qatar

سحب الجنسية في الكويت
المواطنة كأداة فرز وإقصاء في الاقتصاد الريعي

تكشف سياسات سحب الجنسية في الكويت عن تحوّل لافت في إدارة المواطنة داخل الدولة الريعية، حيث لم تعد الجنسية تُعامل كحق قانوني مستقر، بل كمدخل حاسم للنفاذ إلى الثروة العامة وما يرتبط بها من وظائف وامتيازات. وفي هذا السياق، يندرج إصدار حزمة جديدة من مراسيم سحب الجنسية، التي شملت مؤخرًا 2182 شخصًا ومن اكتسبها بطريق التبعية، ضمن منطق يتجاوز الإجراء الظرفي إلى ضبط أوسع لدوائر الانتماء والاستفادة داخل المجتمع.

وتعكس الخطوة مسار الحكومة في إحكام التدقيق في ملفات الجنسية وإخضاعها لمعايير أكثر صرامة وانتقائية، بما يتجاوز حدود الانتماء الرمزي إلى ترتيب الاستحقاق الفعلي للحقوق والموارد. 

الجنسية: من حق قانوني إلى بوابة للريع

في السياق الريعي داخل الكويت، لا تُختزل الجنسية في كونها إطارًا قانونيًا لتحديد الانتماء، بل تتجاوز ذلك لتشكّل مدخلًا أساسيًا للنفاذ إلى الثروة العامة. فالدولة لا تقتصر على دورها التنظيمي، بل تؤدي وظيفة مركزية في توزيع الموارد عبر الوظائف العمومية والدعم والخدمات الاجتماعية.

ضمن هذا المنطق، تتحول المواطنة إلى شرط فعلي للاندماج في منظومة التوزيع، أو ما يمكن اعتباره بوابة غير مباشرة للولوج إلى الريع. وبذلك، لا يعود التمييز بين المواطن وغير المواطن مجرد فارق قانوني، بل يصبح تعبيرًا عن موقع داخل بنية اقتصادية تُدار فيها الثروة عبر الدولة. وضمن هذا الأفق، تتبلور عملية صامتة لترسيم حدود الجماعة الوطنية على أسس ريعية، فيتم تحديد قائمة المنتفعين بالريع النفطي وما يتيحه من امتيازات، ومن يُدفع إلى خارجها.

ترتب عن هذا الإجراء تجريدهم الفوري من حزمة من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، وإدارة الحسابات البنكية، والتنقل، والتملك، بما يعكس أثرًا مباشرًا يمتد إلى الحياة اليومية داخل الفضاء الاجتماعي والاقتصادي

ووفقًا لتقرير صادر عن مركز الخليج لحقوق الإنسان (2025)، فقد اتسعت عمليات سحب الجنسية لتشمل ما يزيد عن 30 ألف شخص، بينهم عدد كبير من زوجات مواطنين كويتيين كنّ قد اكتسبن الجنسية ضمن ترتيبات قانونية سابقة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي. وقد ترتب عن هذا الإجراء تجريدهم الفوري من حزمة من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، وإدارة الحسابات البنكية، والتنقل، والتملك، بما يعكس أثرًا مباشرًا يمتد إلى الحياة اليومية داخل الفضاء الاجتماعي والاقتصادي. 

ويشير التقرير ذاته إلى أن عدد عديمي الجنسية في الكويت (البدون) يتجاوز 90 ألف شخص، ما يجعلها من بين أعلى الحالات عالميًا في ملف انعدام الجنسية، وهو وضع لا يمكن فصله عن بنية قانون الجنسية وقيوده المتراكمة، حيث لم تُترجم محاولات الإصلاح المتعاقبة إلى إدماج فعلي، بل ساهمت في استنساخ أشكال متعددة من الإقصاء القانوني.

graph1

كما توثق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ظاهرة البدون في الكويت لا تمثل حالات فردية متفرقة، بل هي نتاج مسار تاريخي ممتد منذ صدور قانون الجنسية سنة 1959، إذ بقيت فئات اجتماعية كاملة خارج إطار الاعتراف القانوني رغم إقامتهم الطويلة والمستمرة داخل البلاد. 

وتُجمع هذه التقارير على أن أثر فقدان الجنسية يجعل  الاندماج الاقتصادي والاجتماعي مشروطًا، من خلال تعطيل النفاذ إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل، حيث توفر الدولة خدمات تعليم وصحة مجانية، وبطاقات تموينية، وأولوية في بعض الوظائف الحكومية،  بما يعمّق الارتباط البنيوي بين وضعية الجنسية وآليات توزيع الموارد داخل الدولة.

تقليص هوامش احتكار الثروة 

يكتسب هذا المنطق بُعده البنيوي عند النظر إلى المعطيات الديموغرافية والاقتصادية للدولة، حيث تُعد الكويت من الدول ذات الكثافة السكانية المنخفضة مقارنة بحجم مواردها النفطية. إذ يبلغ عدد سكان الكويت نحو 5.1 مليون نسمة وفق تقديرات 2026، في حين تمتلك البلاد احتياطيات نفطية تُقدَّر بما يزيد عن 100 مليار برميل، مع إنتاج يومي يتجاوز 2.5 مليون برميل، ما يجعلها واحدة من أبرز الاقتصادات الريعية في المنطقة. 

وهذا التفاوت بين حجم السكان ومستوى الثروة يعمّق من مركزية سؤال ''من يستفيد من الريع ؟ ''، ويجعل من تنظيم دائرة المواطنة بما فيها سياسات السحب وإعادة الفرز أداةً غير مباشرة لإدارة توزيع هذا الفائض. ضمن هذا السياق، تتجاوز المواطنة الانتماء القانوني وتمتد لتحديد نصيب الأفراد من الثروة النفطية التي تنتجها الدولة وتعيد توزيعها عبر بنيتها الريعية.كما تُسهم هذه السياسات في تركيز الامتيازات داخل نطاق أكثر انكماشًا من الانتماء المعترف به، بما يُرسّخ نمطًا لإدارة الفائض عبر آليات تقليص دوائر الاستفادة بدل توسيعها. 

ووفق أحدث البيانات، يُقدَّر نصيب الفرد من الناتج المحلي في الكويت بما يقارب 33 إلى 35 ألف دولار سنويًا، وهو رقم يعكس مستوى عالٍ نسبيًا من الدخل في سياق عالمي. غير أن هذا المؤشر لا يعكس كامل البنية الفعلية للدخل، إذ يستفيد المواطنون من منظومة دعم حكومي واسعة تشمل الإسكان والخدمات الأساسية والوظائف العامة، ما يرفع القيمة الفعلية للانتفاع المرتبط بالمواطنة إلى ما هو أبعد من الأجر النقدي المباشر.

تتخذ الجنسية وظيفة فرز داخلية تُستخدم لتحديد مواقع الأفراد داخل منظومة الريع، بين من يظل مشمولًا بآليات التوزيع ومن يتم إخراجه منها

تبعًا لذلك، تتخذ الجنسية وظيفة فرز داخلية تُستخدم لتحديد مواقع الأفراد داخل منظومة الريع، بين من يظل مشمولًا بآليات التوزيع ومن يتم إخراجه منها. وينعكس هذا التحول مباشرة على البنية الاجتماعية والاقتصادية، من خلال صياغة جديدة لترتيب مواقع الفاعلين داخل الهرم الطبقي للدولة الريعية وضبط شروط الاندماج فيه.

تاريخيًا، لا يمكن فصل تشكّل مفهوم المواطنة في الكويت عن التحولات السياسية والأمنية الكبرى التي مرّت بها المنطقة، وعلى رأسها الغزو العراقي عام 1990، الذي شكّل لحظة مفصلية في فهم العلاقة بين الدولة ومحيطها الاجتماعي. فقد شكل الحدث مقاربة الدولة لمسألة الانتماء، ورفع من حساسية تعريف ''الداخل'' و''الخارج'' داخل الجماعة الوطنية، في سياق ارتبط بمحاولات بناء الثقة السياسية وترميم الدولة بعد الحرب.

وفي مقاربة أوسع، ارتبط تشكّل الدولة الحديثة في الكويت بسياق تاريخي معقّد، تزامن مع ترسيم الحدود السياسية في الخليج منذ أوائل القرن العشرين، حين كانت حركة السكان والانتماءات أكثر سيولة عبر الفضاء الإقليمي. ويظل هذا الإرث حاضرًا بشكل غير مباشر في طريقة إدارة ملف الجنسية اليوم، حيث تُستعاد في لحظات معينة أسئلة الانتماء القديمة، ولكن ضمن أطر قانونية وإدارية حديثة.

الإرث الاجتماعي وهندسة العضوية السياسية في الدولة 

تستحضر بعض القراءات خلفية تاريخية ممتدة في تشكّل الدولة الحديثة في الكويت، حيث ارتبط بناء الكيان السياسي بتحوّل سريع من فضاء اجتماعي تحكمه التنظيمات القبلية وأنماط التنقل، إلى دولة مركزية قائمة على الإدارة الحديثة للموارد. غير أن هذا الانتقال لم يُلغِ تمامًا أثر البنى السابقة، بل أبقاها كطبقة رمزية كامنة تظهر في لحظات تعريف الانتماء، خصوصًا حين يتعلق الأمر بضبط حدود العضوية في الجماعة السياسية.

يتداخل التاريخ الاجتماعي مع آليات الحكم الحديثة في إنتاج تصورات متغيرة للانتماء، بشكل احتكار الاستفادة من الثروة في نطاق أكثر تضييقًا

في هذا الإطار، يمكن فهم تشدد بعض السياسات المرتبطة بالجنسية بوصفه امتدادًا غير مباشر لمنطق يقوم على تنظيم الروابط داخل المجتمع عبر معايير الانتماء القابلة للتعديل، بدلًا من كونها معايير ثابتة ومؤسسية فقط. فالدولة، في لحظات معينة، تبدو وكأنها تعيد استدعاء أشكال قديمة من تحديد من هو ''داخل'' الجماعة ومن هو على تخومها، ولكن ضمن أدوات قانونية وإدارية حديثة.

ما يعني أن هذه السياسات، ترتبط بتحولات أعمق في تصور الدولة لذاتها وحدودها الاجتماعية، حيث يتداخل التاريخ الاجتماعي مع آليات الحكم الحديثة في إنتاج تصورات متغيرة للانتماء، بشكل احتكار الاستفادة من الثروة في نطاق أكثر تضييقًا.

يتقاطع هذا مع أدبيات تحليل تشكّل الدولة في الخليج، التي تشير إلى أن بناء الكيانات الحديثة لم ينفصل عن توظيف البنى الاجتماعية السابقة، بل قام في جزء منه على تنظيمها داخل إطار الدولة المركزية. فبحسب أطروحات تيري كارل حول ''الدولة الريعية''، لا يقتصر أثر الريع على الاقتصاد، بل يمتد إلى تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تصبح آليات التوزيع أداة أساسية لإنتاج الانتماء واستمراره.

ومن زاوية أخرى، يلفت مايكل هيرب في دراساته حول دول الخليج إلى أن توسّع الدولة النفطية ترافق مع هندسة دقيقة لمفاهيم العضوية السياسية، بحيث جرى الانتقال من روابط اجتماعية أفقية مرنة إلى تصنيفات قانونية أكثر صرامة تُحدد من يشارك في الثروة العامة ومن يُستبعد منها حيث لم يُلغِ هذا التحول بالكامل الأنساق السابقة، بل وظّف بعض منطقها في صياغة معايير الانتماء داخل الدولة الحديثة.

يغدو سحب الجنسية أداة ضمنية لتحديد من يحق له الوصول إلى الثروة وما يرتبط بها من امتيازات

وتذهب أعمال جيل كريستال حول ''الدولة في الجزيرة العربية'' أن نشأة الدولة الريعية لم تكن قطيعة تامة مع التنظيمات الاجتماعية السابقة، بل مسارًا تراكميًا أعاد دمج عناصر من الاقتصاد الاجتماعي التقليدي داخل جهاز الدولة، مع تحويلها إلى أدوات ضبط وتوزيع جديدة. في هذا الإطار، يصبح فهم سياسات الانتماء والفرز امتدادًا لتحولات تاريخية أعمق في طريقة إدارة الجماعة السياسية وحدودها، وليس مجرد تعبير عن قرارات إدارية معاصرة.

لا تقتصر الجنسية على تحديد الاستحقاق الاقتصادي، بل تؤدي أيضًا دورًا في رسم حدود المجالين السياسي والاجتماعي، من خلال مراجعة إرث الماضي وإعادة تقييم أسس الانتماء التي تشكّلت في مراحل سابقة. وبهذا المعنى، يتحول ملف الجنسية إلى مساحة تتقاطع فيها اعتبارات التاريخ مع رهانات الحاضر، بما يفضي إلى فرز مستمر للأفراد والجماعات، حيث يغدو سحب الجنسية أداة ضمنية لتحديد من يحق له الوصول إلى الثروة وما يرتبط بها من امتيازات.

    سناء عدوني

    صحافية تونسية وباحثة في الاتصال السياسي، عملت على الكثير من الخطط في الصحافة العربية والدولية.