يلا يا «أبيا يالا»
التواصل مع فلسطين من أميركا اللاتينية في زمن الإبادة
كتبت هذا المقال عندما كانت الإبادة الإسرائيلية في غزة في أكثر مراحلها قسوة (يونيو/حزيران - يوليو/تموز 2025). وأنا أكتبه شعرت بالغضب والعجز والقنوط. كنت أذهب للنوم كل ليلة بقصص الرعب المستمر، وأصحو في الصباح على أخبار مقتل مئات آخرين. كنت أشاهد الجثث ملفوفة في بطاطين أو أكفان مُكوّمة في مقابر جماعية وأطفال صغار جماجمهم أو صدورهم مخترَقة بالرصاص وأجسادهم مبتورة أو هزيلة دمّرها الجوع والجفاف والمرض.
مثل ملايين الناس حول العالم المهتمين بفلسطين بشكل عميق، ما جعلني أستمر خلال العامين الماضيين هو بحث مهووس عن سبيل لإيقاف هذه الإبادة قبل أن يتم إفناء الشعب الفلسطيني في أرضه. وربما لهذا السبب تميل مصادري في هذا المقال لتكون نابعة من خبرات النضال والتنظيم أكثر من كونها نظرية أو تحليلية. فبدلاً من الكتابة من منظور أكاديمي، أكتب من الشوارع والساحات، من المباني الحكومية والمنابر التي نحاول فيها كنشطاء أن ندعو لقطع روابط التواطؤ التي تمكِّن النظام الصهيوني من الاستمرار في إبادة فلسطين.
هذا المقال عبارة عن محاولة لإقناع من يقرأونه في أبيا يالا1 وخارجها أن يتجاوزوا الكلمات إلى الفعل وأن ينتقلوا من التضامن الرمزي والخطابي إلى العمل الفعال. فما الفائدة من الحديث عن الإبادة إن لم نفعل شيئاً لإيقافها؟ من خلال العمل الجماعي والمنسق والمستدام على المستويين المحلي والدولي، ولا شيء غيره، سنتمكن من تجاوز الاكتفاء بتفسير 8 عقود من الاستعمار الإبادي نحو إنهائه فعلياً ومساعدة الشعب الفلسطيني على الاقتراب من التحرير.
مرةً أخرى أكد الشعب الفلسطيني أن تحريره وتقرير مصيره لن يأتي من النظام الدولي المتفسخ والفاقد للشرعية بشكل متزايد. يعرف الشعب الفلسطيني أن العدالة والمنطق والتاريخ في صفه بينما المشروع الصهيوني لا مستقبل له
بين الغموض والتناقضات
علاقة أبيا يالا المعقدة بالقضية الفلسطينية بدأت بالدور الذي لعبته بلدان أميركا اللاتينية في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين (UNSCOP) عام 1947. أوصت هذه اللجنة بتقسيم فلسطين وتسليم أكثر من نصف أراضيها لحركة مكونة من مستوطنين أوروبيين تواجدوا في البلاد لعقود قليلة، وشكلوا أقل من ثلث السكان، وامتلكوا 6% من الأرض فقط. كانت أوروغواي وغواتيمالا وبيرو أعضاءً في اليونسكوب، وكانت البرازيل تشغل رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، فنجح ممثلو هذه البلاد - المصطفين خلف قيادة الولايات المتحدة واللوبيات الصهيونية - في إقناع باقي دول أميركا اللاتينية بدعم تقسيم فلسطين.2
شكلت دول أميركا اللاتينية ثلث عضوية الأمم المتحدة التي كانت منظمة حديثة وقتذاك (أسست قبل ذلك بعامين فقط ولم يكن بها سوى 50 عضواً بالكاد): 13 صوتوا لصالح التقسيم،3 و6 امتنعوا عن التصويت،4 وكوبا فقط صوتت ضد التقسيم.5 في ذلك الوقت كانت عملية التخلص من الاستعمار في بدايتها ورفضت معظم بلدان أفريقيا وآسيا الاعتراف بإسرائيل، لكن أبيا يالا دعمت تجسد المشروع الاستعماري الصهيوني.6 كما يلاحظ المؤرّخ الأرجنتيني ميغيل إيبارلوسيا (Miguel Ibarlucía) فإن الطبيعة المنقسمة للتصويت في الأمم المتحدة تدل على أنه لم يكن هناك إجماع عالمي بل أن الأمر قد تم فرضه من الدول الغربية - بمساعدة دول أميركا اللاتينية - على العالم العربي الذي كان متحداً في رفضه.7
تفسر عوامل عدة دعم أبيا يالا للتقسيم. من ناحية، كانت هذه البلاد مستقلة رسمياً لأكثر من قرن من الزمان في ذلك الوقت، وبالتالي لم تكن مهتمة بالدرجة نفسها بعملية التحرر من الاستعمار كباقي دول الجنوب. علاوة على ذلك،8 لم يكن لديهم فعلياً أي معرفة عن القضية الفلسطينية أو العالم العربي.9 بالإضافة إلى ذلك، كان لوبي الوكالة اليهودية مقْنعاً جداً في العالم الغربي الذي هزته فظائع النازية.
من يتساءلون كيف فشلت منطقة عانت من 5 قرون من الاستعمار الأوروبي الوحشي في أن تدرك الطبيعة الاستعمارية والعنصرية للدولة التي تم فرضها على فلسطين، عليهم أن يتذكروا أن هذه الدول القومية شكلتها نخب محلية من سليلي المستوطنين الأوروبيين، وأن الطبيعة الاستعمارية للسلطة والمعرفة ما زالت تهيمن على السياسة والمجتمع والتفكير في أبيا يالا كما أوضح المحللون المعادون للاستعمار.10لهذا - بعد 78 عاماً - ما زالت بلدان المنطقة بحاجة للنظر بشكل نقدي في تصويتهم عام 1947 - وأيضاً في علاقاتهم الوثيقة المستمرة لسبعة عقود مع دولة إسرائيل. وقد صارت هذه الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى بعد عامين من الإبادة في غزة.
يوجد عامل آخر يجب أخذه في الاعتبار وهو الشتات الفلسطيني في أبيا يالا وسماته الخاصة.11، 12، وعلى الرغم من أن الشتات متنوع، فإن معظم المهاجرين الفلسطينيين قدِموا إلى أبيا يالا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وكانوا مسيحيين.13 لقد اندمجوا بسهولة في المجتمعات المستقبلة في البلاد التي استقروا فيها (تشيلي وهندوراس والسلفادور وفنزويلا وغواتيمالا وكولومبيا)، وازدهرت أحوالهم، وتمتعوا بنفوذ سياسي وثقافي واقتصادي كبير. كان اندماجهم في الطبقات البرجوازية14 يعني أنهم غالباً أبعدوا أنفسهم عن القضية الفلسطينية - المرتبطة باليسار والكفاح المسلح - وارتبطوا بالمواقع السياسية اليمينية من تشيلي تحت حكم بينوشيه، إلى السلفادور تحت حكم أنطونيو ساكا وناييب بوكيلي (على الرغم من أن بعضهم مثل شفيق حنضل كان ثورياً). بالنسبة إلى هؤلاء المهاجرين الذين تركوا فلسطين قبل النكبة، ولم يعيشوا أبداً تحت الاحتلال الاسرائيلي، كانت العلاقة بالوطن عاطفية وثقافية أكثر منها سياسية. لكن كما في حالات الشتات الأخرى، حدث التسييس لاحقاً خصوصاً بين الفلسطينيين من الجيل الثالث والرابع، الذين سعوا للارتباط بأصولهم عن طريق استعادة لغتهم وهويتهم وذاكرتهم الجماعية وعن طريق النشاط السياسي والعمل الأكاديمي والأدب.
ارتبطت هذه العملية أيضاً بزيادة الشرعية الدولية للقضية الفلسطينية نتيجة للدبلوماسية الناجحة لمنظمة التحرير الفلسطينية تحت قيادة ياسر عرفات بدايةً من سبعينيات القرن العشرين. في حالة تشيلي على سبيل المثال، أصبح الفلسطينيون من الجيل الثالث والرابع نشطين الآن في تعزيز حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي إس BDS) - خصوصاً طلاب الجامعات من خلال الاتحاد العام لطلاب فلسطين (UGEP) - وصاروا ينسقون نشاطهم مع الحركات الاجتماعية الأخرى. قوّى هذا الالتزام بشكل كبير النضال ضد الإبادة الحالية. لكن كما أوضحت الباحثة التشيلية سيسيليا بايزا ما زال يوجد تناقض كبير بين الوحدة والاتفاق على الهدف الذي يحرك اللوبي الصهيوني المساند لإسرائيل من جانب وتباين المصالح الطبقية والأيديولوجية في الشتات الفلسطيني في أبيا يالا من جانب آخر.
شبح إسرائيل يحوم حول مجموعات حروب العصابات والأنظمة الدكتاتورية والفترات الانتقالية
وفقاً لبايزا، لم تتبنَ بلدان أميركا اللاتينية منهجاً متسقاً تجاه القضية الفلسطينية على مدار السنوات. ومن ثم، سيتضمّن تحديد الاتجاهات الإقليمية بالضرورة شيئاً من التبسيط.15 فعلى الرغم من تصويت بلدانها في 1947، سعت الحكومات المتتالية في المنطقة على مدار العقود التالية إلى الحفاظ على موقف براغماتي يوازن بين مصالح كل من المجتمعات العربية واليهودية، بالإضافة إلى علاقاتها التجارية مع إسرائيل ومع البلاد العربية. ومن ثم، في كل أزمة كان الخطاب الحكومي يدين العنف على «الجانبين» ويدعو إلى احترام القانون الدولي - وهو موقف يميل لمحاباة إسرائيل. وباستثناء حالات مثل كوبا ونيكاراغوا تحت حكم الجبهة الساندينية16 وفنزويلا البوليفارية17، العلاقات مع فلسطين واسرائيل شكلتها المصالح المتغيرة لبلاد أميركا اللاتينية وأيديولوجيات أحزابها الحاكمة، لكن سياسة الدول بشكل عام قامت على الحفاظ على علاقات وثيقة بإسرائيل.
في الفترة منذ التصويت على التقسيم في 1947 إلى 1974، وفي إطار الحرب الباردة والاصطفاف مع الولايات المتحدة، حافظت معظم حكومات أميركا اللاتينية على موقف محابٍ لإسرائيل، على الرغم من وجود فروق كبيرة تبعاً لتوجه البلد والحكومة. لكن عوامل مثل اعتراف الأمم المتحدة بالبلدان المستقلة حديثاً من أفريقيا وآسيا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وصعود حركة عدم الانحياز في 1961، والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في 1967، والحظر الذي فرضته منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) على البلاد التي دعمت إسرائيل في حرب 1973 بين اسرائيل والعرب، دفعت الدول في أبيا يالا للسعي إلى تحسين علاقاتهم مع الدول العربية وإظهار المزيد من الدعم للقضية الفلسطينية. في 1974 تحسنت العلاقات أيضاً بفضل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني وإعطائها صفة مراقب في الأمم المتحدة. وبعد ذلك في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين اعترفت الكثير من دول أميركا اللاتينية بمنظمة التحرير الفلسطينية التي فتحت مكاتب لها في بلاد عدة في المنطقة ومنها كوبا ونيكاراغوا والبرازيل والمكسيك وبيرو وتشيلي.
لكن أثناء الفترة نفسها - حتى في ظل قيام معظم الدول الأفريقية بقطع العلاقات مع إسرائيل في 1973 - أصبحت الدول في أبيا يالا (والكثير منها صار محكوماً وقتئذ بحكومات سلطوية ودكتاتورية) أول المستفيدين من برامج التعاون الإسرائيلية التي تضمنت تمويلاً للتحديث الزراعي والعسكري. وبالفعل من 1970 إلى منتصف الثمانينيات كانت الأسلحة هي الصادرات الإسرائيلية الرئيسة إلى المنطقة.18
بالطبع، لا يمكن مساواة الدول والحكومات بالشعوب (كما اتضح أثناء إبادة غزة)، ولهذا ليس مفاجئاً أن ظهر خارج موقف الحكومات - بل وعلى الرغم منه - تضامن مباشر بين فلسطين وشعب أبيا يالا أيضاً في ستينيات وسبعينات القرن العشرين ومنه العلاقات بين منظمات حرب العصابات السياسية في المنطقة وتلك التي في فلسطين والعالم العربي.19
أدّت كوبا دوراً سياسياً ودبلوماسياً أساسياً في تلك الفترة في ظل وجود مبادرات مثل مؤتمر القارات الثلاث المنعقد في هافانا عام 1966، والذي جمع الحركات الثورية من قارات الجنوب الثلاث. وقد فتح ذلك الباب لتأسيس منظمة تضامن شعوب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية (أوسبال) ومجلتها Tricontinental، التي كانت صوتاً قوياً للتوجه العالم الثالثي في ذلك الوقت. يسّرت كوبا أيضاً تبادلات التدريب العسكري والمعلوماتي الاستراتيجي بين منظمات حرب العصابات من المخروط الجنوبي20 وكولومبيا وأميركا الوسطى وفلسطين.21 في تلك الأوساط كان يُنظَر للمقاومة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية كنضال مناهض للإمبريالية من أجل التحرر الوطني.
