المقدّس والنيوليبرالية في العالم العربي

المقدّس والنيوليبرالية في العالم العربي
اقتصاد الأضاحي

  • إن الخوف من فقدان الاعتراف الاجتماعي يدفع الأفراد إلى التضحية بحاجات أساسية أخرى من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من الانتماء الجماعي. بهذا المعنى، تتحول الأضحية إلى شكل من أشكال «العنف الرمزي» بالمعنى البورديوني، حيث تُفرض معايير اجتماعية تبدو طبيعية ومقدسة بينما هي في الواقع مرتبطة بعلاقات القوة والهيمنة الطبقية. 
  • إن ما يبدو أزمة أضاحي موسمية هو في الحقيقة أزمة تحول تاريخي في البنية الزراعية العربية، حيث جرى تفكيك الاقتصاد الريفي تدريجياً لصالح نماذج فلاحية موجّهة نحو الربح والتصدير. 

تحوّل عيد الأضحى في العالم العربي إلى مختبر مكثف لفهم الكيفية التي أعادت بها النيوليبرالية تشكيل العلاقة بين المقدّس والسوق، وبين الطقس والاستهلاك، وبين الدين والاقتصاد السياسي. ارتبطت الأضحية تاريخياً، كما يوضح مارسيل موس في تحليله لمنطق الهبة، بفعل رمزي يقوم على العطاء وإعادة توزيع الثروة داخل الجماعة. أما اليوم فتتحدد قيمتها أكثر فأكثر بمنطق المضاربة والأسعار وسلاسل التوريد والقدرة الشرائية. وبذلك غدت الأضحية مؤشراً على الموقع الطبقي بقدر ما هي تعبير عن التقوى أو استعادة للذاكرة الإبراهيمية. كما أصبحت القدرة على ممارسة الشعيرة مرتبطة بإمكانية الولوج إلى المجال الرمزي للمقدّس عبر السوق. 

تكشف هذه التحولات مفارقة مركزية داخل المجتمعات العربية المعاصرة. فعيد الأضحى يُفترض أن يشكل لحظة لتخفيف الفوارق الاجتماعية عبر الكرم الجماعي وتوزيع اللحم، إلا أن السياق النيوليبرالي دفعه في اتجاه معاكس، حيث تحوّل إلى مناسبة تُعاد فيها إنتاج اللامساواة بشكل أكثر عنفاً. هنا تكتسب أطروحات بيير بورديو عن الرأسمال الرمزي دلالة خاصة؛ إذ صارت الأضحية جزءاً من منظومة الاعتبار الاجتماعي والكرامة داخل الجماعة. لذلك يُترجم العجز عن شراء الأضحية، حتى حين يكون سببه الانهيار الاقتصادي، إلى شعور شخصي بالفشل أو العجز الأخلاقي ولا يقرأ اجتماعياً باعتباره نتيجة لبنية اقتصادية مختلة. هكذا تُحوِّل النيوليبرالية، وفق ما يشرح ديفيد هارفي وويندي براون وبيار داردو وكريستيان لافال، الأزمات البنيوية إلى مسؤوليات فردية، فيشعر الفرد بالذنب لأنه غير قادر على الاستهلاك، بينما يبقى النظام الاقتصادي نفسه خارج المساءلة. 

لا تكمن خطورة الظاهرة في ارتفاع أسعار الأضاحي فقط، بل في أنّ هذا الارتفاع مرتبط بأزمة أعمق تطال النموذج الفلاحي والغذائي في المنطقة العربية بأسرها. 

إلى أي حد يمكن للمجتمعات أن تحافظ على طقوسها ومعانيها المشتركة في ظل نظام اقتصادي يعيد باستمرار إنتاج الندرة والتفاوت؟ وهل يستطيع المقدّس أن يستمر بوصفه مجالاً للتماسك الرمزي حين يصبح خاضعاً بالكامل لمنطق السوق

ففي المغرب، على سبيل المثال، أدى الجفاف الممتد لسنوات، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتراجع المراعي، إلى انخفاض كبير في أعداد القطيع، حتى اضطرت الدولة في عام 2025 إلى تعليق شعيرة الذبح بشكل استثنائي والدعوة إلى عدم شراء الأضاحي. وتشكّل هذه الواقعة علامة على أزمة سيادة غذائية وهيكل فلاحي برمته. فالمغرب الذي تبنّى، منذ عقود، نموذجاً فلاحياً موجّهاً نحو التصدير والاندماج في السوق العالمية، وجد نفسه عاجزاً عن ضمان الحد الأدنى من الاستقرار في سوق الأضاحي. وهنا تتأكد أطروحات كارل بولاني عن «تحرير السوق» وتحويل الغذاء والحيوان والأرض إلى مجرد سلع خاضعة لمنطق الربح، بما يؤدي إلى تفكيك الأشكال التقليدية للحماية الاجتماعية والتوازن الاقتصادي.

أما في الجزائر، فقد اضطرت الدولة إلى استيراد مليون رأس غنم لتغطية الطلب الداخلي، مع تحديد أسعار مدعومة لتخفيف الضغط الاجتماعي. يكشف هذا التدخل بدوره أزمة أعمق تتعلق بانهيار التوازن بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، وتبعية القطاع الزراعي للتقلبات المناخية وسوق الأعلاف العالمية. ففي اقتصاد ريعي يعتمد على الواردات النفطية، يصبح استيراد الأضاحي نفسها جزءاً من إدارة السلم الاجتماعي، لا من بناء سيادة غذائية حقيقية. وهكذا يتحول المقدّس إلى ملف اقتصادي وأمني في آن واحد. ولا تدير الدولة هنا شعيرة دينية فقط، وإنما احتمالات الغضب الاجتماعي التي قد تنتج عن عجز ملايين الأسر عن اقتناء الأضحية.

وفي تونس، حيث تآكلت الطبقة الوسطى بفعل التضخم وارتفاع المديونية وتراجع القدرة الشرائية، أصبحت الأضحية عبئاً مالياً ثقيلاً على الأسر. بلغت أسعار الخراف مستويات جعلت كثيراً من العائلات عاجزة عن الشراء إلا عبر الاقتراض أو الادخار القاسي. وهنا تتقاطع تحليلات ديفيد غرايبر عن اقتصاد الدين مع منطق الشعيرة الدينية؛ فبشرائها الأضحية، تتفادى الأسر الإقصاء الرمزي داخل المجتمع. إن الخوف من فقدان الاعتراف الاجتماعي يدفع الأفراد إلى التضحية بحاجات أساسية أخرى من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من الانتماء الجماعي. بهذا المعنى، تتحول الأضحية إلى شكل من أشكال «العنف الرمزي» بالمعنى البورديوني، حيث تُفرض معايير اجتماعية تبدو طبيعية ومقدسة بينما هي في الواقع مرتبطة بعلاقات القوة والهيمنة الطبقية.

