نماذج التوسع الجديد في أفريقيا
الاعتماد المتبادل بين دول الخليج والقرن الأفريقي
تتوسّع دول الخليج اقتصادياً وسياسياً في القرن الأفريقي، مستفيدةً من ثرواتها النفطية وقدراتها المالية للوصول إلى الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية والموانئ والمواقع الاستراتيجية. وفي الاتجاه المعاكس، تستقطب أسواق العمل الخليجية منذ عقود العمالة الأفريقية الماهرة وغير الماهرة، ولا سيما الأطباء والمهندسين والمعلّمين والفنّيين، الذين يساهمون في تشغيل قطاعات أساسية في اقتصادات الخليج، بينما تفتقدهم بلدانهم الأصلية.
تكشف هذه العلاقة عن مفارقة لافتة، فالتوسّع الخليجي في القرن الأفريقي، على الرغم من اختلال موازين القوة الاقتصادية والسياسية، يقوم بدوره على اعتماد دول الخليج على موارد المنطقة وكفاءاتها البشرية. وهو ما يميّز هذا التوسّع عن النماذج الغربية والصينية في أفريقيا، ويجعله أقرب إلى نموذج «الاعتماد المتبادل»، الذي يجمع بين الحاجة الاقتصادية ومحاولات الاستتباع السياسي وتوسيع النفوذ الاستراتيجي.
تظهر هذه التناقضات بوضوح في العلاقات السودانية–الإماراتية، حيث يتداخل الاستثمار في الموارد وتجارة الذهب والتدخّل العسكري مع تاريخ طويل من مساهمة الكفاءات السودانية في بناء المؤسسات والخدمات الإماراتية. وتكشف هذه الحالة عن حدود النفوذ الخليجي، وعن إمكانات بناء علاقات أكثر توازناً بين المنطقتين، تقوم على التعاون والمنفعة المتبادلة بدلاً من الاستتباع.
تستند العلاقات بين القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية إلى روابط تاريخية عميقة، تتجلّى في القواسم اللغوية والدينية والثقافية والديموغرافية. وقد عزّزت التجارة والهجرة والصراعات المتقطّعة، والإسلام منذ الهجرة الأولى للمسلمين إلى أرض الحبشة، التأثير المتبادل بين مجتمعات المنطقتين. لكن الحقبة الاستعمارية ومسارات التحرّر الوطني، ثم التحوّلات الاقتصادية التي أحدثها النفط والغاز منذ منتصف القرن العشرين، أعادت تشكيل هذه العلاقات على أسس جديدة.
اتجاهان ضمن صورة أكبر
يحدّد اتجاهان متصاعدان العلاقات المعاصرة بين الخليج والقرن الأفريقي: التوسّع الاقتصادي والاستراتيجي الخليجي في أفريقيا سعياً إلى الأراضي والأسواق وموطئ قدم، وهجرة الأفارقة إلى الخليج بحثاً عن فرص اقتصادية. وتجعل أوجه الاعتماد المتبادل هذه من الخليج شريكاً رئيسياً للقرن الأفريقي في التجارة والتمويل والتحويلات المالية، بينما تدعم صادرات القرن الأفريقي ووارداته وعمالته الأسواق والخدمات الخليجية.
منذ مطلع الألفية، وسّعت دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية وقطر، حضورها في شرق أفريقيا لتنويع مواردها خارج الريع النفطي، وتأمين الأراضي الزراعية والمعادن والغذاء والعمالة والبنية التحتية البحرية. في المقابل، حافظت عُمان على علاقاتها التاريخية العميقة بالمنطقة السواحيلية، وما يرتبط بها من روابط تجارية وتأثيرات اجتماعية متبادلة. ويمنح موقع القرن الأفريقي على طرق الشحن في البحر الأحمر المنطقة أهمية محورية في هذه الاستراتيجية. وتتصدّر الإمارات هذا التوسّع عبر الاستثمار في الموانئ الأفريقية والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والطاقة والزراعة والتعدين. وبين عامَي 2012 و2022، استحوذت على أكثر من نصف الاستثمارات الخليجية في أفريقيا، بقيمة بلغت نحو 60 مليار دولار. وتركّز السعودية بدرجة أكبر على الأمن الغذائي، من خلال الاستثمار في الأراضي والزراعة في السودان وإثيوبيا، بينما تستخدم قطر التعهّدات وإصلاح القطاع الأمني والاستثمار في البنية التحتية في دول مثل السودان والصومال، وأحياناً في منافسة مع الإمارات.
