إمبراطورية مالية بقيادة الدولة
على إثر تصاعد وتيرة تحويل الولايات المتّحدة للترابط المالي العالمي إلى سلاح عبر العقوبات والقوائم السوداء وتجميد الاحتياطيات وإقصاء دول بأكملها من شبكات المدفوعات العالمية، تجدّد الاهتمام ببدائل للنظام المالي الدولاري في مختلف الاقتصادات الناشئة. ولعل أبرز رد على هذه السياسات جاء من جمهورية الصين الشعبية.
بعدما أعطت بكين الأولوية، ولفترة طويلة، للاستقرار المحلي على حساب السعي نحو دور عالمي للرنمينبي، سرعت مؤخراً بناء هيكلية مالية موازية. وإذ لا تسعى إلى الإحلال الكلي محل هيمنة الدولار العالمية، إلا أنّها سعت إلى تقليل انكشافها على القوة النقدية الأميركية، وفي الوقت ذاته، ربط شركائها التجاريين ضمن دوائر التجارة والتمويل المقوّمة بالرنمينبي.
الحال أنّ الهيمنة المالية البريطانية والأميركية اعتمدت على أسواق رأس مال مفتوحة، وشبكات مصرفية خاصة، والتوسع العالمي في الأدوات المأمولة - بدءاً من أسواق المشتقات العميقة وصولاً إلى النشاط المالي القائم على المضاربة الآخذ بالانفصال عن الاقتصاد الحقيقي - لكنّ إستراتيجية الصين تقودها الدولة وتتسم بطابع وظيفي أكثر. يغلب على اعتبارات تدويل الرنمينبي مسائلُ تسوية التجارة وقنوات الاستثمار وتمويل الإنتاج والبنية التحتية. تتجنّب الصين عمداً التحرير الكامل والزيادة المفرطة في المضاربة التي ضخمت حجم النظام المرتكز على الدولار إلى أبعد بكثير من النشاط الاقتصادي الفعلي. لا تبني بكين أسواقاً رأسمالية عالمية ضخمة، بل تبني قنوات مضبوطة تيسّر استخدام الرنمينبي عبر الحدود مع الإبقاء على رقابة الدولة. ينتج عن ذلك إمبراطورية مالية مختلفة نوعياً: أصغر حجماً مقارنة بنظام الدولار المترامي الأطراف، ولكنّها مسترشدة بالعلاقات التجارية وسلاسل القيمة والتحالفات السياسية ومُهيكلة حول ترابط مُدار.
وهذه البنى التحتية ليست حلولاً تقنية محايدة. فتصميمها يحدد مَن يمكنه الوصول إلى السيولة، وكيفية توجيه المعاملات، وتحت أي قواعد يجري النشاط المالي. والصين بترسيخها نفسها عقدةً مركزية في هذه الشبكات لا تكتفي بتدويل عملتها فحسب: بل تعيد بهدوء تشكيل هيكلية التمويل العالمي عبر تعزيز استقلالية بكين المالية، وتقليل انكشافها على العقوبات الأميركية والآثار الجانبية للسياسة النقدية الأميركية، وفي الوقت ذاته، تربط إليها الشركاء الاقتصاديين في الجنوب العالمي برباط أوثق. والنتيجة نظام نفوذ واسع النطاق يهدف إلى جعل الصين لا قوة مهيمنة وحيدة، بل ركيزة حاسمة في النظام العالمي الجديد المتسم بتزايد تجزؤ النشاط المالي والاقتصادي على طول الخطوط الجيوسياسية.
من الاندماج إلى التجزؤ
تدرّجت جهود تدويل الرنمينبي منذ بدايتها أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وعلى مدى العقدين الماضيين، عكست هذه الجهود توتراً مستمراً بين الوزن الاقتصادي المتنامي للصين ونهجها الحذر تجاه الانكشاف المالي. ففي أعقاب الأزمة المالية الآسيوية 1997-1998، خلص صناع السياسات في الصين إلى أنّ تحرير تدفقات رأس المال قبل الأوان يعرّض الاقتصادات لتقلبات تهدّد استقراره. وعلى الرغم من أنّ الرنمينبي أصبح قابلاً للتحويل في معاملات الحساب الجاري في العام 1996، فقد ظل حساب رأس المال مغلقاً إلى حد كبير. شكّل هذا التباطؤ تناقضاً صارخاً مع التوسع السريع لبصمة الصين التجارية، وخلق عدم تطابق بين حجمها الاقتصادي والدور الدولي لعملتها.
شكّلت الأزمة المالية العالمية 2007-2009 نقطة تحول. فقد أبرز تجميد سيولة الدولار في جميع أنحاء العالم المخاطر الكامنة في نظام عالمي يعتمد على عملة احتياطية واحدة. وفي العام 2009، شكّك محافظ بنك الشعب الصيني تشو شياوتشوان علانية في استدامة هيمنة الدولار واقترح توسيع دور حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي أو إنشاء عملة احتياطية «فوق سيادية». كشف هذا الاقتراح (وقد تجاهلته واشنطن إلى حد كبير) عن إحباط عميق في بكين إزاء أوجه الضعف الكامنة في نظام يرتكز على الدولار. وعلى الرغم من أنّ تدويل الرنمينبي لم يكن أبداً أولوية قصوى للحكومة، فقد أطلق التكنوقراط في الصين سلسلة من البرامج التجريبية أرست الأساس لاستخدامه الدولي الأوسع خارج حدود البلاد.
كانت الأعوام السابقة على 2016 ذروة الاندماج. فمع إصلاحات نظام سعر الصرف، والتوسع التدريجي في حصص برنامج المستثمرين المؤسسيين الأجانب المؤهلين وإنشاء مراكز خارجية للرنمينبي في هونغ كونغ ولندن وسنغافورة، ارتفعت المكانة العالمية للرنمينبي بدرجة كبيرة. وبلغ هذا التطور ذروته مع إدراج العملة الصينية في سلة حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2016، وهو إنجاز بدا وكأنّه يُصادق على جهود الصين لتأمين الاعتراف بعملتها ضمن النظام النقدي العالمي القائم.
