HERO

الماركسية لا تزال قادرة على تغيير العالم

  • لماذا تعجز الرأسمالية عن تجنّب أزماتها المتكررة، رغم كل ما تملكه من أدوات وخبراء ومؤسسات؟ في هذا النص المحرَّر من كتاب «قصة رأس المال» لديفيد هارفي، يجادل الكاتب بأن الأزمات ليست أخطاءً عابرة يمكن إصلاحها، بل نتاج تناقضات بنيوية كامنة في النظام الرأسمالي نفسه.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2008، في ذروة الأزمة المالية العالمية، زارت الملكة إليزابيث كلية لندن للاقتصاد، وطرحت على الاقتصاديين المجتمعين سؤالاً محرجاً: لماذا لم يتوقّعوا الأزمة؟ لم يكن لديهم جواب جاهز. وبعد 6 أشهر من التشاور وعقد الندوات، أرسلوا إلى الملكة رسالة مشتركة عزوا فيها إخفاقهم إلى مزيج من الغطرسة والعجز عن مواجهة المخاطر النظامية. كان إغفال هذه المخاطر فادحاً؛ فمعظمنا لا يقبل بركوب طائرة لم تُفحص بحثاً عن أعطال قد تهدّد نظامها بأكمله.

يسعى كتابي الجديد، «قصة رأس المال»، إلى تقصّي الاختلالات الداخلية والمخاطر النظامية التي ينطوي عليها نمط الإنتاج الرأسمالي، مستعيناً بأدوات نظرية خاصة مستمدّة من أعمال ماركس في الاقتصاد السياسي لرأس المال. وعلى الرغم من إعلان ماركس الشهير أن غايتنا ينبغي ألّا تكون فهم العالم، وإنما تغييره، فقد كرّس قدراً هائلاً من الوقت والجهد لفهم ما كان يسعى إلى تغييره. وتدلّ ممارسته على أنه كان يرى في فهم رأس المال شرطاً ضرورياً لتغييره.

كتب ماركس في «الغروندريسة»، وهو مصدر جميع الاقتباسات التالية، أن «التطوير الدقيق لمفهوم رأس المال ضروري، لأنه المفهوم الأساسي للاقتصاد الحديث، مثلما أن رأس المال نفسه... هو أساس المجتمع البرجوازي. وينبغي للصياغة الدقيقة للافتراضات المسبقة التي تقوم عليها علاقة [رأس المال] أن تكشف جميع تناقضات الإنتاج البرجوازي، وكذلك الحدّ الذي يندفع عنده هذا الإنتاج إلى تجاوز ذاته». ويبرز في هذا الاقتباس استخدام ماركس مصطلح «التناقض». فهو يرى أن «رأس المال ينطوي على تناقضات»، وأن غايتنا هي «تطويرها بالكامل». ولا نجد هذا المصطلح في أدبيات الاقتصاد الكلاسيكي الجديد أو الريكاردي أو حتى الكينزي، لكنه يشكّل مفهوماً تأسيسياً في تصوّر ماركس لرأس المال. فلماذا يحظى بهذه الأهمية؟

ينقسم الاقتصاد السياسي البرجوازي، بمختلف اتجاهاته، إلى اقتصاد جزئي، أي نظرية المنشأة، واقتصاد كلّي، أي نظرية الاقتصادات الوطنية والعالمية. وعلى الرغم من المحاولات الكثيرة، ثبت تعذّر اشتقاق مبادئ الاقتصاد الكلّي من النظرية الجزئية، أو العكس. أما ماركس، فيجعل من هذا التناقض أساساً لبناء النظرية، لا عائقاً أمام الفهم. فالرأسماليون الأفراد، المدفوعون بقوانين المنافسة القسرية، يتبنّون تقنيات ترفع إنتاجية العمل الذي يستخدمونه.

المشكلات لها حلول، أما التناقضات فلا تُحلّ. إنها بؤر توتّر دائمة لا يمكن سوى إدارتها داخل النظام الذي تتجذّر فيه، ولا تزول إلا بزوال النظام كلّه

العمل، في نظرية ماركس، هو مصدر القيمة كلّها. ويؤدّي ارتفاع إنتاجيته إلى تقليص عدد العمّال المطلوبين، فتُنتَج قيمة أقلّ. ومع ثبات سائر العوامل، تفضي هذه العملية إلى أزمة ناجمة عن تراجع الربحية. وينشأ هذا الاستنتاج النظري من التناقض بين متطلّبات الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلّي. فالرأسماليون الأفراد، إذ يسعى كلّ منهم إلى تعظيم معدّل العائد على رأسماله، ينتجون مجتمعين حصيلةً إجماليةً تصبح أقلّ ملاءمة باطراد لتراكم رأس المال. وهنا يُطرح السؤال: من سينقذ رأس المال من السلوك العقلاني والمدمّر في آن للرأسماليين الأفراد، الذين تضبطهم قوانين المنافسة القسرية في السوق الحرّة؟

وتقوم شتّى التخصّصات البحثية، مثل علم الاقتصاد، ومؤسّسات تُعنى بالسياسات، مثل معهد الشؤون الاقتصادية وصندوق النقد الدولي، على إيجاد إجابات عن هذه الأسئلة. فالمشكلات لها حلول، أما التناقضات فلا تُحلّ. إنها بؤر توتّر دائمة لا يمكن سوى إدارتها داخل النظام الذي تتجذّر فيه، ولا تزول إلا بزوال النظام كلّه. فأنا، مثلاً، أدير باستمرار التناقض بين متطلّبات حياتي المهنية ورغباتي ومسؤولياتي الشخصية. ويظلّ هذا التناقض، في معظم الأحيان، كامناً وساكناً، لكنه يتحوّل إلى بؤرة أزمة شخصية إذا استولى السلطويون على جامعتي، كما حدث للجامعة الأوروبية المركزية في المجر.