في الاتجاه المعاكس، تعكس هجرة الأفارقة إلى الخليج اختلالات راسخة في أسواق العمل.1 فقد دفعت محدودية الفرص الاقتصادية، ولا سيما أمام شباب القرن الأفريقي، عمالة ماهرة وغير ماهرة من السودان وإثيوبيا والصومال إلى الهجرة منذ تسعينيات القرن الماضي. وتُظهر بيانات التعداد السعودي لعام 2022 وجود أكثر من مليون شخص من مواطني دول القرن الأفريقي، بينهم 819,600 سوداني وأكثر من 250,000 إثيوبي وصومالي. ويعمل هؤلاء المهاجرون في السعودية والإمارات في قطاعات الصحة والتعليم والهندسة والبناء والعمل المنزلي، ويساهمون في دعم الخدمات العامة والصناعات والأسواق.
يتوسّع نفاذ الخليج إلى الأراضي والموانئ والقطاعات الاستراتيجية في شرق أفريقيا من جهة، ويتزايد اعتماد شرق أفريقيا على العمل في الخارج والاستهلاك المموّل بالتحويلات من جهة أخرى، ويشكّل هذان الاتجاهان توازناً هشّاً معرّضاً للصدمات
تخلق هذه الهجرة فرصاً اقتصادية وتبعية منظومية في الوقت نفسه. فمن جهة، تعتمد قطاعات مهمّة في الخليج، مثل التعليم والصحة والأعمال، على العمالة المهاجرة. ومن جهة أخرى، يفقد القرن الأفريقي مهنيين مهرة، ويزداد اعتماده على التحويلات المالية من الخليج. فعلى سبيل المثال، تلقّى الصومال 8.3 مليارات دولار من التحويلات المالية بين عامَي 2018 و2022، في مقابل 2.3 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر ونحو 10.7 مليارات دولار من المساعدات الإنمائية.
يتشابك التوسّع الخليجي مع هجرة العمالة الأفريقية، وكثيراً ما يُضفي هذا التوسّع شرعية على نفسه من خلال تقديمه بوصفه «تعاوناً جنوبياً–جنوبياً» وفرصة للتنمية في المنطقة عموماً. لكن التحويلات المالية وحركة العمالة قد تحجبان اختلالات بنيوية. فمن جهة، يتوسّع نفاذ الخليج إلى الأراضي والموانئ والقطاعات الاستراتيجية في شرق أفريقيا. ومن جهة أخرى، يتزايد اعتماد شرق أفريقيا على العمل في الخارج، بما يفاقم هجرة العقول، وعلى الاستهلاك المموّل بالتحويلات المالية. ويشكّل هذان الاتجاهان توازناً هشّاً معرّضاً للصدمات الاقتصادية والسياسية والتقلّبات في أسواق العمل.
من الخليج إلى أفريقيا: نموذج التوسّع
جعلت الاستثمارات والمساعدات ومشروعات البنية التحتية وإدارة الموانئ والقواعد العسكرية الخليجية من دول الخليج فاعلاً رئيسياً في القرن الأفريقي. ويشكّل نهجها «نموذجاً ثالثاً للتوسّع»، يختلف عن نموذجَي بريتون وودز والصين.
نشأ نموذج بريتون وودز، بقيادة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وحلفائهما الغربيين، من برامج التكيّف الهيكلي التي فرضت تحرير الأسواق وإلغاء القيود التجارية والاستثمارية والتقشّف مقابل القروض. وقد فتح هذا النموذج الاقتصادات الأفريقية بشروط غير متكافئة، وشجّع تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنّعة، وعمّق الديون والتبعية التكنولوجية، وأضعف المؤسّسات والصناعات المحلية. وكثيراً ما اقترن باتفاقات أمنية وقواعد عسكرية وصفقات سلاح مرتبطة بالإمبريالية والاستعمار الجديد (النيوكولونيالية).
أمّا النموذج الصيني–الأفريقي، فيتمحور حول صفقات البنية التحتية مقابل الموارد، والقروض الميسّرة، والاستثمارات الكبيرة ذات الشروط السياسية المحدودة. وتوفّر مبادرة «الحزام والطريق» الصينية طرقاً وموانئ وسككاً حديدية وأنظمة طاقة، لكنها قد تترتّب عليها أعباء ديون وتكاليف بيئية. ويتعامل هذا النموذج مع أفريقيا بوصفها مصدراً للمواد الخام وسوقاً وحيّزاً جيوسياسياً، مع الحدّ من التواصل مع المجتمعات المحلية، إذ يفضّل التعامل المباشر بين الحكومات، والابتعاد عن التدخّلات العسكرية المباشرة. وتُميّز هذه الخصائص النموذج الصيني تاريخياً عن نموذج بريتون وودز.
في المقابل، يتشكّل النموذج الخليجي انطلاقاً من مواطن هشاشته الاستراتيجية، ولا سيما المخاوف المتعلّقة بالأمن الغذائي، والتحوّل الطاقي، والاعتماد على العمالة الوافدة. وبخلاف النموذجين السابقين، يتراجع الطابع الأيديولوجي في النهج الخليجي لمصلحة السعي إلى الموارد، انطلاقاً من أوجه القصور المحلية في الغذاء والأراضي القيّمة والعمالة.2 ولهذا، أسمينا هذا النموذج التوسّعي «نموذج الاعتماد المتبادل». فعلى الرغم من توسّعه في القارة الأفريقية مستنداً إلى القدرات المالية الخليجية، يبقى مدفوعاً باحتياجات دول الخليج واعتمادها على الخارج، في ظلّ محدودية أعداد مواطنيها وأراضيها الزراعية وحاجتها إلى العمالة الوافدة.
ويتجلّى هذا النموذج في استيراد الغذاء وإنتاجه في أراضٍ مستأجرة، والاستثمار في الموانئ والبنية التحتية، والتمويل المباشر للصفقات التجارية، وتقديم الدعم العسكري أو الدبلوماسي للحلفاء. وقد أدّت هذه الممارسات سريعاً إلى تشابك دول الخليج مع الديناميات السياسية والاقتصادية في القرن الأفريقي.
سعت السعودية والإمارات إلى الحصول على أراضٍ زراعية في السودان وإثيوبيا وغيرهما لتحقيق أمنهما الغذائي، وإن كانت بعض الصفقات الغامضة قد تؤدّي إلى اقتلاع المجتمعات المحلية من أراضيها أو الإضرار بها. وتمثّل السيطرة على الموانئ محوراً أساسياً لهذا التوسّع، إذ أدارت موانئ دبي العالمية وموانئ أبوظبي محطات في جيبوتي وبربرة وبوصاصو ومواقع أخرى، بما يعزّز النفوذ الخليجي على طرق البحر الأحمر والمحيط الهندي.
ويضيف التحوّل الطاقي إلى هذه المصالح اهتماماً بالليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة في أفريقيا، بما ينسجم مع «رؤية السعودية 2030» ومبادرة الإمارات للحياد المناخي بحلول عام 2050. وتختلف سياسات دول الخليج في هذا المجال؛ فقد يتيح اعتماد قطر وعُمان الأكبر على الغاز الطبيعي المسال اتّباع نهج أطول أجلاً، بينما قد يفسّر اعتماد الإمارات الأكبر على النفط استراتيجيتها الأكثر إلحاحاً، مع ظهور توجّهات مشابهة لدى السعودية.
كذلك، تنامت المصالح العسكرية والأمنية من خلال القواعد الإماراتية في عصب وبوصاصو، وانخراط الإمارات والسعودية في السودان، وتداخل أدوار الإمارات وقطر في الصومال.3 وعلى الرغم من محاولات تأطير هذه التدخّلات، ولا سيما من جانب الإمارات، بوصفها جهوداً «لمكافحة الإرهاب»، وخصوصاً ما تصفه بالإرهاب المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، أو «لتحقيق الاستقرار»، أو تغطيتها بمساهمات تنموية ظاهرية،4 فإنها تخدم أيضاً أهداف السيطرة الناعمة والردع الإقليمي.
يقارن الجدول التالي بين نماذج التوسّع الثلاثة، ويشير إلى نموذج رابع تمثّله تركيا والهند وإيران، وهو خارج نطاق هذه المقالة.
يعمل نموذج «الاعتماد المتبادل» الخليجي من خلال الروابط بين النخب، والتدفّقات النقدية والتحويلات المالية، وتمويل المدارس والمستشفيات والمساجد، وما يمكن تسميته «الدبلوماسية الدينية». ففي السودان والصومال، تمنح التحويلات المباشرة والمساعدات الأمنية والعلاقات الفئوية الأولوية للنفاذ الخليجي على حساب التحوّلات السياسية الممكنة، ولا سيما تلك التي تقودها شعوب هذه البلدان وتستثمر فيها.
وتساهم هذه التوجّهات في تكريس أوجه القصور في الحوكمة وتفشّي الفساد في القرن الأفريقي، بدلاً من إحداث إصلاحات هيكلية أو بناء بنية تحتية دائمة. وعلى الرغم من محاولات تقديم هذا النموذج التوسّعي بوصفه تجسيداً «للتعاون بين بلدان الجنوب»، فإنه غالباً ما يفتقر إلى المنفعة المتبادلة والتكافؤ اللذين يفترضهما هذا المفهوم.
وقد تحجب الروابط التاريخية والدينية واللغوية، إلى جانب حركة الهجرة، أوجه عدم التكافؤ في هذا النموذج التوسّعي الجديد، بما يضفي الشرعية على الصفقات غير العادلة والتحالفات العسكرية التي تضرّ بمصالح شعوب المنطقة.
من أفريقيا إلى الخليج: النظم التكنوجتماعية
تناولنا مفهوم النظم التكنوجتماعية في مؤلفات سابقة، وهي شبكات يتفاعل فيها البشر والتقانات، وتنتج أنماطاً عامة تتجاوز مجموع أجزائها المنفصلة. ويتطلّب توجيه هذه النظم فهماً للعلاقات والوظائف التي تربط مكوّناتها.5 ويوضّح هذا المفهوم كيف يدعم التطوّر التقاني والإداري المحلي ومسارات الابتكار الاستقلال التكنولوجي، الذي نعرّفه بأنه «بلوغ مستوى كافٍ من تقرير المصير في توليد الظواهر التكنولوجية وإدارتها في المجتمع. ويعني ذلك اكتساب قدرة داخلية على توليد التقانات ونقلها وإدارتها، وكذلك توجيه السياسات وإدارة الابتكار والقطاعات الصناعية والتجارة المحلية والخارجية وأولويات التنمية».6
تشمل النظم التكنوجتماعية مؤسسات التعليم العالي والبحث والتطوير، والسياسات والأطر العامة، والقطاعات الصناعية والجهود المتراكمة لبناء قطاعات إنتاجية، فضلاً عن المخزون المحلي من الخرّيجين أو الأشخاص المدرّبين تدريباً عالي المهارات. وحتى في غياب منتجات تقانية نهائية ظاهرة، تكشف الكفاءات المحلية والخبرات الصناعية عن إمكانات النظم التكنوجتماعية في أي بلد أو منطقة.[8] ومن المعروف أن عدداً من المجتمعات الأفريقية، ولا سيما مجتمعات ما بعد الاستعمار في القرن الأفريقي، يجمع بين هذه الإمكانات وموارد طبيعية متنوّعة، على الرغم مما يعانيه حالياً، ومنذ فترة، من تأخّر تنموي وفقر اقتصادي. لذلك، ينبغي ألّا تقتصر تقييمات التنمية على البنية التحتية والأسواق الاستهلاكية، وإنما أن تشمل أيضاً قدرات النظم التكنوجتماعية المحلية.
من هذا المنظور، تتمتّع العلاقات التنموية بين الخليج والقرن الأفريقي بنفوذ أقل من علاقات أفريقيا بالصين والولايات المتحدة وأوروبا الغربية، لأن دول الخليج لا تمتلك نظماً تكنوجتماعية محلية أكثر تقدّماً أو تعقيداً من نظيراتها في القرن الأفريقي. صحيح أن مجتمعات الخليج تبدو حديثة في استهلاك منتجات التكنولوجيا المتقدّمة وأحدث الإنجازات العلمية المطوّرة أساساً في أميركا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا، لكنها لا تنتج هذه المنتجات والإنجازات بالقدر نفسه الذي تنتجه المجتمعات التي تستوردها منها. وتعتمد مؤسسات البحث والتعليم والابتكار في دول الخليج بدرجة كبيرة على الباحثين والأساتذة والمدرّبين والفنّيين الوافدين، ومن بينهم نسبة ملحوظة من أبناء القرن الأفريقي وشمال أفريقيا. وهذا يشير إلى اعتماد النظم الخليجية المحلية بدرجة كبيرة على العمالة الأجنبية الماهرة.