لكن هزيمة حركات حرب العصابات في أبيا يالا في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين22 تزامنت مع انتهاء دورة من النضال الفلسطيني المسلح بعد أن أجبرت منظمة التحرير الفلسطينية على الانتقال من لبنان إلى تونس في 1982. ألقت المنظمة السلاح بعد ذلك وتبنت الدبلوماسية، فأصدرت إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، وشاركت في مؤتمر مدريد 1991، ووقعت اتفاقات أوسلو في 1993-1995. أما في أبيا يالا، فالدكتاتوريات والأنظمة القمعية المتوحشة والسلطوية التي نشأت في تلك الفترة لم تقض فقط على المناضلين والمنظمات من خلال إرهاب الدولة، وإنما فككت أيضاً العلاقات والذكريات المشتركة.23 مصير الأغلبية الساحقة من هؤلاء المناضلين كان الموت أو الاختفاء القسري أو النفي أو السجن السياسي المطول. وقد حثت الهزائم نقاشات طويلة ومعقدة، وأدت إلى فقدان الثقة في الكفاح المسلح بين بعض المثقفين والزعماء والنشطاء في قطاعات مختلفة من اليسار.24
في خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، قامت إسرائيل باعتبارها وكيلاً للولايات المتحدة بتسليح وتدريب الأنظمة السلطوية وفرق الموت على تكتيكات مكافحة التمرد في المخروط الجنوبي وفي أميركا الوسطى.25إجماع الأمم المتحدة عبارة عن قيد يمنعنا من رؤية الأشياء كما هي في حقيقتها، وتصوّر خيارات أكثر عدالة وواقعية وإبداعاً، بما في ذلك تجاوز النموذج الغربي للدولة القومية
علاوة على أهدافها السياسية، كان لدى اسرائيل مصلحة اقتصادية في هذا التحالف الاستراتيجي مع الأنظمة الدكتاتورية وقواتها المسلحة، فقد استقبلت المنطقة ثلث إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية إبان ثمانينيات القرن العشرين.26 وكما يلاحظ المؤرخ جيراردو لينير، وفَّرَ التعاون الإسرائيلي غطاءً سياسياً ودبلوماسياً - وعلى الأرجح استخباراتياً أيضاً - لهذه الأنظمة.27
لم يكن مهماً بالنسبة لإسرائيل أن هذه الانظمة الدكتاتورية كانت معادية للسامية بشكل صريح. على سبيل المثال، اعتقدت الطغمة العسكرية بالأرجنتين أن هناك مؤامرة (معروفة بخطة أنديانا) لإقامة دولة يهودية في باتاغونيا. حتى بعد أن عذبوا الصحافي جاكوبو تيمرمان (Jacobo Timerman) وغيره من اليهود للحصول على معلومات بخصوص الخطط المزعومة لغزو الأرجنتين من الجيش الإسرائيلي،28 لم تسحب إسرائيل دعمها لها بل استمرت في إمدادها بالأسلحة التي استخدمتها في حرب مالفيناس/الفوكلاند.29
كانت العلاقات العسكرية مع إسرائيل جوهرية أيضاً في إنشاء قوات الدفاع الذاتي الموحدة الكولومبية (AUCs) وغيرها من المجموعات شبه العسكرية اليمينية المتطرفة التي كانت مسؤولة عن حوالي 45% من ضحايا الصراع الداخلي الكولومبي الذين بلغوا 400 ألف.30 كارلوس كاستانيو (Carlos Castaño) الذي كان الزعيم الأول لقوات الدفاع الذاتي الموحدة الكولومبية سافر للتدريب العسكري في إسرائيل عام 1983.31 حافظت الأنظمة السلطوية التي حكمت باراغواي وغواتيمالا وهندوراس أيضاً على علاقات عسكرية واستخباراتية وثيقة مع إسرائيل أثناء ثمانينيات القرن العشرين والعقود التالية. ليست مصادفة أنه في 2018 كانت هذه أول بلاد أعلنت قرارها بنقل سفاراتها إلى القدس بعد ترامب.32
أثناء الفترة من منتصف إلى أواخر ثمانينيات القرن العشرين، كانت شعوب أبيا يالا تركز على تحديات الانتقال الديمقراطي ومكافحة إفلات مرتكبي إرهاب الدولة من العقاب لدرجة عدم الانخراط في التضامن بشكل فعال مع فلسطين. لكن الاهتمام بالقضية الفلسطينية اشتعل من جديد في أواخر 1987 حين اندلعت الانتفاضة الأولى وأثارت تعاطفاً عالمياً متصاعداً. وشهد إطلاق إعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر 1988 دعماً متجدداً للقضية الفلسطينية، فقد صوتت 10 دول من أميركا اللاتينية33لتبني قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 43/177 (1988) الذي اعترف بالإعلان على الرغم من أن نيكاراغوا وكوبا فقط هما اللتان اعترفتا رسمياً بدولة فلسطين في ذلك الوقت.
بعد نهاية الأنظمة الديكتاتورية والسلطوية في أبيا يالا في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، أقامت كل حكومات المنطقة تقريباً سواء المحافظة أو التقدمية (باستثناء كوبا ونيكاراغوا) علاقات أمنية وعسكرية مع إسرائيل أو حافظت على هذه العلاقات بالتركيز على أربعة مجالات: الأسلحة - الأنظمة الأمنية - الأمن السيبراني والاستخبارات - تدريب القوات الامنية على «مكافحة الإرهاب» و«مكافحة التمرّد». شاركت إسرائيل في معارض السلاح في البرازيل وتشيلي وكولومبيا. وكجزء من سياساته الأمنية وعسكرة منطقة أروكانيا أو وولمابو، وقّع رئيس تشيلي سيباستيان بينيرا (Sebastián Piñera) اتفاقيات مع إسرائيل أكثر من أي رئيس شيلي آخر بخلاف بينوشيه. وبالمثل، وقعت البرازيل تحت حكومة حزب العمال عقوداً عسكرية مع اسرائيل بقيمة حوالي مليار دولار كما اتضح في تقرير صدر عام 2011 من منظمة Stop the Call الفلسطينية. يمكن رؤية نتائج هذه العقود من التعاون في الأساليب والممارسات والمعدات التي تستخدمها الشرطة والجيش في الأحياء الفقيرة العشوائية في ريو دي جانيرو والتي تنتج عنها خسائر ضخمة خصوصاً بين السكان السود من الشباب بالأساس.34 بسبب صلات كهذه، تدعو حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات إلى حظر عسكري ضد اسرائيل، وتسعى أيضاً إلى ربط القضية الفلسطينية بالنضال ضد الاستعمار والعنصرية والعسكرة ومن أجل حقوق الشعوب الأصلية في مختلف أنحاء أبيا يالا.
كارثة أوسلو: هل عالم آخر ممكن؟
الانتفاضة الفلسطينية الأولى كانت شعبية وهائلة لكنها تفككت عن طريق ما سُمي بـ«عملية أوسلو»، وهي فخ لم يقع فيه قسم كبير من الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة والشتات فحسب، وإنما أيضاً داعِموهم في العالم. لم يكن من الممكن تجنب انتشار الحماس لعملية أوسلو بالنظر إلى الشرعية التي أضفاها عليها الزعيم ياسر عرفات.
إن الانتقادات والتحذيرات التي رفعتها شخصيات متنوعة مثل إدوارد سعيد (الذي أطلق على اتفاقات أوسلو «فرساي الفلسطينية») وعشرة أحزاب سياسية فلسطينية (متنوعة بين الماركسية والإسلامية) لم تجد استجابة. ما سُمي بـ«عملية السلام» كان خدعة35هدفت لإخماد الانتفاضة وإيقاع المقموعين في شرك مفاوضات وهمية لا تنتهي مع القامعين تحت رعاية قوة إمبريالية (الولايات المتحدة) لم تكن وسيطاً نزيهاً أبداً بالنظر لدعمها التاريخي غير المشروط لإسرائيل.36
كانت تبعات عملية أوسلو على الشعب الفلسطيني مأساوية ومتعددة الأوجه. صحيحُ أن الاتفاقات مكنت الكثير من الفلسطينيين المنفيين (ومنهم عرفات نفسه) من العودة لفلسطينو وأعطت السلطة الفلسطينية صلاحية إدارة التعليم وغيره من الأمور العامة بشكل مستقل (وبالتالي حررت إسرائيل من مسؤولياتها كقوة احتلال). صحيحُ أيضاً أنها عززت الجهود الدبلوماسية في الأمم المتحدة. لكنها - وهو الأهم - أخفت أيضاً حقيقة السيطرة الإسرائيلية خلف واجهة من الحكم الذاتي الفلسطيني الذي سمح لإسرائيل بكسب الشرعية في عيون عدد من البلدان العربية والإسلامية والجنوبية والحصول على اعترافها.37 علاوةً على ذلك، مسؤولية السلطة الفلسطينية الرئيسية في ظل هذه العملية كانت - ولا تزال - ضمانَ أمن المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة بما في ذلك مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل والتعاون معها في قمع مقاومة شعبها ذاته.38
من الأمور الخبيثة أيضاً الفخ المعرفي الذي خلقته أوسلو في الكثير من أوساط معسكر التضامن والأكاديميا والرأي العام والسياسة حول العالم، ليس فقط بسبب الاعتقاد المغلوط بأن العملية ستؤدي لميلاد دولة فلسطينية، وإنما أيضاً لأنها أقامت منهجاً مضللاً ما زال مستمراً حتى اليوم: إنه يوجد «جانبان» يجب أن يتفاوضا على حل سلمي للـ«صراع»، وهو أمر يشوش اختلال القوة والمسؤولية بينهما. هذا التحريف يساوي بين المضطهَدين والمضطهِدين - في حالتنا هذه المستعمَرين والمستعمِرين - وهو ما يُعرَف في المخروط الجنوبي بـ«نظرية الشيطانين»39 أو مَصدري العنف المتقابلين.
مع تأسيس هذا النموذج الزائف، جرى نسيان مفاهيم نضالات التحرر الوطني ضد الاستعمار أو إزاحتها للهامش. وفي الوقت نفسه، نتج عن قرار عرفات وحزبه إلقاء السلاح نزعُ الشرعية عن الكفاح المسلح. وقد امتزج نزع الشرعية هذا مع واقع جرى فيه أن حماس والجهاد الإسلامي أطلقا موجة من الهجمات الانتحارية في أراضي اسرائيل رداً على مذبحة 29 فلسطينياً كانوا يُصلون في رمضان في الحرم الإبراهيمي في الخليل في شباط/فبراير 1994، لكن هذه الهجمات استمرت لسنوات ودمرت صورة القضية الفلسطينية في الغرب. بعد الهجمات على البرجين في 2001، والحرب على الإرهاب التي أطلقتها الولايات المتحدة وحلفائها، ومع اقتراب الانتفاضة الثانية، كان من السهل جداً شيطنة المقاومة الفلسطينية واعتبارها «إرهاباً».
استفز هذا كلّه التأملات في عدم الاتساق بين النسوية والصهيونية، وعدم الاتساق لدى من يدَّعون الدفاع عن حقوق التنوّع الجنسي بينما يرتكبون ويبرّرون أو ينكرون الإبادة الجماعية والفصل العنصري الذي تقوم به إسرائيل
هذه الشيطنة لم تحدث في الرأي العام ووسائل الإعلام السائدة والنظام السياسي فقط، وإنما أيضاً بين الكثير من اليسار أيضاً بما في ذلك في أبيا يالا. لا يمكن قبول الإسلاموية بسهولة في قارة أغلبيتها مسيحية،40والأحزاب اليسارية فيها علمانية ولا تثق في أي تعبيرات دينية. وفي المقابل، مجرد وجود السلطة الفلسطينية ورئيسها المنصاع الذي يزعم تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية، أدى إلى تحديد ما هو الطريق المشروع ومن هم الفلسطينيين الجيدين ومن هم الفلسطينيين السيئين. نتيجةً لهذا، يبدو اليوم أن المرء لا يستطيع الحديث ضد الإبادة الجماعية من دون أن يدين أولاً «إرهاب حماس». وإن لم يفعل هذا، يخاطر بأن يخسر مصداقيته أو يجري تهديده بالتجريم لـ«دعم الإرهاب». وبالطبع هذه الإدانات يقدمها من لم يقوموا بإدانة إرهاب الدولة الإسرائيلي أبداً ومن يكرّرون الكليشيهات من دون معرفة أي شيء عن المقاومة الفلسطينية أو عن حماس.
كان لأوسلو نتيجة أخرى، ألا وهي أن السفارات الفلسطينية المقامة في بلدان أبيا يالا - التي افتتحت هي الأخرى سفاراتها في رام الله - أصبحت المرجعية الأساسية وأحياناً الوحيدة لمجموعات التضامن مع فلسطين والحكومات وللمجتمعات بشكل عام. شوّه نشوءُ هذا الفاعل السياسي الجديد المسارَ التاريخي للتضامن الأميركي اللاتيني مع النضال التحرري الفلسطيني في منطقة تقل فيها فرص التبادل والاتصال المباشر مع النشطاء الفلسطينيين كثيراً عن نصف الكرة الشمالي بسبب القيود الاقتصادية والجغرافية. وبالإضافة إلى العائق اللغوي، يقلّل هذا إمكانيات الاستماع لأصوات ووجهات نظر الفلسطينيين - خصوصاً تلك الخاصة بالأجيال الجديدة - بشكل يتجاوز الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية.