غير أن التحول الأكثر عمقاً يتمثل في الطريقة التي أعادت بها الرأسمالية المعاصرة إنتاج المقدّس داخل منطق الصورة والاستهلاك. وكما أشار جان بودريار وغاي ديبور، ابتعد الاستهلاك عن مجرد تلبية للحاجات، وأصبح إنتاجاً للمعنى والمكانة داخل مجتمع الفرجة. لذلك لم تعد الأضحية حدثاً خاصاً، بل أداءً بصرياً يُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي: صور الخراف، أسعارها، طقوس الذبح، موائد اللحم، كلها تتحول إلى علامات رمزية للقدرة الاقتصادية والانتماء الطبقي. وهنا تتجلى النيوليبرالية في أكثر صورها قسوة: إنها لا تكتفي بإخضاع العمل والسلع لمنطق السوق، بل تُخضع حتى أشكال التدين والطقوس الجماعية لمنطق التنافس والاستعراض.

وعليه، تكشف أزمة الأضاحي في العالم العربي عن أزمة بنيوية تطال العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع والطبيعة. فالجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتراجع دعم الفلاحين الصغار، واحتكار الوسطاء، وانهيار السيادة الغذائية، كلها عناصر تلتقي داخل طقس ديني كان يُفترض أن يرمز إلى الكرم والتكافل. 

لذلك يتيح اقتصاد الأضاحي فهماً أوسع لتحولات النيوليبرالية العربية: كيف يُعاد تشكيل المقدّس داخل السوق، وكيف يتحول الدين نفسه إلى مجال لإعادة إنتاج اللامساواة، وكيف تصبح القدرة على ممارسة الشعيرة مرتبطة بالقدرة على الاستهلاك. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا ارتفعت أسعار الأضاحي؟ بل: كيف أصبح الولوج إلى المقدّس مشروطاً بالقدرة الشرائية؟ وكيف تحولت شعيرة تقوم رمزياً على التضحية إلى آلية تكشف عن تفكك العدالة الاجتماعية في المجتمعات العربية المعاصرة؟

من الهبة إلى السوق: تحوّلات الأضحية في زمن النيوليبرالية

إذا كانت الأنثروبولوجيا الكلاسيكية قد نظرت إلى الذبيحة باعتبارها لحظة استثنائية تُعلّق فيها قوانين المنفعة الفردية لصالح منطق الهبة والتضامن الجماعي، فإن ما تكشفه تحولات عيد الأضحى في المجتمعات العربية المعاصرة هو العكس تماماً: لم يعد المقدّس خارج السوق، بل صار أحد أكثر المجالات خضوعاً له. ولا تكمن المفارقة الكبرى في دخول السوق إلى المجال الديني، بل في أن هذا الدخول يحدث في لحظة انهيار اجتماعي وفلاحي عميق، بحيث تتحول الشعيرة نفسها إلى آلية لقياس الأزمة لا لتجاوزها. فكلما ارتفعت أسعار الأضاحي، وكلما تقلصت القدرة الشرائية، ازداد الإصرار الجماعي على الحفاظ على الطقس، وكأن المجتمعات العربية تحاول الدفاع عن آخر أشكال الانتماء الرمزي في مواجهة التفكك الاقتصادي العام.

إن ما يحدث في أسواق الأضاحي العربية خلال السنوات الأخيرة لا يمكن فهمه فقط عبر لغة «الغلاء» أو «التضخم»، لأن الأمر يتعلق بتحول أعمق يطال البنية الاجتماعية نفسها. ففي تونس والمغرب والجزائر ومصر، أصبحت الأضحية كثافة رمزية تختزل علاقة الفرد بالدولة والسوق والعائلة والجماعة الدينية في آن واحد. ولهذا السبب تحديداً يتحول شراء الخروف إلى فعل قلق جماعي. فالأسرة التي تقترض من أجل الأضحية لا تفعل ذلك لتلبية حاجة غذائية، بل لحماية مكانتها الرمزية داخل الفضاء الاجتماعي. وهنا تحديداً تظهر المفارقة النيوليبرالية: فكلما تراجعت الدولة الاجتماعية، وكلما تآكلت الأجور، وكلما ارتفعت معدلات الهشاشة، ازداد الضغط الاجتماعي لممارسة الطقس كما لو أن المجتمع يعوّض انهيار الحماية الاقتصادية بتكثيف الواجب الرمزي.

كلما انسحبت الدولة من أدوارها الاجتماعية التقليدية ازدادت حاجتها إلى التدخل داخل المجال الرمزي والديني. وكأن السلطة، بعدما فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على إنتاج الاندماج الاجتماعي عبر الاقتصاد، تحاول تعويض ذلك عبر إدارة الطقوس الجماعية الأكثر حساسية.

في هذا السياق، لا تبدو السوق مجرد فضاء للتبادل الاقتصادي، بل جهازاً لإعادة إنتاج الانتماء والتمييز معاً. فالأضحية التي كانت، تاريخياً، وسيلة لإعادة توزيع اللحم داخل الجماعة، أصبحت اليوم وسيلة لإعادة توزيع الاعتراف الاجتماعي. ومن ثمّ فإن الخروف لم يعد يُقاس فقط بوزنه أو سعره، بل أيضاً بما يمنحه من شرعية اجتماعية لصاحبه. لذلك يمكن فهم التحول الهائل الذي أصاب أسواق المواشي في المنطقة العربية بوصفه انتقالاً من «اقتصاد الهبة» إلى «اقتصاد الاعتراف». لم يعد المهم هو فعل الذبح ذاته، بل القدرة على الظهور داخل المجال الاجتماعي باعتبار الفرد قادراً على الوفاء بمتطلبات الطقس. وهنا تصبح الشعيرة جزءاً من اقتصاد الصورة والفرجة؛ صور الخراف، أحجامها، أسعارها، وطقوس الذبح تتحول إلى رسائل طبقية مبطنة داخل وسائل التواصل الاجتماعي.