بيد أنّ التوترات كانت تتصاعد خلف الكواليس. فقد حافظت السلطات الأميركية على رقابة مشددة على شبكات مقاصة الدولار - المنحصرة في بنيتها التحتية الخاضعة للتنظيم مثل تشيبس وفيدوايَر -، وأظهرت مراراً قدرتها على حرمان البنوك الأجنبية أو دول بأكملها من الوصول إليها، جاعلةً من تسوية الدولار أداة جيوسياسية. وفي الوقت نفسه، ظلت خطوط مبادلة الاحتياطي الفيدرالي مقتصرة إلى حد كبير على الاقتصادات المتقدمة، مستثنية الصين والأسواق الناشئة الأخرى، ما عزز عدم التماثل في الوصول إلى قلب نظام الدولار. وفي غضون ذلك، تسببت تدفقات المضاربة إلى سوق الأسهم الصينية وأزمة خفض القيمة العاصفة في 2015-2016 بهروب جماعي لرأس المال، ما دفع بكين إلى إعادة فرض ضوابط صارمة على رأس المال. أبان هذا عن عدم التوافق بين التدويل الكامل للرنمينبي على الطريقة الأميركية وأولوية الصين في الحفاظ على الاستقرار النقدي المحلي.
تميزت فترة ما بعد 2016 بتصاعد المواجهة الجيوسياسية والانفصال الجزئي. فقد أبرز تسليح الدولار - من خلال فرض عقوبات على شركاء الصين من أمثال إيران وتجميد الاحتياطيات الروسية وإقصاء البنوك الروسية من شبكة سويفت - كيف يمكن توظيف البنى التحتية المالية لتكون أدوات إكراه. من جانبها، عززت هذه الأحداث الحاجة لدى بكين إلى تطوير بدائل قائمة على الرنمينبي من شأنها حماية الصين وشركائها من نقاط الضعف هذه. بيد أنّ محاولات التعاون بشأن الإصلاحات العالمية، من قبيل التوسع في إصدار حقوق السحب الخاصة أو مبادرات الدفع متعددة الأطراف تحت مظلة مجموعة العشرين، تعثرت باستمرار أمام رفض الولايات المتحدة تقليص نفوذ سلطتها النقدية.
كانت النتيجة تحولاً إستراتيجياً: فبدلاً من السعي إلى الاندماج في نظام الدولار القائم، ركّزت الصين على بناء مجموعة موازية من البنى التحتية - ترتكز على شبكاتها التجارية وشركائها السياسيين، ولا سيما في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأجزاء أخرى من الجنوب العالمي - يمكنها أن تدعم استخدام الرنمينبي عبر الحدود بشروطها الخاصة. وقد تجلّت هذه الإستراتيجية الجديدة في ثلاثة مجالات وظيفية: المدفوعات والاستثمار والتمويل. تشكّل هذه المجالات معاً العمود الفقري لنظام مالي وليد يتمحور حول الصين. وكلّ مجال منها يمثّل جهداً مدروساً لتجاوز القنوات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، وعزل الصين عن الإكراه النقدي الخارجي، وربط شركاء بكين بشكل أوثق ضمن الشبكات القائمة على الرنمينبي.
المدفوعات
منذ الأزمة المالية العالمية، انتهجت الصين إستراتيجية مدروسة ومتدرّجة لبناء بنى تحتية للمدفوعات تدعم المعاملات المقوّمة بالرنمينبي، متجاوزة شبكات المقاصة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة عند الضرورة، ومقللة انكشافها على الإكراه المالي الغربي. صُمّمت هذه البنى التحتية لخلق الظروف اللازمة لمنظومة مالية أوسع ترتكز على الرنمينبي، وتوفر للشركاء قنوات بديلة لتسوية التجارة، مع المحافظة في الوقت ذاته على قدرة الصين على إدارة التدفقات الرأسمالية عبر الحدود بإحكام.
والدافع وراء هذه الاستراتيجية واضح، فعلى الرغم من أنّ الصين أصبحت أكبر دولة تجارية في العالم (بحلول العام 2023، كانت الشريك التجاري الأكبر لـ 120 دولة)، لا تزال حصة الرنمينبي من تسوية التجارة العالمية محدودة. فقد بقيت التجارة المقوّمة بالرنمينبي مقومة بالدولار، ولطالما كانت التجارة الصينية نفسها مُفوترة بالدولار.
لمعالجة هذا الوضع، سارع صانعو السياسات في الصين إلى إنشاء بنى تحتية مالية مدعومة من الدولة تيسّر مدفوعات الرنمينبي، لضمان قدرة الشركات والمؤسسات المالية حول العالم على إجراء المعاملات بالعملة الصينية بسهولة، مع الحفاظ على حساب رأسمال خاضع للرقابة النسبية. أُنشِئَت الكثير من البنى التحتية الرئيسة لتسهيل مدفوعات الرنمينبي عبر الحدود، وكلٌ منها يساهم في التوسع التدريجي لدور العملة في التجارة الدولية، وفي كل خطوة على الطريق، أصبحت هذه البنى التحتية أيسر للدول الباحثة عن بديل للتجارة بالدولار.
كانت الخطوة الرئيسة الأولى في هذه العملية إطلاق المشروع التجريبي لتسوية التجارة عبر الحدود بالرنمينبي في العام 2009. سمحت هذه المبادرة في البداية لمجموعة مختارة من الشركات الصينية بتسوية المعاملات التجارية بالرنمينبي مع شركاء محددين في هونغ كونغ وماكاو ودول مجموعة الآسيان. أرسى هذا الإطار أساساً قانونياً ومؤسسياً لمدفوعات الرنمينبي خارج الصين للمرة الأولى. وبمرور الوقت، ومع اكتساب السلطات الصينية الثقة في النظام وضمانها عدم زعزعته للسياسة النقدية المحلية، وسعت البرنامج على مستوى البلاد في العام 2012، لتسمح لجميع الشركات الصينية بتسوية أي نوع من المعاملات العابرة للحدود بالرنمينبي مع شركاء في جميع أنحاء العالم.
وبعيداً من تأثيره التقني، بدأ هذا المشروع في تطبيع استخدام الرنمينبي في العلاقات التجارية العالمية، فأرسى الأساس لتحوّل تدريجي عن الفواتير المقوّمة بالدولار ومنح بكين أداة أولى لتعزيز الروابط النقدية مع شركائها التجاريين. كان تأثير هذا الإصلاح جوهرياً. فقد كانت المدفوعات العابرة للحدود بالرنمينبي شبه معدومة في العام 2010، غير أنّها بحلول آذار/مارس 2025 قفزت إلى 54.3% من إجمالي التسويات التجارية الصينية.
كانت الخطوة الرئيسة الثانية إنشاء بنوك مقاصة الرنمينبي في الخارج. تؤدي بنوك المقاصة وظيفة مؤسسات مالية مخصصة تسهّل معاملات الرنمينبي في الولايات القضائية الأجنبية، ما يسمح للبنوك الخارجية بتسوية معاملات الرنمينبي بكفاءة من دون الحاجة إلى وصول مباشر إلى النظام المالي الداخلي للصين. حسّن هذا النموذج بشكل كبير كفاءة المعاملات من خلال إلغاء الاعتماد على شبكات المراسلة المصرفية التقليدية، فالأخيرة كانت تبطئ في السابق أوقات المعاملات وتزيد الأكلاف. أسست الصين بنوك المقاصة للمرة الأولى في هونغ كونغ في العام 2003، ثم وسّعت شبكتها بسرعة. وبحلول تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أسست بنوكَ مقاصة للرنمينبي في 33 اقتصاداً، من بينها لندن وسنغافورة وفرانكفورت ونيويورك.
لم تقتصر فائدة هذه المراكز على خفض أكلاف المعاملات فحسب، بل أرست أيضاً مجمعات سيولة الرنمينبي في الخارج، وبالتالي وسعت النفوذ النقدي للصين من دون تفكيك ضوابطها على رأس المال. يمثّل كل اتفاق لبنك مقاصة صلة مؤسسية مُتفاوض عليها بالنظام المالي لبكين، ما يبني تدريجياً البنية التحتية لشبكة مدفوعات تتمحور حول الصين. كان لنمو بنوك المقاصة دور حاسم في تعزيز سوق رنمينبي خارجية تتمتع بالسيولة. توفر هذه البنوك للمؤسسات المالية المحلية إمكانية الوصول إلى تسوية الرنمينبي، وتقلل الحاجة إلى تحويل العملات الأجنبية وتساعد الشركات على التجارة مع الصين بعملتها الخاصة. أصبحت بنوك المقاصة محركاً رئيساً لزيادة حجم التجارة المقومة بالرنمينبي على مستوى العالم.
إلى جانب بنوك المقاصة في الخارج، سعت الصين إلى إنشاء بنية تحتية أشمل لزيادة تبسيط مدفوعات الرنمينبي. ففي العام 2015، أطلقت نظام المدفوعات العابرة للحدود بين البنوك، وهو منصة مركزية تتيح المقاصة والتسوية المباشرة لمعاملات الرنمينبي على مستوى العالم. ومع أنّه بدأ بـ 19 مشاركاً مباشراً و 176 مشاركاً غير مباشر، فقد توسع بحلول العام 2024 ليشمل 168 مشاركاً مباشراً و 1,461 مشاركاً غير مباشر من 117 دولة. يسّرت هذه البنية التحتية أكثر من 8.9 مليون معاملة بإجمالي 23.1 تريليون دولار أميركي، وكانت 62% من المعاملات خارج الصين. ونظام المدفوعات هذا أكثر من مجرد تطوير تقني للمدفوعات العالمية، بل بديلٌ مؤسسي للبنى التحتية التي يهيمن عليها الغرب مثل سويفت وتشيبس. يمنح هذا الصين قدرة متنامية على إجراء وتسوية التدفقات التجارية خارج نطاق النفوذ النقدي والعقوبات الأميركية. وعلى الرغم من صغر النظام بالمقارنة مع نظرائه القائمين على الدولار، فإنّ نموه السريع يوضح إمكاناته كنظام دفع عالمي بديل. تجدر الإشارة إلى أنّ المؤسسات المالية الغربية الكبرى، بما فيها دويتشه بنك وبنك بي إن بي باريبا وستاندرد تشارترد، قد انضمت جميعها إلى النظام، في دلالةٍ على أهميته المتزايدة في التمويل العالمي.
أبرز تسليح الدولار - من خلال فرض عقوبات على شركاء الصين من أمثال إيران وتجميد الاحتياطيات الروسية وإقصاء البنوك الروسية من شبكة سويفت - كيف يمكن توظيف البنى التحتية المالية لتكون أدوات إكراه
بيد أنّ التطور الأحدث - ولعله الأمضى أثراً - في البنية التحتية لمدفوعات الرنمينبي يتمثَّل في مشروع إم بريدج، وهو منصة متعددة للعملات الرقمية للبنوك المركزية بدأتها الصين وتايلاند وهونغ كونغ والإمارات العربية المتحدة وبنك التسويات الدولية. وخلافاً لأنظمة الدفع التقليدية، بُني المشروع على تقنية البلوكتشاين، ويتيح التسوية المباشرة وفي الوقت الفعلي عبر الحدود بين العملات الرقمية للبنوك المركزية، متجاوزاً بذلك الشبكات المصرفية التقليدية. من الأهداف الرئيسة للمشروع القضاء على الاعتماد على الدولار الأميركي في معاملات التجارة الدولية. وعلى عكس الأنظمة الحالية التي تتطلب فيها المدفوعات العابرة للحدود بنوكاً وسيطة وتحويلات متعددة للعملة (بالدولار الأميركي غالباً)، يسمح إم بريدج بإجراء تسويات مباشرة بالرنمينبي بين البنوك المركزية والبنوك التجارية. ومن خلال إنشاء قنوات دفع تعمل خارج غرف المقاصة التي يسيطر عليها الغرب، تختبر بكين أسس شبكة نقدية رقمية موازية يمكن أن تمنح الاقتصادات المشاركة، بمرور الوقت، مساراً يمكّنها من الإفلات من هيمنة الدولار.
والتداعيات الجيوسياسية لمشروع إم بريدج شديدة. إذ يشير انضمام المملكة العربية السعودية في العام 2024 إلى أنّ الصين ربما تُمهّد الطريق لمعاملات نفطية لا تستخدم الدولار، وهو هدف استراتيجي طويل الأمد. كما يوفر هذا المشروع أيضاً نموذجاً محتملاً لبنية تحتية للمدفوعات مقاومة للعقوبات، يتيح للبلدان المشاركة بتسوية المعاملات بعيداً عن تأثير المؤسسات المالية الغربية. وفي حين يظل استخدام الرنمينبي محدوداً في أوروبا وأميركا الشمالية، فقد تسارع اعتماده واستخدامه في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. وتؤكد الاتجاهات الأخيرة في تسوية تجارة السلع الأساسية، من قبيل معاملات الغاز الطبيعي المسال المسوّاة بالرنمينبي مع الإمارات العربية المتحدة، كيف تدفع البنية التحتية المالية جهود إنهاء هيمنة الدولار، خصوصاً بين البلدان المتخوفة من العقوبات المالية الأميركية. لكن تظل معاملات الرنمينبي حتى الآن ثنائية إلى حد كبير مع الصين، مع اقتصار استخدامها على الحد الأدنى بين أطراف ثالثة بخلاف حالات محددة (تشمل في الغالب دولاً خاضعة للعقوبات كروسيا).
يحمل توسع البنية التحتية لمدفوعات الرنمينبي أهمية مركزية في استراتيجية الصين المالية طويلة الأجل. فمن خلال إنشاء شبكة عالمية من بنوك المقاصة، وأنظمة الدفع المشتركة بين البنوك، ومنصات العملة الرقمية، تكون الصين قد بنت أسس نظام مالي دولي يرتكز على الرنمينبي. هذه البنى التحتية بمثابة أدوات للإدارة المالية الحكومية؛ فهي لا تقتصر على تسهيل الاستخدام العملي للرنمينبي فحسب، بل تعزز أيضاً الاستقلال المالي للصين عن طريق تقليل الاعتماد على الشبكات القائمة على الدولار. وعلى الرغم من أنّ الرنمينبي لا يزال بعيداً عن الحلول محل الدولار بصفته العملة العالمية المهيمنة، فقد باتت هيكلية نظام بديل موجودة الآن، ما يمنح بكين خيارات متعددة في الأزمات المستقبلية ونفوذاً متزايداً على شروط المدفوعات العالمية.
البنى التحتية المالية
يزعم الكثير من المعلقين أنّ حساب رأس المال المُقيد للصين لا يزال يعيق تدويل عملتها. بيد أنّ هذا الرأي يقلل من شأن استراتيجية بكين المدروسة للتدويل بشروطها الخاصة. فبدلاً من نسخ أسواق رأس المال المفتوحة والقائمة على المضاربة على النمط الأميركي، عمدت الصين إلى بناء بنية تحتية تديرها الدولة تربط بطريقة انتقائية المستثمرين الأجانب بأسواقها المحلية. تسمح هذه القنوات المضبوطة بإحكام بنمو الاستثمار العابر للحدود من دون التنازل عن السيادة النقدية - الدفع بتدويل الرنمينبي إلى الأمام مع الحفاظ على الاستقلال السياسي والتنظيمي المميز للإمبراطورية المالية الصينية.
في البداية، كانت أسواق رأس المال الصينية معزولة إلى حد كبير عن التمويل العالمي. ولم يحظَ المستثمرون الأجانب سوى بوصول محدود للغاية إلى الأصول المقوّمة بالرنمينبي، وكانت الآليات المبكرة مثل سوق الأسهم من الفئة ب والإدراج الخارجي تعمل ضمن نظام منفصل من دون دمج أصول الرنمينبي مباشرة في تدفقات الاستثمار العالمية. لكن ابتداءً من منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تحولت الصين نحو انفتاح مُدار، فأطلقت سلسلة من الآليات الخاضعة للرقابة مكّنت المستثمرين الأجانب من المشاركة في أسواقها المحلية. لم تُصمم هذه الإصلاحات لتقليد حركة رأس المال الغربي، بل لاختبار الوصول ومعايرته وتوسيع نطاقه بطرائق تخدم الأولويات المحلية مع التموضع التدريجي للرنمينبي كعملة قابلة للاستثمار عالمياً.
كانت المبادرة الرئيسة الأولى إنشاء برنامج المستثمرين المؤسسيين الأجانب المؤهلين في العام 2002. سمح البرنامج للمؤسسات الأجنبية المرخَّص لها بالاستثمار في أسواق الأسهم والسندات الصينية بموجب حدود صارمة للحصص المقررة. تبع ذلك برنامج المستثمرين المؤسسيين الأجانب المؤهلين بالرنمينبي في العام 2011. سمح البرنامج بإعادة استثمار الرنمينبي الخارجي في أسواق رأس المال الداخلية، مستفيداً من المجمع المتنامي للرنمينبي المحتجز خارج الصين. ورغم كون هذه الأنظمة القائمة على الحصص خطوة أولية نحو الاندماج المالي، فقد ظلت مقيدة للغاية وتطلبت موافقات وفرضت قيوداً على إعادة الأموال إلى الوطن وقيّدت أنشطة التداول. وبدلاً من التحرير السريع، صممت بكين هذه المشروعات لجذب المستثمرين المستقرين على المدى الطويل بشروطها الخاصة.
في حين أنّ برنامج المستثمرين المؤسسيين الأجانب المؤهلين كان قليل الاستخدام في الأصل، جاءت نقطة تحول في العام 2014 مع إطلاق برنامج ستاك كونكت، وهو آلية تداول عابرة للحدود تربط بين أسواق شنغهاي وهونغ كونغ للأوراق المالية. وعلى عكس مشروعي برنامج المستثمرين المؤسسيين الأجانب المؤهلين والمستثمرين المؤسسيين الأجانب المؤهلين بالرينمينبي القائمان على الحصص، وفر برنامج ستاك كونكت قناة أسلس وأكثر قابلية للتطوير للمستثمرين الأجانب للوصول إلى أسهم الفئة أ الصينية، ما قلل بدرجة كبيرة من حواجز الدخول. بات بإمكان المستثمرين الدوليين الآن شراء الأسهم الصينية المؤهلة من خلال أداة مخصصة في هونغ كونغ، ويمكن للمستثمرين الصينيين الوصول إلى الأسهم المدرجة في هونغ كونغ عبر الآلية نفسها. سمح تصميم البرنامج بمعاملات أكفأ، وألغى الحاجة إلى الموافقات المسبقة على الحصص، وضَمِنَ تدفقاً مطرداً لرأس المال الأجنبي إلى الأسواق الصينية. وبحلول العام 2023، شكّل المستثمرون الأجانب ما يقرب من 7% من التداول في أسواق الأسهم الصينية، وهي زيادة حادة من 0.6% في العام 2014. دفع هذا مرة أخرى من تدويل الرنمينبي إلى الأمام، ليس عن طريق تحرير الأسواق بالكامل، ولكن عن طريق إنشاء قنوات محكمة حافظت على رقابة بكين على التدفقات العابرة للحدود، وبالتالي عززت رؤيتها لإمبراطورية مالية تقودها الدولة.
بعد نجاح برنامج ستاك كونكت، أُنشِئَت بنى تحتية مماثلة لأسواق السندات. ففي العام 2016، أُطلق برنامج السوق المشترك المباشر بين البنوك للسندات. سمح البرنامج للمؤسسات الأجنبية، بما فيها البنوك المركزية والبنوك التجارية، بالاستثمار في السندات الصينية من دون الحاجة إلى موافقة تنظيمية مسبقة. وقد استُكمِل البرنامج بإطلاق برنامج بوند كونكت في العام 2017 الذي وفر مساراً أسلس للمستثمرين الدوليين للوصول إلى أسواق السندات الصينية من خلال منصات التداول العالمية المعروفة مثل بلومبرغ وتريدويب. وباستحداث هذه البنى التحتية، ازدادت الملكية الأجنبية للسندات الحكومية الصينية زيادةً كبيرة، فارتفعت من 0.3% في العام 2012 إلى 11% بحلول العام 2021. وقد زادت هذه الآليات الوصول إلى الديون المقومة بالرنمينبي مع الإبقاء على تدفقات رأس المال بثبات ضمن إطار عمل صممته الجهات التنظيمية الصينية.
ومن السمات الأساسية لهذه الترتيبات البنيوية تصميمها على هيئة أنظمة «حلقة مغلقة»، صُممت عمداً للسماح بالمشاركة في الأسواق الصينية من دون التنازل عن السيطرة على حساب رأس المال الأوسع. تُمَكّن هذه الأنظمة من الاستثمار الأجنبي في أصول الرنمينبي، لكنّها في الآن ذاته تحافظ على ضوابط رأس المال عن طريق تقييد الحركة الحرة للأموال خارج قنوات الاستثمار المعينة. يسمح هذا النهج للصين بجذب رأس المال الأجنبي مع تقليل المخاطر المرتبطة بالتدفقات المضاربة والاضطراب المالي. علاوة على ذلك، وسّعت الصين نموذج كونكت ليشمل فئات أصول أخرى، منها الصناديق المتداولة في البورصة ومنتجات إدارة الثروات وعقود مبادلة أسعار الفائدة. استُكمِل ذلك بشكل أكبر من خلال تطوير أدوات مالية مقوّمة بالرنمينبي، منها مؤشرات الأسهم والعقود الآجلة وأدوات التحوط عبر العملات، خاصةً في هونغ كونغ، ما يوفر للمستثمرين الدوليين مرونة أكبر في إدارة الانكشاف على الأصول الصينية.
الحال أنّ التوترات الجيوسياسية تسببت بتقلبات في تدفقات الاستثمار الأجنبي - خاصة بين المستثمرين الأميركيين - بيد أنّ المسار الأوسع لتدويل أصول الرنمينبي استمر. وفي السنوات الأخيرة، حدث تحول حاسم في جغرافيا استثمارات الرنمينبي، مع توسيع المؤسسات المالية غير الغربية، وخصوصاً تلك القادمة من الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، لتخصيصاتها في الأسواق الصينية.