وُقِّعت اتفاقات أوسلو، التي تعود بالقضية الفلسطينية 30 عاماً إلى الوراء، في سياق تفكك الكتلة السوفياتية ونهاية الحرب الباردة وأزمة اليوتوبيا الاشتراكية والثورية. وتزامنت في أبيا يالا مع «العقد الضائع» (تسعينيات القرن العشرين) للعهد النيوليبرالي الذي دشنته هزيمة ثورة نيكاراغوا في انتخابات 1990، وأزمة الساندينية التي وقعت بعد ذلك. في ذلك الوقت، باستثناء انتفاضة زاباتيستا في تشيباس (1994)41، بدت القوى الرجعية الصاعدة والرأسمالية النيوليبرالية ببرامجها القائمة على الخصخصة والاستخراج كأنها غير قابلة للإيقاف. في حقبة الهيمنة الأميركية و«نهاية التاريخ» فرض التفكير الأحادي «رأسمالية عالمية […] وإعادة استعمار […] نيوليبرالية وما بعد حداثية».42
تميزت بداية القرن الحادي والعشرين باندلاع «الانتفاضة الثانية» في فلسطين. لكن ما بدأ كانتفاض شعبي تحوّل سريعاً إلى مواجهة عسكرية دموية بسبب العنف المفرط الذي استخدمته القوات الإسرائيلية والهزيمة الساحقة للمقاومة. لكن بالعكس، شهدت أبيا يالا في ذلك الوقت عودة الأمل. أحد مظاهر هذا الأمل المستعاد كان المنتدى الاجتماعي العالمي الذي انعقد لأول مرة في بورتو أليغري بالبرازيل في كانون الثاني/يناير 2001 في مواجهة المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس. انعقد المنتدى الاجتماعي سنوياً بعد ذلك في قارات مختلفة تحت شعار «عالم آخر ممكن». بلا شك اُستُلهِم هذا الشعار من دعوة حركة زاباتيستا لـ«عالم يستوعب عوالم كثيرة داخله»43 مَثَّلَ المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو أليغري قطيعةً مع طغيان التفكير الأحادي النيوليبرالي، ودعا الحركات الشعبية إلى بناء يوتوبيات جديدة تغير الواقع تماماً.44
من يتساءلون كيف فشلت منطقة عانت من 5 قرون من الاستعمار الأوروبي الوحشي في أن تدرك الطبيعة الاستعمارية والعنصرية للدولة التي تم فرضها على فلسطين، عليهم أن يتذكروا أن هذه الدول القومية شكلتها نخب محلية من سليلي المستوطنين الأوروبيين
كانت القضية الفلسطينية حاضرة في المنتدى الاجتماعي العالمي منذ البداية لكن مع بعض التوترات. كان ميثاق مبادئ المنتدى يعرفه كمساحة لاعنيفة ترفض الكفاح المسلح، وكان الفلسطينيون في خضم الانتفاضة الثانية. وعلى الرغم من أن مشاركتهم في المنتدى الاجتماعي العالمي كانت متنوعة، كان واضحاً أن الجدل بشأن شرعية الكفاح المسلح، لم يكن سهلاً في أبيا يالا حيث كان لدى الكثير من الحركات الاجتماعية (وما زال) نظرة نقدية لخبرات حرب العصابات في العقود السابقة (انظر.ي هامش رقم 24). امتزج هذا بحقيقة أن الهجمات الانتحارية ووصمة الإرهاب التي ترسخت منذ الهجوم على البرجين بنيويورك عكسا صورة سلبية للمقاومة الفلسطينية حول العالم بما في ذلك في أبيا يالا.
شهد العقد الأول من الألفية الثالثة صعود حكومات تعتبر يسارية أو تقدمية أو ميالة للوسط في أبيا يالا: هوغو شافيز في فنزويلا (2000)، ولويز إيناسيو لولا دي سيلفا في البرازيل (2003)، ونيستور كيرشنير في الأرجنتين (2003)، وتاباريه فازكيز في أوروغواي (2005)، وإيفو موراليس في بوليفيا (2006)، وأوسكار أرياس في كوستاريكا (2006)، وكرستينا فرنانديز في الأرجنتين (2007)، ودانيال أورتيغا في نيكاراغوا (2007)، وفرناندو لوغو في باراغواي (2008)، وموريسيو فونيز في السلفادور (2009)، وخوسيه موخيكا في أوروغواي (2010)، وديلما روسيف في البرازيل (2011). أثناء هذه الفترة، وخصوصاً في ظل قيادة لولا دي سيلفا، سعت الحكومات الأميركية الجنوبية إلى بلورة موقف سياسي إقليمي أكثر استقلالية عن النفوذ الأميركي.
اتساقاً مع هذا النهج الجديد، عبّرت هذه الحكومات التقدمية عن دعمها للشعب الفلسطيني بدرجات مختلفة. وبحلول العقد الثاني من الألفية الثالثة، كانت 16 دولة من أميركا اللاتينية قد اعترفت بدولة فلسطين45، والكثير منها أقام سفارات أو مكاتب دبلوماسية في رام الله. لكنها في الوقت نفسه، كانت توسّع علاقاتها مع إسرائيل وتسعى للحفاظ على موقف «متوازن». على سبيل المثال، في 2007، دول كتلة ميركوسور (الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي) - وثلاث منها كان بها حكومات تقدمية في ذلك الوقت - وقعت اتفاقية تجارة حرة مع إسرائيل. بعد ذلك بـ18 عاماً - وحتى مع الإبادة الجماعية الجارية في غزة - لم تدع أي حكومة من حكومات كتلة ميركوسور أو أي حركة اجتماعية لتعليق الاتفاقية.
والبرازيل نموذج بليغ. فعلى الرغم من أن إدارات حزب العمال رفعت من درجة العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي مع فلسطين (قُدر بحوالي 30 مليون دولار بين 2006 و2012)، فإنها رفعت أيضاً من وارداتها من الأسلحة الإسرائيلية. بدءاً من سنة 2000، أصبحت شركات السلاح الإسرائيلية بقيادة إلبيت سيستمز مُورِّدة رئيسة للقوات المسلحة والشرطة البرازيلية. تُستخدَم المُسيَّرات التي تم شراءها من إسرائيل منذ 2010 في عسكرة الأحياء الفقيرة بالبرازيل، واُستخدمت أيضاً أثناء كأس العالم لكرة القدم 2016. وفي الوقت نفسه، رفضت الرئيسة ديلما روسيف قبول داني دايان (زعيم حركة المستوطنين في الضفة الغربية) سفيراً في البرازيل في 2015.
هذه التناقضات كانت واضحة أثناء الهجمات الإسرائيلية السابقة على غزة. ففي 2009، أثناء عملية الرصاص المصبوب، لم تقم سوى بوليفيا تحت حكم إيفو موراليس وفنزويلا تحت حكم هوغو شافيز بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. في 2014، أثناء أشد الهجمات وحشية والمعروفة بعملية الجرف الصامد رفعت بعض الحكومات في أميركا اللاتينية صوتها لإدانة إسرائيل أعلى قليلاً من البلدان الأوروبية، وخَمس منها (البرازيل وتشيلي وبيرو والإكوادور والسلفادور) استدعت سفراءها لفترات وجيزة من تل أبيب لكن لم يقطع أي منها العلاقات.
145 دولة عضو في الأمم المتحدة اعترفت بالفعل بدولة فلسطين ولم يتغير شيء، العزلة الدولية والعقوبات هي فقط التي يمكن أن تجبر اسرائيل على إنهاء احتلالها الاستعماري وتجعل حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم واقعاً
في العقدين الثاني والثالث من الألفية الثالثة، عادت القطاعات المحافظة إلى السلطة في الكثير من بلدان أبيا يالا، وتوقفت أو تراجعت عن التزامها بالقضية الفلسطينية. حقبة جايير بولسونارو في البرازيل هي أفضل مثال على هذا الانقلاب. فبعد صعوده للسلطة بدعم القطاعات الإنجيلية الصهيونية المجتمعة في «مقاعد الكتاب المقدس» في البرلمان، اصطفت حكومة بولسونارو مع الولايات المتحدة، وصدّقت على اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل (على الرغم من أن الإعلان عن نقل السفارة لم يتحقق أبداً بسبب ضغط البلاد العربية التي هي شركاء تجاريين أقوياء للبرازيل). وفي الشهور الأولى من إدارته، وقع بولسونارو 6 اتفاقيات مع إسرائيل بخصوص الأمن العام والدفاع والعلوم والتكنولوجيا. في 2017، أصبح نتنياهو أول رئيس حكومة إسرائيلي يزور المنطقة: كانت الأرجنتين وقتها يحكمها موريسيو ماكري، وكولومبيا يحكمها خوان مانويل سانتوس، والمكسيك إنريكه بينيا نياتو. وفي 2019، أصبح أول رئيس حكومة إسرائيلي يزور البرازيل.46
من المفارقات أن السنوات بعد 2020 شهدت تطور حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في أبيا يالا. فقد منعت حملات المقاطعة الثقافية والرياضية الناجحة لاعبي الكرة والفنانين (في الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي) من السفر إلى إسرائيل. وجرى إطلاق حملات أخرى: من أجل المقاطعة الأكاديمية (في الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا) - ضد اختراق شركة المياه الإسرائيلية ميكوروت (الأرجنتين والبرازيل) - ضد الشركة المكسيكية متعددة الجنسيات سيمكس (CEMEX) التي لديها علاقات بإسرائيل (كولومبيا والمكسيك) - ضد الشركات العسكرية الاسرائيلية إلبيت وشركة أنظمة الدفاع والأمن الدولية (ISDS) (البرازيل). وانتشرت حملة المساحات الحرة من الفصل العنصري وأسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي السنوي في مختلف أنحاء المنطقة هذه المرة. نظَّمت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات فعاليتين إقليميتين (في سانتياغو بتشيلي في 2017 وفي ريو دي جانيرو في 2018) وجولة سياسية للموسيقي روجر ووترز، ونشرت تقريراً عن العسكرة الإسرائيلية في أبيا يالا، واستمرت في بذل الجهود لبلورة الربط بين حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ونضالات الحركات البيئية والعمالية والمناهضة للعنصرية وحركات الشعوب الأصلية في القارة.47
لكن المعسكر المؤيد لفلسطين في أبيا يالا لم يتمكن من إيقاف تقدم اللوبي الصهيوني أو من الاستجابة بقوة للفظائع المرتكبة في هذه الفترة، مثل الهجمات المتكررة على قوافل الحرية منذ 2010، والتصعيد المميت في العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس في 2015 (أثناء انتفاضة السكاكين)، والقتل الجماعي وبتر الأطراف الذي اُرتكب ضد المتظاهرين أثناء مسيرات العودة الكبرى في غزة (2018-2019)، وإعلانات الضم والاتفاقات الإبراهيمية (2020)، والهجوم المميت في 2021 على غزة رداً على «انتفاضة الوحدة».
كذلك لم يتحقق أي تقدم جاد في إضفاء الشرعية على القضية الفلسطينية - ونزع الشرعية عن إسرائيل - بعد سلسلة التقارير الصادرة عن الفصل العنصري الإسرائيلي منذ 2021 من قِبل بيت سليم وهيومان رايتس ووتش والعفو الدولية وغيرها من المنظمات. في الواقع، في أبيا يالا - كما في باقي العالم - كان ظهور القضية الفلسطينية والاهتمام بها في أدنى مستوياتهما قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. مرة أخرى، الرسالة التي كان العالم يعطيها للشعب الفلسطيني أنهم لا يُؤْخَذُون على محمل الجد إلا حين يحملون السلاح أو حين يقتلهم النظام الإسرائيلي بالآلاف.
إلى أي مدى غيّرتنا الإبادة الجماعية؟
الإبادة المتلفزة التي تقوم بها إسرائيل استمرت لأكثر من عامين الآن، لكن حكومات بوليفيا وكولومبيا ونيكاراغوا وبيليز فقط هي التي قطعت العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، بينما تشيلي سحبت ملحقيها العسكريين، وكولومبيا علقت صادرات الفحم. ومثل كل الحكومات الغربية، فشلت الباقيات في تجاوز الإعلانات واستمرت في تكرار تعويذة «الدولتين» وكأنها وصفة سحرية ستحل كل شيء. يبدو أنها غير مدركة أن 145 دولة عضو في الأمم المتحدة اعترفت بالفعل بدولة فلسطين ولم يتغير شيء، وأن العزلة الدولية والعقوبات هي فقط التي يمكن أن تجبر اسرائيل على إنهاء احتلالها الاستعماري وتجعل حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم واقعاً.
في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أنه منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، اتخذت بعض الحكومات في أميركا اللاتينية خطوات في الاتجاه الصحيح، وإن كانت غير كافية حتى الآن. انضمت نيكاراغوا وكوبا وكولومبيا والمكسيك وتشيلي والبرازيل لدعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العمل الدولية. علاوة على ذلك، نصف الدول الثمانية التي تشكل مجموعة لاهاي هي من أبيا يالا (كوبا وهندوراس وبوليفيا وكولومبيا). هذه المجموعة قامت بتدشينها الأممية التقدمية في كانون الثاني/يناير 2025 بهدف تطبيق القرارات التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية (وخصوصاً الرأي الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024) والجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار A/RES/ES-10/24 الصادر في 18 أيلول/سبتمبر 2024) التي أمرت الدول الأعضاء باتخاذ تدابير فعالة لإنهاء إفلات إسرائيل من العقاب.
الرسالة التي كان العالم يعطيها للشعب الفلسطيني أنهم لا يُؤْخَذُون على محمل الجد إلا حين يحملون السلاح أو حين يقتلهم النظام الإسرائيلي بالآلاف
علاوة على ذلك، ترأست كولومبيا (مع جنوب أفريقيا) المؤتمر الوزاري الطارئ عن فلسطين في تموز/يوليو 2025، الذي اُختتم بإعلان بوغوتا المشترك الذي التزمت فيه 13 دولة (5 منهم من أبيا يالا)48، بـ6 تدابير لمنع نقل الأسلحة إلى إسرائيل، وبدء مراجعة عاجلة لكل العقود العامة معها، والسعي للمحاسبة على جرائمها عن طريق دعم الولاية القضائية العالمية والقانون الدولي.
بجانب هذه التغيرات على مستوى الحكومات، ارتفع الاهتمام الشعبي بالقضية الفلسطينية والتعاطف معها منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر بشكل هائل في أبيا يالا كما في باقي العالم. انتشرت المسيرات والحشود والعروض والمناقشات والحملات في كل مكان.49 في كل بلد، تعزز التضامن الذي كان قائماً من قبل عن طريق تجمعات وشبكات ومبادرات جديدة يقودها بشكل خاص الشباب.50 ومن النماذج الهامة صعود مجموعات يهودية جديدة مناهضة للصهيونية في المنطقة.51
العمل النسوي العالمي من أجل فلسطين مبادرة قوية جمعت منظمات ومجموعات نسوية - استجابةً لدعوة من نظيراتها الفلسطينيات - اتفقت على جعل الإبادة ومقاومة النساء الفلسطينيات في قلب فعاليات اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، تحت شعار «من أبيا يالا إلى فلسطين: مقاومة نسوية». نظمن أنفسهن من خلال شبكات ومجموعات افتراضية، وصغن بياناً مشتركاً قُرِئَ في المسيرات الجماهيرية التي جرى تنظيمها في مختلف أنحاء المنطقة. وعلى الرغم من أن ذلك المستوى من التنسيق كان من الصعب الحفاظ عليه، فلا يمكن إنكار أن المعركة ضد الإبادة الجماعية ودفاعاً عن فلسطين وصلت الآن المساحات النسوية وغير النمطية جنسياً وما بعدها. ويتضح هذا في الفعاليات الحاشدة في 8 آذار/مارس وفي مسيرات الفخر.52 وبالفعل لم تنجح محاولات الدعاية الصهيونية احتواء المساحات النسوية والمتنوعة جنسياً عن طريق الخطاب الذي كرّرته عن الإسلاموية الأبوية والمعادية للمثليين، أو الأكاذيب التي روجتها بشأن استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. بالعكس، لقد استفز هذا كلّه التأملات في عدم الاتساق بين النسوية والصهيونية، وعدم الاتساق لدى من يدَّعون الدفاع عن حقوق التنوّع الجنسي بينما يرتكبون ويبرّرون أو ينكرون الإبادة الجماعية والفصل العنصري الذي تقوم به إسرائيل.
على العكس من المبادرات التي انطلقت على المستوى القاعدي، لم تكن الاستجابات المؤسسية على قدر التحدي. كانت نقابات الصحة والتعليم والصحافة بطيئة ومتأخرة في الحديث بوضوح ضد القتل الجماعي لأقرانها في غزة، وإن كانت استجاباتها تباينت بين مختلف أنحاء المنطقة. وبالمثل أدانت الاتحادات النقابية في دول كتلة ميركوسور الإبادة الجماعية، لكن استجاباتها المحدودة لم تكن مصحوبة بدعوة لتعليق اتفاقية التجارة الحرة بين الكتلة وإسرائيل، وإنهاء تواطؤ الحكومات والشركات والمؤسسات ولم تُصعد تضامنها مع النقابات الفلسطينية. وكما لاحظ الناشط النقابي الإسباني سانتياغو غونزالز باليخو: تمثل المشهد العام في غزارة البيانات التضامنية لكن مع غياب الفعل الفعال ضد إسرائيل.
على الرغم من ذلك، بعد أكثر من عامين من التعبئة يكتسب مطلب قطع العلاقات العسكرية والتجارية والدبلوماسية مع إسرائيل دعماً متزايداً في المنطقة. ويتزامن هذا مع نمو واضح في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات التي بلغت 20 عاماً في تموز/يوليو 2025. وقد اكتسبت مطالبها التاريخية شرعية أكبر بفضل قرارات محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة والإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان (التي تقودها المقررة الخاصة فرنشيسكا ألبانيزي)، بالإضافة إلى التقارير التي تخلص إلى أن إسرائيل ترتكب الإبادة الجماعية التي أصدرتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية وإسرائيل ومنظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وبيت سليم وغيرها.
مجموعات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات موجودة حالياً في بلدان عدة في أبيا يالا وتقوم بحملات ومبادرات متنوعة. في كولومبيا، حقق تَجَمُع تضامن المناهض للعسكرة (Tadamun Antimili collective) تقدماً كبيراً عززته جمعية المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، التي انعقدت حين التقت مجموعة لاهاي في بوغوتا بناءً على دعوة الحركات الاجتماعية الكولومبية بخصوص ضرورة الانضمام لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. في البرازيل، تمكنت الحركة من الربط بين القضية الفلسطينية والحركات الفلاحية والمناهضة للعنصرية وحركات الأحياء الفقيرة التي تناضل ضد عنف الدولة. ومعاً يضغطون على حكومة لُولا لقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية والعسكرية مع إسرائيل. في 2024، نجحت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات وحلفاؤها في جعل الحكومة تلغي شراء مدافع أتموس 2000 من شركة الأسلحة الإسرائيلية إلبيت سيستمز.
أما بالنسبة للقطاع الأكاديمي في أبيا يالا، فاستجابته للإبادة التعليمية في غزة كانت متفاوتة. في بوليفيا وتشيلي والبرازيل وكولومبيا وبورتوريكو والمكسيك، دعت اعتصامات الطلاب الجامعات لإنهاء تواطؤها مع إسرائيل. وعزز التجمع المكسيكي (أكاديميون مع فلسطين) مبادرات المقاطعة الأكاديمية، أما مركز البحوث والتعليم الاقتصادي (CIDE) وكلية المكسيك فقطعا علاقاتهما بالجامعات الإسرائيلية. في البرازيل، ألغت جامعة كامبيناس العامة (UNICAMP) وجامعة فلومينينسي الفيدرالية (UFF) وجامعة سيارا الفيدرالية (UFC) والجامعة الفيدرالية بريو غراندي دو سول (UFRGS) كل الاتفاقات مع الجامعات الإسرائيلية.53 وفي أوروغواي، دعت جامعة الجمهورية (UdelaR) الحكومة لإغلاق «مكتب الابتكارات» الخاص بها في الجامعة العبرية بالقدس، وأعلنت أنها لن تشارك في أي مشروع مرتبط به. هذا القرار كان مدعوماً من اتحاد النقابات العمالية الوحيد في البلاد.54
تشكلت مجموعة عمل فلسطين وأميركا اللاتينية التابعة لمجلس أميركا اللاتينية للعلوم الاجتماعية (CLACSO) في 2019 من أجل «إبراز المسألة الفلسطينية وأشكال المقاومة التي تشترك فيها مع الشعوب الأخرى من خلال البحوث والمساهمات المفاهيمية». وقد نشرت مجلةَ الزيتون بعضَ الملفات المتخصصة، علاوة على تضمين المسألة الفلسطينية في بعض مقررات المجلس المنتظمة مثل المقرر الخاص بمعارف الجنوب. في العامين الماضيين، عملت مجموعة العمل هذه كمساحة لمشاركة المعلومات عن أنشطة أعضائها أكثر منها لتنسيق حملات المقاطعة الأكاديمية في المنطقة. في إطار المؤتمر العاشر للمجلس (حزيران/يونيو 2025 - بوغوتا) نظمت مجموعة العمل منتدى (فلسطين: قضية جنوبية) تضمن ثلاث مناقشات.
البرازيل نموذج بليغ. فعلى الرغم من أن إدارات حزب العمال رفعت من درجة العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي مع فلسطين، فإنها رفعت أيضاً من وارداتها من الأسلحة الإسرائيلية
أخيراً، كانت قافلة الصمود العالمية تجري متابعةُ أخبارِها عن كثب في أبيا يالا لكن المشاركة فيها من أشخاص من المنطقة كانت محدودة بسبب المعوقات الاقتصادية والبعد الجغرافي. بلاد قليلة فقط (أوروغواي وتشيلي وكولومبيا) كانت ممثلة بنشطاء يعيشون في أوروبا أو كانوا بالصدفة هناك في ذلك الوقت.
تحديات قائمة (وعاجلة)
في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدت القضية الفلسطينية وكأنها أزيحت إلى الهوامش أو حتى تم نسيانها في أبيا يالا كما في باقي العالم. على سبيل المثال، الذكرى الـ75 للنكبة (في 15 أيار/مايو 2023) مرت من دون أن يلاحظها أحد فعلياً. لكن كل شيء تغير منذ «7 أكتوبر»، حين هدمت المقاومة الفلسطينية أسوار سجن غزة، لتذكرنا بأن التهدئة الزائفة التي تقترحها الإمبراطورية في غرب آسيا لن تكون ممكنة أبداً ما دام الشعب الفلسطيني يجري تجاهله. غزة التي لا تُقهر والتي كانت دوماً مهد التمرّد في فلسطين تدفع ثمناً باهظاً لكتابة أكثر فصول صراعها من أجل الحرية دموية، لكنه ربما يكون الفصل الأكثر حسماً. فعلى الرغم من أن مشروع الإفناء الصهيوني لم يكن قريباً هكذا من تحقيق هدفه في استكمال التطهير العرقي لفلسطين، لم تحصل القضية الفلسطينية أبداً على هذا القدر من الدعم العالمي خلال أكثر من قرن من المقاومة. استمر هذا الدعم لأكثر من عامين بسبب الغضب الجماعي من تواطؤ الأقوياء في الإبادة الجارية بما في ذلك في أبيا يالا.
شعوب العالم - وخصوصاً شعوب بلاد الجنوب - يجب أن تضطلع الآن بتحدي تجاوز «إجماع الأمم المتحدة» بخصوص تقسيم فلسطين الذي كان نتيجة نظام عالمي خُلق في 1945 قبل عمليات التحرّر من الاستعمار الهائلة في القرن العشرين، وهو في أزمة الآن. لا يعني هذا بأي حال من الأحوال رفض بنيان القانون الدولي. بالعكس، يجب الدفاع عنه لأنه مصدر للشرعية الأخلاقية والقانونية للمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني والشعوب المقهورة في كل مكان. لكن هذا يعني أيضاً الاعتراف بأن إجماع الأمم المتحدة عبارة عن قيد يمنعنا من رؤية الأشياء كما هي في حقيقتها، وتصوّر خيارات أكثر عدالة وواقعية وإبداعاً، بما في ذلك تجاوز النموذج الغربي للدولة القومية.
في أبيا يالا، تتضمن هذه المهمة تناول عدد من التحديات - وبعضها مذكورة أدناه - بشكل يعترف بتنوع أصحاب المصلحة والمسؤوليات المتداخلة.
أولاً، التغلب على الفخ المعرفي. قرارات الأمم المتحدة 181 (1947) و242 (1967) - بالإضافة إلى نهج أوسلو - تنظر إلى المسألة الفلسطينية كصراع بين شعبين. لكن كما يقول المؤرخ خورخي راموس تولوسا55 صارت المسألة الفلسطينية تُفهَم بشكل متزايد كحالة نموذجية لاستعمار استيطاني فرضيته هي القضاء على السكان الأصليين. هذا أمر أساسي لفهم أن أصل المشكلة هو الصهيونية التي هي أيديولوجية استعمارية وعنصرية واستعلائية ومشروع سياسي ولد في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر حين كانت المشاريع القومية منتشرة.
يجب أن يُطرح السؤال: في أي عمليات تحرّر أو تخلّص من الاستعمار في القرن الماضي (سواء في الجزائر أو فيتنام أو أنغولا أو موزمبيق أو جنوب أفريقيا) جرى اقتراح تقسيم الأرض بحيث يُعطَى جزء منها - الجزء الأكبر فعلياً - للمستعمِرين والجزء الآخر للسكان الأصليين أو المستعمَرين؟ حتى لو كانت الدول لا تستطيع - أو لا تريد - تجاوز نموذج التقسيم و«حدود 1967»56الظالمة وغير المشروعة التي يتضمنها: يجب أن تحارب شعوب الجنوب بجانب الشعب الفلسطيني من أجل تحرير فلسطين كلها وسكانها كلهم وليس فقط 5.5 مليون يعيشون في الأراضي المحتلة في 1967 (الضفة الغربية وغزة والقدس) وإنما أيضاً حوالي مليونين غيرهم يعيشون تحت التمييز العنصري في أراضي 1948، وخصوصاً 6 إلى 7 مليون (نصف الفلسطينيين جميعاً) الذين يعيشون حياة بائسة من دون حقوق في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة أو منفيين حول العالم والذين جرى انتهاك حقهم في العودة (الذي ينطبق الآن على جيل رابع من اللاجئين والمنفيين) منذ 1948 وتجاهله في كل المفاوضات المستندة لنهج أوسلو.
يقتضي هذا أيضاً فهم أن الاعتراف بدولة فلسطين من دون تحرير شعبها هو محض وهم. ففي النهاية، يجب استعادة النهج الذي ما كان يجب أن يضيع: تحرر فلسطين من الاستعمار وتفكيك نظام التمييز العنصري أو «تمرير شعلة الكفاح ضد الاستعمار» كما يصفه حمزة حموشان. يقتضي تجاوزُ نهج أوسلو إعادة التوكيد على أن القضية الفلسطينية نضال وطني تحرري ضد الإمبريالية وضد الفاشية، وأن الشعب الفلسطيني له الحق المشروع في الدفاع عن نفسه وفي مقاومة الهيمنة الاستعمارية والفصل العنصري بكل الوسائل الممكنة (بما في ذلك الكفاح المسلح)57 وربط نضاله بالنضالات الأخرى ضد العنصرية والاستعمار في أبيا يالا مثل نضال الشعب الهاييتي الذي كثيراً ما يجري تجاهله.58
المرء لا يستطيع الحديث ضد الإبادة الجماعية من دون أن يدين أولاً «إرهاب حماس». وإن لم يفعل هذا، يخاطر بأن يخسر مصداقيته أو يجري تهديده بالتجريم لـ«دعم الإرهاب»
ثانياً، فلسطين في التعليم الرسمي والشعبي. الاهتمام الكبير بالمعرفة عن المسألة الفلسطينية الذي ظهر مؤخراً في أبيا يالا يطرح تحديات جديدة ليس فقط من حيث إنتاج المعرفة، وإنما أيضاً من حيث جعل هذه المعرفة اجتماعية وديمقراطية. من الضروري توسيع المساحات الجديدة التي انفتحت على مستوى المجتمع المدني والتعليم الرسمي. وينطبق هذا أيضاً على الجامعات حيث إن الواقع بها متنوع جداً في أبيا يالا بالنسبة للدراسات المعنية بفلسطين والشرق وغرب آسيا.
من الخبرات التي يمكن أن تكون نموذجاً هنا «كراسي إدوارد سعيد الحرة» الموجودة في جامعات أرجنتينية عدة.59 هذه الكراسي تعمل تحت أقسام الاتصال في الكليات الجامعية (عادة كلية الفلسفة والأدب)، وتجمع البحث الأكاديمي والتدريس مع التواصل المجتمعي من خلال مقررات مباشرة أو افتراضية في مراكز تدريب المعلمين والمنظمات الاجتماعية. الخبرة التدريسية الكبيرة لهذه الكراسي يمكن تقويتها لتدريب المعلمين والمؤسسات في مستويات التعليم الثانوي والعالي في أماكن أخرى تفتقر لمثل هذا التدريب المتخصص.
يوجد تحدٍ آخر مستمر وهو ربط الدراسات الفلسطينية بدراسات التحرر من الاستعمار ودراسات الشعوب الأصلية والدراسات النقدية عن العنصرية. فكما لاحظ جابريل سيفينيان منسق كرسي إدوارد سعيد بجامعة بيونس آيرس، يجب أن تركز دراسات ما بعد الاستعمار والتحرر من الاستعمار على المسألة الفلسطينية، بالنظر إلى أن هذا المجال استهلم إلى حد كبير من أعمال إدوارد سعيد: «تناول سعيد وعدم تناول مسألة فلسطين هو بشكل ما عملية معرفية غريبة. لقد كتب بعض المثقفين المعنيين بالتحرر من الاستعمار عنه، لكن هذا ليس الحال بشكل عام».60
ثالثاً، كسر لعنة بابل. العائق اللغوي يفصل شعوب أبيا يالا عن فلسطين والفلسطينيين مثلما يفعل العائق الجغرافي، فاللغة الأولى في المنطقة ليست الإنكليزية أو العربية. معظم جهود المناصرة والتشبيك خارج العالم العربي تركز على أوروبا وأميركا الشمالية وبلاد الجنوب المتحدثة بالإنكليزية، ولا تعطي الأولوية لتكوين علاقات مع أبيا يالا (باستثناءات قليلة مثل «أوقفوا الجدار» وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات والمؤسسة الفلسطينية للدبلوماسية العامة). في هذا السياق من المهم البدء في الاستثمار في جهود الترجمة (بدعم مالي من الشمال) في كل من أبيا يالا وفلسطين للتغلب على عائق اللغة. ويمكن أن يساعد هذا في الحفاظ على حوار مباشر وسلس بين النشطاء في أبيا يالا وفلسطين من خلال التبادلات المباشرة أو الافتراضية بهدف معرفة الواقع هنا وهناك ومعرفة الخبرات المشتركة بينهما.61 وإتاحة المصادر التحليلية والمعلوماتية الجيدة المتوفرة بكثرة بالإنكليزية والعربية عن المسألة الفلسطينية في أبيا يالا62 بما في ذلك الأصوات النقدية والجريئة في الجيل الجديد من الفلسطينيين الذين يكتبون غالباً بالإنكليزية لكن كتاباتهم نادراً ما تُترجم إلى الإسبانية أو البرتغالية.63 وتوسيع آفاق بناء شبكات تضامنية وعلاقات عالمية تسمح بالتبادل الحقيقي والتعلم المشترك للمعارف والممارسات والخبرات والتأملات من أجل بناء تضامن جنوب-جنوب لا يكون الشمال وسيطاً فيه.64
رابعاً، أقدام راسخة في الأرض (الفلسطينية). المعرفة المباشرة بالواقع الفلسطيني واللقاء مع شعبها في أرضه أمر لا يمكن تعويضه. نعرف أن السفر إلى فلسطين شيء صعب بالنسبة للناس في أبيا يالا، التي لا يوجد فيها دعم لهذ الغرض أو قدرات على الادخار، وحيث يعمل النشطاء من أجل قضايا مختلفة على أساس تطوعي تماماً (على خلاف من يعيشون في شمال العالم)، وغالباً يعملون في أعمال هشة و/أو في وظائف عدة.65
في هذا السياق، توجد حاجة لاستكشاف سبل جماعية وتضامنية لكي يسافر الناس من أبيا يالا إلى فلسطين. هذا المنهج ممكن بالنظر إلى التقليد طويل الأمد الذي بالمنطقة المتمثل في إرسال قوافل تضامنية إلى كوبا ونيكاراغوا وشياباس وغيرها من الأماكن للمساعدة في حصاد قصب السكر أو القهوة أو البرتقال ولتقديم دعم عالمي للمجتمعات التي تهددها العسكرة. هذه القوافل تشبه القدوم السنوي للنشطاء المتضامنين من حول العالم للمساعدة في حصاد الزيتون في فلسطين، وهي فترة جوهرية لمعاش الأسر والمجتمعات وبالتالي يستغلها المستوطنون الإسرائيليون في تكثيف عنفهم ضد الفلسطينيين.
الاشتباك المباشر مع الواقع الفلسطيني يمكن أن يأخذ أشكالاً عدة مثل: إرسال وفود للتعرف على المشاريع في المجتمعات الفلسطينية ودعمها مثل زرع أشجار الزيتون وحصاد الزيتون، كما فعلت حركة فلاحين بلا أرض البرازيلية ومنظمة أصدقاء الأرض. أو ترتيب إقامات طويلة (تدعمها برامج تضامن وزمالة دولية) في المجتمعات المهددة بعنف المستوطنين والجنود الإسرائيليين. أو سبل متنوعة للتبادل والتعلم المشترك مثل الإقامات الفنية والتدريبات في المؤسسات الثقافية أو الأكاديمية أو الحقوقية، والتعاون الفني في المجتمعات المتضررة والعمل التطوعي في مخيمات اللاجئين إلخ.
خامساً، مزيد من المعرفة لفهم السياسة الفلسطينية بشكل أفضل. نظراً لأن مسألة الشرعية والتمثيل في فلسطين أكثر إثارة للخلاف الآن من أي وقت مضى،66 من الضروري في الظرف الحالي أن يقوم الناس المنخرطون في أنشطة التضامن في أبيا يالا بتوسيع علاقاتهم بالفاعلين السياسيين المختلفين بخلاف سفارات السلطة الفلسطينية. ومن الضروري أيضاً أن نعرف عن تاريخ العملية السياسية الفلسطينية وفتراتها وفاعليها والمواقف المختلفة فيها خصوصاً قبل أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية وبعدها، وأن نعرف عن الديناميات الحالية أيضاً.67 الأمر المهم بالقدر نفسه هو تحليل استطلاعات الرأي التي تُجرى في مختلف قطاعات المجتمع الفلسطيني لمعرفة كيف تتطور التفضيلات السياسية للفلسطينيين، وشرعية كل فاعل من الفاعلين في مجتمع لم تُجر فيه انتخابات منذ 20 عاماً (إلا على المستوى المحلي). علاوة على ذلك، يجب ألا يُنسى أن التمثيل الرسمي الذي تمنحه الأمم المتحدة لمحمود عباس هو نتيجة رفض القوى الغربية الاعتراف بفوز حماس في انتخابات 2006.
من الضروري أيضاً الوصول إلى أصوات متنوعة في المجتمع الفلسطيني: الأحزاب اليسارية - النقابات العمالية - مجموعات حقوق الإنسان - المنظمات الريفية - النسويات - أنصار البيئة - الكويريين - الصحافيين - الفنانين - المثقفين وخصوصاً الشباب الذين عادةً لا يكونون مرتبطين بالانتماءات التقليدية ولديهم أشكال تخصهم في ممارسة السياسة.
سادساً، الاعتراف بـ«قدسية» الأرض. هذا العنوان المستفز عن قصد عبارة عن دعوة لتجاوز التحيز ضد الدين - السائد بين الكثير من اليساريين اللاأدريين - والذي يمنعهم من فهم الطابع الروحاني المتجذّر لدى معظم الشعب الفلسطيني. لا يعني هذا التفسير الخاطيء للمسألة الفلسطينية بأنها صراع ديني الجذور. لكن لا يمكن للمرء أن يتجاهل ثقل هذه الجوانب الذاتية في أرض تعتبر مقدسة للديانات التوحيدية الثلاث (كما يتضح حين نتجول في المدينة القديمة بالقدس). وإلا كيف نفهم القيمة الرمزية القوية للحرم الشريف بالنسبة للشعب الفلسطيني التي تثير الانتفاضات وإطلاق الصواريخ من غزة حين يجري انتهاكه؟
أخذُ البعد الديني في الاعتبار يساعدنا أيضاً على فهم أيديولوجية عودة المسيح لدى الحركة الاستيطانية المتطرفة الموجودة في السلطة حالياً في اسرائيل، والتي تسعى إلي بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى، بالإضافة إلى دوافعها الأيديولوجية للاستيلاء على الجزء الأكثر «قداسة» من الأراضي الفلسطينية: الضفة الغربية التي يطلقون عليها الاسم التوراتي (يهودا والسامرة).
لا يكفي القول إن المشروع الصهيوني يستخدم الدين كأداة لتبرير إخضاع وضم فلسطين لأن البعد الديني موجود في الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، وفي رؤيته للعالم وصموده ودوافعه للنضال وفي يقينه بالنصر النهائي. عندنا يُسأل الفلسطينيون كيف يجدون القوة للمقاومة في مواجهة هدم منازلهم وتدمير بساتين الزيتون الخاصة بهم وذبح ماشيتهم وسجن أو إعدام أحبابهم كثيراً ما يجيبون برفع أنظارهم وأيديهم قائلين «من الله».
الإيمان هو جذر أمل الفلسطينيين العنيد وروح الصمود لديهم. كلمة الصمود تصعب ترجمتها فهي تشرح صبرهم الطويل ومقاومتهم لمدة قرن من الزمان للصهيونية. لا يمكننا أن نفهم بشكل كامل آخر 26 شهر في غزة بدون فهم هذه القوة الداخلية. وكما تبين شهادات الصحافيين المقتولين مثل حسام شبات وأنس الشريف، هذا الإيمان قوة داخلية تحرّك لدى الكثيرين من الفلسطينيين الاقتناع بأن الشهادة هي بذرة التحرير.68
من التبعات الأخرى لرفض أخذ البعد الديني للنضال الفلسطيني في الاعتبار، التحيز ضد المقاومة الإسلامية، وهو ما يقترن غالباً بالإسلاموفوبيا. لقد قسم هذا الموضوع اليسار في الغرب على مدار العامين الماضيين، وأثار جدالات ساخنة. هذا التصلب الأيديولوجي يعيق الاستماع إلى المثقفين الفلسطينيين69 حين يشرحون أن الانقسام الرئيسي بالنسبة لهم ليس بين التوجه العلماني والديني أو بين اليسار واليمين أو بين المحافظين والتقدميين، وإنما بين من يقاومون ومن يتعاونون، وأن الناس في فلسطين يدعمون من يقاومون سواء كانوا قوميين أو ماركسيين أو إسلاميين.70
ما سُمي بـ«عملية السلام» كان خدعة[35] هدفت لإخماد الانتفاضة وإيقاع المقموعين في شرك مفاوضات وهمية لا تنتهي مع القامعين تحت رعاية قوة إمبريالية لم تكن وسيطاً نزيهاً أبداً
غياب البعد الديني في معظم الأعمال والمنشورات عن المسألة الفلسطينية كان له بعد سلبي آخر بالنسبة للقضية في أبيا يالا. ففي هذه المنطقة التي تسود فيها الثقافة المسيحية، الوعي محدود بوجود مجتمعات وأفراد مسيحيين أصليين هم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ولعبوا أدواراً هامة في المقاومة الممتدة لقرن من الزمان للمشروع الصهيون، وتعايشوا سلمياً مع الأغلبية المسلمة.71 وجود هؤلاء المسيحيين الفلسطينيين غير مناسب للمروجين للدعاية الصهيونية لأنه يفند السردية الصهيونية بأن إسرائيل تدافع عن الحضارة المسيحية اليهودية الغربية ضد الإسلام العنيف، ولأنه يعرض الكنائس الغربية لنقد حاد بسبب صمتها أو تواطؤها مع اسرائيل، ولأنه يكشف الصهيونية المسيحية باعتبارها «لاهوت الإمبراطورية» الذي تجب مواجهته بلاهوت تحرري مناهض للاستعمار يقوم على ركيزتين تأويليتين: الأرض وشعبها الأصلي.72
سابعاً، تبني حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي إس). في 2017، قال عمر البرغوثي أحد مؤسسي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات لمجموعة من النشطاء في مدريد: «لم يعد لدينا وقت للتضامن الرمزي». بعد ذلك بـ 8 أعوام - عامان منهما شهدا إبادة جماعية متسارعة - أصبح اتخاذ خطوة نوعية للتضامن الفعال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: فقط المقاطعات ونزع الاستثمارات والعقوبات والعزلة الدولية ستجعل كُلفة الحفاظ على الوضع القائم غير محتملة بالنسبة للنظام الصهيوني. ويقتضي هذا القيامَ بحملات للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على جبهات متعددة والتواصل بينها إقليمياً ودولياً لممارسة ضغط مستدام وفعال.
اختيار هذا المسار يتضمن دفن نهج «عملية السلام» الزائف بلا رجعة. لا يمكن للفلسطينيين أن يتفاوضوا مع إسرائيل، أو ليس في الظروف الحالية على الأقل. لا يعود هذا للاختلال الهائل بين إسرائيل والفلسطينيين فحسب، وإنما أيضاً إلى سجلها الطويل من التفاوض بسوء نية وقتل المفاوضين الفلسطينيين ورفض التزحزح قيد أنملة وعدم احترام الاتفاقيات التي وقعتها.73 لن تسمح «الدولة اليهودية» بوجود دولة فلسطينية في أي مكان بـ«أرض إسرائيل». وحتى لو تم تغيير حكومة اسرائيل الفاشية الحالية وحلت محلها حكومة أكثر اعتدالاً في المستقبل، سيكون التغيير الوحيد في المظهر.74 ولهذا فإن المسار نحو التضامن المنظم هو ذلك الخاص بالشعب الجنوب أفريقي: فمن دون العقوبات الجماعية والضغط الدولي والعزلة التي حولت جنوب أفريقيا إلى دولة منبوذة ما كان النظام العنصري بجنوب أفريقيا سيوافق على تحرير نيلسون مانديلا وتفكيك نظام الفصل العنصري.
وصفة أندريسا أوليفيرا سواريس للتضامن مع فلسطين في البرازيل تنطبق على مختلف أنحاء أبيا يالا: «يتطلب مسار التقدم المزيد من التنظيم التقاطعي والعمل المستمر مع النقابات والحركات الطلابية والمجموعات البيئية ومجموعات الدفاع عن الأرض، والضغط المستمر على الحكومة وزيادة التنسيق الإقليمي وإستراتيجية للتعليم العام تفكك الدعاية الاسرائيلية».75
التاريخ لم ينته بعد
تواجه القضية الفلسطينية حالياً أكثر لحظاتها غموضاً بعد خيانة جديدة من قبل «المجتمع الدولي»: تصديق الأمم المتحدة على الخطة الاستعمارية الإمبريالية لغزة التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن مرةً أخرى أكد الشعب الفلسطيني أن تحريره وتقرير مصيره لن يأتي من النظام الدولي المتفسخ والفاقد للشرعية بشكل متزايد. فبدلاً من هذا يعرف الشعب الفلسطيني أن العدالة والمنطق والتاريخ في صفه بينما المشروع الصهيوني لا مستقبل له. فقبل كل شيء: عرف الشعب الفلسطيني على مدار هذين العامين أن لديه دعم شعوب العالم.
حثت الهزائم نقاشات طويلة ومعقدة، وأدت إلى فقدان الثقة في الكفاح المسلح بين بعض المثقفين والزعماء والنشطاء في قطاعات مختلفة من اليسار
أي تحليل أو تنبؤ لا يأخذ هذا العامل في الاعتبار، وكذلك المخزون الروحاني والمعنوي الهائل الذي أظهره الشعب الفلسطيني في المقاومة طوال المشروع الصهيوني الإبادي الاستعماري المستمر لأكثر من قرن من الزمان، سيكون معيباً. من شهدوا منا عن قرب الروح التي لا تقهر للشعب الفلسطيني على الرغم من الخيانات المتكررة التي تعرضوا لها.. من نظروا في عيونهم واستمعوا إليهم وضحكوا معهم وشربوا الشاي بالميرمية معهم تحت أشجار الزيتون أو وسط منازلهم المهدمة.. يعرفون أنهم شعب لا يقهر.. شعب سيستمر في المقاومة ولن يرفع راية الاستسلام أبداً. يعرفون أيضاً أن فقدان الأمل رفاهية لا يقدر عليها الفلسطينيون. ما يحتاجونه منا - نحن شعوب العالم - الآن هو الالتزام بأننا لن نتخلى عنهم أبداً: أننا سنساندهم حتى تتحرر فلسطين.
لندع صوتين فلسطينيين شابين يقولوها بكلماتهم:
قسام معادي (صحافي وكاتب من رام الله): «كيف سينتهي هذا؟ أمر يعتمد على باقي العالم. إلى متى سيستمر الأقوياء في الغرب في التمسك بهذا المشروع الاستعماري الصهيوني؟ إلى متى سيستمرون في الإصرار على أن الشعب الفلسطيني لا مكان له في العالم؟ فلسطين ستصبح حرة. السؤال الوحيد هو متى ستتحرر؟ [...] هذا أيضاً يعتمد على باقي العالم وليس علينا فقط، فنحن قد قدمنا بالفعل كل ما لدينا. [...] أتمنى أن يكون الوعي الذي ظهر في الشوارع حقيقياً، وألا تترك شعوب العالم نفسها تنخدع كما انخدعت بأوسلو. أتمنى أن يكون التضامن الذي انفجر في كل مكان غير قابل للتراجع، وألا يتوقف التغيير الذي أحدثته الإبادة ليس بالنسبة لفلسطين فقط وإنما للإنسانية كلها».76
إسراء منصور (كاتبة وطالبة - غزة): «نحن بنات وأبناء هذه الأرض. تعملنا أن المقاومة ليست خياراً بل مصير. [...] الأمل في غزة ليس مسألة اختيار إنما هو ما يبقينا أحياء كل يوم. الإيمان بأن هذه الأرض - على الرغم من كل الدمار - ستزدهر مجدداً يوماً ما.. بأن الطائرات سترحل وأن صوت الانفجارات سيكون مجرد ذكرى بعيدة نخبرها لأحفادنا حين نحكي لهم تاريخ المقاومة. [...] غزة ستبقى حتى لو تحولت كل بيوتها لركام. ستبقى في قلوبنا في دمائنا في كل كلمة نكتبها. لم نُخلَق لنهزم، بل خُلقنا لنكون شهوداً أبديين على قوة البشر.. قوة أكبر من الحرب. أغلقوا هذه الصفحة الآن لكن تذكروا أن التاريخ لم ينته بعد».77
نُشِر هذا المقال في 10 كانون الأول/ديسمبر 2025 على موقع المعهد العابر للقوميات (TNI)، ونُشِرت النسخة العربية منه على موقع «صفر» بموجب شراكة مع الجهة الناشرة.
- 1
تعبير «أبيا يالا» يعود أصله إلى شعب الكونا الأصلي في بنما وكولومبيا ويعني «أرض الدم النابض» ويُستخدم للإشارة إلى الأميركيتين من قبل المجتمعات الأصلية وحلفائهم في القارة.
- 2
Sabini Fernández, L. (2022) ONU 1947: Uruguay en el origen de Israel. Montevideo: Ediciones I Libri.
انظر.ي أيضاً:
Ramos Tolosa, J. (2012) ‘El primer fracaso de la ONU en Palestina: el “plan de partición”, Pablo de Azcárate y la Comisión de Palestina’. Universitat de València. https://dialnet.unirioja.es/servlet/articulo?codigo=4721952
- 3
بوليفيا والبرازيل وكوستاريكا وجمهورية الدومينيكان والإكوادور وغواتيمالا وهاييتي ونيكاراغوا وبنما وباراغواي وبيرو وأوروغواي وفنزويلا.
- 4
الأرجنتين وكولومبيا وشيلي والسلفادور وهندوراس والمكسيك.
- 5
في أيار/مايو 1949، صوّتت 17 دولة من أميركا اللاتينية لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 273 الذي قبل إسرائيل عضواً كاملاً في الأمم المتحدة. بحلول بداية عام 1950 أصبح لهم جميعاً علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
Baeza, C. (2012) ‘América Latina y la cuestión palestina (194–-2012)’. Araucaria. Revista Iberoamericana de Filosofía, Política y Humanidades 14(28): 111–131.
- 6
Munck, R. and Pozzi, P. (2019) ‘Israel, Palestine, and Latin America: Conflictual Relationships (Introduction)’. Latin American Perspectives 46(3): 4–12.
- 7
Ibarlucía, M. (2017) Israel, Estado de conquista (2nd. expanded edition). Buenos Aires: Editorial Canaán, p. 29.
- 8
تلاحظ سيسيليا بايزا أنه لم تحضر أي دولة من أميركا اللاتينية مؤتمر باندونغ عام 1955 ولم تشارك سوى كوبا في تأسيس حركة عدم الانحياز في 1961.
Baeza, C. (2017). ‘Latin America’s turn to the right: implications for Palestine’, 13 January. https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/latin-america-s-turn-to-right-implications-for-palestine/
- 9
الاستثناء الوحيد كان الممثل الكوبي إرنستو دييغو (Ernesto Dihigo) الذي صوت بالرفض وقال إن بريطانيا العظمى بوعد بلفور أعطت الحركة الصهيونية أرضاً لا تخصها، وإن التقسيم كان يناقض حق تقرير المصير المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
Wadi, R. (2021) ‘Latin America, the 1947 UN Partition Plan, and decolonization’, 29 November. https://mondoweiss.net/2021/11/latin-america-the-1947-un-partition-plan-and-decolonization/
- 10
من هؤلاء المؤلفين أنيبال كيخانو (Aníbal Quijano) ووالتر ويغنولو (Walter Mignolo) وماريا لوغونيز (María Lugones) وإنريكه دوسل (Enrique Dussell).
انظر.ي على سبيل المثال:
Castro-Gómez, S. and Grosfoguel, R. (2007) El giro decolonial. Reflexiones para una diversidad epistémica más allá del capitalismo global. Bogotá: Siglo del Hombre Editores. http://observatorioedhemfoc.hospedagemdesites.ws/observatorio/wp-content/uploads/2020/09/El-giro-decolonial-1.pdf
- 11
وفقا لسيسيليا بايزا، الشتات الفلسطيني يساوي تقريباً عدد اليهود ويعيشون بالأساس في تشيلي (حوالي 400 ألف نسمة) وهندوراس (120 ألف).
Baeza, C. (2012) Op. cit.
- 12
للإطلاع على قائمة أعمال عن هذا الموضوع، انظر.ي:
Claudia Karolina González Cabrera’s dissertation Refugiados y Migrantes palestinos en América Latina. 1948-2020. Una revisión bibliográfica.
- 13
شكلوا جزءاً من موجة الهجرة اللبنانية السورية مما كان يعرف بسوريا الكبرى تحت الحكم العثماني. عدم الاستقرار السياسي في الإمبراطورية الآخذة في التحلل، بالاضافة إلى هزائم الأتراك في حرب البلقان وفي الحرب العالمية الأولى والتجنيد الإجباري للخدمة في الجيش، جعلوا الأقليات الدينية والإثنية في خطر خصوصاً بعد الإبادة الجماعية للأرمن المسيحيين. من العوامل الأخرى المساهمة في التفكك كان تدخل القوى الاستعمارية (خصوصاً بريطانيا العظمى وفرنسا) التي ساهمت في تقسيم الأراضي. وبشرت بولاءات متصارعة وخادعة. وقسمت سراً فيما بينها أراضي سوريا الكبرى في اتفاق سايكوس بيكو عام 1916.
- 14
شاب فلسطيني في الطيبة شارك معي صدمَته حين زار أقاربه في مدينة غواتيمالا، ووجد أن قصرهم تحرسه شركة أمن إسرائيلية. يبرز هذا التناقض بدرجة أكبر حين نتذكر أن إسرائيل سلحت ونصحت ودربت الدكتاتور إفراين ريوس مونت وهو يرتكب الإبادة الجماعية ضد المايا في غواتيمالا. انظر.ي:
Lowenstein, L. (2023) The Palestine Laboratory: How Israel Exports the Technology of Occupation Around the World. Verso.
مذكور في:
Claramunt, F. (2025) ‘Gaza, un genocidio de exportación, 30 May. https://brecha.com.uy/gaza-un-genocidio-de-exportacion/.
الروابط الوثيقة بين إسرائيل وغواتيمالا تعود إلى 8 عقود، وما زالت مستمرة حتى اليوم في عهد الحكومة التقدمية الحالية لبيرناردو أريفالو (ابن خوان خوسيه أريفالو الذي كان رئيس البلاد في 1947).
- 15
Baeza, C. (2012) Op. cit.
- 16
موقف نيكاراغوا التاريخي يمكن تفسيره بدعم إسرائيل للنظام الدكتاتوري لأنستاسيو سوموزا ديبايلي ثم إلى الكونترا الذين حاربوا للإطاحة بالحكومة الساندينية الثورية. أنستاسيو سوموزا غارسيا -والد سوموزا ديبايلي- كان قد درب ومول الميليشيات الصهيونية التي ذهبت لارتكاب النكبة (التطهير العرقي لفلسطين في 1948). من جانب آخر، قدمت منظمة التحرير الفلسطينية دعماً عسكرياً لمجموعات حرب العصابات الخاصة بالجبهة الساندينية من 1969 حتى انتصارها بعد ذلك بعشر سنوات.
- 17
في 1999 أطلق الرئيس الجديد هوغو شافيز الثورة البوليفارية في فنزويلا والتي تضمنت مناهضة شرسة للإمبريالية وتضامناً قوياً مع القضية الفلسطينية.
- 18
Munck, R. and Pozzi, P. (2019) Op. cit.
- 19
كتب الصحافي والكاتب والمناضل الأرجنتيني رودولفو والش (Rodolfo Walsh) كتاباً أساسياً في تلك الفترة بعنوان (الثورة الفلسطينية) (La revolución palestina) جمع فيه سلسلة مقالات منشورة في 1974 في جريدة نوتيسياس (Noticias) (المرتبطة بمجموعة حرب العصابات مونتونيروس (Montoneros)) بعد رحلته إلى الجزائر ومصر وسوريا ولبنان. هذه النصوص الرائدة تفكك الأساس النظري للمشروع الاستعماري الصهيوني وما زالت هامة اليوم.
- 20
للإطلاع على تحليل شامل للعلاقات الوثيقة بين منظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة مونتونيروس الأرجنتينية (إحدى أكبر منظمات حرب العصابات في أبيا يالا) في لبنان وسوريا. انظر.ي على سبيل المثال:
Robledo, P. (2018). Montoneros y Palestina. De la revolución a la dictadura. Buenos Aires: Planeta.
- 21
انظر.ي:
Organización Libertas (2025) ‘La Guerra Fría y las Guerrillas en América Latina’, Montevideo: Serie del Archivo a la Conciencia 3. https://libertas.uy/libertas/8734/
- 22
بين سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، فككت الأنظمة الدكتاتورية المدنية-العسكرية في المخروط الجنوبي (تشيلي والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي) حركات حرب العصابات التي ظهرت بعد انتصار الثورة الكوبية في 1959 (كما حدث في البرازيل في ستينيات القرن العشرين). ونتيجةً لهزائم شبيهة (بيرو) أو عبر المفاوضات واتفاقيات السلام (السلفادور وغواتيمالا) كان الكفاح المسلح قد اختفى عملياً في أبيا يالا بحلول تسعينيات القرن العشرين. كولومبيا تاريخها أكثر تعقيداً حيث انخرطت مجموعات حرب العصابات في فترات طويلة ومتناقضة من الحرب والمفاوضات واتفاقيات السلام وإعادة التسليح.
انظر.ي:
Prieto Rozos, A. (2018). ‘Guerrillas contemporáneas en América Latina’. Mexico: UNAM. https://conceptos.sociales.unam.mx/conceptos_final/649trabajo.pdf.
انظر.ي أيضاً:
Marchesi, A. (2019). Hacer la revolución. Guerrillas latinoamericanas, de los años sesenta a la caída del Muro. Buenos Aires: Siglo XXI Editores Argentina.
- 23
عوامل أخرى كان لها تأثير سلبي منها الهزائم العسكرية العربية على أيدي اسرائيل ووفاة الزعيم المصري جمال عبد الناصر (1970) ونهاية أحلام الوحدة العربية التي رعاها. سدّدت اتفاقية التطبيع بين مصر (تحت حكم أنور السادات) وإسرائيل (كامب ديفيد 1978) ضربة قوية للنضالات الشعبية الفلسطينية والعربية والمناهضة للإمبريالية. أما نهاية الاتحاد السوفياتي بعد ذلك بعقد من الزمان فكان لها تأثير إضافي.
- 24
من المستحيل تناول كل الأسباب والحجج الواردة في هذه النقاشات هنا. لقد ركز المنتقدون على نموذج حرب العصابات القائم على البؤر الثورية والتوجه الطليعي والتحيز للجماعة والدوغمائية والعسكرة، وكذلك على انتشار الخلافات والنزاعات بين المنظمات الثورية التي جعلتهم أكثر هشاشة أمام هجمات القوى الرجعية. أشار آخرون أيضاً إلى أن المنظمات المسلحة - خصوصاً تلك التي كانت في المخروط الجنوبي- فشلت في الفوز بالتأييد الجماهيري لقضيتها حيث افتقروا إلى المهارة السياسية في بناء التحالفات القادرة على التقريب بين القطاعات الأساسية الممثلة في المنظمات اليسارية والشعبية. انظر.ي:
Prieto Rozos, A. (2018). Op. cit.; and Marchesi, A. (2019). Op. cit.
تعتبر كولومبيا نموذجاً في الفشل في تأمين الدعم الشعبي حيث أعلن معظم حركات الفلاحين والسكان الأصليين استقلاله عن «كل الفاعلين المسلحين» بل وقع ضحية لهم في النزاعات حول الدفاع والسيطرة على أراضيه.
- 25
Shahak, I. (2007) El Estado de Israel armó las dictaduras en América Latina. Buenos Aires: Editorial Canaán. See also: IJAN (2012) ‘El papel de Israel en la represión mundial’. https://www.ijan.org/wp-content/uploads/2015/03/israel-wwr-la-rebellion-version.pdf.
بخصوص العقود الأحدث، انظر.ي التقرير الذي أعدته حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات بأميركا اللاتينية في 2018 بعنوان (العسكرة الإسرائيلية في أميركا اللاتينية)
- 26
Munck, R. and Pozzi, P. (2019) Op. cit.
- 27
في سياق الحرب الباردة، استند التعاون الإسرائيلي مع الأنظمة الدكتاتورية في الأرجنتين وتشيلي وأوروغواي إلى رؤية مشتركة مفادها مكافحة التمردات والإرهاب وشن الحروب على التهديدات الوجودية.
Leibner, G. (2025). ‘La colaboración de Israel con la última dictadura militar argentina: Nuevas fuentes y reinterpretación’.Historia y Política. https://recyt.fecyt.es/index.php/Hyp/article/view/102126. See also: Leibner, G. (2023). ‘The political partnership between Israel and authoritarian Uruguay, 1972-1980’. Cold War History 25(2): 171–196. https://doi.org/10.1080/14682745.2024.2331200
- 28
Timerman, J. (1981) Preso sin nombre, celda sin número. New York: Alfred A. Knopf.
- 29
McEvoy, J. (2025) ‘How Israel secretly armed Argentina during the Falklands war’, 2 April. https://www.declassifieduk.org/how-israel-secretly-armed-argentina-during-the-falklands-war/
- 30
Comisión de la Verdad (Colombia) (2022) ‘Cifras de la Comisión de la Verdad presentadas junto con el Informe Final.’ https://web.comisiondelaverdad.co/actualidad/noticias/principales-cifras-comision-de-la-verdad-informe-final
- 31
Colombia Informa (2023) ‘Israel y Colombia: Negocios, armas y paramilitarismo’. Editora Bogotá. https://www.colombiainforma.info/israel-y-colombia-negocios-armas-y-paramilitarismo/
- 32
Baeza, C. (2018) ‘Why did Latin America stop standing up for Palestine?’, 9 June. https://www.aljazeera.com/opinions/2018/6/9/why-did-latin-america-stop-standing-up-for-palestine
- 33
الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وكولومبيا وكوبا والإكوادور والمسكيك ونيكاراغوا وبنما وبيرو.
- 34
كتيبة العمليات الشرطية الخاصة في ريو دي جانيرو (BOPE) التي ارتكبت عمليات قتل جماعي في أحياء أليمو وبنها في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2025 حصلت على المعدات والتدريب من شركات السلاح الإسرائيلية، وهو ما أدانته حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.
- 35
Abdel Razek, I. (2021) ‘Thirty years on: The ruse of the Middle East Peace Process’, 31 October. https://al-shabaka.org/briefs/thirty-years-on-the-ruse-of-the-middle-east-peace-process/
- 36
Khalidi, R. (2020) The hundred years’ war on Palestine. A history of settler colonial conquest and resistance. London: Profile Books. pp. 185–194.
- 37
في 1991 صوتت كل بلدان أميركا اللاتينية - ما عدا كوبا - لصالح إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 (1975) الذي نص على اعتبار الصهيونية شكل من أشكال العنصرية. الإلغاء كان شرطاً وضعته إسرائيل للموافقة على المشاركة في عملية أوسلو.
- 38
مسار السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس غير معروف إلى حد كبير في أبيا يالا بسبب محدودية المعلومات المتوفرة بالإسبانية. قليل من الناس واعِ بأن ولاية عباس انتهت في 2009، وأن حماس فازت في آخر انتخابات (تشريعية) في فلسطين عام 2006، وأنه في 2007 رفض عباس حكومة الوحدة المقترحة من اسماعيل هنية وحاول تنظيم انقلاب ضد حماس (بدعم من إسرائيل والغرب)، ما أدى إلى انقسام سياسي بين الضفة الغربية وغزة ما زال قائماً حتى الآن، وأنه أيضاً حل المجلس التشريعي وأصبح يحكم منذ ذلك الحين بمراسيم، وخرب محاولات عقد انتخابات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، بالإضافة إلى طلبات الأحزاب الإسلامية الانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية وجهود إعادة بناء الوحدة الوطنية (آخرها تم في روسيا والصين) وأن حكومته تتسم بالفساد والسلطوية وأنها تحبس بل وحتى تقتل المعارضين وأفراد المقاومة.
Scahill, J. (2025) ‘Trump, Gaza, and Oslo Déjà Vu’, 1 December. https://www.dropsitenews.com/p/trump-gaza-abbas-oslo-hamas-palestinian-islamic-jihad-fatah-palestinian-liberation-organization-palestinian-resistance-united-nation-macron-france
- 39
المساواة بين عنف حركات حرب العصابات التي تكافح من أجل التغيير الاجتماعي وإرهاب الدولة الذي تمارسه الأنظمة الدكتاتورية التي تدافع عن الوضع القائم.
- 40
على الرغم من أن الإسلاموفوبيا موجودة بين مختلف المسيحيين. فإن أقوى تواجد لها بين الإنجيليين الصهيونيين المسيحيين الذين تنتشر رؤيتهم للعالم في مختلف أنحاء القارة (ودول الجنوب بشكل عام) خصوصاً بين القطاعات الاجتماعية ذات المستويات الدنيا من الدخل والتعليم.
- 41
للمزيد عن هذه الحركة. أنظر.ي الأعمال المجمعة التي نشرتها مبادرة ألفارو زاباتيستا.
- 42
González Casanova, P. (1996) ‘Globalidad, neoliberalismo y democracia’. In P. González Casanova and J. Saxe-Fernández (Eds.) El mundo actual: situación y alternativas (p. 47). Mexico: UNAM, CEIICH/Siglo Veintiuno Editores.
- 43
Mignolo, W. (2007) ‘El pensamiento decolonial: desprendimiento y apertura. Un manifiesto’. In S. Castro-Gómez and R. Grosfoguel (Eds.) El giro decolonial. Reflexiones para una diversidad epistémica más allá del capitalismo global.Bogotá: Siglo del Hombre Editores. http://observatorioedhemfoc.hospedagemdesites.ws/observatorio/wp-content/uploads/2020/09/El-giro-decolonial-1.pdf
- 44
Calvo Rufanges, J. (2008) ‘El Foro Social Mundial: nuevas formas de hacer política’. Cuadernos Deusto de Derechos Humanos 51. https://www.corteidh.or.cr/tablas/25643.pdf
- 45
نيكاراغوا كانت اعترفت بدولة فلسطين بالفعل في 1979 وكوبا في 1988 وكوستاريكا في 2008 وفنزويلا في 2009. البرازيل والأرجنتين والإكوادور اعترفت بها في أواخر 2010 أما بوليفيا وأوروغواي وباراغواي وشيلي وغيانا وسورينام وبيرو وهندوراس والسلفادور فتبعتها في 2011. غواتيمالا اعترفت بفلسطين في 2013. المكسيك وكولومبيا فعلوا هذا متأخراً جداً في 2024. بنما هي الدولة الوحيدة التي لم تفعل هذا بعد.
- 46
للإطلاع على تحليل تاريخي مفصل للعلاقات البرازيلية الإسرائيلية من 1947 إلى الحاضر وعن التضامن مع فلسطين في البرازيل، انظر/ي:
Oliveira Soares, A. (2025) ‘From the Favelas and Rural Brazil to Gaza. How militarism and greenwashing shape relations, resistance, and solidarity with Palestine in Brazil’, 5 November. https://www.tni.org/en/article/from-the-favelas-and-rural-brazil-to-gaza
- 47
Landi, M. (2017) ‘De México a Palestina, conectando las luchas por un mundo sin muros’, 25 June. https://desinformemonos.org/mexico-palestina-conectando-las-luchas-mundo-sin-muros/
- 48
بوليفيا وكولومبيا وكوبا ونيكاراغوا وسانت فنسنت وجزر غرينادين وإندونيسيا والعراق وليبيا وماليزيا وناميبيا وعمان وجنوب أفريقيا وتركيا.
- 49
في 3 آب/أغسطس 2025، أطلقت حركة زاباتيستا تجمعها الدولي لحركات المقاومة والتمرد في تشيباس معلنة التضامن مع الشعب الفلسطيني تحت شعار «كلنا أطفال فلسطين».
- 50
في تشيلي، تجمع تنسيقية فلسطين منظمات قديمة وجديدة تتنوع بين حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات بتشيلي إلى اليهود المناهضين للصهيونية والاحتلال والفصل العنصري. في أوروغواي، تتضمن تنسيقية فلسطين نقابات عمالية واتحادات طلابية وتعاونيات ومجموعات تضامنية ومجموعات حقوقية. وتوجد تحالفات شبيهة بها أعضاء جدد وقدامى في الأرجنتين والإكوادور والمكسيك وغيرها من البلاد. في جنوب الأرجنتين وتشيلي، وجدت تشابهات بين نضالات شعب المابوتشي والقضية الفلسطينية. وانتشر الخطاب الذي وجهته المناضلة موارا ميليان إلى امرأة فلسطينية انتشاراً واسعاً في لغات وصياغات مختلفة. وفي الأرجنتين أعادت المجموعات البيئية السياسية التي تدافع عن الأراضي الجماعية والمشاعات إحياء حملة ميكوروت يجب أن ترحل.
- 51
في تشيلي والأرجنتين والبرازيل والمكسيك وأوروغواي تتضمن الأمثلة اليهود المناهضين للصهيونية والاحتلال والفصل العنصري (تشيلي) يهود من أجل فلسطين (الأرجنتين) ويهود من أجل فلسطين حرة والرابطة اليهودية لليهود المستقلين (المكسيك) وأصوات يهودية من أجل الحرية (البرازيل) ويهود ضد الإبادة الجماعية (أوروغواي). وكلهم ينسقون مع منتدى اليهود العالمي من أجل فلسطين.
- 52
على سبيل المثال، في أوروغواي جرى إلقاء الضوء على الإبادة الجماعية ونضال المثليين ومزدوجي الميول الجنسية والعابرين جندرياً والكويريين ومزدوجي الجنس وغيرهم من اللانمطيين جنسياً في غزة في مسيرة التنوع لعام 2025 وفي البيان الختامي وتمت قراءة رسالة من الكويريين بغزة بصوتٍ عال. في 2024 نظم نشطاء من الإكوادور وأوروغواي ويبنار عن غسل السمعة باستخدام حقوق المثليين بمشاركة نشطاء من المثليين ومزدوجي الميول الجنسية والعابرين جندرياً والكويريين ومزدوجي الجنس وغيرهم من اللانمطيين جنسياً من الأرجنتين والبرازيل وفلسطين. في الأرجنتين، توجد منظمة شابة تدمج هذه الموضوعات هي البطيخ-الأرجنتين: تنسيقية نسوية عابرة من أجل فلسطين.
- 53
Oliveira Soares, A. (2025) Op. cit.
- 54
الحملة الهادفة لإغلاق مكتب الابتكارات في القدس دشنتها مجموعة أوروغواي بحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (مساحات حرة من الفصل العنصري Espacios Libres de Apartheid). ونتيجة لهذا الضغط، جمدت الحكومة المكتب لكن المجموعة ما زالت تطالب بإغلاقه بشكل دائم.
- 55
Ramos Tolosa, J. (2022) Palestina desde las Epistemologías del Sur. Buenos Aires: CES, Universidad de Coimbra, and CLACSO. https://www.clacso.org/wp-content/uploads/2022/07/Palestina-desde-las-epistemologias.pdf
- 56
حدود إسرائيل التي تعترف بها الأمم المتحدة ليست هي المحددة في خطة التقسيم لعام 1947 (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181) وإنما هي خطوط هدنة 1949 التي أنهت الحرب مع البلاد العربية والتي بموجبها استولت إسرائيل على 78% من الأراضي الفلسطينية على الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة لا يعترف بشرعية الأراضي المستولى عليها في حروب الغزو.
Ibarlucía, M., Op. cit.
- 57
أضفت قرارات عدة للجمعية العامة للأمم المتحدة الشرعية عليه مثل القرار رقم 3103 (1973) و37/43 (1982).
- 58
في الاتجاه نفسه، كانت ميريل فانون في مونتيفيديو في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 للمشاركة في سلسلة من الاجتماعات مع الوسط الأكاديمي والمجتمع الأفريقي الأوروغوايي وقدمت نقاشاً بعنوان: (الاستعمار الجديد والإبادة الجماعية والفصل العنصري: حالتا هاييتي وفلسطين).
- 59
كرسي إدوارد سعيد الحر بجامعة بيونس آيرس تأسس عام 2008. توجد كراسٍ مرتبطة به في الجامعة الوطنية بكوماوي (نوكين)، وجامعة القديس خوان بوسكو الوطنية ببتجونيا والجامعة الوطنية بمار ديل بلاتا.
- 60
Landi, M. (2023) ‘Con Gabriel Sivinian, de la Cátedra de Estudios Palestinos Edward Said de la UBA: Contra el memoricidio’. Semanario Brecha (Montevideo). https://brecha.com.uy/contra-el-memoricidio/.
- 61
يجب أن نتمكن من خلق تبادلات بين النشطاء من فلسطين وأبيا يالا عن نضالاتهم المناهضة للاستعمار والعنصرية والأبوية والعسكرة وضد الإفلات من العقاب على إرهاب الدولة والإفراط في استخدام العنف المسلح ضد البشر من أعراق معينة والحبس السياسي المطول والاختفاء القسري والتعذيب واستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب ونزع الملكية والنزوح الإجباري ومن أجل الدفاع عن الأراضي والمشاعات وعن الدعم النفسي والاجتماعي للأفراد والمجتمعات المتأثرة بإرهاب الدولة وعن النضالات النسوية والكويرية ضد العنف المجندر والهوموفوبيا (العداء للمثليين) وغيرها من القضايا.
- 62
تتضمن الأمثلة مراكز فكرية مثل جدلية والشبكة والأفلام الوثائقية الاستقصائية التي تنتجها الجزيرة وغيرها من المنافذ الإعلامية (مثل أوراق فلسطين - اللوبي - 7 أكتوبر - غزة: أطباء تحت الهجوم - غزة: صحفيون تحت النار). العائق اللغوي يجعل الناس لا ترى فاعليات مثل محكمة غزة أو المؤتمر اليهودي الأول ضد الصهيونية.
- 63
تتضمن الأمثلة كُتاباً ينشرون في العربي الجديد والعديد من الأصوات الشابة التي شاركت في مشاريع مثل حارة 36: السردية الفلسطينية (بالفرنسية) ولسنا أرقاماً (بالإنكليزية)، والغزيين الذين ما زالوا ينشرون شهاداتهم عن الإبادة في منصات إعلامية مثل الانتفاضة الالكترونية (The Electronic Intifada) وموندوويس (Mondoweiss) ومجلة +972 وغيرها. من الاستثناءات البارزة في ما يتعلق بالأعمال المترجمة للقراء في أبيا يالا نشر صندوق المكسيك للثقافة الاقتصادية عام 2024 كتاب (ضد الحصار: أصوات من غزة أثناء الإبادة (بالإسبانية) الذي جمعه وترجمه من العربية شادي روحانا.
- 64
من النماذج البارزة على هذا النوع من التبادل مشاركة النشطاء الفلسطينيين في مدرسة زاباتيستا التي أنتجت كتاب شهادات بعنوان (النكبة في شياباس) (بالإسبانية). من الخبرات الأخرى الملهمة عمل الكاتبة الفلسطينية أمل إقعيق التي قارنت أثناء إقامتها في شياباس بين المكسيك وفلسطين من خلال الجدران والجداريات ونضالات السكان الأصليين. لكن تجدر ملاحظة أن معظم هؤلاء الفلسطينيين يعيشون في الولايات المتحدة حيث السفر منها إلى أبيا يالا أكثر سهولة.
- 65
هذا الواقع يتناقض مع الاستثمار الكبير للموارد الذي تقوم به صناعة الدعاية الإسرائيلية في أبيا يالا حيث تسعى من خلال الدعوات المدفوعة لزيارة إسرائيل إلى استقطاب الزعماء السياسيين والاجتماعيين والمشرعين ورجال الأعمال والنقابيين والصحافيين والشخصيات العامة في مجالات العلوم والثقافة والرياضة من أجل أن تريهم الصورة «المتحضرة والمستنيرة» لـ«الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
- 66
التناقض بين قبول السلطة الفلسطينية لقرار مجلس الأمن رقم 2803 (17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025) ورفضه من قبل كل القوى والفصائل الفلسطينية تقريباً، بالإضافة إلى المجتمع المدني الفلسطيني يبين أن الانقسام بين السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني سيستمر في التعمق.
- 67
Scahill, J., op. cit.
- 68
الشاعرة الغزية هبة أبو ندى التي قتلت في الشهر الأول للإبادة أسمته «نور الشهداء». اليقين نفسه الذي زرعه لاهوت التحرير في أبيا يالا منذ نصف قرن.
- 69
Abdeljawad, O. (2024) ‘The question of Hamas and the Left, 31 May. https://mondoweiss.net/2024/05/the-question-of-hamas-and-the-left/
- 70
Hroub, K. (2024) ‘Conversation with Dr. Khaled Hroub’. In H. Cobban and R. Khouri (Eds.) Understanding Hamas. And why that matters. New York: OR Books.
انظر.ي أيضاً فيديو لخالد الحروب عن الموضوع نفسه.
- 71
استلهاماً من الدعوة التي أطلقتها كنائس جنوب أفريقيا في 1985 إلى الكنائس الغربية تطلب منها الدعم لهزيمة نظام الفصل العنصري، في 2009 أطلقت مجموعة مسكونية في بيت لحم وثيقة كايروس فلسطين. رسالة هذه الوثيقة إدانة الاحتلال الاستعماري والفصل العنصري والإبادة الجماعية ودعم المقاطعة وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات، وتدعو المسيحيين أفراداً وجماعات حول العالم لدعم الفلسطينيين من أجل تحقيق حريتهم. من الشخصيات البارزة في هذا الصدد عالم اللاهوت منذر إسحاق الذي اكتسبت عظته «المسيح وسط الأنقاض» اهتماماً دولياً كبيراً خلال العامين السابقين.
- 72
انظر.ي على سبيل المثال:
Theologies of Liberation in Palestine-Israel: Indigenous, Contextual and Postcolonial Perspectives (2014), edited by Nur Masalha and Lisa Isherwood.
- 73
علاوة على ذلك، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، قالت محكمة العدل الدولية بوضوح إن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ليس محل تفاوض: إسرائيل ملزمة بتفكيك نظام الاحتلال الاستيطاني الاستعماري غير الشرعي والدول الأخرى ملزمة بعدم التعاون معها والعمل على إنهائه.
- 74
من المعروف جيداً أن قادة حزب العمل مثل إسحاق رابين وشيمون بيريز وإيهود باراك حين كانوا يتحدثون عن «حل الدولتين» كانوا في معظم الأحوال يتخيلون «دولة» فلسطينية مصغرة تشبه البانتوستان لها بعض الاستقلالية لكن من دون سيادة حقيقية أو أي من سمات الدول المستقلة.
- 75
Oliveira Soares, A. (2025) Op. cit.
- 76
Landi, M. (2025) ‘Con Inès Abdel Razek y Qassam Muaddi: En las consecuencias del genocidio se está dibujando otro orden mundial’, 30 October. https://brecha.com.uy/razek_muaddi/
- 77
Mansour, I. (2025) Gaza resiste. Un sufrimiento inolvidable. Montevideo: Alter Ediciones (منشور بالتعاون مع أربعة تجمعات تضامنية).