معاينة شكوك في أرقام الناتج المحلي وتقديرات النمو

الصورة: Unsplash/Mahmoud Sulaiman 

شكوك في أرقام الناتج المحلي وتقديرات النمو في سوريا

في خلال احتفالات عيد الفطر يوم الجمعة الماضي، أعلن الرئيس الانتقالي لسوريا أحمد الشرع أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بين 30 و35% في عام 2025، وتوقّع أن يعود الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى مستويات ما قبل الصراع.

وبالتوازي، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن الموازنة لعام 2026 بلغت 10.5 مليار دولار، في زيادة حادّة مقارنة بموازنة العام الماضي البالغة 3.5 مليار دولار.

لم يوضح الشرع ولا برنية المنهجية المعتمدة في إعداد هذه الأرقام. وتبدو بيانات الناتج المحلي الإجمالي، تحديداً، بعيدة بدرجة لافتة من الواقع.

توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي

قال الشرع، الجمعة، إن الناتج المحلي الإجمالي سيعود هذا العام إلى مستويات عام 2010، ليتراوح بين 50 و60 مليار دولار. وأضاف، بحسب سانا، أن الناتج المحلي الإجمالي السوري وصل في عام 2025 إلى 32 مليار دولار، محققاً نمواً تراوح بين 30% و35%، فيما وصل الإنفاق، أي نفقات الموازنة، إلى 3.5 مليارات دولار، مقابل 2 مليار دولار في عام 2024.

أثارت تصريحات الرئيس السوري بشأن نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة وصلت إلى 35% العام الماضي، وعودته هذا العام إلى مستوى عام 2010، نقاشاً بين اقتصاديين سوريين وبين عموم المتابعين.

تختلف تقديرات الشرع عن التقديرات الرسمية السابقة وعن توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الصادرة عن البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمركز السوري لبحوث السياسات، وحتى عن وزارة المالية نفسها.

في شباط/فبراير، على سبيل المثال، قال عبد الله الحنفي، المتحدث باسم مديرية مالية دمشق وعضو عدة لجان ضمن وزارة المالية، إن سوريا حققت نمواً سنوياً بنسبة 5% في عام 2025، مع توقع ارتفاع النمو إلى ما بين 10 و15% في عام 2026. وتتوافق تقديراته لعام 2026 مع تقديرات برنية في تشرين الثاني/نوفمبر.

في العام الماضي، توقّع البنك الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في سوريا بنسبة 1% في عام 2025، وأن ينكمش نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.7%. وقد يعود هذا التراجع في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى عودة اللاجئين والنازحين داخلياً، إضافة إلى النمو السكاني الطبيعي.

وبحسب أرقام البنك الدولي، تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في سوريا بنسبة 53% بين عامي 2010 و2022، بينما تشير القيم الاسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي «انخفض من 67.5 مليار دولار في عام 2011 إلى 21.4 مليار دولار مقدّرة في عام 2024».

وقدّر المركز السوري لبحوث السياسات، وهو مؤسسة بحثية مستقلة مرموقة مقرّها في فيينا، في موجز سياسات نُشر اليوم، أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2025 لم يتجاوز 0.3%، وأن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 6% نتيجة تدفّق عودة اللاجئين.

وقدّم المركز تفصيلاً حسب القطاعات للنشاط الاقتصادي لشرح كيفية توصّله إلى هذا التقدير.

بحسب المركز، تراجعت الزراعة، وهي مكوّن أساسي في الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة 28%، مدفوعة أساساً بضعف الأمطار ومحدودية الدعم الحكومي. واستند إلى أرقام إنتاج المحاصيل الرئيسة في سوريا، ومنها القمح الذي هبط بنسبة 62%، والشعير بنسبة 35%، فيما ارتفعت الحبوب الأخرى بنسبة 12%. وتشير تقديرات المركز إلى أن الزراعة شكّلت نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، مقابل 18% في عام 2025 (انظر/ي الجدول أدناه).

تراجعت الخدمات الحكومية، التي شكّلت تاريخياً مكوّناً مهماً من الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة 4%، فيما تراجع التصنيع بنحو 10%. وعزا موجز المركز السوري لبحوث السياسات أبرز أزمات قطاع التصنيع إلى «نقص المواد الخام واليد العاملة الماهرة، وارتفاع كلفة الطاقة، و"إغراق" السوق بالسلع المستوردة الرخيصة في ظل سياسة "التحرير الاقتصادي"».

يتمثّل أحد أبرز استنتاجات المركز في أن حجم الخدمات الحكومية في الاقتصاد السوري انهار في خلال الحرب، من نحو 15% في عام 2010 إلى نحو 3.5% في عام 2025.