غير أن هذه الفردانية الاستعراضية تخفي خلفها أزمة بنيوية أعمق: انهيار العلاقة التاريخية بين الريف والمجتمع. ففي أغلب البلدان العربية، كان الاقتصاد الرعوي جزءاً من التوازن الاجتماعي، حيث كانت تربية الماشية مرتبطة بأنماط عيش محلية واقتصاد أخلاقي لا تحكمه بالكامل قوانين السوق. أما اليوم فقد أصبح القطيع نفسه موضوعاً للمضاربة، مرتبطاً بأسعار الأعلاف المستوردة، وأسواق الحبوب العالمية، وتقلبات المناخ، وشبكات الوسطاء. وهكذا لم يعد الراعي أو الفلاح الصغير يتحكم في دورة الإنتاج، بل صار خاضعاً لسلسلة طويلة من الوسطاء والتجار والمستوردين. إن ما يبدو أزمة أضاحي موسمية هو في الحقيقة أزمة تحول تاريخي في البنية الزراعية العربية، حيث جرى تفكيك الاقتصاد الريفي تدريجياً لصالح نماذج فلاحية موجّهة نحو الربح والتصدير.

تتجلى هذه المفارقة بوضوح في المغرب، حيث ترافق مشروع «تحديث الفلاحة» مع تعميق التفاوتات بين الفلاحة التصديرية الكبرى والفلاحين الصغار. وبينما استثمرت الدولة لعقود في الزراعات المربحة الموجّهة للأسواق الأوروبية، تراجعت أنماط الإنتاج المرتبطة بالأمن الغذائي المحلي والرعي التقليدي. والنتيجة أن الجفاف كشف هشاشة النموذج الفلاحي نفسه. لذلك فإن دعوة الدولة إلى تعليق شعيرة الذبح لم تكن مجرد إجراء ديني أو أخلاقي، بل اعتراف ضمني بأن السوق لم يعد قادراً على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار الرمزي للمجتمع.

الأمر نفسه يظهر في الجزائر ولكن بصيغة مختلفة. فالدولة التي تمتلك موارد ريعية ضخمة تجد نفسها مضطرة إلى استيراد ملايين رؤوس الأغنام للحفاظ على «الاستقرار الاجتماعي» خلال العيد. هنا تتحول الأضحية إلى ملف سيادي، لأن عجز الأسر عن شراء الخروف لا يُفهم باعتباره مشكلة استهلاك، بل باعتباره تهديداً محتملاً للعقد الاجتماعي نفسه. لا تدعم الدولة الأضاحي لأنها سلعة، وإنما لأنها تدرك أن الطقس الديني يؤدي وظيفة سياسية تتعلق بإنتاج الإحساس بالانتماء الجماعي.

الأسر التي تلجأ إلى الاقتراض أو إلى التضحية بحاجات أساسية أخرى لا تقوم بذلك بدافع الاستهلاك المحض، بل خوفاً من الإقصاء الرمزي. هنا تتحول الأضحية إلى ما يشبه «ضريبة اجتماعية» غير معلنة

لكن ما يجعل هذه التحولات أكثر عنفاً هو أنها تحدث في لحظة تتآكل فيها الطبقة الوسطى العربية بشكل غير مسبوق. فهذه الطبقة التي كانت تاريخياً الضامن الأساسي لاستقرار الطقوس الاجتماعية أصبحت اليوم عالقة بين ضغط الأسعار ومتطلبات الاعتراف الاجتماعي. لذلك تتحول الأضحية إلى تجربة توتر نفسي واقتصادي؛ ليس لأن الناس يريدون الاستهلاك، بل لأنهم يخشون الإقصاء الرمزي. وهنا يكمن البعد الأكثر قسوة في النيوليبرالية العربية، فهي لا تمنع الأفراد من ممارسة الشعائر، بل تجعلهم يدفعون ثمنها من هشاشتهم الخاصة.

ولعل المفارقة الأشد دلالة هي أن المجتمعات العربية، في الوقت الذي تشهد فيه تراجعاً متزايداً في الثقة بالمؤسسات السياسية والاقتصادية، ما تزال تستثمر بكثافة في الطقوس الدينية الجماعية. كأن المقدّس يتحول إلى آخر مجال يُمكن عبره إنتاج معنى جماعي وسط التفكك العام. غير أن هذا المقدّس نفسه لم يعد بريئاً أو خارج علاقات القوة، بل أصبح مدمجاً بالكامل داخل منطق السوق. إذ لا تدمر الرأسمالية المعاصرة الطقس، وإنما تعيد إنتاجه داخل آليات الاستهلاك والديون والصورة. وهكذا يتحول العيد، الذي كان لحظة لتجاوز اللامساواة مؤقتاً، إلى مناسبة تكشفها بشكل أكثر فجاجة.

من هنا فإن أزمة الأضاحي لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل تكشف تحوّلاً عميقاً في طبيعة المجتمعات العربية نفسها: انتقالها من مجتمعات كان المقدّس فيها ينظم السوق جزئياً، إلى مجتمعات أصبح السوق فيها يعيد تنظيم المقدّس. وهذه هي المفارقة الأساسية التي تجعل من الخروف أكثر من مجرد أضحية؛ إنه اليوم مرآة مكثفة لأزمة الدولة، والفلاحة، والطبقة الوسطى، والسيادة الغذائية، وللقدرة نفسها على الحفاظ على معنى جماعي في زمن النيوليبرالية.

الجفاف والأعلاف والاستيراد: أزمة الفلاحة وتفكك السيادة الغذائية

خلف مشهد الخروف الذي يتنقل بين الأسواق، تقف أزمة هيكلية تتعلق بانهيار نمط كامل من الاقتصاد الريفي، وتحوّل الغذاء والحيوان والماء إلى عناصر خاضعة بالكامل لمنطق الرأسمالية الزراعية العالمية. لذلك لا يتعلق السؤال الحقيقي فقط بكيفية ارتفاع سعر الأضحية، بل بكيفية انتقال المجتمعات المغاربية من أنظمة زراعية كانت تؤمن قدراً نسبياً من الاكتفاء والتوازن الاجتماعي، إلى أنظمة مرتبطة عضوياً بالاستيراد وأسعار الأعلاف العالمية والمضاربات العابرة للحدود والتغير المناخي الذي صار يحدد بشكل مباشر إمكانيات العيش الاجتماعي نفسها.

