ما بعد الحرب الإمبريالية

ماركس ضد سبنسر
ما بعد الحرب الإمبريالية
القوّة والتقدّم والوفرة في العالم العربي

«إنّ سلاح النقد لا يمكن، بطبيعة الحال، أن يحلّ محلّ النقد بالسلاح؛ فالقوة المادية لا بدّ أن تُسقَط بالقوة المادية» - كارل ماركس

بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران بعد فترة وجيزة من حرب الإبادة في غزة، ومن انعقاد قمة شرم الشيخ وإنشاء ما سُمّي «مجلس السلام»، الوارد ذكره في قرار مجلس الأمن 2803، والذي هندسه ترامب بما يتوافق مع رؤيته ومصالحه الخاصة. وقد تمثّل الهدف الأساسي من هذه الحرب، كما وضعه بوضوح الاقتصادي الأميركي جيفري ساكس، في تثبيت الهيمنة العالمية للولايات المتحدة والهيمنة الإقليمية لإسرائيل.  وفي موازاة ذلك، شنّت إسرائيل حربها على لبنان، ووسّعت اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية ضمن مسار يهدف إلى ضمّها نهائياً وتصفية القضية الفلسطينية. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار في الخليج العربي، وإعلان ترامب أمام الكونغرس الأميركي انتهاء الأعمال العدائية مع إيران، لا تزال المنطقة في قلب تحوّلات كبرى أفضت إلى هذه الحرب، كما ستترتّب عليها تداعيات إضافية ستتحكّم بمسار المنطقة العربية لفترة طويلة.

في هذا السياق، تبرز جملة من القضايا الأساسية:

أولاً، يأتي كل ذلك في لحظة يتهاوى فيها النظام العالمي الذي تشكّل خلال الحرب الباردة وما بعدها. فقد انتهت مرحلة العولمة عملياً مع إعلان ترامب حربه التجارية عبر فرض تعريفات جمركية على معظم دول العالم، في ما سمّاه «يوم التحرير»، في إشارة فاقعة إلى تحرّر الولايات المتحدة نفسها من النظام العالمي الذي بات قديماً.  وقد ترافق هذا «التحرر» مع حملة أيديولوجية أطلقها ترامب منذ ولايته الأولى، وتكثّفت خلال الثانية، هدفت إلى إضفاء إطار فكري متماسك على سياساته، حتى وإن بدت للبعض عشوائية أو خاضعة لهواه المتهوّر. وتجلى ذلك بوضوح مؤخراً في قلب «الرأسمالية العالمية» و«العولمة»، خلال اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في كانون الثاني/يناير 2026، حين أعلن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أمام الحضور: «نحن هنا في دافوس لنوضح أمراً واحداً: مع الرئيس ترامب، أصبح للرأسمالية شريف جديد في المدينة». وقد أثار هذا الخطاب استياءً واسعاً بين الحاضرين، إلى حدّ أن كريستين لاغارد غادرت العشاء خلال انتقاد لوتنيك لأوروبا، في مشهد غير مسبوق من مسؤولة مصرفية عُرفت عادة بالهدوء والدبلوماسية والكياسة، بما يعكس مستوى الفظاظة في المقاربة الأميركية.

تبدو الحاجة اليوم إلى لحظة يقظة أو إلى شرارة تؤسّس لنهضة اقتصادية عربية جديدة، تأخذ في الاعتبار مسألتي «القوة والوفرة» و«القوة والتقدّم»، مع الالتفات بجدية إلى الماضي العربي والإسلامي، لا بوصفه نوستالجيا، بل باعتباره مصدراً للدروس القابلة للتطبيق في الحاضر

