الصورة: Unsplash/Emad El-Byed
الانتظار كأداة للتحكم في الحياة والمستقبل في الشرق الأوسط
الحرب والزمن المُعلق في غزّة
- تمثل غزة نموذجاً مبكراً لحالة قد يتكرّر إنتاجها في بلدان أخرى في المنطقة: حروب ممتدة زمنياً، منخفضة الحسم سياسياً، تتخللها تصعيدات دورية تحول الحياة اليومية إلى حالة انتقالية طويلة، ويصبح التعليق الدائم للمستقبل جزءاً من بنية الصراع.
- لا يتعلّق الأمر بنهاية حرب والبدء إعادة بإعمار، بل باستعادة الزمن نفسه بوصفه حقاً إنسانياً: الحق في أن يمشي الوقت إلى الأمام. وفي ظل النزاعات الإقليمية المستمرة التي تعيد كل شيء إلى الوراء، يصبح الدفاع عن المستقبل وحق المجتمعات في زمن مستقر يمكن البناء عليه، قضية أساسية.
في غزة، لا يُقاس العنف اليوم بعدد الضحايا وحده، بل بامتداد الحرب عبر الجغرافيا والزمن معاً. مع كل تصعيد جديد، يتبدّل إيقاع الحياة ليس بفعل القصف والعمليات العسكرية وحدها، بل بفعل الانتظار الذي يُفرَض على الناس أن يعيشوه معلقين بين حرب وأخرى، وبين محاولة الاستمرار وجولات جديدة من التصعيد تعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.
منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، لم يعد الانتظار استجابة طارئة لظرف استثنائي، بل تحوّل إلى هندسة يومية للتأجيل: يُدار ويُؤجل ويُعلق ويُسرع وفق اعتبارات عسكرية وإدارية وإقليمية. أصبح الانتظار بنية يومية للحياة، يترقب الناس تصاريح الخروج للعلاج، ووصول شاحنات الإغاثة وثبات وقف إطلاق النار بعد كل خرق. ينتظرون رفع الحصار، انتشال الجثث من تحت الأنقاض، رفع الركام، انتظار يتراكم فوق آخر حتى يصبح الزمن نفسه مادة الحياة الوحيدة المتاحة.
في ظل التوترات العسكرية المتصاعدة في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط من غزة إلى جنوب لبنان والبحر الأحمر، قد تمثل غزة نموذجاً مبكراً لحالة قد يتكرّر إنتاجها في بلدان أخرى في المنطقة: حروب ممتدة زمنياً، منخفضة الحسم سياسياً، تتخللها تصعيدات دورية تحول الحياة اليومية إلى حالة انتقالية طويلة، ويصبح التعليق الدائم للمستقبل جزءاً من بنية الصراع.
الانتظار كأداة سيطرة
تركز النظريات السياسية بالعادة على الأرض والسيادة والعنف المباشر، غير أن الزمن له دور لا يقل أهمية في ممارسة السلطة، حيث يتحوّل التأخير نفسه إلى تقنية حكم: تعليق مستمر للقرارات، وإرجاء دائم لكل شيء وإبقاء المجتمع في حالة انتظار مفتوحة.
يبدو الحصار المفروض على غزة، قبل الحرب وبعدها، مكانياً في ظاهره: حدود مغلقة، ومجال حركة مُعدوم. لكن المكان لا ينفصل عن الزمن، الحصار ليس فقط منع من الحركة، بل هو كذلك زمن مختلف، بطئ ومشروط.
في غزة يُعلق الزمن من الخارج عبر الحصار وإدارة الإيقاع اليومي للحياة، ومن الداخل عبر بنية أيديولوجية تُفرغ المستقبل من معناه
ومع الدمار الواسع للبنية التحتية خلال الحرب الأخيرة، من شبكات الكهرباء والمياه إلى الجامعات والمستشفيات، تعمّق هذا «الزمن المؤجل» حيث لا يمكنك التخطيط لأبسط تفاصيل حياتك. الطالب لا يمكنه معرفة ما إذا كانت منحة دراسية في الخارج ستكون متاحة عندما يحين موعدها أو إذا كان سيتمكن أصلاً من مغادرة القطاع. آلاف النازحين لا يعرفون إلى متى سيستمرون بالعيش في الخيام. أما المرضى والمصابين فحياتهم تصبح رهينة هذا التأجيل، لا يستطيع أحد منهم معرفة ما إذا كان سيسمح له بالسفر لتلقي العلاج، فوفق ما وثقته منظمة أطباء بلا حدود في كانون الأول/ديسمبر 2025، توفي أكثر من 1,000 مريض أثناء فترة انتظار الإجلاء الطبي، فيما لا يزال أكثر من 16,500 فلسطيني، بينهم آلاف الأطفال، ينتظرون دورهم. التأخير إذن هو فاصل بين الحياة والموت. وفي ظل حرب جديدة مفتوحة إقليمياً بلا خطط سياسية معلنة ولا أفق نهاية واضح، يتحوّل الزمن إلى قوة ضاغطة تستنزف القدرة على الاحتمال بشكل مستمر، وتحول الحياة اليومية إلى حالة من التعليق بين ما حدث وما يحدث.
تشير دراسات في أنماط السيطرة المعاصرة إلى القمع، بأنه لا يعمل فقط عبر الاحتلال المباشر، بل عبر «التلاعب بأنظمة الحياة» ذاتها: البنية التحتية، الموارد، الحركة، والإيقاع اليومي. الزمن هو أحد هذه الأنظمة، لهذا حين يتم التحكم به وتعليقه يصبح أداة حكم وسيطرة بحد ذاته. ضمن هذا الإطار، سيطرة إسرائيل على المجال الجوي والممرات البحرية وسجلات السكان، وعلى الواردات والصادرات وحركة الدخول والخروج من القطاع، ليست مجرد إجراءات أمنية بل هي كذلك عناصر في إدارة الإيقاع الزمني للحياة في غزة وإخضاع كل تفصيل للتأخير، من تصاريح الخروج والسفر إلى دخول المواد الأساسية. حتى العمل الإنساني، الذي يُقدّم بوصفه استجابة لإنقاذ الحياة، يكشف طبقة إضافية من الضبط الزمني: تُحصى شاحنات المساعدات، تُؤخر، تُعتمد أو تُرفض وفق جداول زمنية متغيرة. تُحسب السعرات الحرارية ويتم التفاوض على الكميات. هذه جميعها مؤشرات عن إيقاع حياة يُسمح له أن يستمر، لكن بالكاد، تبقى غزة، كما أشار مسؤول إغاثي «على حافة الانهيار من دون السماح لها بالانهيار الكامل».
ازدواجية الزمن
إذا كان التحكّم بالزمن أحد أدوات السيطرة المفروضة على غزة من إسرائيل، فهناك كذلك شكل آخر من الزمن المُعلق يتولّد من الداخل، ويتعلّق بكيفية فهم الفاعلين الفلسطينيين المحليين للزمن نفسه، هل هو مسار مفتوح يمكن العمل والتأثير فيه أم مجرد مرحلة انتقالية لا تنتهي؟ في غزة يُعلق الزمن من الخارج عبر الحصار وإدارة الإيقاع اليومي للحياة، ومن الداخل عبر بنية أيديولوجية تُفرغ المستقبل من معناه.
خلال سنوات حُكمها الطويلة لقطاع غزة، لم يتخذ حكم حركة حماس شكل سلطة سياسية فقط بل حَمل أيضاً بنية زمنية خاصة. تشترك حماس مع غيرها من الحركات الإسلامية (بخلاف سياقاتها الدينية أو الثورية) التي تمنح للزمن/للتاريخ معنى خلاصي/نهائي وترى في العالم الدنيوي قيمة ثانوية/انتقالبة أكثر من كونها قيمة مستقلة. وفي مثل هذه التصورات، سواء في سياقات دينية متطرفة أو حتى ببعض النسخ من الأيديولوجيات الثورية الحديثة، لا يكون الهدف الأساسي تحسين هذا العالم، بل تجاوزه أو استبداله بنظام أكثر اكتمالاً ونقاء.
يشير المؤرخ رويل ماير، في مقاله إشكالية البُعد السياسي في الحركات الإسلامية إلى أن هذه الحركات تتعامل مع الواقع بوصفه «حالة تدهور بنيوي مستمر». لهذا لا يُفهم التقدّم/الاستمرارية كعملية سياسية تدريجية تُدار عبر الزمن، بل كعملية هدم يُفترض أن تسبق ولادة نظامها الأيديولوجي المنشود. الحاضر، بالتالي، هو ساحة الاشتباك الوحيدة ذات المعنى.
الفعل لا يكتسب معناه إلا إذا أمكن أن يُروى ويُحفظ ويُبنى عليه. من دون هذا الأفق الزمني، يغدو الحدث معزولاً، بلا أثر يتجاوز راهينته
ولكن في هذا الطرح، يفقد الزمن معناه السياسي التراكمي، ويتحول لإشارات زمنية أكثر من كونها مراحل يمكن تصورها وإدارتها. ولهذا السبب غالباً ما تتوقف كثير من الحركات المؤدلجة دينياً عند لحظة التمكين/الوصول للسلطة ولا تملك لغة سياسية لما يليها، فالزمن السياسي بالنسبة لها ليس زمن تراكمي يقوم على بناء مؤسسات وادارة التحولات، بل زمن تصادمي، ينقسم بين لحظة صراع ولحظة حسم. بالتالي، ما بعد الوصول إلى السلطة لا يتضمن بالضرورة مشروع عَمل طويل المدى، وما بعد الحرب لا يُرى كحياة مستقرة قابلة للبناء، بل كهدنة مؤقتة، فاصل زمني بين مواجهة وأخرى.
الانتظار كانقطاع في السردية
يُؤجل المستقبل في غزة باستمرار، معلق بين تصريح لم يصدر، ومعبر لم يُفتح، وإعمار لم يبدأ. هذا التعليق الدائم للمستقبل حالة ممتدة تعيد ترتيب الحياة اليومية من داخلها فالإنسان لا يعيش في الحاضر وحده، بل في امتداده الزمني: في القدرة على التخطيط والتوقع. حين يُصادر هذا الامتداد، تُختزل الحياة بكل تفاصيلها إلى إدارة وقتية للأزمات، يصبح البقاء مسألة أسبوع، أو يوم أو حتى ساعة.
وهذا «التعليق المستمر للحياة» يتجاوز البعد الفردي أو النفسي، فالفاعلية السياسية تفترض الاستمرارية، فالسياسة لا تُبنى على لحظة معزولة، بل على تراكم، لهذا المجتمع الذي يُجبر على الإقامة في اللحظة الراهنة يُحرم من أحد شروط العمل السياسي الأساسية: القدرة على تخيّل مستقبل والعمل على بنائه. عرّفت هانا أرنت العمل السياسي بأنه «ما يحدث بين الناس» في عالم مشترك ودائم. السياسة، في تصورها، لا تفترض الأمان بقدر ما تفترض الاستمرارية أي تراكم الأفعال لتشكيل ذاكرة جماعية. «العمل، بقدر ما ينخرط في تأسيس الهيئات السياسية والحفاظ عليها، يخلق الظروف اللازمة للتذكر»، كما تقول، فالفعل لا يكتسب معناه إلا إذا أمكن أن يُروى ويُحفظ ويُبنى عليه. من دون هذا الأفق الزمني، يغدو الحدث معزولاً، بلا أثر يتجاوز راهينته.
في غزة ولبنان وغيرها من مناطق الصراع في المنطقة، تُدمّر البنية التحتية بوتيرة أسرع من إعادة بنائها، وبالتالي يصبح الإطار الزمني نفسه غير قابل للثبات، تختفي الذكريات، الأرشيفات، والمؤسسات في حروب متوالية، هدن مؤقتة، وترتيبات انتقالية تتكرر حتى تتآكل الذاكرة المادية ذاتها. لا يعود الدمار مادياً بل زمنياً أيضاً: انقطاع في السردية، وقطع في الاستمرارية بحيث تتفتت القدرة على مراكمة التفاصيل والبناء عليها، وتتحول الحياة إلى سلسلة من اللحظات المنفصلة عن بعضها بفترات انتظار لا يمكن السيطرة عليها.
غزة ليست استثناءً كاملاً. في الضفة الغربية يمارس نمط آخر من العنف الزمني يمكن وصفه بالعنف البطئ (slow violence)، عنف «لا يقتصر على الأحداث الجديرة بالنشر والمحددة زمنياً وجسدياً» بل يتشكل عبر تراكمات وإجراءات متفرقة: مصادرة أرض هنا، حاجز عسكري هناك، توسّع مستوطنة، هدم منزل، ضرر يتشتت زمنياً بحيث يصعب التقاطه في لحظة واحدة، يُراكم الضرر على مدى سنوات حتى يصبح جزء من الشكل اليومي للحياة.
هذا التأجيل المستمر لا يقتصر على حرمان الناس من الوقت بل يُحول الزمن نفسه إلى رفاهية وأداة ضغط تدفعهم للرضوخ بأقل المطالب
يتكرر هذا النمط في مخيمات اللاجئين، ومراكز احتجاز المهاجرين، والدول الخاضعة للعقوبات. يتكرر نمط التحكم الزمني ذاته: إدارة قسرية للمكان والزمن وللإيقاع الذي تُعاش به الحياة. هذا التأجيل المستمر لا يقتصر على حرمان الناس من الوقت بل يُحول الزمن نفسه إلى رفاهية وأداة ضغط تدفعهم للرضوخ بأقل المطالب: «فالإكراه الزمني يسعى إلى تحقيق الأهداف نفسها التي يسعى إليها الإكراه الحركي، لكنه يفعل ذلك عبر المدة، وعبر توليد تكاليف من خلال الإرهاق، وفقدان الفرص، وتآكل السرد، بدل إلحاق الضرر المباشر». يظهر ذلك مثلاً من خلال القبول بمطالب أقل لنهاية النزاع مقارنة بما كان يُطرح في الشهور الأولى من الحرب.
حين يعلّق الزمن، تُعلق السياسة، فلا عدالة قابلة للتحقّق بلا أفق زمني واضح، وبلا مجتمع قادر على الفعل ضمن زمن مؤجل. لذلك لا يتعلّق الأمر بنهاية حرب والبدء إعادة بإعمار، بل باستعادة الزمن نفسه بوصفه حقاً إنسانياً: الحق في أن يمشي الوقت إلى الأمام. وفي ظل النزاعات الإقليمية المستمرة التي تعيد كل شيء إلى الوراء، يصبح الدفاع عن المستقبل نفسه، عن حق المجتمعات في زمن مستقر يمكن البناء عليه، قضية أساسية لا تقل أهمية عن أي نضالات أخرى.