في المغرب، تبدو الأزمة أكثر وضوحاً. فمنذ سنوات، يعيش البلد على وقع تراجع متواصل في معدلات التساقطات، حتى أن بعض التقارير الرسمية أشارت إلى أن سنة 2024 كانت من بين الأكثر جفافاً منذ أربعة عقود. ويضرب هذا المعطى مباشرة الاقتصاد الرعوي الذي يعتمد على المراعي الطبيعية. فحين تتقلص المراعي ترتفع كلفة الأعلاف الصناعية، وحين ترتفع الأعلاف يتحول الخروف من منتج فلاحي محلي إلى سلعة مرتبطة بالبورصات العالمية للحبوب والذرة والشعير. هكذا يصبح الراعي المغربي الصغير، الذي كان يعيش تاريخياً داخل دورة محلية شبه مستقلة، خاضعاً بالكامل لمنطق السوق الدولية. ومن هنا نفهم لماذا ارتفعت أسعار الأضاحي بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، ولماذا اضطرت الدولة إلى دعم الاستيراد وإلغاء الرسوم الجمركية على المواشي واللحوم. غير أن المفارقة تكمن في أن بلداً مثل المغرب، استثمر لعقود في تحديث فلاحي واسع ضمن «مخطط المغرب الأخضر»، وجد نفسه عاجزاً عن حماية أحد أكثر الرموز الغذائية والدينية مركزية في الحياة الاجتماعية.

تكشف هذه المفارقة حدود النموذج الفلاحي النيوليبرالي نفسه. فالدولة التي شجعت الزراعات التصديرية ذات القيمة العالية ــ الأفوكادو، الحوامض، الفواكه الحمراء ــ فعلت ذلك على حساب الزراعات المرتبطة بالأمن الغذائي المحلي والاقتصاد الرعوي التقليدي. ونتيجة لذلك، جرى استنزاف هائل للمياه الجوفية، وتوسعت فلاحة موجهة نحو الأسواق الأوروبية أكثر من توجيهها نحو الحاجات الداخلية. هنا يظهر التناقض بوضوح: في الوقت الذي يصدر فيه المغرب منتجات زراعية كثيفة الاستهلاك للماء إلى أوروبا، تجد قطاعات واسعة من سكانه نفسها عاجزة عن شراء خروف العيد بسبب أزمة الأعلاف والجفاف. ولا يتعلق الأمر بمجرد سوء في توزيع الموارد، بل بتحول الفلاحة نفسها من وظيفة اجتماعية مرتبطة بإعادة إنتاج المجتمع إلى قطاع موجه أساساً بمنطق الربح والتنافسية العالمية.

أما في تونس، فتأخذ الأزمة طابعاً أكثر عنفاً بسبب هشاشة الاقتصاد الكلي وتآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى. ترافق ارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة والنقل مع تضخم مرتفع وتراجع قيمة الدينار، بما جعل تكلفة تربية الماشية ترتفع بشكل غير مسبوق. وهكذا أصبح الفلاح الصغير نفسه ضحية مزدوجة: فهو من جهة يواجه ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومن جهة أخرى يواجه تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين. لذلك فإن الأزمة لا تضرب فقط الأسر الحضرية، بل تضرب أيضاً البنية الاجتماعية للريف. ففي مناطق عديدة من الوسط والجنوب التونسي، لم تعد تربية الأغنام نشاطاً مستقراً، بل أصبحت مرتبطة بالديون والتقلبات المناخية وهيمنة الوسطاء الذين يحققون الجزء الأكبر من الأرباح.

وما يجعل الوضع أكثر دلالة هو أن تونس، مثل المغرب، أصبحت تعتمد بشكل متزايد على استيراد الحبوب والأعلاف. وهنا تتجلى هشاشة السيادة الغذائية بشكل صارخ. إذ لم تؤد الحرب في أوكرانيا، على سبيل المثال، إلى ارتفاع أسعار القمح فقط، بل انعكست مباشرة على أسعار الأعلاف ومن ثم على أسعار الأضاحي. أي أن خروف العيد في تونس أو المغرب لم يعد مرتبطاً فقط بالمطر المحلي أو بالاقتصاد الوطني، بل صار مرتبطاً بالحروب العالمية، وسلاسل النقل الدولية، والمضاربات المالية في الأسواق الزراعية. وبهذا المعنى، لم يعد الغذاء شأناً محلياً، بل أصبح جزءاً من جغرافيا سياسية عالمية تتحكم فيها الشركات الكبرى وأسواق المال أكثر مما تتحكم فيها الدول الوطنية.

غير أن أخطر ما تكشفه هذه التحولات هو تفكك العلاقة التقليدية بين الريف والمجتمع. ففي السابق، كانت الأضحية مرتبطة بنمط اجتماعي تُنتج فيه القرى والبوادي جزءاً مهماً من شروط إعادة إنتاج المجتمع الحضري. أما اليوم فقد تحول الريف نفسه إلى هامش اقتصادي يعيش على التحويلات المالية والهشاشة المناخية والعمل الموسمي. لذلك لم تعد الأسواق الأسبوعية للماشية فضاءات اجتماعية فقط، بل أصبحت فضاءات توتر اقتصادي مكثف، حيث يتواجه الفلاح الصغير مع الوسطاء والمضاربين والمستهلكين الغاضبين في الوقت نفسه.

وتظهر المفارقة الأكثر قسوة في أن الدولة، بدل أن تعالج جذور الأزمة المرتبطة بالماء والأعلاف والسيادة الغذائية، تلجأ غالباً إلى حلول ظرفية تقوم على الاستيراد أو الدعم المؤقت أو ضبط الأسعار. لكن هذه التدخلات نفسها تعمّق التبعية البنيوية للسوق العالمية. فكل خروف مستورد، وكل شحنة أعلاف مدعومة، تكشف في العمق عن عجز النموذج الزراعي المحلي عن ضمان الاستقلال الغذائي. ومن هنا فإن أزمة الأضاحي ليست مجرد أزمة استهلاك موسمية، بل أزمة نموذج تنموي كامل قائم على إدماج الفلاحة المغاربية داخل السوق العالمية من دون حماية البنية الاجتماعية والبيئية التي تسمح باستمرارها.

إن ما يحدث اليوم في تونس والمغرب يكشف تحوّلاً عميقاً في معنى الفلاحة نفسها. فلم تعد الأرض تُفهم باعتبارها أساساً لإعادة إنتاج الجماعة، بل باعتبارها مورداً اقتصادياً يجب أن يخضع لمنطق المردودية والتنافسية. وبهذا المعنى، فإن الجفاف لا يصبح مجرد ظاهرة طبيعية، بل يتحول إلى كاشف سياسي لعنف النموذج النيوليبرالي. فحين يصبح الماء نادراً، والغذاء مستورداً، والقطيع خاضعاً للمضاربة، يدخل المجتمع بأكمله في حالة هشاشة دائمة. لذلك فإن أزمة الأضاحي ليست في النهاية سوى التعبير الأكثر رمزية عن أزمة أوسع: أزمة السيادة الغذائية، وأزمة العدالة البيئية، وأزمة العلاقة بين الدولة والريف في المجتمعات المغاربية المعاصرة.

الأضحية والطبقة: العنف الرمزي وتآكل القدرة الشرائية

لا يظهر التحول الأكثر عنفاً في أزمة الفلاحة أو في ارتفاع أسعار الأضاحي فقط، بل في الطريقة التي أصبحت بها الشعيرة نفسها مجالاً لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي داخل المجتمعات العربية. الأضحية، التي كانت تاريخياً جزءاً من اقتصاد أخلاقي يقوم على إعادة توزيع اللحم والوفرة الرمزية داخل الجماعة، تحولت تدريجياً إلى لحظة كثيفة للكشف عن التراتب الاجتماعي وعن هشاشة الطبقات الوسطى والشعبية. والمفارقة هنا أن العيد، الذي كان يُفترض أن يخفف مؤقتاً من قسوة الفوارق الاجتماعية، أصبح اليوم مناسبة تُظهرها بشكل أكثر فجاجة. فكلما تراجعت القدرة الشرائية، وكلما ازداد الضغط الاقتصادي على الأسر، ازدادت الحاجة الاجتماعية إلى الحفاظ على الطقس كما لو أن المجتمع يدافع، عبر الأضحية، عن آخر أشكال الاعتراف الجماعي الممكنة.

كلما تراجعت الدولة الاجتماعية، وكلما تآكلت الأجور، وكلما ارتفعت معدلات الهشاشة، ازداد الضغط الاجتماعي لممارسة الطقس كما لو أن المجتمع يعوّض انهيار الحماية الاقتصادية بتكثيف الواجب الرمزي

في تونس، على سبيل المثال، لم يعد شراء الخروف مجرد قرار استهلاكي مرتبط بالدخل، بل أصبح اختباراً يومياً لقدرة العائلة على الحفاظ على مكانتها الاجتماعية. ففي حين يبلغ سعر الأضحية ما بين 700 و2000 دينار، في سياق لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور نحو 500 دينار تقريباً، يتحوّل العيد إلى عبء اقتصادي ثقيل على قطاعات واسعة من السكان. غير أن ما يثير الانتباه ليس هذا الاختلال الصارخ بين الأجور والأسعار، بل استمرار الإقبال على شراء الأضاحي على الرغم من الأزمة. فالأسر التي تلجأ إلى الاقتراض أو إلى التضحية بحاجات أساسية أخرى لا تقوم بذلك بدافع الاستهلاك المحض، بل خوفاً من الإقصاء الرمزي. هنا تتحول الأضحية إلى ما يشبه «ضريبة اجتماعية» غير معلنة؛ إذ يشعر الأفراد بأن عدم الذبح يعني فقدان الاعتبار داخل الحي والعائلة والجماعة القرابية.

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً لأن الأزمة الاقتصادية لا تُترجم دائماً إلى احتجاج ضد السياسات الاقتصادية أو ضد السوق، بل كثيراً ما تتحول إلى شعور فردي بالخجل والعجز. فبدل أن يُنظر إلى غلاء الأضاحي باعتباره نتيجة لاختلالات بنيوية ــ التضخم، انهيار الأجور، تراجع الدولة الاجتماعية ــ يشعر الفرد بأنه هو المسؤول عن عدم قدرته على «تأمين العيد» لعائلته. وهنا تظهر إحدى أكثر آليات النيوليبرالية قسوة: تحويل الأزمات الجماعية إلى مسؤوليات فردية. لا تكتفي السوق بإنتاج اللامساواة، بل تدفع الأفراد إلى الشعور بالذنب لأنهم غير قادرين على مواصلة الاستهلاك بالوتيرة نفسها.

وفي المغرب، تكشف الأزمة بوضوح أكبر كيف أصبحت الأضحية مرتبطة مباشرة بالبنية الطبقية للمجتمع. فحين اضطرت الدولة، في ظل الجفاف وتراجع القطيع، إلى التدخل بشكل استثنائي والحد من الذبح، لم يكن ذلك مجرد قرار اقتصادي أو ديني، بل اعتراف ضمني بأن السوق لم تعد قادرة على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار الرمزي للمجتمع. فأسعار بعض الخراف تجاوزت مستويات تعادل جزءاً كبيراً من الدخل الشهري للأسر، في وقت تعاني فيه الطبقة الوسطى من تآكل مستمر بفعل التضخم وارتفاع تكاليف السكن والطاقة والغذاء. ومع ذلك، ظل العيد بالنسبة لكثير من الأسر لحظة لا يمكن التراجع عنها، لأن التخلي عن الأضحية لا يُفهم اجتماعياً كقرار اقتصادي عقلاني، بل يُقرأ بوصفه علامة على السقوط الاجتماعي.

إن هذا التحول يكشف أن الأضحية لم تعد مجرد شعيرة دينية، بل أصبحت شكلاً من أشكال الرأسمال الرمزي بالمعنى الذي تحدث عنه بيير بورديو. فامتلاك القدرة على الذبح يمنح الأسرة اعترافاً اجتماعياً، بينما يتحول العجز عن ذلك إلى نوع من الوصم الصامت. لذلك لا يعود الخروف مجرد حيوان معدّ للذبح، بل يصبح حاملاً لمعاني الكرامة والانتماء والقدرة على الحفاظ على صورة اجتماعية مقبولة. وهنا تحديداً تظهر المفارقة الأكثر قسوة: فالفئات الأكثر هشاشة هي نفسها الأكثر تعرضاً لضغط الطقس. إذ بينما تستطيع الطبقات الميسورة تحويل العيد إلى لحظة احتفال واستهلاك مريح، تعيش الطبقات الشعبية العيد بوصفه لحظة قلق اقتصادي ونفسي مكثف.

ويتضاعف هذا الضغط بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم تعد الأضحية حدثاً عائلياً محدوداً، بل أصبحت عرضاً بصرياً عمومياً. صور الخراف، أحجامها، أسعارها، وطقوس الذبح، تتحول إلى مؤشرات ضمنية على الموقع الطبقي. وهكذا يدخل العيد في اقتصاد الفرجة؛ إذ يصبح الاعتراف الاجتماعي مرتبطاً ليس فقط بالقدرة على الذبح، بل أيضاً بالقدرة على إظهار هذه القدرة. ومن ثمّ فإن الطقس الذي كان قائماً تاريخياً على فكرة التقاسم الجماعي، يتحول تدريجياً إلى شكل من أشكال التنافس الرمزي الصامت.

غير أن ما يجعل هذه التحولات أكثر خطورة هو أنها تحدث في سياق انهيار تدريجي للطبقة الوسطى العربية. فهذه الطبقة التي كانت تمثل تاريخياً نقطة التوازن بين الفقراء والأغنياء، أصبحت اليوم مهددة بفعل المديونية والتضخم وتراجع الخدمات الاجتماعية. لذلك يتحول العيد إلى لحظة اختبار قاسية لقدرتها على الحفاظ على نمط الحياة الذي يمنحها الاعتراف الاجتماعي. فالأضحية هنا لا تعبر فقط عن التدين، بل عن محاولة الدفاع عن موقع طبقي يتآكل باستمرار. ولهذا السبب تبدو الشعيرة أكثر إلزاماً كلما ازدادت الأزمة الاقتصادية عمقاً؛ لأن المجتمع يتمسك بالطقوس في اللحظات التي يشعر فيها بأن شروط الاستقرار تتفكك.

إن ما تكشفه الأضحية في النهاية ليس مجرد غلاء أسعار أو أزمة استهلاك عابرة، بل تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين السوق والمجتمع في العالم العربي. فالمقدّس لم يعد مجالاً يخفف من عنف اللامساواة، بل أصبح هو نفسه جزءاً من الآليات التي تعيد إنتاجها. وهكذا تتحول الشعيرة، التي كان يُفترض أن تعبر عن التضامن والوفرة المشتركة، إلى لحظة يتجسد فيها العنف الطبقي بشكل يومي وصامت. فالفقراء لا يُقصَون من السوق فقط، بل يُقصَون أيضاً من القدرة على المشاركة الكاملة في الطقس الجماعي نفسه. وهذه ربما هي المفارقة الأكثر دلالة في المجتمعات العربية المعاصرة: أن يصبح الدخول إلى المجال الرمزي للمقدّس مشروطاً أكثر فأكثر بالقدرة على الاستهلاك.

الدولة والسوق والمقدّس: إعادة تشكيل الطقس الديني 

لا يمكن فهم التحولات التي أصابت شعيرة الأضحية في العالم العربي من خلال السوق وحدها، لأن ما يجري يكشف في العمق إعادة ترتيب كاملة للعلاقة بين الدولة والمقدّس والمجتمع. لم تعد الدولة العربية اليوم مجرد سلطة تنظّم المجال الديني أو تحتكر شرعيته الرمزية، بل أصبحت فاعلاً مباشراً في إدارة الطقس نفسه، بعد أن تحوّل العيد إلى نقطة التقاء بين التوترات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن هنا تكتسب الأضحية أهمية تتجاوز بعدها الديني؛ إذ تغدو لحظة تُختبر فيها قدرة الدولة على ضبط المجتمع، واحتواء الغضب الاجتماعي، والحفاظ على الحد الأدنى من الشعور الجماعي بالاستقرار. فحين يصبح خروف العيد خارج متناول قطاعات واسعة من السكان، لا تتحول الأزمة إلى مشكلة استهلاكية فقط، بل إلى سؤال يتعلق بشرعية السلطة نفسها وبقدرتها على حماية المجال الاجتماعي من عنف السوق.

تكشف هذه المسألة عن مفارقة مركزية في الدولة النيوليبرالية العربية: فكلما انسحبت الدولة من أدوارها الاجتماعية التقليدية ــ الدعم، الحماية، ضبط الأسعار، الاستثمار في الفلاحة ــ ازدادت حاجتها إلى التدخل داخل المجال الرمزي والديني. وكأن السلطة، بعدما فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على إنتاج الاندماج الاجتماعي عبر الاقتصاد، تحاول تعويض ذلك عبر إدارة الطقوس الجماعية الأكثر حساسية. لذلك لم يعد تدخل الدولة في ملف الأضاحي استثناءً، بل أصبح جزءاً من آليات الحكم نفسها. فتنظيم الأسواق، ودعم الاستيراد، وضبط الأسعار، وإطلاق الخطابات الدينية والأخلاقية عن «الاعتدال» و«تفهم الظروف»، كلها تعكس انتقال الدولة من إدارة الاقتصاد إلى إدارة آثار انهياره الرمزية والاجتماعية.

في اقتصاد ريعي يعتمد على الواردات النفطية، يصبح استيراد الأضاحي نفسها جزءاً من إدارة السلم الاجتماعي، لا من بناء سيادة غذائية حقيقية. وهكذا يتحول المقدّس إلى ملف اقتصادي وأمني في آن واحد

في المغرب، ظهرت هذه المفارقة بشكل بالغ الوضوح حين اضطرت الدولة، في سياق الجفاف الحاد وتراجع أعداد القطيع، إلى التدخل المباشر في قلب الشعيرة نفسها. فدعوة الملك محمد السادس إلى عدم ذبح الأضاحي لم تكن مجرد توجيه ديني ظرفي، بل كانت اعترافاً سياسياً ضمنياً بأن السوق لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الرمزي للمجتمع. فالدولة التي روّجت لعقود لسياسات تحديث فلاحي قائمة على التصدير والتنافسية العالمية، وجدت نفسها أمام واقع اجتماعي يهدد بتحويل العيد إلى لحظة توتر جماعي. وهنا تظهر المفارقة بحدة: فكلما تعمّق اندماج الاقتصاد الزراعي في السوق العالمية، ازدادت حاجة الدولة إلى التدخل الرمزي لضبط الآثار الاجتماعية لهذا الاندماج.