برزت صناديق الثروة السيادية من سنغافورة وأبوظبي والكويت لتكون مستثمراً كبيراً في أسواق الأسهم والسندات الصينية، وقد وجهت صناديق الثروة السيادية الشرق أوسطية وحدها أكثر من ستة مليارات دولار إلى الأسهم الصينية في العام 2024، بعدما كانت 100 مليون قبل عامين. كما رافق ذلك الإدراج المتبادل للصناديق المتداولة في البورصة وغيرها من المنتجات المالية، والافتتاح المتبادل للفروع، وتسارع وتيرة الدبلوماسية المالية. يعكس هذا التغيّر في قاعدة المستثمرين أكثر من مجرد تنويع للمحافظ الاستثمارية: يجسد استراتيجية بكين المدروسة لتعزيز الروابط الرأسمالية مع الاقتصادات المرتبطة بالفعل بشبكاتها التجارية والبنية التحتية، ما يبني نظاماً بيئياً للمستثمرين بالرنمينبي خارج الدوائر المالية التي يهيمن عليها الغرب. وفي الوقت نفسه، واجه المستثمرون الأميركان ضغطاً تنظيمياً متزايداً لتقليل انكشافهم على الصين، مع فرض واشنطن عقوبات على الشركات الصينية وممارسة الضغط على شركات المؤشرات لاستبعاد الأصول الصينية. تؤكد تدفقات الاستثمار المتباينة هذه كيف أنّ تدويل أصول الرنمينبي يرتكز بازدياد على نظام مالي متعدد الأقطاب ومجزأ جيوسياسياً.
أرست بكين بتطويرها هذه البنى التحتية المالية أسس نموذج متميز لتدويل العملة تديره الدولة. وفي حين أنّ حساب رأسمالها لا يزال مقيداً بحكم القانون، فقد مكّن مزيج من برامج كونكت وبرامج الوصول إلى سوق السندات وأسواق الرنمينبي الخارجية من تحقيق مستوى من الاندماج العالمي بحكم الأمر الواقع من دون التخلي عن السيطرة المحلية. ومع استمرار نمو هذه الأنظمة - وخاصة بين الجهات المالية غير الغربية - فإنّها توفر الظروف اللازمة لدور أوسع للرنمينبي في تدفقات الاستثمار العالمية، ما يعزز تدريجياً النفوذ المالي للصين في عالم ينحو إلى تعدد الأقطاب.
التمويل
إلى جانب ما سبق، يضطلع بناء البنى التحتية المالية للتمويل المقوَّم بالرنمينبي بدور حاسم في دفع تدويل العملة قدماً. فبدلاً من بناء أسواق ائتمان خارجية واسعة وقائمة على المضاربة، كما في نظام الدولار، انتهجت الصين نهجاً وظيفياً تديره الدولة يركز على التجارة والبنية التحتية والاستثمار الإنتاجي. ومن خلال تطوير سندات الباندا، وسندات ديم سوم، وخطوط المبادلة الثنائية، أوجدت الصين آليات تيسر تراكم التزامات الرنمينبي وتداولها وتسييلها خارج نظامها المالي المحلي. تسمح هذه البنى التحتية للمقترضين الأجانب بالوصول إلى تمويل الرنمينبي، وتوسيع مجمع الأصول المقومة بالرنمينبي، وتوفير تدابير استقرار مالي تشجع على استخدام العملة على نطاق أوسع. وبالرغم من محدودية دور الرنمينبي كعملة تمويل عالمية، فقد أرست هذه التطورات البنيوية الأرضية لتوسعه المستقبلي.
مكّن طرح سندات الباندا الشركات الأجنبية والمؤسسات المالية والحكومات من جمع رأس مال بالرنمينبي ضمن السوق المحلي الصيني. وعلى الرغم من أنّها كانت مقيدة في البداية بسبب الغموض التنظيمي وضوابط رأس المال، فقد زاد من جاذبية السوق إدخالُ سلسلة من الإصلاحات التدريجية - بما فيها قواعد إصدار أوضح وإزالة القيود على إعادة الأموال إلى الوطن. كانت الإصدارات المبكرة صغيرة وتجريبية، لكنّها نمت في الحجم والنطاق: في العام 2016، كانت بولندا أول دولة أوروبية تصدر سندات باندا سيادية، وفي العام 2023، استخدمت المجر هذه السندات لتمويل مشروعات البنية التحتية لمبادرة الحزام والطريق، فاستخدمت بعضاً من العائدات لدفع مستحقات المقاولين الصينيين بالرنمينبي. وبدأت شركات أجنبية منها مرسيدس-بنز، وإتش إس بي سي، وترافيغورا في إصدار سندات الباندا في أوائل العام 2025، مستفيدة من أسعار الفائدة الصينية المنخفضة والتحوط ضد المخاطر المالية الغربية. وكلُّ إصدارٍ يعزز نظام الأصول المقوّمة بالرنمينبي، ما يخلق المزيد من الفرص للكيانات الأجنبية لتمويل نفسها ضمن الهندسة المالية الصينية.
