الموارد كافية، لكن التوزيع ليس عادلاً
4 أدلّة على أنّ الفقر خيار سياسي
لو كان الفقر ناتجاً عن نقص في الموارد، لكان العالم اليوم أفقر مما هو عليه. لكن الواقع يقول العكس تماماً: الثروة في أعلى مستوياتها التاريخية اليوم، فيما يعاود الجوع والحرمان التمدّد في مجتمعات يُفترض أنها «تقدّمت». وبحسب تقرير بعنوان «مقاومة حكم الأثرياء»، صادر عن منظمة أوكسفام، يُترك مليارات البشر ليواجهوا معاناة يمكن تجنّبها — من فقر وجوع وموت — بسبب انحياز النظام ضدّهم، لصالح فاحشي الثراء، الذين يراكمون ثروات خاصة بتريليونات الدولارات سنوياً، ويُرسّخون «نظاماً أوليغارشياً».
في عام 2025، حقق أصحاب المليارات زيادة قياسية في ثرواتهم الخاصة. وتجاوز عددهم ثلاثة آلاف شخص للمرّة الأولى. فقد بلغت ثرواتهم مجتمعة نحو 18.3 تريليون دولار أميركي، بزيادة 2.5 تريليون دولار خلال عام واحد فقط، وبنمو يفوق بثلاث مرات متوسّط الزيادة السنوية منذ عام 2020. في المقابل، يعيش ما يقارب نصف سكان العالم في حالة فقر (48%)، ويواجه ربع البشرية انعداماً في الأمن الغذائي.
من الواضح أنّنا نعيش في عالم تزداد فيه التفاوتات الاجتماعية. ففي المتوسّط، يملك الفرد من أغنى 1% من البشر ثروةً تفوق بمقدار 8,251 ضعفاً ما يملكه شخص من نصف البشرية الأفقر. ولا يمكن تفسير هذه المفارقة بسوء الإدارة أو الفساد أو بالأزمات وحدها، بل بنظام سياسي-اقتصادي يبدّي مراكمة الثروة الشخصية على العدالة الاجتماعية.
1. طالما أنّ الموارد متوافرة، لماذا لا يُقضى على الفقر؟ لأنّ إعادة توزيع الثروة قرار سياسي
لو أُعيد توزيع جزء محدود من الثروة التي راكمها أصحاب المليارات خلال عام واحد فقط، لكان من الممكن إنهاء الفقر العالمي.
تشير تقديرات «أوكسفام» إلى أنّ 65% من الزيادة التي حققها أصحاب المليارات في العام الماضي وحده كانت كافية للقضاء كلياً على الفقر وفق المفهوم والخطوط التي تعتمدها المنظمات الدولية، أي أن لا يبقى إنسان على الأرض يعيش بأقل من 8.30 دولارات يومياً.
تستمرّ الحكومات في تجاهل هذه الحقيقة، أي حقيقة أن تخصيص الموارد يذهب لصالح الأثرياء وحدهم، في ظل سياسات النمو غير العادلة، المصحوبة بالتقشّف، وتحميل الفئات الأضعف كلفة الأزمات في مقابل حماية الأثرياء وتمكينهم من تحويل الأزمات إلى فرص لهم للربح والاستحواذ.
من المعروف أنّ خفض اللامساواة يسهم في مكافحة الفقر؛ إذ من شأن خفض بنسبة 2% في اللامساواة، مصحوباً بمعدّل نمو قدره 2%، أن يقلّص الفترة اللازمة لإنهاء الفقر العالمي بنحو 144 عاماً، بالمقارنة مع ربط خفض الفقر بتحقيق النمو وحده.
2. من يعرقل إنهاء الفقر؟ تحالف الثروة والسلطة
تواجه الكثير من البلدان في الجنوب العالمي أزمة ديون عميقة، ناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، ما يجعلها عاجزة عن الاستثمار في معالجة اللامساواة والفقر والجوع.
تُبيّن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أنّ أكثر من 3.4 مليار إنسان يعيشون في دول تنفق على مدفوعات الفوائد أكثر ممّا تنفقه على التعليم أو الصحّة. وفي أفريقيا، على سبيل المثال، يبلغ الإنفاق على خدمة الدين نسبة تزيد، في المتوسّط، على 150% مقارنةً بإجمالي الإنفاق على التعليم والرعاية الصحّية والحماية الاجتماعية.
في المقابل، تسجّل شركات الدواء والتأمين الصحّي أرباحاً ضخمة، يُعاد توجيه معظمها إلى المساهمين. لكن، بدلاً من السعي إلى فرض ضرائب عادلة على الثروات الكبرى أو الشركات الأعلى ربحاً، تُفرض سياسات تقشّف تُفرغ الميزانيات العامة، وتؤدّي إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي والخدمات الأساسية.
وهنا لا يكون التقشّف خياراً اقتصادياً محايداً، بل قراراً سياسياً يحدّد من يتحمّل كلفة الأزمة، فيصبح الحرمان نتيجة مباشرة لسياسات تفضّل منطق السوق على الحق في الحياة الكريمة.
3. من يستفيد من بقاء الفقر؟ اقتصاد الأزمات
لا يتعايش الفقر مع الثروة المُفرطة صدفةً، بل يُعاد إنتاجه ضمن ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الأزمات»، حيث تتحوّل الصدمات العالمية — من الحروب إلى تغيّر المناخ — إلى فرص لتحقيق أرباح استثنائية.
ارتفعت أسعار الغذاء منذ عام 2021 بفعل الحروب والوباء والتغير المناخي، وذلك بوتيرة أسرع من الأجور، ما فرض عبئاً غير متكافئ على الفقراء الذين ينفقون الجزء الأكبر من دخولهم على الغذاء. ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، وعلى الرغم من أنّ ما لا يقلّ عن 95 بلداً قد رفع مستويات الحدّ الأدنى للأجور في عام 2022، لم تكن هذه الزيادة — في رُبع هذه البلدان — كافية لتعويض أصحاب الحدّ الأدنى للأجور عن ارتفاع كلفة المعيشة. وفي عام 2023، ارتفع الحدّ الأدنى للأجور بالقيمة الحقيقية في 88 بلداً، لكن في معظم الحالات لم تكن هذه الزيادة كافية لتعويض انخفاض الأجور الحقيقية في العامين السابقين.
في عام 2024 وحده، واجه أكثر من 2.3 مليار إنسان انعداماً في الأمن الغذائي، بزيادة قدرها 335 مليون شخص منذ عام 2019، فيما عجز 2.6 مليار شخص عن تحمّل كلفة نظام غذائي صحّي. وقد ارتفعت تكلفة الوجبة الصحية في عام 2024 بنسبة 30% مقارنةً بعام 2020، وترافق ذلك مع تراجع الاستثمار العام في الأمن الغذائي. فعلى المستوى العالمي، انخفض إنفاق الحكومات على الزراعة، كنسبة من إجمالي الإنفاق، بنسبة 10.6% منذ عام 2019.
4. لماذا لا تُفرض ضرائب جديّة؟ لأنّ النظام صُمِّم لحماية الثروة لا لمساءلتها
يتجلّى هذا الخيار السياسي لا في غياب الضرائب التصاعدية فحسب، بل أيضاً في تآكل الخدمات العامة الأساسية. ففي حين يستطيع أغنى الناس تحمّل كلفة السكن، والمدارس، والرعاية الصحية الباهظة، تعاني الفئات الأشدّ ضعفاً عواقب وخيمة من الحرمان منها.
حالياً، يفتقر 2.8 مليار إنسان حول العالم إلى السكن الملائم، فيما يعيش 1.12 مليار منهم في الأحياء الفقيرة والمخيّمات العشوائية. وفي البلدان المنخفضة الدخل، لا يرتاد 33% من الأطفال والشباب في سن الدراسة المدارس. وعلى امتداد البلدان المنخفضة والمتوسّطة الدخل، يكون الأطفال من أفقر 20% من الأسر أشدّ عرضة، بأربع إلى خمس مرّات، لعدم الالتحاق بالدراسة مقارنةً بأقرانهم في أغنى 20%.
ويشهد التقدّم العالمي في مجال الصحّة تباطؤاً بعد عقود من تحقيق المكاسب. كما يشهد التقدّم في تحقيق التغطية الصحّية الشاملة حالة من الجمود؛ إذ يواجه نحو ملياري إنسان إنفاقاً صحّياً كارثياً — أي ما يتجاوز 10% من ميزانية الأسرة — بحلول عام 2023. ويثقل عبء تكاليف الرعاية الصحية المباشرة كاهل الأسر المنخفضة الدخل، ولا سيّما النساء؛ إذ يواجه 58.5% من خُمُس البشر الأفقر عالمياً صعوبات مالية بسبب الحصول على الرعاية الصحية، مقارنةً بـ8.7% فقط في الخُمُس الأغنى.
في المقابل، تسجّل شركات الدواء الكبرى وشركات التأمين الصحّي، التي يتلقّى الكثير منها شكلاً من أشكال التمويل العام، أرباحاً هائلة لمصلحة أصحابها الأثرياء والمساهمين، فيما يستمرّ نقص تمويل الأبحاث، والبنية التحتية، وأجور القوى العاملة. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، يُحوَّل 95% من أرباح الشركات الصحية الكبرى إلى المساهمين، بدلاً من إعادة استثمارها. وقد برز ما يقرب من 50 مليارديراً جديداً في قطاع الصحّة والدواء خلال العام الماضي.
الفقر كنتاج قرارات لا كقدر
تُظهر هذه الوقائع أنّ الفقر ليس نتيجة غياب الموارد، بل حصيلة قرارات سياسية متراكمة تحمي الثروة المفرطة، وتُفرغ الدولة من دورها الاجتماعي. وعندما تختار الحكومات عدم فرض ضرائب عادلة، وتقليص الإنفاق العام، وقمع الاحتجاجات بدلاً من الاستجابة لها، يصبح الفقر سياسة مستدامة — تُدار وتُحمى — لا حالة طارئة يُفترض معالجتها.