوصاً أن هذا القطاع يستوعب نحو 98% من قوة العمل 6. وتشير الدراسة التي أجرتها الباحثة الإيرانية نازين شهركني عن الآثار المترتبة على إعادة فرض العقوبات على أُسر الطبقة الوسطى في إيران، إلى أن هذه العقوبات قد خلقت واقعاً اجتماعياً أقرب إلى ظروف الحرب، ما عمّق حالة الاستنزاف التي تعانيها هذه الأسر جرّاء سياسات التقشف والحصار الاقتصادي. كما تُبرز الدراسة تحمّل النساء العبء الأكبر؛ إذ اضطرّت كثيرات منهن، تحت وطأة الحصار الاقتصادي، إلى تحمّل أعباء منزلية متزايدة، إلى جانب عملهن في وظائفهن اليومية، مبيّنةً دور هذه التحولات الناجمة عن العقوبات في تآكل النسيج الاجتماعي الإيراني 7.

2

أدّى الأثر الذي خلّفته العقوبات على الطبقة الوسطى إلى انكماشها في خلال عقد واحد، بين عامي 2010 و2019، من 57.7% إلى 48.8%، وهو ما أسهم في إضعافها ودفعها إلى الاعتماد أكثر على الدولة. وتشير البيانات إلى انخفاض معدلات الاستهلاك بين عامي 2011 و2019 في كلٍّ من الريف والحضر بنسبة 30% و22.6% على التوالي. وفي عام 2019، بلغ عدد الفقراء 4.8 مليون نسمة في المناطق الريفية، مقابل 4.4 مليون نسمة في المناطق الحضرية، فضلاً عمّا يناهز مليون فقير يقطنون طهران. وقد خلقت العقوبات، بالتزامن مع جائحة كوفيد-19، أعباءً ثقيلة على كاهل الإيرانيين؛ فبحسب تقرير البنك الدولي الصادر في عام 2024، عانى الاقتصاد الإيراني اضطرابات متعددة في خلال الأعوام الخمسة الأخيرة بفعل تداعيات جائحة كورونا، لا سيما في عامي 2020 و2021، قبل أن يستعيد توازنه تدريجياً ويبدأ مسار التعافي في خلال العامين التاليين. ويشير التقرير إلى أن نسبة الفقر ارتفعت من 19.7% في عام 2011 إلى 29.1% في عام 2020، عند خط فقر يبلغ 6.85 دولار يومياً وفقاً لتعادل القوة الشرائية، ما أدّى إلى دفع نحو 9.5 مليون شخص إلى الفقر. غير أنها عادت لتنخفض إلى 21.9% في عام 2023، بفعل التدابير الاجتماعية التي طبّقتها الحكومة الإيرانية. 

3

في الواقع، يُعزى التراجع في نسبة الفقر إلى سياسة إعادة التوزيع التي انتهجتها الحكومة الإيرانية من خلال زيادة حصّة الضرائب المباشرة، بالتزامن مع التوسّع في برامج الحماية الاجتماعية ومكافحة اللامساواة، والتي كان لها الأثر الأكبر في خفض معدلات الفقر في خلال الفترة بين عامي 2020 و2023. فقد انخفضت نسبة الفقر بنحو 7.37% في خلال تلك الفترة، ويعود الجزء الأكبر منها، 6.18%، إلى سياسات إعادة التوزيع، مقابل 1.19% فقط نتيجة النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من النجاح الذي حققته إيران في كبح معدلات الفقر، فإن هناك تبايناً كبيراً بين المناطق؛ إذ وصلت مستويات الفقر إلى 70% في محافظتي سيستان وبلوشستان في خلال عامي 2020 و2022، ونحو 40% في كرمان، فيما كانت نسبة الفقر في العاصمة طهران 13%، ووصلت إلى 8% في أصفهان في خلال الفترة نفسها 8. إلى جانب ذلك، زادت نسبة من يعانون من انعدام الأمن الغذائي في إيران من 27% قبل إعادة تطبيق العقوبات، إلى 40% في خلال عامي 2019 و2020، قبل أن تصل إلى 60% في خلال العام التالي؛ ليرتفع عددهم من 22 مليون شخص إلى 50 مليون شخص في خلال 3 أعوام فقط 9.

4

على نحو ما بُيّن سابقاً، أسهمت العقوبات الاقتصادية في إضعاف الطبقات الوسطى والدنيا. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الحكومة للتخفيف من تداعياتها، فإنها ظلّت قاصرة عن كبح الأثر الكامل لهذه العقوبات. غير أنّ العقوبات لم تُفضِ، كما توقّع مصمّموها، إلى دفع تلك الطبقات لممارسة ضغط فعّال على النظام لتغيير سياساته. بل على العكس، شهدت وتيرة الاحتجاجات تراجعاً منذ عام 2009، بالتزامن مع تصاعد حدّة العقوبات.

والواقع أنّ الحصار الاقتصادي قد أضعف قدرة الشرائح الوسطى والدنيا من الطبقة الوسطى على التنظيم وحشد مواردها. ويجادل هادي زاده بأنّ العبء الأكبر للعقوبات وقع على كاهل هذه الشرائح، التي تمتلك تأثيراً محدوداً في صياغة السياسات، في حين ظلّت الشرائح الأكثر نفوذاً، مثل القيادات الأمنية والعسكرية، والشريحة العليا من البيروقراطية، محصّنةً نسبياً. وتُظهر البيانات انخفاض الدخل الحقيقي للأسر المتوسطة في كلٍّ من الريف والحضر بنسبة 10.7% و13.4% على التوالي بين عامي 2011 و2013، قبل أن يُعاود الانخفاض بنسبة 23.9% و25.7% في خلال الفترة بين عامي 2017 و2020. وقد انعكس ذلك على معدلات إنفاق هذه الأسر، التي تراجعت بدورها بنسبة 36% في الريف مقابل 19% في الحضر في خلال الفترة بين عامي 2011 و2020.

لم تنجح العقوبات في تغيير توجّهات طهران السياسية أو احتواء طموحاتها النووية، بل أسهمت في تقويض المجتمع المدني، وعزّزت بصورة مباشرة موقع الجناح المتشدّد داخل النظام

لم يكن توزّع هذه الأعباء متساوياً؛ إذ حظي العاملون في القطاع الرسمي، سواء في القطاع العام أو الخاص، بدرجة حماية أكبر من نظرائهم في القطاع غير الرسمي. وشهدت الأسر التي يعمل عائلها في القطاع الرسمي انخفاضاً في الدخل الحقيقي بنسبة 17% بين عامي 2011 و2020، في حين انخفض الدخل الحقيقي للأسر التي يعمل عائلها خارج القطاع الرسمي بنسبة 29% في خلال الفترة نفسها. وتُظهر البيانات هذا التأثير من خلال رصد الإنفاق على البنود الأساسية للعاملين في كلا القطاعين. وإلى جانب ذلك، في خلال الفترة نفسها، بين عامي 2011 و2020، كانت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في أوساط العاملين في القطاع العام وأُسرهم لا تتجاوز 6%، في المقابل وصلت هذه النسبة إلى 32% في أوساط العاملين في القطاع غير الرسمي 10.

5

ويشير نمط الإنفاق الحكومي، منذ إعادة فرض العقوبات، إلى تكريس «أمننة» المجال العام؛ فبينما انخفضت مخصّصات الدفاع، لم يشمل هذا الانخفاض جميع المؤسسات المصنّفة ضمن هذا القطاع، إذ شهدت مخصّصات أجهزة إنفاذ القانون، مثل الباسيج والأجهزة الأمنية التابعة للحرس الثوري، نمواً مطّرداً في خلال الفترة بين عامي 2012 و2021، فضلاً عن زيادة مخصّصات الحرس الثوري في خلال الفترة نفسها. كما شهدت مخصّصات الأمن والنظام العام نمواً ملحوظاً في خلال الفترة ذاتها، خصوصاً بين عامي 2018 و2020 11.

وبجمع المؤشرات السابقة معاً، يتّضح أن توزّع الأعباء الاقتصادية للعقوبات لم يكن متساوياً، فقد تحمّلتها الطبقات الدنيا والفقيرة، ذات التأثير المحدود في المجال السياسي؛ فيما ظلّت الشرائح الأكثر تأثيراً من الطبقتين الوسطى والعليا محميّةً نسبياً، وهو ما أسهم في الحفاظ على علاقة المنفعة المتبادلة بينها وبين النظام الحاكم.

العقوبات كآلية لإعادة توزيع النفوذ السياسي داخلياً 

يشير لي جونز إلى هشاشة المنطق الذي تقوم عليه العقوبات الاقتصادية، إذ تختزل الدولة في «سوق سياسي» تسعى فيه الأطراف الفاعلة إلى تعظيم مكاسبها وتقليص خسائرها، من دون إيلاء اعتبار كافٍ للعوامل الأخرى، الاجتماعية منها والأيديولوجية؛ فضلاً عن إغفال السياق المحلي، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومدى استقلالية الشرائح العليا، النخب البيروقراطية والعسكرية، عن غيرها من الطبقات. ويجادل جونز بأن الدولة ليست كياناً محايداً أو مستقلاً، بل هي تعبير عن علاقات القوى الاجتماعية داخل مجتمع محدّد، التي تنعكس بدورها على أنماط توزيع السلطة والموارد داخله؛ ضمن هذا السياق يُصبح افتراض حياد الدولة واستقلالها عن التشكيلات الاجتماعية، واعتبار التفاعل بينها شكلاً من أشكال التبادل الاقتصادي، افتراضاً واهياً 12.

في واقع الأمر، يمتلك النظام الإيراني عدداً من المؤسسات والهياكل السياسية، إلى جانب شبكة من الوحدات الإدارية المتوزعة على مستويات مختلفة، فضلاً عن تعقيد عملية صنع القرار داخلياً، بما تتطلبه من توازنات متعددة. وربما دفعت هذه الهجنة بعض الباحثين إلى وصف النظام بأنه «سلطوية تنافسية» أو «سلطوية مقيدة» 13. ومهما تكن دقة هذه التوصيفات، فإن النظام يستفيد بصورة كبيرة من تلك الهياكل والوحدات التشريعية والإدارية، التي تُسهم في تعويض الفجوة المعلوماتية الناتجة عن غياب الشفافية، كما تضفي شرعية قانونية ومؤسساتية على قرارات النظام، وتساعد في الحفاظ على تماسكه من خلال إشراك الفاعلين السياسيين في صياغة بعض التوجهات السياسية.

ولا يكفي الاقتصار على دراسة الأثر الاقتصادي لتقييم مدى فعالية العقوبات، بل يتعيّن إدراك الجوانب السياسية والاجتماعية ضمن سياقها المحلي، وفهم درجة تأثّر كلٍّ منها بالعقوبات وتأثيرها فيها. فعلى سبيل المثال، ليس بالضرورة أن يُفضي انكماش الطبقة الوسطى نتيجة العقوبات إلى تبنّيها موقفاً مناهضاً للنظام أو المطالبة بإسقاطه؛ إذ إن هذه الطبقة تشكّلت ونمت في الأساس في إطار علاقتها بالدولة، التي رعت صعودها واعتمدت عليها في تشغيل جهازها البيروقراطي، وفي ظل هذا الارتباط تحقّق ازدهار الطرفين. ومن ثمّ، فإن فكّ هذا الترابط يظل مرهوناً بتغيّر الشروط التي أوجدته؛ كأن تتخلّى الدولة كلياً عن رعاية الطبقة الوسطى، أو أن تمتلك هذه الأخيرة من الثروة والنفوذ ما يمكّنها من الاستقلال عنها. فضلاً عن ذلك، تميل الطبقة الوسطى، وخصوصاً شرائحها العليا، في أوقات الاضطرابات إلى تفضيل الحفاظ على الوضع القائم، والتمسّك بموقعها داخل النظام السياسي، بدلاً من المخاطرة بتغييره. ويناقش كيفن هاريس الفرضية المتعلقة بدور الطبقة الوسطى الإيرانية في المجال السياسي عن طريق التركيز على الانتخابات الرئاسية في عام 2013. ومن خلال مقارنة الكتلة التصويتية للشباب والمتعلّمين وأفراد الطبقة الوسطى عموماً، يخلص إلى أن سلوك تلك الفئات لا يختلف كثيراً عن سلوك الفئات الأخرى المنتمية إلى الطبقتين العليا والدنيا؛ إذ جاءت نسب التصويت لكل مرشّح متقاربة بينها جميعاً، بما ينفي الفرضية القائلة بوجود توافق خاص بين الطبقة الوسطى، أو شرائحها المختلفة، والسياسات المقوِّضة للنظام السياسي في إيران. وذلك مع الأخذ في الاعتبار عزوف قسم كبير منها عن المشاركة في العملية السياسية 14.

6

ويمكننا فهم العلاقة بين الضغوط الاقتصادية والسياسية في إيران، من خلال تبيّن العلاقة بين العقوبات الاقتصادية والاحتجاجات؛ فقد تزامنت أكبر موجتي احتجاج مع انخفاض نسبي في حدّة العقوبات. إذ شهد عام 2009 اندلاع ما عُرف بالحركة الخضراء، التي استمرت 216 يوماً وامتدت إلى 144 منطقة، ثم جاءت احتجاجات عام 2022 التي اندلعت عقب مقتل مهسا أميني، واستمرت 154 يوماً وشملت 264 منطقة. ويشير محسن أميري وآخرون إلى تحوّل المزاج العام للاحتجاجات في خلال الفترة بين عامي 2009 و2024؛ إذ أصبحت أقل ارتباطاً بالشخصيات الإصلاحية داخل النظام، وأكثر تركيزاً على مطالب الحقوق والحريات الشخصية، مع تراجع الرمزية الدينية لمصلحة الدعوة الصريحة إلى تغيير النظام. وعلى الرغم من حضور الدوافع الاقتصادية في تلك الاحتجاجات، فإنها لم تكن المحرّك الأساسي للموجات الكبرى منها، فضلاً عن أن عدداً من تلك العقوبات كان لاحقاً على الاحتجاجات وليس دافعاً لها. كما أن الرأي السائد داخلياً في إيران أصبح أكثر ميلاً إلى التشدّد في العلاقة مع واشنطن وتحميلها مسؤولية الأوضاع المتدهورة، بعد انسحابها من الاتفاق النووي 15.

تتكشّف من خلال دراسة العقوبات الاقتصادية الهوّة الواسعة بين الرؤية التي صاغها مصمّمو تلك العقوبات ونتائجها الفعلية. وإذا كانت الحالة الإيرانية تكشف فشل العقوبات في تحقيق غاياتها السياسية، على الرغم من نجاحها في إلحاق الضرر الاقتصادي المفترض، فإن ذلك يدفع إلى إعادة النظر في المنطق الذي قامت عليه. ففي الحالة الإيرانية تحديداً، أثبتت الافتراضات التي بُنيت عليها العقوبات محدوديتها؛ إذ لم تنجح العقوبات في تغيير توجّهات طهران السياسية أو احتواء طموحاتها النووية، بل أسهمت في تقويض المجتمع المدني، وعزّزت بصورة مباشرة موقع الجناح المتشدّد داخل النظام.

وللمفارقة، فإن الحرب الأخيرة التي شنّتها الولايات المتّحدة على إيران حملت المبرّرات والافتراضات ذاتها التي رُوِّج لها عند فرض العقوبات؛ وفي الحالتين، سواء تعلّق الأمر بحصار اقتصادي أم بقصف جوي، برّرت الإدارة الأميركية سياساتها باعتبارها تستهدف احتواء طموحات طهران، ودعم الإيرانيين في مواجهة نظامهم السياسي.

  • 1

    The Treasury 2021 Sanction Review, Oct 2021, Pdf.

  • 2

    Impact of Sanctions on Household Welfare and Employment.(Djavad Salehi-Isfahani, 2020)

  • 3

    Iran After Trump: Can Biden Revive the  Nuclear Deal and Does Iran Even Want to? https://scholarworks.brandeis.edu/esploro/outputs/9924393687101921

  • 4

    Macroeconomic Impacts of US Sanctions (2017-2019) on Iran, (2020, Shahrokh Fardoust)

  • 5

    Sanctions by the Numbers: 2025 Year in Review. .https://www.cnas.org/publications/reports/sanctions-by-the-numbers-2025-year-in-review

  • 6

    Djavad Salehi-Isfahani, 2020.

  • 7

    Depleted Households: "Domesticating" Economic Sanctions. (2023, Nazanin Shahrokni).

  • 8

    Kazemi, Majid; Zahedi, Razieh; Osman, Eiman; Knippenberg, Erwin W..

    Iran Economic Monitor, Spring 2024 : Sustaining Growth Amid Rising Geopolitical Tensions - With a Special Focus : Recent Poverty and Inequality Trends in Iran (2020–2022) (English). Washington, D.C. : World Bank Group. P 25.

  • 9

    Iran After Trump: Can Biden Revive the  Nuclear Deal and Does Iran Even Want to? https://scholarworks.brandeis.edu/esploro/outputs/9924393687101921

  • 10

    Civilian Pain Without a significant political gain. (Hadi Kahalzadeh, 2023)

  • 11

    Iran’s Government Expenditure Priorities and Social Policy Burdens During Sanctions. (Kevan Harris, 2020)

  • 12

    Jones, Lee, Societies Under Siege: Exploring How International Economic Sanctions (Do Not) Work (Oxford, 2015; online edn, Oxford Academic, 19 Nov. 2015), p 13-51. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780198749325.001.0001

  • 13

    Hybrid Regime and Rentier State: Democracy or Authoritarianism in Iran?. (Mahnaz Zahirinejad, 2016)

  • 14

    Myths of Middle-Class Political Behavior in the Islamic Republic. (Kevan Harris, 2021)

  • 15

    Matin Mirramezani, Mohsen Amiri, Mohsen B. Mesgaran, Protests in Tehran 2009–2024: Overview of a Comprehensive Digital Archive (Stanford Iran 2040 Project, 2026).

محمد نبيل

باحث في الاقتصاد السياسي