وفي مناسبة أخرى خلال المؤتمر، أعلن هوارد لوتنيك أن العولمة قد انتهت، قائلاً بشكل واضح: «نحن هنا لتوضيح نقطة أساسية للغاية: لقد خذلت العولمة الغرب والولايات المتحدة الأميركية»، والسبب هو أنّ «العولمة تركت أميركا خلفها، وتركت العمال الأميركيين يتراجعون عن الركب». وفي هذا الجانب تحديداً، كان لوتنيك محقاً إلى حدّ بعيد. فالعولمة، خلافاً للاعتقاد السائد سابقاً بأنها تمثّل «إمبريالية جديدة» أو أنها ستعود بالنفع على الدول الرأسمالية المتقدّمة، أفادت أساساً الرأسمال الأميركي المعولم، من دون أن تُعمَّم مكاسبها على الطبقات الوسطى والعاملة، كما جرى بعد الحرب العالمية الثانية. ووفقاً لحسابات الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش، فقد استفادت الطبقات الوسطى في بعض الدول الصاعدة، مثل الصين والهند، من العولمة، فيما تضرّرت الطبقات الوسطى والعاملة في البلدان الرأسمالية المتقدمة. ومن هنا، تعبّر إدارة ترامب عن واقع مادي يتجلّى سياسياً في صعود اليمينية القومية، التي تحاول التوفيق بين مصالح الرأسمال الكبير والطبقة العاملة والمصالح القومية. إلا أنّ هذه المحاولة محكومة بالفشل، إذ ستنحاز، في نهاية المطاف، إلى الرأسمال الكبير، كما حدث تاريخياً في التجارب الفاشية. 

في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أصدرت الولايات المتحدة «استراتيجية الأمن القومي»، وهي وثيقة بالغة الأهمية من حيث تقديمها الإطار النظري لسياسات الولايات المتحدة على المستوى العالمي. ومن خلالها، تعيد الولايات المتحدة تموضعها داخل العالم الجديد. وكما علّقت صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الوثيقة تضع «الربح» قبل الديمقراطية، في انقلاب واضح على أيديولوجية المحافظين الجدد التي قادت إلى كارثة احتلال العراق. ويعكس هذا التحوّل منطق الرأسمالية الأميركية الجديدة. فعندما تصبح أرباح الطبقات العليا في الولايات المتحدة ناتجة أساساً من «الثروة» المتراكمة — أي من ارتفاع نسبة الثروة إلى الدخل وفق «القانون الثاني للرأسمالية» لتوماس بيكيتي — لا من النمو الاقتصادي، تتجه الولايات المتحدة إلى استخدام قوتها لخدمة الاقتصاد، كما يظهر في سياسات التعريفات الجمركية. وفي السياق نفسه، تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان تشغيل رأسمالها الثابت في الخارج، ولهذا أعادت إحياء أيديولوجية مونرو في أميركا اللاتينية عبر ما سمّته الوثيقة «مترتبة ترامب» (Trump Corollary)، حيث يصبح الرأسمال نادراً، ما يسمح للرأسمال الأميركي بتحقيق أرباح مرتفعة. ويترافق ذلك مع المشروع السياسي الأميركي الداعم لليمين في مواجهة اليسار ضمن الصراع القائم هناك، ولو بقي حتى الآن ضمن الأطر الديمقراطية. وعملياً، تشكّل هذه الوثيقة إعلاناً عن نهاية المرحلة التي حكمت العالم منذ الحرب الباردة وما بعدها. وهذا ما يثير قلق الإسرائيليين، لأن الولايات المتحدة، إذا ما أعادت ترتيب أولوياتها انطلاقاً من مصالحها في الشرق الأوسط وقدّمت الربح على الاعتبارات الأخرى، فإن إسرائيل ستكون أول المتضررين. ومن هنا، دخلت إسرائيل استباقياً على خط علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة العربية، في محاولة لإعادة الأيديولوجيا إلى صلب السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