ومن بين القطاعات التي سجّلت أداءً إيجابياً في العام الماضي، نما قطاع النفط والغاز بنسبة 4.7%، إذ بلغ إنتاج النفط 89,000 برميل يومياً في عام 2025، مقارنة بـ 85,000 برميل يومياً في العام السابق، فيما بلغ إنتاج الغاز 3.5 مليار متر مكعّب، ارتفاعاً من 3.3 مليار في عام 2024. كما ارتفع إنتاج الكهرباء بنحو 10%. وبلغت مساهمة التعدين والصناعات التحويلية، اللتين تُدرجان تحت بند واحد في الإحصاءات السورية، نحو 21% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020.

أما قطاعا النقل والاتصالات، اللذان يُصنّفان أيضاً ضمن بند واحد تقليدياً، فقد نما بنسبة 4%. وأشار موجز المركز إلى أن هذا القطاع أصبح الأكبر في الاقتصاد، إذ شكّل 37.45% و38.80% من الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2024 و2025 على التوالي.

وسجّل قطاع البناء والتشييد أعلى معدل نمو في العام الماضي، بنحو 45%، وشكّل 5.76% من الناتج المحلي الإجمالي.

بدأ القطاع يتعافى مع إعادة الأفراد بناء منازلهم، على الرغم من أن الدولة لم تطلق بعد أيّ مرحلة إعادة إعمار منسّقة. وترتبط نسبة كبيرة من عروض الاستثمار التي أعلنتها هيئة الاستثمار السورية بقطاع البناء والتشييد، كما أظهر قطاع الإسمنت بعض المؤشرات الإيجابية، وارتفعت الأجور اليومية لعمّال البناء، وفق دراسة حديثة صادرة عن المجلس الدنماركي للاجئين.

كما شكّك المركز السوري لبحوث السياسات في إمكان عودة الناتج المحلي الإجمالي إلى مستواه في عام 2010 هذا العام، لأن ذلك «يتطلّب معدلات نمو غير مسبوقة (نحو 300% بين عامي 2024 و2026)». وقدّر المركز أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2025 بلغ «نحو 45% من مستواه في عام 2010 وفق الأسعار الثابتة». إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي وفق الأسعار الثابتة 1,385 مليار ليرة سورية في عام 2010، بأسعار عام 2000، مقارنة بنحو 619 مليار ليرة سورية في عام 2025.

في المقابل، قدّر برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، في تقرير نُشر في شباط/فبراير، أن «مستوى الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب» لن يُستعاد قبل عام 2080. وأشار إلى أن «النمو الاقتصادي السنوي يجب أن يرتفع ستّة أضعاف لتقليص فترة التعافي إلى عشر سنوات، وأن زيادة طموحة بمقدار عشرة أضعاف مطلوبة على مدى 15 عاماً لإعادة الاقتصاد إلى المستوى الذي كان سيبلغه لولا الحرب». وقدّر التقرير أنه عند معدل نمو سنوي يبلغ 1.3% (2018–2024)، فإن الاقتصاد السوري «سيحتاج إلى 55 عاماً لاستعادة مستويات الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب»، مضيفاً أن تحقيق التعافي في خلال 15 عاماً يتطلّب نمواً سنوياً بنسبة 5%.

لا يجد هذا التقدير تفسيراً منطقياً سوى أن الشرع يعرض الأرقام بالقيم الاسمية، أي من دون احتساب التضخم، وليس بالقيمة الحقيقية التي تُعد المعيار المعتمد عالمياً لقياس نمو الناتج المحلي الإجمالي. وبعد خطابه، لم يصدر أي تصحيح أو توضيح من برنية أو غيره من المسؤولين الحكوميين.

تحسّن الأفق الاقتصادي في سوريا منذ سقوط النظام بشكل عام مقارنة بسنوات الحرب: رُفعت العقوبات الاقتصادية الغربية، واستعادت السلطات المركزية السيطرة على شمال سوريا، وارتفع عدد الشركات المسجّلة، وتدفّقت الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.

2
1

موازنة بقيمة 10.5 مليار دولار

لم تعتمد الحكومة الانتقالية، في العام الماضي، موازنة 2025 التي سبق أن أقرّها مجلس الشعب السابق في عهد الأسد، واكتفت عوضاً من ذلك بالعمل ضمن إطار موازنة 2024 وفق القاعدة الاثني عشرية، أي إن الإنفاق الشهري اقتصر على واحد على اثني عشر من مخصّصات العام السابق. وقد بلغت موازنة 2024 نحو 35.5 تريليون ليرة سورية، بما يوازي نحو 3.2 مليارات دولار وفق سعر الصرف الرسمي الحالي البالغ 11,000 ليرة للدولار.

وأعلن الوزير برنية يوم الجمعة أن موازنة عام 2026 تبلغ 10.5 مليار دولار، وأن موازنة عام 2025 بلغت 3.5 مليار دولار وسجّلت فائض الموازنة بقيمة 46 مليون دولار، وهو أول فائض منذ عامي 1989–1990، بحسب وكالة سانا.

تختلف هذه الأرقام عن بيانات سبق أن قدّمها الوزير نفسه. ففي فعالية مع مجتمع الأعمال المحلي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قال برنية إن موازنة عام 2026 ستبلغ 12 مليار دولار مع فائض الموازنة متوقّع بقيمة 500 مليون دولار.

في المقابل، ينسجم فائض موازنة 2025 البالغ 46 مليون دولار مع بيان صندوق النقد الدولي الصادر في شباط/فبراير، حين أشار إلى أن الموازنة الحكومية «أنهت عام 2025 بفائض طفيف».

تسجّل الموازنة زيادة لافتة جداً في حجمها، إذ ارتفعت من نحو 3 مليارات دولار إلى 10.5 مليارات دولار.

لا يبدو مستغرباً أن تكون موازنة 2026 أكبر من موازنة العام الماضي، إذ يُنتظر أن يتحسّن النشاط الاقتصادي هذا العام، كما أن الموازنة باتت تشمل أيضاً منطقة الشمال الغربي التي عادت إلى سيطرة السلطة المركزية بعد سقوط النظام، إضافة إلى الشمال الشرقي الغني بالنفط، الذي لحق بها في مطلع هذا العام مع زوال الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.

مع ذلك، تبقى المنهجية المعتمدة للوصول إلى تقدير 10.5 مليار دولار غير واضحة.

في النصف الأول من عام 2025، بلغت إيرادات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا 542.42 مليون دولار، فيما بلغت النفقات 321.08 مليون دولار. وعند إسقاط هذه النتائج المالية على كامل عام 2025، قدّرت الإدارة أن تبلغ الموازنة نحو 1.09 مليار دولار، إلا أن ذلك لا يفسّر الفارق الكبير بين 3 مليارات و10.5 مليار دولار.

وفي ما يتعلق بتوزيع موازنة عام 2026، قال الوزير برنية إن 40% منها سيُخصّص للصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، وإن الإنفاق الاستثماري ارتفع إلى 27% من الإجمالي، بحسب وكالة سانا.

تشير النفقات الاستثمارية إلى الاستثمارات طويلة الأجل، مثل البنية التحتية، التي تهدف إلى زيادة القدرة الإنتاجية؛ في مقابل النفقات الجارية التي تتعلق بالتشغيل اليومي للدولة، مثل الرواتب العامة والمستلزمات.

وبقي التوزيع بين النفقات الجارية والنفقات الاستثمارية مستقراً. وبلغت النفقات الجارية في موازنة 2024، التي امتد العمل بها إلى عام 2025، نحو 26.5 تريليون ليرة سورية، ما يعادل قرابة 75% من إجمالي النفقات، مقابل 9 تريليونات ليرة سورية للنفقات الاستثمارية، أي نحو 25%.

أعلن الشرع، وفقاً لسانا، عن خطة بقيمة 3 مليارات دولار لإعادة تأهيل البنية التحتية، مع تركيز خاص على المناطق الريفية في إدلب وحلب وشمال حماة وشمال اللاذقية وأجزاء من الغوطة الشرقية ودرعا ودير الزور. وفي موازاة ذلك، أشار أيضاً، في فيديو نشره تلفزيون سوريا، إلى صندوق بقيمة مليار دولار لإعادة تأهيل البنية التحتية في الحسكة ودير الزور والرقة. ولا يتضح ما إذا كانت هذه خطة ثانية أم جزءاً من الخطة نفسها.

كما يبدو أن هذه الخطط أو الصناديق المخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية تتداخل مع مهام صندوق التنمية السوري، وهو هيئة أُنشئت العام الماضي لإعادة بناء البنية التحتية في قطاعات حيوية مثل الزراعة والتعليم والصحة والطاقة. وبحسب موقعه الإلكتروني، جمع الصندوق حتى الآن 83.17 مليون دولار، منها 41.14 مليون دولار على شكل تبرعات محصّلة، و42.02 مليون دولار مسجّلة بوصفها تعهّدات قيد الانتظار.

قال الشرع، في خطابه يوم 20 آذار/مارس، إن الموازنة «أُقِرّت» في اليوم السابق. لكن الإعلان الدستوري ينصّ على أن صلاحية إقرار الموازنة تعود إلى مجلس الشعب. ولا يتضح ما إذا كان الرئيس الانتقالي قد أخطأ في التعبير، وأن الموازنة لا تزال في هذه المرحلة مجرّد مشروع قدّمته وزارة المالية، أم أنها نالت الإقرار فعلاً خارج أي إطار قانوني.

نُشِر هذا المقال في The Syria Report في 24 آذار/مارس 2026، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموجب اتفاق مع الناشر.