لكن هذا التدخل لا يعني عودة الدولة الاجتماعية بالمعنى الكلاسيكي، لأن السلطة لا تتجه نحو معالجة البنية التي أنتجت الأزمة، بل نحو احتواء نتائجها فقط. فبدل إعادة التفكير في السياسات الفلاحية أو في التفاوتات الاجتماعية التي جعلت الأضحية عبئاً طبقياً، يُعاد إنتاج الأزمة في شكل تدابير ظرفية: استيراد الأغنام، دعم الأعلاف مؤقتاً، أو توجيه خطاب أخلاقي للمواطنين. وهكذا تتحول الدولة إلى وسيط بين المجتمع والسوق، لا إلى قوة قادرة على ضبط السوق أو تجاوز منطقها. إنها تدير الندرة بدل أن تعالج شروط إنتاجها.

وتتجلى هذه الوضعية بشكل أكثر وضوحاً في الجزائر، حيث تحوّل ملف الأضاحي إلى مسألة سيادية مباشرة. فقرار استيراد مليون رأس غنم لم يكن استجابة لحاجيات السوق فقط، بل كان فعلاً سياسياً يهدف إلى حماية الاستقرار الاجتماعي ومنع تحوّل الغلاء إلى غضب جماعي. غير أن هذا التدخل يكشف في الآن نفسه حدود الدولة الريعية نفسها. فالدولة التي تمتلك موارد طاقية ضخمة تجد نفسها عاجزة عن ضمان إنتاج محلي مستقر لشعيرة متجذرة تاريخياً في المجتمع. وهكذا يصبح الاستيراد شكلاً من أشكال شراء السلم الاجتماعي عبر السوق العالمية، لا تعبيراً عن قدرة اقتصادية مستقلة. ومن ثمّ فإن الدولة، بدل أن تحافظ على السيادة الغذائية، تصبح أكثر ارتهاناً للشبكات التجارية الدولية التي تحدد أسعار الأعلاف والماشية والنقل.

أما في تونس، فإن هشاشة الدولة المالية جعلت علاقتها بالمقدّس أكثر تعقيداً. فمع تراجع القدرة على التدخل الاقتصادي المباشر، لم يعد أمام السلطة سوى إدارة الأزمة رمزياً. ولهذا السبب يتكرر خطاب «الاعتدال» و«عدم التبذير» و«تفهم الظروف»، لأن الدولة لم تعد قادرة فعلياً على حماية القدرة الشرائية للأسر. غير أن هذا الخطاب الأخلاقي يخفي مفارقة أكثر عمقاً: فالدولة التي عجزت عن ضبط السوق ما تزال مطالبة اجتماعياً بحماية الطقس. إذ لا ينظر المواطن إلى الأضحية باعتبارها مجرد سلعة، بل باعتبارها جزءاً من العقد الرمزي الذي يربطه بالجماعة الوطنية نفسها. ولذلك فإن ارتفاع أسعار الأضاحي يتحول بسرعة إلى مؤشر على فشل الدولة، حتى وإن كانت أسباب الأزمة مرتبطة بالسوق العالمية أو بالجفاف أو بارتفاع أسعار الأعلاف.

إن ما تكشفه هذه التحولات هو أن الدولة العربية لم تعد تتحكم فعلياً في الشروط المادية لإعادة إنتاج الطقس، لكنها ما تزال مسؤولة رمزياً عنه. فالعيد أصبح لحظة يُختبر فيها معنى السلطة وحدودها؛ لأن المجتمع لا يقيس الدولة فقط بقدرتها على إدارة الاقتصاد، بل أيضاً بقدرتها على حماية الطقوس التي تمنح الجماعة شعورها بالاستمرارية والانتماء. ولهذا السبب تتدخل السلطة في المجال الديني كلما تعمقت الأزمة الاجتماعية، ليس لأن المقدّس خارج السياسة، بل لأنه أصبح أحد أهم المجالات التي تُدار عبرها التوترات الناتجة عن السوق.

لكن المفارقة الأكثر دلالة تكمن في أن الدولة، بينما تتدخل بكثافة داخل المجال الرمزي للعيد، تواصل في الوقت نفسه سياسات اقتصادية عمّقت هشاشة الفئات الاجتماعية التي تعتمد عليها هذه الطقوس. فهي تدعو إلى التضامن بينما تكرّس اقتصاداً يزيد من التفاوت، وتدافع عن «الهوية الدينية» بينما تُخضع الغذاء والفلاحة والماء لمنطق السوق العالمية. وهكذا يتحول المقدّس إلى مساحة تعويض رمزي عن تراجع العدالة الاجتماعية. فكلما فقدت الدولة قدرتها على إنتاج الاندماج عبر الاقتصاد، ازدادت حاجتها إلى إنتاجه عبر الطقس.

ومن هنا، فإن الأضحية لم تعد مجرد شعيرة دينية، بل أصبحت جهازاً سياسياً ورمزياً معقداً يكشف طبيعة الدولة العربية المعاصرة. إنها دولة لم تعد قادرة على الرعاية الاجتماعية كما في السابق، لكنها لا تستطيع أيضاً التخلي عن إدارة المقدّس، لأن الطقس ما يزال يمثل إحدى آخر الآليات التي تسمح بإنتاج الإحساس الجماعي بالانتماء. ولذلك فإن تدخلها المستمر في ملف الأضاحي لا يعكس قوتها بقدر ما يكشف هشاشتها؛ فالدولة التي تحتاج إلى إدارة شعيرة دينية لحماية الاستقرار الاجتماعي، هي في العمق دولة تدرك أن السوق وحده لم يعد قادراً على ضمان تماسك المجتمع.

 علامة كثيفة على تحوّل تاريخي أوسع

في النهاية، لا تكشف أزمة الأضاحي في العالم العربي عن تحوّل يخصّ الشعيرة الدينية وحدها، بل عن تحوّل أعمق يطال شكل المجتمع نفسه وحدود الدولة وطبيعة العلاقة بين الإنسان والمقدّس والسوق. لم تعد المسألة تتعلق بارتفاع أسعار الخراف أو بتراجع القدرة الشرائية أو حتى بأزمة الفلاحة فقط، بل بانتقال تاريخي واسع من مجتمعات كان الاقتصاد فيها ما يزال محكوماً جزئياً بمنطق الجماعة والتكافل والرمزية، إلى مجتمعات أصبح فيها السوق هو المبدأ المنظم لكل شيء تقريباً، بما في ذلك الطقوس التي كانت تُفترض تاريخياً باعتبارها فضاءات لتجاوز منطق المنفعة والربح. وهنا تحديداً تكمن خطورة التحول الراهن: ليس لأن الرأسمالية دخلت المجال الديني، بل لأنها أعادت تشكيل معنى المقدّس نفسه وفق عقلانية السوق.

إن أزمة الأضاحي ليست مجرد أزمة استهلاك موسمية، بل أزمة نموذج تنموي كامل قائم على إدماج الفلاحة المغاربية داخل السوق العالمية من دون حماية البنية الاجتماعية والبيئية التي تسمح باستمرارها

لقد كانت الأضحية، في عمقها الرمزي، فعلاً يقوم على كسر منطق الندرة ولو مؤقتاً؛ إذ تسمح الجماعة، عبر الذبح والتوزيع، بإعادة إنتاج الإحساس بالمشاركة والوفرة والانتماء. أما اليوم، فإن الطقس نفسه أصبح ينتج المعنى المعاكس تماماً: بدل أن يخفف من التفاوت الاجتماعي، صار يكشفه؛ وبدل أن يخلق لحظة جماعية للتكافل، أصبح يوزع الإحساس بالإقصاء والحرج والعجز. وهذه المفارقة ليست حادثاً عابراً، بل نتيجة مباشرة لتحول بنية المجتمعات العربية تحت تأثير النيوليبرالية، حيث لم يعد الفرد يُقاس بموقعه داخل الجماعة، بل بقدرته على الاستهلاك وإظهار هذه القدرة داخل الفضاء الاجتماعي.

لكن ما يجعل هذه التحولات أكثر عمقاً هو أنها لا تمسّ المجال الاقتصادي فقط، بل تعيد تشكيل البنية العاطفية والرمزية للحياة الاجتماعية. فحين يصبح الدخول إلى الطقس الجماعي مشروطاً بالقدرة الشرائية، فإن السوق لا يعود مجرد آلية اقتصادية، بل يتحول إلى معيار لتحديد من يملك الحق الكامل في الانتماء الرمزي إلى الجماعة ومن يُدفع تدريجياً إلى هامشها. ومن هنا فإن الفقراء لا يُقصَون فقط من الاستهلاك، بل من القدرة على المشاركة الكاملة في إنتاج المعنى الجماعي نفسه. ولذلك فإن أزمة الأضاحي تكشف شكلاً جديداً من العنف الاجتماعي: عنف لا يعمل عبر القمع المباشر، بل عبر تحويل الكرامة والانتماء والمكانة إلى أشياء قابلة للشراء.

وفي هذا السياق، تبدو الدولة العربية وكأنها تعيش تناقضاً بنيوياً متزايداً. فمن جهة، ساهمت خلال العقود الأخيرة في إدماج الفلاحة والغذاء داخل السوق العالمية عبر سياسات التحرير والتصدير وتقليص الدعم، ومن جهة أخرى تجد نفسها مضطرة إلى التدخل المستمر لحماية المجتمع من النتائج الاجتماعية لهذا الإدماج. لكنها، في الواقع، لا تعود بوصفها دولة اجتماعية تعيد توزيع الثروة أو تؤسس لسيادة غذائية مستقلة، بل بوصفها سلطة تدير الندرة وتحاول احتواء آثارها الرمزية. ولهذا السبب يبدو تدخلها في ملف الأضاحي دائماً متأخراً وطارئاً: استيراد، دعم ظرفي، خطابات أخلاقية، أو تنظيم إداري للأسواق. إنها دولة تحاول إدارة التوتر بين مجتمع ما يزال يحتاج إلى المقدّس للحفاظ على تماسكه، وسوق تدفع باستمرار نحو تفكيك هذا التماسك.

غير أن الأفق الأوسع الذي تكشفه هذه الأزمة يتجاوز العالم العربي نفسه. فما يحدث حول الأضحية ليس سوى جزء من تحول عالمي أعاد فيه النظام الرأسمالي تشكيل علاقة الإنسان بالغذاء والطبيعة والحيوان وحتى بالطقوس. فالحيوان الذي كان جزءاً من دورة اجتماعية ورعوية محلية أصبح اليوم مرتبطاً بأسواق الأعلاف العالمية، وبسلاسل النقل، وبالمضاربات المالية، وبالتغير المناخي، وبالحروب الجيوسياسية. أي أن الخروف الذي يُذبح في حي شعبي بتونس أو في قرية مغربية أصبح، بصورة غير مباشرة، نتاجاً لشبكة عالمية معقدة تربط بين الجفاف في شمال إفريقيا، وأسعار الحبوب في شيكاغو، والحرب في أوكرانيا، وسياسات الدعم الأوروبية، والشركات الزراعية متعددة الجنسيات. وهكذا يتحول الطقس المحلي الأكثر حميمية إلى نقطة تتقاطع فيها ديناميات الرأسمالية العالمية بأكملها.

ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه الأضحية اليوم ليس سؤالاً دينياً بالأساس، بل سؤال سياسي وأنثروبولوجي يتعلق بمستقبل العيش الجماعي نفسه. فإلى أي حد يمكن للمجتمعات أن تحافظ على طقوسها ومعانيها المشتركة في ظل نظام اقتصادي يعيد باستمرار إنتاج الندرة والتفاوت؟ وهل يستطيع المقدّس أن يستمر بوصفه مجالاً للتماسك الرمزي حين يصبح خاضعاً بالكامل لمنطق السوق؟ ثم ما الذي يحدث للمجتمع عندما تتحول حتى أكثر لحظاته جماعية إلى تجارب فردية للقلق والديون والإحساس بالعجز؟

ربما تكمن أهمية «اقتصاد الأضاحي» في أنه يتيح قراءة العالم العربي من زاوية مختلفة تماماً. فبدل النظر إلى الأزمة من خلال المؤشرات الاقتصادية الكبرى فقط، يكشف الطقس الديني اليومي كيف تُعاش النيوليبرالية داخل الجسد والعائلة والحي والسوق والذاكرة الجماعية. إنه يكشف كيف تُترجم السياسات الزراعية والتضخم والجفاف والديون إلى مشاعر ملموسة من الخجل والضغط والحرمان الرمزي. ولذلك فإن الخروف لم يعد مجرد أضحية، بل أصبح علامة كثيفة على تحوّل تاريخي أوسع: انتقال المجتمع من اقتصاد تُنظّمه الجماعة نسبياً إلى مجتمع تُعيد السوق فيه تعريف معنى الانتماء نفسه.

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس