هكذا دواليك
رحل الأسد وبقي ظلّه الطويل
سنة أولى بلا البعث
منذ السبعينيات، أسّس حكم الأسد «مختبر الفظاعة الأكثر تقدّماً» (التعبير لياسين الحاج صالح)، إذ استغلّ كلّ إمكانياته وموارده لاختبار قدرة الإنسان على تحمّل القسوة، في محاولة مستمرّة لتعظيم نظام القمع وتحويل التوحّش إلى «أسلوب حكم دائم»، قبض على حياة السوريين واللبنانيين والبعض من الفلسطينيين، فأنتج ما أطلق عليه جيلبير أشقر «متلازمة المشرحة»، إذ كانت الدولة في «سوريا الأسد» جهازاً للموت السياسي، والإبقاء على المجتمع في حالة من الأزمات المستعصية والمتشابكة بين مختلف المكوّنات الطائفية والعرقية والسياسية التي تُدار عبر منظومة معقّدة من الأجهزة الأمنية والمخابراتية.
غير أن الفظاعة البعثية التي وثّقها ياسين الحاج صالح أنتجت توحّشاً مضاداً نافسها في استباحة الدم السوري. استنسخت الكثير من الفصائل العسكرية المعارضة بعضاً من ممارسات النظام، من خلال الخطف والإخفاء القسري والاعتقال التعسّفي والقتل العشوائي واستهداف المدنيين، مع إهمال واضح لآليات المحاسبة والعدالة. وهكذا كان للقوى المعارضة، بما فيها السلطة الناشئة في سوريا، اليوم، نصيبٌ من الفظاعة التي عانى منها الشعب السوري طوال السنوات الـ 14 الماضية. رحل الأسد لكن ظلّه باقٍ.
ذاكرة للخوف
شكّل النظام البعثي مصدر خوف دائم في حياتي. أنا الكردي السوري الأصل، اللبناني النشأة، العراقي الهوى، جُبِلت بالخوف من النظام الأسدي. كانت كلمة «سوريا» شبه محظورة في بيتنا. مجرّد لفظها كان يعني توتّر والدتي. كبرتُ على فكرة أساسية: «ابتعد عن كلّ ما هو سوري».
في السادسة من عمري، في منتصف الثمانينات، تسبّب سؤالٌ، من هو رئيسك؟، وجّهه لي أحد العناصر المسلّحة على حاجز في منطقة بيروت الغربية في اختفاء والدي 6 أشهر. لم نره إلّا حين تدبّر لنا أمر المغادرة نحو المناطق «المحرّرة» في «المنطقة الشرقية»، كما كانت تُسمّى من قبل معارضي النظام السوري. هناك اختبرتُ طعم مدفعية الجيش السوري تدُكّ مناطق بعبدا والحازمية. بقينا هناك حتى وفاة حافظ الأسد.
أصبحت ابن معتقلٍ في السجون السورية، وكان عليّ أن أنتظر لسنوات الاتصال الهاتفي المسائي شبه اليومي، لأسمع والدتي تتكلّم مع «لا أحد»
في سن العاشرة، مع إنتهاء الحرب الأهلية في لبنان، حين دخل عناصرُ المخابرات السورية إلى بيتنا واختطفوا والدي، بقيتُ نائماً ولم أستيقظ حتى بعد إطلاق النار الذي استمرّ لبضع دقائق. لطفٌ إلهي، ربما. لكن حين استيقظتُ يومها، مع أختي الصغرى، بقينا حتى ساعات الفجر متصبّرين خلف الحائط، غير قادرين على الحركة. كان البيت مضاءً، والخزائن مُفرّغة، والألعاب القليلة التي كنّا نملكها مبعثرة، والشبابيك مفتوحة. كان البيت وكأنه مقلوب رأساً على عقب. كان هناك ظلّ منعكسٌ في الحائط المقابل لنا، ظننّا لساعات أنه يعود لوالدي أو لسارق ما دخل إلى بيتنا. لكننا لم نجرؤ على إصدار أي صوت. كنّا صامتين، لم نجرؤ حتى على البكاء أو طلب النجدة. بلَّلنا أنفُسنا في تلك الوقفة، والتحمنا كشخص واحد متصبّر. لم نكتشف أن ما نراه هو في الحقيقة «اللمبادير» الكبير الأحبّ إلى قلب أمي، مكسوراً ومقلوباً، إلا حين دخلت جارتنا «أم فؤاد» وطلبت منا الذهاب إلى شقّتها: «ما تخافوا، الماما جاية، بابا راح عنده شغل». كانت هذه الجملة الوحيدة التي نطقتْ بها. وكانت هذه «رحلة العمل» التي طالت حتى العام 2004.
في سنوات المراهقة الأولى، عشت الخوف من البعث بدرجات أقسى، فلقد أصبحت ابن معتقلٍ في السجون السورية، وكان عليّ أن أنتظر لسنوات الاتصال الهاتفي المسائي شبه اليومي، لأسمع والدتي تتكلّم مع «لا أحد». كان هذا عنصر المخابرات السورية في أحد مقارهم في منطقة بعبدا، الذي أصبحنا تسليته شبه اليومية. كان يتصل أكثر من مرّة من دون أي كلام، ولكننا كنّا نعلم أن علينا أن نجيب على هذا الاتصال.
في الثانية عشرة من عمري، رافقت والدتي إلى مكتب محسن دلول في منطقة فردان - على ما أذكر - وكان وقتها وزيراً في الحكومة اللبنانية، وأحد أبرز أركان النظام السياسية الأمني السوري اللبناني المشترك. لكنه بالنسبة إليّ كان الشخص الذي مكّن - بفضل علاقاته الوطيدة بالنظام السوري - والدتي من الحصول على إذن زيارة لوالدي المعتقل في سجن صيدنايا. لسنوات كنت أشاهدها في كلّ شهرٍ تعدّ الطعام والمؤن والأدوية، لتتجه شرقاً نحو الشام، ومنها إلى صيدنايا. وفي كلّ مرّة كانت تعود منكسرة حزينة، وتبقى صامتة لأيام. كان الصمت مرعباً. لم نجرؤ على السؤال، ولم تقو على الكلام. لأيام، كنّا نعيش كما لو أننا في فيلم شبه صامت، لكن صوت الاتصال المسائي لم يتغيّر. كانت هذه اللحظة التي أسّست لحالة الكره العميقة للنظام الأمني السياسي المتحكّم في لبنان في فترة التسعينيات. المراهق الذي كنته، ذاك الذي نشأ في «الشرقية»، ويحمل ثأراً شخصياً مع النظام السوري، عاش، بالمباشر والعملي، معنى العيش في ظل طبقة حاكمة تابعة لنظام خارجي.
في الرابعة عشرة من عمري، كنت عاملاً في الورشة، وهناك تعرّفت إلى مصطلح «العمّال السوريون في لبنان». تزاملت معهم، وكانوا من مختلف المناطق السورية؛ من دير الزور وحوران والرقة وحماة. في هذه الفترة، اختبرتُ العيش مع سوريين بشكل شبه طبيعي. تعلَّمت منهم مهنة دهان الموبيليا، وشرب الشاي، والمشي مطوّلاً على الكورنيش، ولمّ النحاس وبيعه. تشاركنا معلبات اللحمة الرديئة النوعية مع حبة البندورة والخيار، ومشاهدة أفلام العرض المتواصل في دور السينما الرديئة في شارع بلس وتفرّعاته، وصولاً إلى البربير. بقيتُ صامتاً غالبية الوقت، كنت مجبراً ألا أبوح بسرّي. مهما توطّدت العلاقة، أبقى ابناً لمعتقلٍ في السجون السورية. وكما كنتُ أخافهم، كانوا سيخافونني. كانت هذه التجربة أول تواصل آدميٍّ مع سوريين، أبناءِ بلدي، من خارج قاموس «سوريا الأسد». وقتها فقط، أحسستُ أني تخطّيتُ، نوعاً ما، ظلّ ذاك اللمبادير المقلوب في بيتنا.
لكن هذه التجربة، التي بدت لي يومها إنسانية وبسيطة، لم تكن معزولة عن سياقٍ أوسع. لاحقاً فقط، بدأتُ أفهم أن هذه الحياة اليومية التي شاركتها مع العمّال السوريين في الورشة لم تكن مجرّد صدفة اجتماعية، بل نتاج ترتيب اقتصادي-سياسي مدروس فرضه النظام السوري على لبنان وسوريا معاً.
في هذه الفترة، تعلّمتُ – وإن لم أكن أدركُ الأمور في حينها – كيف أن النظام السوري يعتبر لبنان في الحقيقة متنفّساً أساسياً لتصريف فائض اليد العاملة التي لا يريدها ضمن أجهزته القمعية من جهة، والتي يريدُ تفادي تحوّلها إلى مشكلة تواجه اقتصاد الحدّ الأدنى الذي يديره في كبريات المدن السورية. ومع الوقت، فهمتُ كيف أن التحويلات النقدية المباشرة لهؤلاء العمّال تشكّل ركناً أساسياً في ضمان «الأمن الاجتماعي» السوري الذي يدّعي النظام حمايته وصيانته وتأمينه.
لاحقاً، في الجامعة اللبنانية في الحدث، كان ظلّ البعث قابضاً على أنفاسنا! يمرّ آلاف الطلاب يوميّاً من أمام عنصر المخابرات على المدخل من ناحية حيّ الجامعة، في حين يتوزّع عناصر الجيش السوري في محيط الحرم الجامعي على مواقع متفرّقة، إنّما ظاهرة بشكل أساسي لنا. هكذا كانت «سوريا الأسد» جزءاً من حياتنا الجامعية. الجميع، باستثناء طلاب حزب البعث، كانوا يتعاطون مع هذا التواجد بحذر شديد، وكان ذاك العنصر الذي ثابر على وضع نظّارات شمسية لسنوات يذكرني أنّ الهاتف الليلي ما زال يرنّ ويلاحقني حتى قاعة المحاضرات.
هذه ذاكرتي للخوف الذي رافقني. ولم ينكسر حتى خرجنا في ساحات بيروت في العام 2005، ولقائي الأول بأبي، بكل ما في هذا المسار من تناقضات وتقاطعات، وصولاً إلى العام 2011 حين خرج السوريون في مختلف المدن والأرياف إلى الشوارع، وتضاعف توحّش حكم الأسد حتى قُتِل قرابة نصف مليون إنسان، يُشكل المدنيون القسم الأكبر منهم بحسب أرقام المرصد السوري لحقوق الإنسان، ونزح أكثر من 7 ملايين سوري داخلياً، ونحو 6 ملايين لاجئ في الدول المجاورة بحلول العام 2025.
رفض الإستثناء الثوري
شكّلت سيطرة هيئة تحرير الشام على السلطة المركزية في سوريا سابقة في تاريخ التحوّلات السياسية في الشرق الأوسط، إذ تُعدّ هذه المرّة الأولى التي تصل فيها مجموعة مسلّحة تنتمي إلى التيّار السلفي الجهادي – وتملك أذرعاً سياسية تابعة لها – إلى سدّة الحكم في دولة عربية مركزية مثل سوريا. في 9 كانون الأول/ديسمبر 2024، أي بعد يوم واحد فقط من سقوط النظام، تشكّلت حكومة مؤقّتة برئاسة محمد البشير، رئيس حكومة الإنقاذ السابقة التي كانت تدير مناطق نفوذ الهيئة في محافظة إدلب. وضمّت التشكيلة الحكومية الجديدة في غالبيتها شخصيات سياسية منتمية إلى هيئة تحرير الشام، بالإضافة إلى وزراء سابقين في حكومة إدلب.
بسرعة قياسية، تحوّل أمراء الحرب إلى رجال دولة. وفي مؤتمر النصر الذي عُقِدَ في 29 كانون الثاني/يناير 2025، تمّت مبايعة أحمد الشرع رئيساً «مؤقتاً» لسوريا، بينما عيّن المئات من قادة الفصائل ليشكّلوا القيادة العسكرية الجديدة، فيما لا يزال مصير الضباط المنشقّين عن الجيش السوري الحرّ – غير المتورّطين في إراقة الدماء ويقدّر عددهم بالمئات – غامضاً. يُعدّ هذا المؤتمر أحد أهمّ المحطات التي حدّدت معالم الدولة الجديدة، فقد مثّل نقطة تحوّل في شرعنة هذه التحوّلات السريعة في بنية الحكم، وإعادة تشكيل النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية. كما صدر عنه إعلان تأسيسي للمرحلة السياسية في سوريا ما بعد الأسد، ألغى العمل بدستور العام 2012، وأوقف العمل بجميع القوانين الاستثنائية، وحلّ البرلمان السوري وجميع اللجان المتفرّعة منه، كما حلّ الجيش السوري.
رحل الأسد، لكن ظلّه باقٍ. فقد تعلّم «التلامذة» الدرس جيّداً. اللمبادير الذي كُسِرَ ذات ليلة اقتحام، ما زال مكسوراً، ولم يحاولوا لصقه، بل استبدلوه بإناء جديد يحمل الشكل نفسه، والقدرة نفسها على الكسر
هكذا عكست سلوكيات الحكم الجديدة وقراراته التنفيذية الإقصائية، المقاربة الاحتوائية التي ما دأب الحكّام الجُدد على الحديث عنها منذ لحظة دخولهم إلى دمشق. ففي 13 آذار/مارس 2025، نُشِر نصّ الإعلان الدستوري الذي حدّد الفقه الإسلامي مصدراً أساسياً للتشريع، ومنح رئيس الجمهورية حيّزاً كبيراً من السلطة التشريعية؛ فأوكلت إليه مهمة اختيار الوزراء وتعيينهم وإقالتهم، وبات شريكاً في السلطة التشريعية عبر منحه الحقّ بتعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب مباشرة.
بالمحصلة، شكّل هذا الإعلان – الساري المفعول لخمس سنوات قابلة للتجديد – المستند القانوني الذي يؤسّس لإعادة إنتاج النظام الرئاسي المركزي في سوريا، المرتكز حول شخص الرئيس القائد، بشكل يتشابه مع النظام السابق. فالشرع يتحكّم بالقرار في معظم المؤسّسات الناشئة، من الجيش إلى الأمن، وصولاً إلى الاقتصاد والتنمية والاستثمار وحتى التعليم، وتعاونه في ذلك مجموعة من النخب الصاعدة. إلّا أن الإعلان لم يتطرّق لمسائل حسّاسة كالشكل الإداري للدولة في ظل العلاقات المتوترة مع سلطات الحكم الذاتي في مناطق نفوذ قوّات سوريا الديمقراطية (قسد)، والخطاب الحكومي الرسمي الذي يرى استحالة القبول بأي شكل من أشكال الحكم اللامركزي.
الأمر نفسه ينسحب على مرسوم تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، الذي حصر مهامها في «كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي تسبّب فيها النظام البائد، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر ضرر الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية». وهذا يعني حكماً سياسياً باستثناء الجرائم والانتهاكات التي قامت بها أطراف غير النظام السابق، وبالتالي حرمان جزء أساسي من الضحايا من حقّهم في الحصول على العدالة والإنصاف. أيضاً، لا يوضّح مرسوم تشكيل الهيئة الموقف من الارتكابات التي قامت بها التشكيلات العسكرية ذات الامتداد الإقليمي (كإيران وتركيا) أو الدولي (كروسيا)، والتي تضمّ في عناصرها وقادتها مواطنين غير سوريين، قدموا إلى البلاد بهدف المشاركة في الحرب وكان لهم أيضاً نصيبهم من الدم السوري.
لم تترافق المقاربة السياسية المركزية المنفتحة على الخارج، والداعية إلى الحوار الداخلي والوحدة، مع لا مركزية القرار الأمني العسكري الميداني في سوريا خارج العاصمة. تمثّلت هذه المعادلة وبشكل سريع بعمليات القتل الانتقامية التي استهدفت مواطنين شيعة وعلويين في منطقة حمص، وتصاعدت فيما عُرِفَ بمجازر الساحل، في آذار/مارس 2025، ولاحقاً الحملة الحكومية التي استُتبِعت بفزعة العشائر على منطقة السويداء في تموز/يوليو 2025.
في أقل من سنة، انتقل النظام الناشئ من موقع «المُحرّر» الذي يزعم حماية السوريين كافة، إلى موقع «المتّهم» بالتغطية - على الأقل - على ارتكابات انتقامية تصل إلى مستوى جرائم الحرب كما وصفتها منظمة العفو الدولية بحق مجموعات سورية مواطنة. عاد النزوح الداخلي من جديد، إذ غادر أكثر من 200 ألف سوري مناطقهم بسبب المجازر المتنّقلة منذ سقوط نظام الأسد.
في تحليله النقدي للمشهد السوري الحالي، يشير الباحث والكاتب السوري دارا عبدالله، في لقاء حواري أجري بالتعاون مع مؤسّسة «روزا لوكسمبورغ» الألمانية عن «سوريا الجديدة بين الحلم والواقع»، إلى التقاطع بين المجزرة المتنقّلة من قرى الساحل السوري وصولاً إلى السويداء (والتي قد تنسحب إلى مناطق نفوذ قسد) مع المذبحة التي تعرّض لها الإيزيديون في منطقة سنجار في العام 2014. يصف عبدالله هذا الأمر بـ«اللحظة الإيزيدية»، ويحدّد خمس تقاطعات مباشرة اضطر مواطنون سوريون، دروز وعلويون، إلى اختبارها، من التصنيف الطائفي الاتهامي بالخروج عن الدين، مروراً بغياب الهدف العسكري الواضح والارتكاز إلى أحداث عابرة وتفصيلية استخدمت مطيّة للاستهداف الميداني، وممارسة أفعال الإذلال المعنوي عبر إجبار الضحايا على «العواء» أو قصّ الشوارب، وهذا ما ظهر واضحاً في الفيديوهات التي سُرّبت من الساحل والسويداء، فضلاً عن ادعاء كشف «اللغز الباطني» للمجموعة الدينية المستهدفة، ناهيك عن القيام بفعل السّبي وخطف النساء، وهذا أيضاً ما جرى الحديث عنه بشكل كبير في الحالات الثلاث.
بالتزامن مع كلّ هذه الارتكابات، كان العالم يستقبل ممثلي الحكم الناشئ للبحث في كيفية الدفع قدماً بتوطيد سلطتهم في الداخل السوري وإشراكهم في مساعٍ إقليمية مرتبطة بإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
بعد كلّ هذه السنوات، أجد نفسي أقف أمام حائط جديد: ليس حائط غرفة الطفولة في بيروت، بل حائط سوريا العظيم المُعاد بناؤه. لقد رحل الأسد، لكن ظلّه باقٍ. فقد تعلّم «التلامذة» الدرس جيّداً. اللمبادير الذي كُسِرَ ذات ليلة اقتحام، ما زال مكسوراً، ولم يحاولوا لصقه، بل استبدلوه بإناء جديد يحمل الشكل نفسه، والقدرة نفسها على الكسر. المتلازمة التي وصفها أشقر لم تُشفَ؛ غيّرت قناعها فقط، من «مشرحة البعث» إلى «مشرحة النصر». وذاكرتي للخوف، التي ظننتُ أن الثورة سوف تكسرها، تكتشف الآن أن للخوف ذاكرة أطول من ذاكرتي. لا يزال الهاتف يرنّ في الليل. لا يطلب مني شيئاً، يذكّرني فقط بأن الجواب واجب، دائماً.
ظلّ الأسد ليس قدراً
تضع هذه الصورة القاتمة، التي تربط بين «متلازمة المشرحة» الأسدية وإعادة إنتاجها تحت عباءة الحكم الناشئ، المجتمع السوري والداعمين الدوليين لانتقاله السياسي أمام مسارات عدّة. يبقى أخطرها هو الشرعنة الدولية والإقليمية للنظام الجديد، ما يعني تثبيت نموذج الحكم الاستبدادي الديني-العسكري، وتعميق الانقسامات، وتأجيل المصالحة الوطنية لعقود، وتحويل البلاد إلى بؤرة دائمة لعدم الاستقرار، مع خطر تصدير «متلازمة المشرحة» نفسها إلى جوارها المباشر، بدءاً من لبنان.
مع ذلك، ما من قدر محتوم. فإمكانية التغيير والتأثير قائمة على الرغم من قسوة الوضع الراهن. فلا شيء، في النهاية، يسوّغ استمرار حكمٍ على نمط حكم الأسد. والتحدّي الأكبر اليوم هو في استغلال المساحات المحدودة للتلاقي والتعارف بين السوريين، بعيداً من عين المخابرات ولو إلى حين. ذلك أن النظام الناشئ، بتركيبته الهشّة وقواعده الاجتماعية الضيّقة ورؤيته الاقتصادية الجانحة نحو النيوليبرالية بصورتها البدائية، قد لا يتحمّل تناقضاته وأعباء الحكم المترتبة عليها.
ولا تعني هذه المساحات بالضرورة أُطراً سياسية منظّمة، بل لقاءات مدنية، ونقاشات علنية أو شبه علنية، ومبادرات محلّية صغيرة تعيد وصل ما قُطِع بين السوريين على أساس التجربة المشتركة لا الهويّات المفروضة. أمّا الوعي النقدي الجمعي، فلا يتشكّل كشعارٍ جامع، بل كمراكمة بطيئة لخبرات الرفض والمساءلة، تبدأ بتسمية الفظاعة حيثما وُجدت، ورفض تبريرها مهما كان مرتكبوها أو شعاراتهم.
خلاصة القول، إن مستقبل سوريا ليس محكوماً بميراث الفظاعة وحده، بل بقدرة السوريين على توليد وعي نقدي جمعي لهذا الميراث، يرفض الاستبداد في كلّ حلّته، القديمة والجديدة، ويبدأ، ولو متأخراً، في تشييد حياة سياسية تقوم على الاعتراف المتبادل والحقوق المتساوية.