يتشكّل النموذج الخليجي انطلاقاً من مواطن هشاشته الاستراتيجية، ولا سيما المخاوف المتعلّقة بالأمن الغذائي، والتحوّل الطاقي، والاعتماد على العمالة الوافدة، بحيث يتراجع الطابع الأيديولوجي لمصلحة السعي إلى الموارد
أتاحت الثروة الهيدروكربونية، أي المخزون الطبيعي الكبير من مصادر الوقود الأحفوري، لدول الخليج شراء بنية تحتية ومعدّات متقدّمة، واستقدام عمالة ماهرة من دول تمتلك نظماً تعليمية وتكنوجتماعية أقدم. وفي ظلّ اقتصار نسبة المواطنين على نحو 12% من سكان الإمارات وقطر، وهيمنة الوافدين على الكثير من مؤسسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، فإن اتّساع التطوّر المادي والإمكانات التكنولوجية المتاحة في دول الخليج يعكسان قوّتها الشرائية أكثر مما يعكسان تطوّراً داخلياً في نظمها التكنوجتماعية الوطنية، حتى الآن. ومع ذلك، تعمل بعض هذه الدول حالياً بجدّية على تعزيز قدراتها الوطنية الفعلية، وهو اتّجاه إيجابي عموماً، وإن كان يحتاج إلى مزيد من الوقت وإلى الاستفادة من العمالة الوافدة الماهرة لتطوير القدرات المحلية، بدلاً من الاكتفاء باستبدال هذه العمالة.
انطلاقاً من ذلك، نجادل بأن الواقع قد يختلف عمّا يبدو عليه ظاهرياً، وأن عدداً من دول القرن الأفريقي قد يمتلك نظماً تكنوجتماعية أقوى وأكثر رسوخاً من تلك الموجودة في دول الخليج. ويمكن استنتاج ذلك من اعتماد الخليج، على مدى عقود، على مهنيّين من القرن الأفريقي في التعليم والصناعة والإدارة والصحة. فهذا الاعتماد يشير إلى أن المؤسسات التعليمية والتدريبية في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا لا تزال تنتج عمالة ماهرة قادرة على الإسهام بفاعلية في اقتصادات الخليج الحديثة، على الرغم من أنها تبدو عاجزة، لأسباب متعدّدة، عن الإسهام بالقدر نفسه في اقتصاداتها المحلية الفقيرة. وربّما تعوّض القوة الناعمة الخليجية في أفريقيا جزئياً أوجه القصور في النظم التكنوجتماعية الخليجية.
ولهذا، يُستبعد أن تستمرّ هيمنة فعلية لأيّ من الإقليمين، الخليج والقرن الأفريقي، على الآخر، على غرار الهيمنة الأوروبية على أفريقيا في الحقبة التاريخية الأخيرة. ومن هنا، تبرز ضرورة استثمار الإقليمين في بناء علاقات أكثر توازناً ومنفعة متبادلة، بدلاً من التسليم بالديناميات القائمة.
تركيز النظر: العلاقات السودانية–الإماراتية
تكشف العلاقات السودانية–الإماراتية بوضوح عن نموذج «الاعتماد المتبادل» الخليجي، الذي يجمع بين محاولات الاستتباع الاقتصادي وتوسيع النفوذ الاستراتيجي والتدخّل العسكري، في ظلّ غياب الهيمنة التكنوجتماعية. فقد تجاوز الانخراط الإماراتي التجارة والدبلوماسية إلى مشروع «إمبريالي فرعي» يقوم على استخراج الموارد والتلاعب السياسي والتورّط في الحرب، وهي ممارسات إمبريالية إقليمية تنتهجها دولة متحالفة مع قوى عالمية أكبر.7
بعد سقوط نظام عمر البشير في عام 2019، تعهّدت الإمارات والسعودية بتقديم 3 مليارات دولار للسودان. وكثيراً ما تجاوزت تدفّقات الأموال والأسلحة والنفط والقمح المؤسسات العامة، فعزّزت نفوذ القادة العسكريين، ولا سيما قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي). في الوقت نفسه، هيمنت شركات مقرّها الإمارات على تدفّقات الذهب من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع إلى دبي. وساعدت هذه الشبكات الغامضة في تمويل الأسلحة والبنية التحتية شبه العسكرية.8
وتبرز علاقة الإمارات بقوات الدعم السريع، المنحدرة من ميليشيات الجنجويد والتي أصبحت قوة رئيسة في الحرب منذ نيسان/أبريل 2023، بوصفها إحدى أهمّ صلاتها بالسودان. فقد ربطت تحقيقات أممية وإعلامية بين التمويل والإمدادات الإماراتية وقوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا. وكما في اليمن وليبيا، يتيح الاعتماد على القوى الوكيلة للإمارات توسيع نفوذها مع إمكان التنصّل من المسؤولية، بينما تقدّم نفسها بوصفها عامل استقرار و«مستثمراً».
وتشكّل اليمن سابقة واضحة لهذا النهج. فقد جمعت الإمارات فيها بين الأهداف العسكرية والاقتصادية، ونشرت قوات سودانية جرى تجنيدها عبر قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية. واستفادت الطموحات الإماراتية من القوة البشرية السودانية، بينما حصلت النخب السودانية على الدعم والتحويلات المالية. وفي السودان، يُطبَّق النهج نفسه من خلال تحويل قوات الدعم السريع، والإقطاعية الأسرية التي تقودها، إلى وكيل رئيسي، لكن باندفاع أكبر وتشابك أعمق مع الديناميات المحلية.
لكن وراء النفوذ المالي والعسكري الإماراتي تكمن تناقضات تكنوجتماعية أكثر تعقيداً. فقد أنتج السودان، على مدى عقود، أطباء ومهندسين ومعلّمين ومحامين وإداريين وفنّيين، هاجر كثير منهم إلى دول الخليج، ولا سيما الإمارات، خلال العقود الخمسة الماضية. وأسهم هؤلاء المهنيون السودانيون في بناء خدمات الصحة والتعليم والبلديات والقضاء في الخليج، ودعموا أسرهم من خلال التحويلات المالية. في المقابل، أدّت هجرة هذه العمالة الماهرة إلى إفراغ الخدمة العامة والقطاعات الإنتاجية السودانية من الكفاءات، وساهمت في استمرار التأخّر التنموي في السودان.
وهنا تكمن مفارقة العلاقات السودانية–الإماراتية: فقد أسهمت الخبرات السودانية في بناء مؤسسات الإمارات وتحديثها، بينما يتعرّض السودان اليوم لتدخّل مزعزع للاستقرار من الدولة نفسها. كذلك، أدّت هيمنة الإمارات على قنوات التحويلات المالية والعقارات والمسارات المصرفية وصادرات الذهب إلى خلق فخّ من الاستتباع، ومنحتها سيطرة غير متناسبة على الحياة الاقتصادية السودانية.
وتجمع أنماط مشابهة من الانخراط الإماراتي في إثيوبيا والصومال وإريتريا بين الاستثمارات والشراكات مع النخب، والسيطرة على البنية التحتية والمواقع العسكرية، بهدف تأمين الغذاء ورأس المال البشري والتجارة البحرية.9 وتؤدّي هذه الصيغة من الإمبريالية الفرعية دور الوسيط بين الموارد الأفريقية والأسواق العالمية. وفي حالة السودان، تجعل موارده وهشاشة مؤسساته وروابطه اللغوية والتاريخية بشبه الجزيرة العربية منه حالة تتجلّى فيها بكثافة سمات النموذج الذي يميّز الدور الإماراتي في القرن الأفريقي عموماً.
توفّر التجربة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في السودان، إلى جانب التعليم العالي والتدريب التقني، أسساً لنظم تكنوجتماعية حيوية ولنموّ نابع من الداخل، حتى وإن أوحى واقع البنية التحتية وتمويل البحث والتطوير بعكس ذلك. فالقدرات الكامنة في السودان تتجاوز بكثير وضعه التنموي والاقتصادي الراهن. وفي الوقت نفسه، تُلقي هجرة العقول وزعزعة استقرار الدولة بظلالهما على آفاقه المستقبلية. لكن كفاءات المغتربين السودانيين، الذين تلقّوا تعليمهم وتدريبهم في السودان قبل هجرتهم، تشهد على قدرات النظم التكنوجتماعية التي أنتجتهم.
أدّت هيمنة الإمارات على قنوات التحويلات المالية والعقارات والمسارات المصرفية وصادرات الذهب إلى خلق فخّ من الاستتباع، ومنحتها سيطرة غير متناسبة على الحياة الاقتصادية السودانية
يعود التعليم العالي الحديث في السودان إلى أوائل القرن العشرين، ومؤسسات البحث والتطوير إلى أربعينياته، والهندسة الصناعية والإدارة إلى ستينياته. وعلى الرغم من التراجع اللاحق، راكمت هذه النظم خبرات وذاكرة مؤسسية سودانية راسخة، باتت تكاد تختفي تحت وطأة هشاشة الدولة الحالية، واشتداد النزاعات الداخلية، وتراجع المخرجات التنموية.
كذلك، يجمع السودان بين سكان يغلب عليهم الشباب، وموارد متنوّعة، وإمكانات في العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهي مقوّمات قوية لتنمية محلية حقيقية. لكن انقلاب عام 2021 وحرب عام 2023 أوقفا مسار الإصلاح المحلي الذي بدأ خلال المرحلة الانتقالية بين عامَي 2019 و2021، على الرغم من التعثّرات التي واجهها هذا المسار.
ومع ذلك، تكشف هذه المقوّمات، إلى جانب المؤشرات السابقة على قدرات النظم التكنوجتماعية المحلية، عن إمكانات للتعافي، إذا تمكّن السودانيون من تأكيد استقلاليتهم وحلّ نزاعاتهم الداخلية بأنفسهم، من دون الخضوع لأجندات ومصالح خارجية.
أفريقيا: ثروات هائلة وتنمية مرهونة بالاستقلال
تكتسب العلاقات بين القرن الأفريقي والخليج خصوصيتها من الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية والجيوسياسية بين المنطقتين، على الرغم من التناقضات العالمية والإقليمية التي تشكّلها اليوم. وتمثّل هذه الروابط إرثاً كبيراً وأساسياً، لكنها سلاح ذو حدّين: فقد تعزّز المنافع المتبادلة بين المنطقتين، وقد تُضفي الشرعية على مشاركة الخليج في «التكالب الجديد على أفريقيا»، والتوسّع فيها خدمةً لمصالح خارجية تتعارض مع المصالح المحلية للشعوب الأفريقية.
يعكس القرن الأفريقي الإمكانات الأوسع للقارة الأفريقية، التي تتوافر فيها مقوّمات واعدة لنموّ اقتصادي وازدهار كبير. فأفريقيا تغطّي 20% من مساحة اليابسة على الكوكب، ويعيش فيها 1.4 مليار إنسان، ويُرجّح أن يرتفع عدد سكانها إلى 2.5 مليار بحلول عام 2050، وأن يواصل الارتفاع في العقود اللاحقة.10
يمكن وصف أفريقيا اليوم بأنّها قارة الشباب. فالشباب الأفريقي، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، يشكّلون ثلثَي سكان القارة، وثلث شباب العالم، في وقت تواجه فيه مناطق كثيرة من العالم، ولا سيما المناطق المتقدّمة اقتصادياً، تسارعاً في شيخوخة السكان، أي ارتفاع نسبة السكان في سنّ التقاعد مقارنةً بمن هم في سنّ العمل. ومن المتوقّع أن تحتفظ أفريقيا بهذه الخصائص الديموغرافية خلال العقود القليلة المقبلة. ويُضاف إلى ذلك أن أفريقيا تضمّ 60% من الأراضي الصالحة للزراعة وغير المستغلّة بعد في العالم، ونحو 30% من مخزون المعادن العالمي، فضلاً عن مساحات واسعة من الغابات الغنية والمهمّة، سواء بوصفها موارد تنموية أو لدورها في الحفاظ على التوازن البيئي للكوكب بأسره.
ومن الناحية المالية أيضاً، تبدو أفريقيا أغنى مما يُعتقد عادةً. فبحسب تقارير استقصائية، «بلغت تدفّقات رؤوس الأموال من أفريقيا إلى خارجها، منذ عام 1970، نحو تريليونَي دولار. وتتجاوز هذه التدفّقات مجموع حركة الأموال السنوية التي تستقبلها أفريقيا في صورة مساعدات واستثمارات أجنبية مباشرة. وإذا أُضيفت إيرادات الفوائد التراكمية الممكنة من تلك التدفّقات، فإن إجمالي الثروات الخاصة التي خرجت من أفريقيا بلغ 2.4 تريليون دولار بحلول عام 2018. ويعادل هذا المبلغ ثلاثة أضعاف إجمالي ديون القارة في العام نفسه، ما يجعل أفريقيا، للمفارقة، دائنة لبقية العالم، لا مدينة له، في المحصّلة».11
وتخلق هذه المقوّمات مجتمعةً، بالتزامن مع تنامي قدرات شعوب القارة على إعادة تنظيم نفسها سياسياً واقتصادياً بمزيد من الجدّية والاستقلالية، إمكانات كبيرة لإعادة تشكيل اقتصادات أفريقيا وسياساتها، بل والمشهد العالمي، خلال جيل أو جيلين.
لذلك، ينبغي للأقاليم المجاورة أن تبني علاقاتها مع أفريقيا على الاحترام والمنفعة المتبادلين. وستكون العلاقات بين القرن الأفريقي والخليج أكثر استدامة وفائدة إذا قام التعاون بينهما على تحقيق المنافع المتبادلة، والتعاون الفنّي، والاستخدام البنّاء والواعي للروابط التاريخية.
هذه المقالة ملخّص وإعادة صياغة لورقة بحثية قدّمها المؤلّفان باللغة الإنكليزية، في منتصف عام 2025، خلال ندوة متخصّصة بالعلاقات بين الخليج والقرن الأفريقي، ضمن مؤتمر أكاديمي لدراسات الخليج.
- 1
K. Atong et al., Africa Labour Migration to the GCC States: The Case of Ghana, Kenya, Nigeria and Uganda. (African Regional Organisation of the International Trade Union Confederation., 2018).
- 2
Mark Duffield and Nicholas Stockton, “How Capitalism Is Destroying the Horn of Africa: Sheep and the Crises in Somalia and Sudan,” Review of African Political Economy, November 2023, 1–12, https://doi.org/10.1080/03056244.2023.2264679.
- 3
Robert Mason and Simon Mabon, eds., The Gulf States and the Horn of Africa: Interests, Influences and Instability, Identities and Geopolitics in the Middle East (Manchester University Press, 2022).
- 4
Logan Cochrane, “The United Arab Emirates as a Global Donor: What a Decade of Foreign Aid Data Transparency Reveals,” Development Studies Research 8, no. 1 (2021): 49–62, https://doi.org/10.1080/21665095.2021.1883453.
- 5
Gussai H. Sheikheldin and Helen Hambly, “Technological Change and Techno-Social Systems: Re-Examining Sustainable Development and Digitalisation in Africa,” Science, Technology and Society 29, no. 4 (2024): 573–94, https://doi.org/10.1177/09717218241281826.
- 6
Gussai H. Sheikheldin, Liberation and Technology: Development Possibilities in Pursuing Technological Autonomy (Mkuki na Nyota Publishers, 2018). Page 6.
- 7
حسام عثمان محجوب، «الدورالإمبريالي الفرعي للإمارات العربية في أفريقيا»، موقع صفر، 9/4/2025.
- 8
Declan Walsh, “The Gold Rush at the Heart of a Civil War,” World, The New York Times, December 11, 2024, https://www.nytimes.com/2024/12/11/world/africa/sudan-gold-rush-heart-civil-war.html.
- 9
Dina Esfandiary, New Order in the Gulf: The Rise of the UAE (I.B. Tauris, 2023).
- 10
United Nations, World Population Prospects 2022: Summary of Results (United Nations, 2022).
- 11
Léonce Ndikumana and James K. Boyce, eds., On the Trail of Capital Flight from Africa: The Takers and the Enablers (Oxford University Press, 2023).