تؤكد الاتجاهات الأخيرة في تسوية تجارة السلع الأساسية، من قبيل معاملات الغاز الطبيعي المسال المسوّاة بالرنمينبي مع الإمارات العربية المتحدة، كيف تدفع البنية التحتية المالية جهود إنهاء هيمنة الدولار، خصوصاً بين البلدان المتخوفة من العقوبات المالية الأميركية
توفر سوق سندات ديم سوم قناة خارجية مكملة تُصدر السندات في مراكز مالية مثل هونغ كونغ ولندن ولوكسمبورغ، وكان قد بدأ العمل بها في هونغ كونغ في العام 2007. وبعدما هيمنت عليها في البداية البنوك الصينية المملوكة للدولة، اجتذب تدريجياً مُصدرين متعددي الجنسيات من أمثال ماكدونالدز (2010) وإتش إس بي سي (2012)، لتختبر الطلب العالمي على الديون المقومة بالرنمينبي خارج البر الرئيس للصين. وقد تضاعف إصدار سندات ديم سوم ثلاث مرات تقريباً، من حوالي 18 مليار دولار في 2022 إلى 34 مليار في 2023، يدفعه في ذلك لا الطلب وحده من المُصدرين الصينيين، بل أيضاً زيادة حصة الشركات الأجنبية والكيانات السيادية المستفيدة من سوق الرنمينبي الخارجية في هونغ كونغ. وعلى وجه الخصوص، زادت الشركات غير المالية خارج الصين إصدارها لسندات ديم سوم بمقدار خمسة أضعاف في الفترة 2020-2024، ما يعكس تحولاً قصدياً نحو التمويل بالرنمينبي لدعم التجارة، أو الاستثمار، أو استراتيجيات التنويع الإقليمي. وعلى الرغم من محدودية سوقي باندا وديم سوم مقارنة بأسواق السندات المقومة بالدولار أو اليورو، فإنّهما يُرسخان علاقات ائتمانية عابرة للحدود بالرنمينبي تسمح للمقترضين بالتنويع بعيداً عن التمويل بالدولار مع زيادة اعتمادهم على المؤسسات المالية ومجمعات المستثمرين الصينيين.
إلى جانب أسواق السندات، أصبحت شبكة خطوط المبادلة الثنائية الصينية حجر زاوية في استراتيجية تمويلها بالرنمينبي. وعلى عكس ترتيبات المبادلة في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والمقتصرة إلى حد كبير على الاقتصادات المتقدمة ومصممة لأزمات السيولة، تخدم المبادلات الصينية وظيفة مزدوجة، توفر سيولة بالرنمينبي في فترات الضغط السوقي وتدعم المعاملات العابرة للحدود بالرنمينبي. تمكّن هذه الوظيفة المزدوجة تسوية التجارة والاستثمار المقوّمة بالرنمينبي بصفة منتظمة بين الاقتصادات المشاركة.
تجدر الإشارة إلى أنّ شبكات سيولة الرنمينبي الصينية تتركز في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. يعكس هذا التحول الجغرافي نمطاً أوسع في الدبلوماسية المالية للصين - اعتماد الرنمينبي في مناطق يكون فيها الطلب على بدائل للدولار هو الأعلى وحيث تكون الصين شريكاً تجارياً مهيمناً. ومن خلال ضمان توفير الرنمينبي في فترات التقلب أو على الرغم من ضغط العقوبات، ترسخ خطوط المبادلة هذه دور الصين كضامن مالي للاقتصادات غير الغربية، وتدمجها على نحو أوثق في الشبكات المتمحورة حول الرنمينبي.
بناءً على تزايد مجمعات رأس المال الخارجية وضمانات البنوك المركزية، زادت البنوك الصينية في السنوات الأخيرة بسرعة من إصدار القروض المقوَّمة بالرنمينبي، وقلصت في الوقت ذاته من الإقراض بالدولار. وبين العامين 2015 و 2024، ارتفع الإقراض بالرنمينبي من قبل المؤسسات المالية الصينية من 7% إلى 40% من القروض الخارجية، مع زيادة حادة على وجه التحديد بعد العام 2022. وكان لهذا تأثير عالمي ملموس، فقد انخفض إجمالي الإقراض بالدولار لاقتصادات الأسواق الناشئة بنسبة 10% بين العامين 2022 و 2024.
إلى جانب قنوات الائتمان، بدأت بكين بربط الرنمينبي بالذهب بصفته أصلاً احتياطياً موثوقاً. ففي حزيران/يونيو 2025، افتتحت بورصة شنغهاي للذهب أول خزانة دولية للذهب في هونغ كونغ، إلى جانب عقود ذهب جديدة مقوَّمة بالرنمينبي، تُسوّى إما نقداً أو بالتسليم المادي في الخارج. يسمح هذا الترتيب للمستثمرين العالميين بتحويل الرنمينبي الخارجي مباشرة إلى ذهب مادي، ويوفر فعلياً آلية مدعومة بالذهب للرنمينبي خارج البر الرئيس للصين. ومن خلال ربط اليوان بأصل احتياطي موثوق، تعزز بكين الثقة الدولية في عملتها، وتضيف وظيفة ملاذ آمن شبه رسمية لأسواق الرنمينبي الخارجية. تكمل هذه المبادرة سندات الباندا وديم سوم، وتشجع المستثمرين على الاحتفاظ بالرنمينبي مع الاحتفاظ بخيار الاسترداد بالذهب. وفي سياق جهد أوسع تقوده الدولة لبناء أسواق تمويل مقومة بالرنمينبي، توسع خزانة الذهب في هونغ كونغ البنية التحتية المالية للصين إلى ما هو أبعد من الائتمان وخطوط المبادلة ليطال أمن الأصول الاحتياطية، ما يعمق الجاذبية الهيكلية للتمويل بالرنمينبي. ويدعم هذا بشكل مباشر جهود إنهاء هيمنة الدولار من خلال تمكين استيراد وتسوية الذهب بالرنمينبي بدلاً من الدولار، ما يمثّل تعبيراً قوياً للتوسع المالي للصين.
وهذه البنى التحتية تعزز نفسها بنفسها، فتزيد من الأصول المقومة بالرنمينبي وتضمن في الوقت نفسه السيولة اللازمة لاستدامة نموها واعتمادها في الأسواق العالمية. وبدلاً من نسخ أسواق التمويل العميقة والقائمة على المضاربة التي ترتكز عليها هيمنة الدولار، تبني بكين نظاماً بيئياً وظيفياً ومستهدفاً استراتيجياً بصورة أكبر، ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالتجارة والبنية التحتية والاستثمار الإنتاجي. ومع تعميق الصين لروابطها المالية مع الجنوب العالمي، تجعل آليات التمويل هذه من الرنمينبي عملة ذات متزايدة الأهمية في الدوائر المالية غير الغربية، ما يعزز تدريجياً محورية بكين في التدفقات المالية العالمية.