تأتي هذه التحوّلات الراديكالية في لحظة صعود الصين لمواجهة الولايات المتحدة على المستوى العالمي. وعلى الرغم من أنّ هذا الصعود قد لا يبدو للعين المجرّدة فعالاً على المستوى العالمي، فإنّ الصين أحدثت بالفعل شرخاً عميقاً في النظام العالمي الأحادي القطب الذي تأسّس بعد انتهاء الحرب الباردة، بل يمكن القول إنها أنهته فعلياً. وفي محاضرة ألقاها ماريو دراغي في جامعة لوفان في بلجيكا في شباط/فبراير الماضي، أشار إلى أنّ النظام العالمي القديم لم يفشل لأنه كان قائماً على وهم، كما يعتقد البعض، بل لأنّ دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية شكّل نقطة التحوّل الأساسية. فقد أدّى هذا الانضمام إلى إدخال الصين في قلب التجارة العالمية بصورة غير مسبوقة، ما حوّل الاستقرار القديم إلى حالة من اللااستقرار. ولم يكن التغيير كمّياً فقط من حيث حجم التجارة، بل كان تغييراً نوعياً أيضاً، لأنّ الصين تريد التحوّل إلى قطب عالمي منفصل يبني نموذج نموّه على التصدير. ومن هنا، تبدو «التعددية القطبية»، المدفوعة بصعود الصين، تعبيراً بارداً في زمن الحرب، لكنها في الواقع تحمل فعلاً نارياً.

لن يتحقق الازدهار ــ وهو شرط أساسي في مواجهة إسرائيل ــ بصورة تلقائية، بل يتطلّب إعادة توزيع المنافع خارج أطر «النخب الحاكمة» داخل كل دولة، وكذلك بين الدول العربية نفسها 

ثانياً، إذا كانت النيوليبرالية قد فشلت في الولايات المتحدة وأنتجت الردّة القومية، فإنّ آثارها كانت أشدّ وقعاً في إسرائيل. فمنذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أدّت السياسات النيوليبرالية، التي اعتُمِدت بذريعة تحقيق التوازن الماكرو-اقتصادي والقضاء على التضخّم، إلى انهيار النموذج الذي كان يهيمن على الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين. وقد أسهمت هذه السياسات في ترسيخ وتعميق ما يُعرف بـ«إسرائيل الثانية»، وفي تشظية الطبقة العاملة، وإنهاء المشروع الصهيوني الليبرالي ـ الاشتراكي. كما قادت عملياً إلى نهاية حزب العمل، الذي أطلق الرصاصة على رأسه اقتصادياً وسياسياً عبر تبنّيه النيوليبرالية، كما فعلت أحزاب ديمقراطية اجتماعية كثيرة حول العالم. وزاد من انهيار الحزب انخراطه في عملية أوسلو بوصفها عملية خداع سياسي، ورفضه في الوقت نفسه قيام دولة فلسطينية مستقلة، ما أدّى إلى تسليم الساحة بالكامل لليمين واليمين المتطرف. ومع تفاقم اللامساواة، واتساع الفقر والتهميش، وصعود القوى الدينية، والبروليتاريا الرثّة، والعصابات، والمستوطنين، أنتجت إسرائيل في نهاية المطاف الفاشية ونظام الفصل العنصري بوصفهما النتيجة المنطقية للمشروع الصهيوني نفسه، القائم على ترسيخ الاحتلال والعسكرة والعنف، بما في ذلك العنف الداخلي ضد الإسرائيليين أنفسهم خلال التظاهرات والاحتجاجات.

ثالثاً، كان للفاشية الإسرائيلية الصاعدة وجهها الإقليمي أيضاً، إذ إنّ الفاشيات، كما أثبت التاريخ، لا تستطيع البقاء محصورة داخل حدودها، ولا سيما عندما تكون محاطة بدول مختلفة إثنياً عنها أو تمتلك قوة نسبية أكبر منها. وقبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان هدف بنيامين نتنياهو إقامة حلف إقليمي و«شرق أوسط جديد» يشكّل الصيغة الإمبريالية الإقليمية. ومن خلال «الاتفاقات الإبراهيمية»، سعى إلى تأسيس «السلام الإسرائيلي» (Pax Israeliana) في المنطقة العربية، وإحكام السيطرة الاقتصادية عليها. غير أنّ السابع من تشرين الأول/أكتوبر شكّل نقطة تحوّل كبرى أدّت إلى تعثّر مسار الاتفاقات الإبراهيمية، ولا سيما بسبب موقف السعودية الرافض للتطبيع والسلام من دون قيام دولة فلسطينية. وفي الوقت نفسه، بدأ المشروع الإسرائيلي ينهار على المستوى العالمي، مع اتساع موجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفي مقدمة الدول التي اتخذت هذا المسار بلجيكا والنرويج وفرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا. كذلك، تصاعد الرفض الشعبي والسياسي في الغرب لحرب الإبادة والاحتلال والقمع والاستيطان والإرهاب التي تمارسها حكومة نتنياهو. وأمام هذا التحوّل، اتجه نتنياهو نحو «الحل النهائي»، عبر جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب على إيران، في محاولة لإعادة الأيديولوجيا إلى قلب السياسة الأميركية في المنطقة. وفي جوهرها، كانت هذه الحرب موجّهة أيضاً، بصورة غير مباشرة، ضد السعودية، بهدف فرض الانضمام القسري إلى «السلام الإسرائيلي»، ومنع الدول العربية والإسلامية الأساسية من بدء الإمساك بزمام المبادرة الإقليمية، في لحظة بدأت فيها حتى الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، تعترف بثقل العالم العربي وضرورة مراعاة مصالحه. (أنظر.ي مقال ضد رأسمالية الآبارثايد و«الفاشية الفوضوية»).

رابعاً، لولا النفط والقضية الفلسطينية، لكانت المنطقة العربية منطقة منسية في العالم، بفعل تخلّفها الاقتصادي الذي تفاقم منذ «التباعد الكبير» (Great Divergence) بينها وبين الدول الرأسمالية، وهو التباعد الذي اتّسع بعد عام 1800. وفي الماضي، لم يكن هناك ترابط كبير بين النفط والقضية الفلسطينية، أمّا اليوم، ومع صعود الأوهام الصهيونية المتعلقة بالسيطرة الاقتصادية على المنطقة، فقد أصبح هذا الترابط أكثر قوة ووضوحاً. وبات الصراع بين العرب وإسرائيل يدور، أكثر من أي وقت مضى، في الفضاء الاقتصادي. ولهذا السبب، تسعى إسرائيل إلى توسيع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران بحيث تمتد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الخليج العربي، بوصفه مصدر القوة للعرب. غير أنّ إسرائيل تقع هنا في تناقض. فمن جهة، كانت خطتها قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر تقوم على استفادة الرأسمال التكنولوجي الإسرائيلي والطبقة الرأسمالية الجديدة من «الهروب» نحو الخليج، حيث الثروة والطلب. ومن جهة أخرى، فإنّ توسيع الحرب يهدّد بتدمير هذه الثروة نفسها والنموذج الاقتصادي الخليجي. وستنعكس هذه الحرب في الداخل الإسرائيلي أيضاً، عبر إضعاف الرأسمال الذي يحاول تفادي ابتلاع «إسرائيل الثانية» له. فإسرائيل تتجه أكثر فأكثر نحو التحوّل إلى مجتمع مزدوج، ليس على المستوى الداخلي فقط، بل أيضاً في أهدافه الخارجية: مجتمع برجوازي عصري يسعى إلى الإمبريالية الاقتصادية في المنطقة العربية عبر تصدير رأس المال، وفي المقابل مجتمع عنصري، حربي وتوسّعي، لا يتردّد في استخدام التدمير، بل وحتى الإبادة، من أجل تحقيق المشروع الصهيوني.

تعبّر إدارة ترامب عن واقع مادي يتجلّى سياسياً في صعود اليمينية القومية، التي تحاول التوفيق بين مصالح الرأسمال الكبير والطبقة العاملة والمصالح القومية. إلا أنّ هذه المحاولة محكومة بالفشل، إذ ستنحاز، في نهاية المطاف، إلى الرأسمال الكبير، كما حدث تاريخياً في التجارب الفاشية

خامساً، يدّعي بنيامين نتنياهو أنّه يدافع عن «الحضارة الغربية» في مواجهة أعدائها. غير أنّ هذا الادعاء يفتقر إلى أي أساس، لأنّ الصهيونية، فكراً وممارسةً، تُعدّ من أبعد المشاريع عن قيم عصر التنوير ومبادئه. والمفارقة أنّ من يُصوَّرون اليوم أنهم «أعداء الحضارة الغربية» كانوا، تاريخياً، من المساهمين الأساسيين في انبعاث هذه الحضارة وصونها. فقد استطاع العرب، في الماضي، بناء حضارة عظيمة بفضل الانفتاح الذي رافق الفتوحات الإسلامية، والتي هزّت العالم ووحّدت الشرق والغرب على ضفّتي الفرات. وقد تأسّست هذه الحضارة على إرث الإغريق القدماء، أي على الجذور الفكرية الأولى للحضارة الغربية نفسها. ومن خلال ذلك، نشأ العصر الذهبي للإسلام، الذي أنتج الفلسفة والعلوم العالمية. وفي تلك المرحلة، جرى حفظ التراث الإغريقي واعتماده وتطويره ونقله إلى العالم، بينما كانت كتب الإغريق مهملة ومنسيّة في دهاليز القسطنطينية داخل الإمبراطورية البيزنطية، على الرغم من أنّ هذه الإمبراطورية كانت تتحدّث اليونانية. ولذلك، لم يكن «العصر الذهبي» مرحلة معزولة عن التاريخ، بل شكّل جزءاً من تسلسل تاريخي قاد لاحقاً إلى الثورة العلمية، ثم إلى عصر التنوير، فالثورة الصناعية في أوروبا. ومن هنا، فإنّ الخط التاريخي الممتد من الإغريق القدماء إلى الحضارة العربية والإسلامية، وصولاً إلى الحضارة الغربية الحديثة، هو في جوهره الأساس الذي قامت عليه الحضارة المعاصرة. وبهذه الرؤية يجب أن نفهم العالم، وأن نحدّد موقعنا ومستقبلنا فيه، في وقت يزداد فيه المشروع الصهيوني عزلةً.

سادساً، في نهاية المطاف، وعلى الرغم من خراب الحروب والانقسامات، لا يمكن للحضارة العربية أن تُهزم تاريخياً، مهما كانت التعثرات، على يد نظام فصل عنصري فاشي يشكّل نقيضاً للحضارة الكونية. قد يظنّ بنيامين نتنياهو أنّه قادر على تغيير «وجه الشرق الأوسط»، سواء بالحرب أو بالسلم، إلا أنّ الشرق الأوسط ليس مجرد «تعريف مناطقي» على طريقة تصنيفات المؤسسات الدولية، كالبنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، بل هو الوعاء الجغرافي الأساسي للحضارة العربية والإسلامية. فهذه الحضارة تجلّت عبر ثلاث من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ: الأموية، والعباسية، والعثمانية، كما في تجربة الأندلس، وكانت الإمبراطورية العباسية الأكثر تأثيراً بينها. ويشير يوهان نوربرغ، في كتابه (Peak Human) الصادر عام 2025، إلى أنّ الخلافة العباسية «كانت أغنى الحضارات وأكثرها تقدّماً في العالم، بينما كانت أوروبا لا تزال تعيش عصور الظلام». ومن هنا، فإنّ الحضارة التي أنجبت الخوارزمي، وابن الهيثم، والكندي، وابن سينا، وابن خلدون، وابن رشد، والفارابي، وعمر الخيام، خلال العصر الذهبي للإسلام وما بعده، والتي استطاعت في إحدى مراحلها توحيد الشرق والغرب، لا يمكن أن يتغيّر وجه موطنها التاريخي إلا باتجاه التقدّم والانفتاح وإحياء العلوم والتكنولوجيا والفكر الإنساني الرحب الذي طبع ذلك العصر. غير أنّ هذا التحوّل لن يتحقّق تلقائياً، لا عبر نوستالجيا الماضي، ولا عبر التجارة الحرة والانفتاح على العالم. ففي كتابهما «القوة والوفرة: التجارة والحرب والاقتصاد العالمي في الألفية الثانية» الصادر عام 2007، يشرح رونالد فيندلاي وكيفن أورورك العلاقة بين الوفرة والقوة من خلال تتبّع تاريخ التجارة ودورها في ذلك. وقد خفّت هذه العلاقة نسبياً خلال القرن العشرين، لكنّها مرشّحة اليوم للعودة بقوة مع مسار «عكس العولمة» والتوترات العالمية التي أطلقتها الحرب التجارية الأميركية. وفي هذا السياق، يمكن فهم ما تحاول إسرائيل ترسيخه في المنطقة من العلاقة بين قوتها واقتصادها والوفرة لديها. ومن هنا، يصبح المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بناء القوة العربية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إذا استمرّ الوضع القائم في العالم العربي، سياسياً واقتصادياً، على حاله.

اتجه نتنياهو نحو «الحل النهائي»، عبر جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب على إيران، في محاولة لإعادة الأيديولوجيا إلى قلب السياسة الأميركية في المنطقة. وفي جوهرها، كانت هذه الحرب موجّهة أيضاً، بصورة غير مباشرة، ضد السعودية، بهدف فرض الانضمام القسري إلى «السلام الإسرائيلي»

سابعاً، تبرز حاجة ملحّة إلى التكامل السياسي والاقتصادي بين الدول العربية، في خضم التحوّلات السياسية والاقتصادية، والتي تُضاف إليها صدمة «الذكاء الاصطناعي». وفي كتابهما «القوة والتقدّم: صراع الألف سنة حول التكنولوجيا والازدهار» الصادر عام 2023، يعرض دارون أسيموغلو وسايمون جونسون، الحائزان جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2024، العلاقة بين القوة والتقدّم، موضحين أنّ منافع التكنولوجيا لم تتعمّم داخل المجتمعات إلا عندما استطاع العمّال، عبر تنظيمهم وقوتهم، فرض توزيع هذه المنافع خارج الحلقة الضيّقة للنخب. وهذا السؤال نفسه يُطرح اليوم بقوة مع صعود التكنولوجيات الجديدة. وفي العالم العربي، لن يتحقق الازدهار ــ وهو شرط أساسي في مواجهة إسرائيل ــ بصورة تلقائية، بل يتطلّب إعادة توزيع المنافع خارج أطر «النخب الحاكمة» داخل كل دولة، وكذلك بين الدول العربية نفسها. وقد بدأت تظهر إرهاصات هذا التحوّل في بعض الخطط الاقتصادية الخليجية، التي تحاول فكّ الارتباط التقليدي بين الريع والازدهار، واستبداله بعلاقة جديدة تقوم على العمل والتقدّم الصناعي والتكنولوجي من جهة والازدهار من جهة أخرى. وهذا المسار، سيفتح المجال موضوعياً أمام تعميم المنافع. ومن هنا، بدأ بعض الباحثين يتحدّثون عن صعود شكل من أشكال «رأسمالية الدولة» في السعودية. وفي تقريره عن التنافسية الأوروبية الصادر في أيلول/سبتمبر 2024، يشير ماريو دراغي إلى أنّ أحد أبرز معوّقات الابتكار يتمثّل في صغر حجم الشركات، إذ إنّ اتساع حجم الشركات يؤدّي إلى زيادة الابتكار. ومن هنا، تكتسب مسألة فتح الأسواق العربية أمام حركة رأس المال وتوسيع الشركات الكبرى العربية أهمية كبرى خصوصاً في ظل التحوّلات التكنولوجية العالمية، والعودة إلى السياسات الصناعية في العالم، بما في ذلك اعتراف البنك الدولي بأهميتها.

وفي هذا السياق، المطلوب هو إحياء مشروع شبيه بالخطة التي طرحها الأمين العام السابق للأمم المتحدة داغ همرشولد عام 1957، والتي رحّب بها جمال عبد الناصر قبل أن تعمل الولايات المتحدة على إفشالها، والقائمة على التعاون الاقتصادي العربي وردم الهوة الاقتصادية بين الدول العربية. فالواقع أنّ أي دولة عربية لن تستطيع تحقيق الاستقرار والازدهار والنمو بصورة منفردة. أما الإنفاق على الأبنية الضخمة والمشاريع البراقة والمدن الجديدة ــ وبعضها أقرب إلى الخيال ــ وكذلك الاستثمار في قطاع الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، فهو في كثير من الأحيان تبديد للثروة بعوائد اقتصادية محدودة أو حتى سلبية، ولا ينسجم فعلياً مع أهداف التنويع الاقتصادي المعلنة. فالنفط والغاز موارد ناضبة في نهاية المطاف، والمطلوب هو تحويل الرأسمال الطبيعي إلى رأسمال إنتاجي حقيقي، في الخليج وفي الدول العربية عموماً. وفي هذا الإطار، سيكون دور الدول العربية في إعادة بناء سوريا وإعمارها اختباراً عملياً. وقد بدأت بالفعل بعض الخطوات الأولى في هذا الاتجاه. فسوريا تمتلك المقومات التي قد تجعلها التجربة الصناعية العربية في هذه المرحلة، على نحو يشبه الدور الذي لعبته شنزن في التجربة الصينية خلال مرحلة الإصلاح والانفتاح، والتي قادت لاحقاً إلى التطور في العقود الماضية. وهنا، ينبغي إدراك أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل لا ترغبان في قيام مثل هذا المشروع العربي، بل تسعيان إلى إبقاء الدول العربية دول تابعة وحتى vassal states.

إنّ الخط التاريخي الممتد من الإغريق القدماء إلى الحضارة العربية والإسلامية، وصولاً إلى الحضارة الغربية الحديثة، هو في جوهره الأساس الذي قامت عليه الحضارة المعاصرة. وبهذه الرؤية يجب أن نفهم العالم، وأن نحدّد موقعنا ومستقبلنا فيه، في وقت يزداد فيه المشروع الصهيوني عزلةً

إذاً، تبدو المرحلة الحالية مصيرية بالنسبة إلى العالم العربي، ما يفرض إعادة النظر في ما يمكن تسميته سمات المرحلة التاريخية الراهنة. فطوال عقود، ساد الاعتقاد أننا نعيش في زمن ما بعد فشل التجربة الناصرية، لكن ما يتأكد اليوم هو أننا دخلنا مرحلة ما بعد فشل التجربة الليبرالية نفسها، ليس في العالم العربي فقط، بل على المستوى العالمي أيضاً. غير أنّ العالم لا يتغيّر إلا بالقوة المادية. وقد لخّص لينين هذه الحقيقة بشعاره Who Whom?، أي أن نعرف دائماً لمن تكون السيطرة. وقد أشار المؤرخ سيمون سيباغ مونتيفيوري إلى هذه الفكرة في تحليله للانتفاضات العربية عام 2011، حين قال «لقد أدرك لينين أن السؤال النهائي في كل ثورة هو دائماً خيمياء السلطة التي لا يمكن سبر أغوارها: من يسيطر على من. أو كما قال بإيجاز: مِن مَن؟»

ومن هنا، تبدو الحاجة اليوم إلى لحظة يقظة أو إلى شرارة تؤسّس لنهضة اقتصادية عربية جديدة، تأخذ في الاعتبار مسألتي «القوة والوفرة» و«القوة والتقدّم»، مع الالتفات بجدية إلى الماضي العربي والإسلامي، لا بوصفه نوستالجيا، بل باعتباره مصدراً للدروس القابلة للتطبيق في الحاضر. وهذا هو، في جوهره، «تحدّي العصر» أمام الدول العربية وأمام الشباب العربي. وقد بدأت بالفعل الخطوات الأولى في مواجهة هذا التحدّي. وفي هذا السياق، يستطيع العالم العربي مواجهة إسرائيل مادياً، وهو ما من شأنه إعادة تشكيل توازن القوى في المنطقة على الرغم من الحرب الأخيرة، انتهت إلى هزيمة مشروع بنيامين نتنياهو لـ«الشرق الأوسط الجديد»، وسقوط حلمه بإقامة إمبريالية إقليمية تقوم عبر السيطرة الاقتصادية على المنطقة. وفي المرحلة المقبلة، يصبح المطلوب من الدول العربية تثبيت هذه الهزيمة السياسية الكبرى، واستخدام عناصر القوة لتحقيق الاستقرار في سوريا ولبنان والخليج العربي، سياسياً واقتصادياً، وردع التهديدات الإسرائيلية، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته. فالمتغيّرات الكبرى لا يمكن مواجهتها إلا بخطط كبرى. والماضي هنا ليس مجرد ماضي يُقرأ في الكتب، بل هو حافز على الفعل في الحاضر.

 

    غسان ديبة

    أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). تتركّز أبحاثه حول الاقتصاد السياسي والاقتصاد الماركسي وتأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي.