معاينة الذكاء الاصطناعي وازدراء الرأسمالية الساخر للإنسان «أوقفوا توظيف البشر»

الذكاء الاصطناعي وازدراء الرأسمالية الساخر للإنسان
«أوقفوا توظيف البشر»

  • قد يتمكّن اقتصادٌ مخطَّطٌ ديمقراطياً، قائم على مجالس عمّالية ومسؤولين عموميين خاضعين للمساءلة، من توجيه الأتمتة فعلاً نحو توسيع أوقات الفراغ وتعزيز الرفاه البشري. لكن هذا ليس العالم الذي تبنيه «آرتيزان» ومن على شاكلتها. 

  • من الضروري معالجة تعقيدات فكرة إلغاء العمل، التي تنطوي على إمكانات ثورية كبيرة وأخرى رجعية عميقة. سيصبح هذا الموضوع أكثر إلحاحاً في النقاش العام مع استمرار تقدّم الذكاء الاصطناعي. 

في ندائه إلى المقاومة في العام 1964، قال الناشط ماريو سافيو هذه الكلمات: «تأتي لحظة تصير فيها آلية النظام مُقزّزة إلى درجة تُثقل قلبك بالغثيان، فلا تعود قادراً على الانخراط، ولا حتى على المشاركة السلبية، بل يتوجّب عليك أن تضع جسدك فوق التروس والعجلات، فوق الرافعات، فوق الآلة بأسرها، وأن تدفعها إلى التوقّف».

أما اليوم، وبعد عقود، ومع تشكّل آلة مادية واجتماعية، لم تعد تحتاج إلى أي مشغّل بشري، تمتلك قمم النظام الرأسمالي أخيراً ردّها على دعوة سافيو إلى زعزعة آليات الرأسمالية بالأجساد البشرية.

أطلقت شركة «آرتيزان» المتخصّصة في تطوير الذكاء الاصطناعي حملتها الإعلانية بعنوان «أوقفوا توظيف البشر»، ما أثار موجات من الجدل. وظهرت لافتات ولوحات إعلانية في شوارع سان فرانسيسكو تعلن أنّ الذكاءات الاصطناعية «لن تشتكي من التوازن بين العمل والحياة» وأن «البشر من موضة 2023»، قبل أن تصل إلى لندن. أثارت هذه الرسائل المعادية للبشر والعمال غضباً واسعاً، وهو ما كان الغرض من هذه الحملة.

علينا أن نواجه الرؤية القائلة إن التغيير التكنولوجي سيقود إلى حياة أفضل، فهذا لن يتحقق ما دامت الرأسمالية قائمة وما دام دافع الربح هو المحرّك

استبدال العمّال بالآلات عملية قديمة في الرأسمالية. ففي عشرينيات القرن التاسع عشر، كان اللاضيّون يحطّمون آلات الغزل لحماية وظائفهم، وشهدنا منذ ذلك الحين صناعات كاملة تظهر وتختفي مع حلول تكنولوجيا جديدة تحلّ مكان العمّال أو تجعل الإنتاج القديم بلا جدوى. والذكاء الاصطناعي هو أحدث تجلّيات هذه العملية، لكن ما يثير القلق فيه هو النطاق الهائل للأعمال التي يمكن إنجازها في ثانية من وقت المعالجة، مقارنةً بساعات من العمل البشري.

ما الذي يقف وراء السعي إلى إقصاء العمل البشري، هذا العنصر الذاتي الحاسم في قوى الإنتاج، من الاقتصاد؟ الجواب البديهي هو الربح. لكن تحاول «آرتيزان»، بسخرية، أن تطرح مرافعة من نوع طوباوي. فالأمل في أن تحرّر الأتمتة العمّال من الرتابة والمشقّة غذّاه مفكّرون يساريون منذ زمن بيوتر كروبوتكين وأوسكار وايلد على الأقل، ويبدو أنّ «آرتيزان» تصطف علناً مع هذا التيار الفكري.

كما جاء في مقال حديث لجاسبر كارمايكل-جاك، المنشور على موقع «آرتيزان»: «سوف يكتسب شعار حملة «أوقفوا توظيف البشر» على المدى البعيد وجاهة أكبر. ينبغي أن نشهد أولاً مع انتقال إنتاجية بشرية متزايدة إلى الذكاء الاصطناعي أسبوع عمل من 4 أيام. وفي نهاية المطاف، قد نعيش في عالم يحصل فيه الجميع على دخل أساسي شامل وتكون الإنتاجية مدفوعة بالكامل بالروبوتات ونصبح أحراراً في فعل ما نشاء، وعندها يمكن فعلاً التوقّف عن توظيف البشر، لكن هذا اليوم ليس اليوم. وبرأيي، سيكون ذلك اليوم هو اليوتوبيا».

المؤلف مُحقّ في القول إن إلغاء العمل سيكون ذروة التفكير الطوباوي، لكن ذلك لن يتحقق أبداً إذا كان الدافع وراءه مليارديرات التكنولوجيا وأباطرة البرمجيات. ففي ظل الرأسمالية، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي أداة تحرّر، بل وسيلة لتعظيم الإنتاجية مع تقليص المساومات المزعجة من أجل رفع الأجور والتدخّل المقلق لمنظّمي النقابات، وهي سمات اقتصاد يقوم على العمل الاستغلالي. إن التطوّر في الذكاء الاصطناعي مدفوع بالمنافسة الرأسمالية، ولن يخدم سوى مصالح الرأسماليين ما داموا يسيطرون على إنتاج الثروة وتوزيعها. والواقع أنّ الذكاء الاصطناعي يهدّد المجتمع ببطالة جماعية وانخفاض في الأجور، وكلاهما لن يسهّل مخاض المجتمع الطوباوي الذي تدّعي «آرتيزان» أنها قابلة ولادته. بل وأكثر من ذلك، ينذر إخراج البشر من قوة العمل باقتلاع الإبداع والخيال من نمط الإنتاج، وهذان العنصران نادران أصلاً في المناخ الكئيب والمعادي للبشر الذي تخلقه النيوليبرالية.

في ظل الرأسمالية، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي أداة تحرّر، بل وسيلة لتعظيم الإنتاجية مع تقليص المساومات المزعجة من أجل رفع الأجور والتدخّل المقلق لمنظّمي النقابات، وهي سمات اقتصاد يقوم على العمل الاستغلالي

علينا أن نواجه الرؤية القائلة إن التغيير التكنولوجي سيقود إلى حياة أفضل، فهذا لن يتحقق ما دامت الرأسمالية قائمة وما دام دافع الربح هو المحرّك. فالتقشّف والفقر للجماهير، والضرائب المنخفضة واليخوت الفاخرة للأغنياء، هي ما يميّز الرأسمالية في مرحلتها الراهنة، لا عالم الوفرة. كما ينبغي عدم إغفال التأثير البيئي الناتج عن المعالجة المكثفة للبيانات في خوادم الذكاء الاصطناعي.

قد يتمكّن اقتصادٌ مخطَّطٌ ديمقراطياً، قائم على مجالس عمّالية ومسؤولين عموميين خاضعين للمساءلة، من توجيه الأتمتة فعلاً نحو توسيع أوقات الفراغ وتعزيز الرفاه البشري. لكن هذا ليس العالم الذي تبنيه «آرتيزان» ومن على شاكلتها. ففي سوق محرّرة من القيود، يتحكّم فيها مستغِلّون أنانيون يسعون وراء الربح، يُطلق عليهم أحياناً «مبتكرون»، لن يوجد أي حافز لخدمة مصالح الأغلبية. أي حافز يمكن أن يدفع للتصرّف بديمقراطية وإنسانية، إذا كان بالإمكان توليد ثروات هائلة من دون أي اعتماد على النشاط البشري، ومن دون أي تنازلات لاحتياجات البشر؟ وأي حافز، في هذا السياق، سيبقى لكتابة الأغاني والشعر، وللرسم والنحت والتشكيل، حين تصبح الآلات قادرة على إنجاز العمل الإبداعي بالكامل بدلاً عنّا؟ إن الدعوة إلى «وقف توظيف البشر» ليست أقل من محاولة لفرض قيد وحشي على الروح الإنسانية.

لا تُعد أي دعاية سيئة بطبيعتها، ومن خلال التعليق على حملة «آرتيزان» الإعلانية، أشارك، ولو بصورة محدودة، في ما تسعى إليه. غير أن من الضروري معالجة تعقيدات فكرة إلغاء العمل، التي تنطوي على إمكانات ثورية كبيرة وأخرى رجعية عميقة. سيصبح هذا الموضوع أكثر إلحاحاً في النقاش العام مع استمرار تقدّم الذكاء الاصطناعي. يمكن اعتماد نهج ديمقراطي مخطّط للأتمتة، لكنه غير ممكن في ظل القيود التي تفرضها الرأسمالية. فجوهر الاشتراكية هو البحث عن آلية تحرّرية، أي أسلوب لتنظيم التقنيات الإنتاجية بما يخدم رفاهية الجميع وحريتهم. وعلى القوى اليسارية أن تتوخى الحذر الشديد عندما يحاول فاعلو النيوليبرالية استغلال هذه الغاية، إذ ستظل آلتهم بغيضة حتى إذا أُقصي البشر من تشغيلها.

نُشِر هذا المقال في 19 تموز/يوليو 2025 على وقع Anti Capitalist Resistance كمصدر مفتوح.