إمبراطورية مالية مركزها الصين؟
على مدى عقدين من الزمن، تطور مشروع الرنمينبي من محاولة حذرة للاندماج في النظام الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة إلى جهد مدروس لإعادة صياغة الترابط النقدي والمالي وفقاً لشروط بكين. والنتيجة ليست سعياً للاستبدال الكامل لهيمنة الدولار، بل البناء التدريجي لهيكلية مالية موازية تقلل من انكشاف الصين على الإكراه النقدي الأميركي وتربط شركاءها التجاريين بشبكات التجارة والاستثمار والتمويل المقوّمة بالرنمينبي.
مع نضوج البنية التحتية المالية للصين، لم يكن ما ظهر مجرد استراتيجيا لتدويل العملة، بل هيكلية لمشروع جيوسياسي أوسع. وبالتوافق مع مجالات أخرى من قبيل سلاسل التوريد والبنى التحتية الرقمية والموارد أو التكنولوجيا الخضراء، يُعد هذا مشروع بناء إمبراطورية، ويخلق شبكة من الترابط الاقتصادي غير المتماثل تتمحور حول نواة مهيمنة.
في حالة تدويل الرنمينبي، فإنّ مراكز المقاصة الخارجية وقنوات الاستثمار وشبكات المقايضة ومنصات الدفع الرقمية تعيد صياغة التمويل العابر للحدود بطرق تعزز استقلالية بكين وتخلق تبعيات جديدة لشركائها، لا سيما في الجنوب العالمي. غدت المشاركة في الدائرة الاقتصادية الصينية المتنامية تستدعي بازدياد المشاركة في مجالها المالي، حيث تتوسط المؤسسات والقواعد الصينية في الوصول إلى السيولة وأنظمة التسوية وتدفقات الاستثمار.
لقد أرسى البناء المدروس للبنية التحتية للرنمينبي - بدءاً من بنوك المقاصة وصولاً إلى مشروع إم بريدج وآليات تسعير السلع الأساسية - قنوات بديلة تتجاوز الأنظمة التي يسيطر عليها الغرب. ومع تعزيز الصين لدورها كشريك تجاري مهيمن للأسواق الناشئة، توفر هذه البنى التحتية الأساس لنمو تدويل الرنمينبي. وفي حين يظل استبدال الدولار الأميركي أمراً غير مرجح، وليس هو الهدف المباشر لبكين، يوفر النظام المالي الموازي للصين ولشركائها مساراً مُداراً نحو قدر أكبر من الاستقلال المالي، وفي الوقت ذاته، يشد روابطهم الهيكلية مع بكين.
يختلف هذا النظام المالي الوليد عن سابقاته الليبرالية اختلافاً جوهرياً. ففي حين بُنيت الهيمنة المالية الأميركية على أسواق رأسمالية مفتوحة وهيمنة مؤسساتية ونظام واسع من أدوات مالية مكثفة منفصلة عن الإنتاج الحقيقي، فإنّ استراتيجية الصين تقودها الدولة، وهي وظيفية، ومقيَّدة عمداً. يرتبط تدويل الرنمينبي في المقام الأول بتمويل التجارة والبنية التحتية والاستثمار الإنتاجي، متجنباً الزيادة المفرطة في المضاربة التي ضخمت حجم نظام الدولار إلى ما هو أبعد بكثير من النشاط الاقتصادي الحقيقي. والنتيجة شبكة مالية أصغر حجماً وأكثر استهدافاً ترّسخ الصينَ في مركزها.
يحتل الجنوب العالمي موقعاً محورياً في هذا المشروع. فمن خلال خطوط المبادلة وأسواق سندات الرنمينبي وعمليات الاستحواذ الجزئية على البورصات في أماكن مثل باكستان أو كازاخستان أو بنغلاديش، تُصدِّر بكين أطر تنظيمية وقواعد تداول وبنى تحتية للأسواق تعيد توجيه تدفقات رأس المال نحو أنظمة تقودها الصين. إنّ منصات رأس المال العابر للحدود وإصدار السندات بالرنمينبي، وآليات التسوية، تربط الاقتصادات الناشئة تدريجياً بالمؤسسات الصينية، مُحولةً النفوذ المالي بعيداً عن الشبكات الغربية.
شكّلت الإمبراطوريات المالية تاريخياً تدفقات رأس المال العالمية من خلال التحكم في التجارة والائتمان وهياكل الاحتياطي. وفي حين تعكس مقاربة الصين هذا المنطق، فإنّها تبني هيكلية مالية بديلة تعزز محوريتها على الصعيد الدولي، وتحافظ على الرقابة التنظيمية محلياً، ما يمثل نهجاً أكثر إدارة لعملية التدويل المالي بقيادة الدولة.
لا تبني الصين إمبراطورية على نمط الدولار، قائمة على الأسواق المترامية الأطراف والتمويل القائم على المضاربة، بل تشييد شيئاً أبسط وأكثر وظيفية ومُداراً بإحكام - نظاماً مالياً يدعم التجارة والبنية التحتية والاستثمار الإنتاجي، وفي الوقت نفسه، يعزل بكين عن النفوذ الأميركي. ويظل المسار المستقبلي لهذا النظام غير مؤكد. وسيعتمد نموه على عدد الدول التي تختار الاندماج في هذه القنوات الموازية. لكنّ البنى التحتية الأساسية قد ترسخت الآن بقوة. وسواء كان هذا النظام مكملاً لنظام الدولار أو منافساً له، فإنّه يُرّسخ الصين كعقدة مركزية في نظام نقدي عالمي يتسم بالتجزؤ المتزايد - معيداً رسم خريطة القوة المالية بهدوء.
نُشِر هذا المقال في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2025 في Phenomenal World، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموجب اتفاق مع الجهة الناشرة.