تتمثّل مهمّة الباحث في الاقتصاد السياسي، إذاً، في تحديد تناقضات رأس المال الأساسية وتعيين مواضعها، مثل العلاقة المتنازع عليها بين رأس المال والعمل، ووصف قوانين حركته. ومع اتّساع نظام التبادل السوقي وازدياد انتظامه، تنشأ بين المشاركين فيه، وفقاً لما يرد في «الغروندريسة»، «علاقات تبعية موضوعية... تقف في تعارض مع علاقات التبعية الشخصية» التي كانت سائدة من قبل. وهكذا، «باتت التجريدات تحكم الأفراد، بعدما كانوا يعتمدون بعضهم على بعض. أما التجريد، أو الفكرة، فليس سوى التعبير النظري عن تلك العلاقات المادية التي تفرض عليهم سيادتها وسلطانها».

الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة السائدة وأفكار المرتبطين بقوّة الدولة المهيمنة، أي الولايات المتحدة حتى وقت قريب. و«لا يمكن، بالطبع، التعبير عن هذه العلاقات إلا في صورة أفكار. لذلك رأى الفلاسفة أن سيادة الأفكار هي السمة المميّزة للعصر الجديد، وربطوا نشوء الفردية الحرّة بالإطاحة الأيديولوجية بهذه السيادة. وقد سَهُل الوقوع في هذا الخطأ من المنظور الأيديولوجي، لأن سيادة تلك العلاقات... تظهر في وعي الأفراد بوصفها سيادةً للأفكار، ولأن الطبقات السائدة تعمل، بكل الوسائل المتاحة، على ترسيخ الاعتقاد بديمومة هذه الأفكار، أي ديمومة علاقات التبعية الموضوعية، وتغذيته وتلقينه».

هذا تحديداً ما نظّمه وحقّقه، ببراعة، فريدريش هايك وميلتون فريدمان وكيث جوزيف ومعهد الشؤون الاقتصادية ومارغريت تاتشر خلال التحوّل النيوليبرالي في ثمانينيات القرن العشرين. فقد أعلنت تاتشر أنه «لا بديل»، وهو شعار عُرف اختصاراً بـ«تينا» (TINA)، وتلقّاه كثيرون بوصفه حقيقةً منزلة. وهكذا، تتحوّل الأفكار إلى «قوّة مادية» في التاريخ البشري. ففي المجال الأيديولوجي، نعي هذه الأفكار السائدة ونقاومها عبر الصراعات الأيديولوجية. وفي الثمانينيات، ازدهرت مراكز الفكر النيوليبرالية التي حصلت حديثاً على التمويل، وهُمّش الكينزيون، وبدأت فئة أصحاب المليارات صعودها، وأخفقت مؤسّسات الطبقة العاملة، فيما أُخرج ماركس من المشهد بالسخرية منه.

«قصة رأس المال» هو أحدث كتاب ضمن سلسلة صرت أسمّيها، بأثر رجعي، «مشروع ماركس»، وربما يكون آخرها. وأقول «بأثر رجعي» لأنني لم أدرك، حتى وقت قريب، أن مشروعاً كهذا كان قيد التشكّل. فما غاية «مشروع ماركس»؟ كان واضحاً منذ زمن طويل أن ماركس لم يُفهَم على نحو جيّد، ناهيك بتبنّي أفكاره فعلياً، وأن ثمّة حاجة إلى عمل كبير لجعل مؤلّفاته أيسر منالاً. ولا يرجع ذلك إلى الجهل العام الناجم عن تجنّبه وتشويهات اليمين وحدها، إذ أسهمت فيه أيضاً بعض العروض الدوغمائية الصادرة عن اليسار العصبوي.

أما الماركسية الأكاديمية، فبدت في معظمها عازمةً على جعل فكر ماركس أشدّ تعقيداً مما هو عليه أصلاً. وقد أسهمتُ في ذلك إلى حدّ ما عندما كتبت «حدود رأس المال»، الذي وصفه أحد المراجعين عند صدوره في عام 1982 بأنه «علامة فارقة أخرى في الجغرافيا، وحجر رحى آخر في أعناق طلّاب الدراسات العليا». لكن خبرتي في تدريس المجلّد الأول من «رأس المال» مرّةً واحدة على الأقل كلّ عام منذ عام 1971 أتاحت لي مجالاً واضحاً للإفادة منها. ففي بعض سنوات السبعينيات، درّسته 3 مرّات أو أكثر، داخل الحرم الجامعي وخارجه. وعندما كنت أدرّسه في الجامعة، كنت أفعل ذلك دائماً إضافةً إلى عبء التدريس المنصوص عليه في عقدي، كي لا يدّعي أحد أنني أهمل واجباتي الأكاديمية لمصلحة السياسة!

سعيت، طوال هذا المشروع، إلى تبسيط حجّة ماركس وتوضيحها من دون تسطيحها أو الوقوع في التبسيط المخلّ. وحاولت ألّا أفرض قراءة بعينها لماركس، مع أن التدريس لا يمكن، بالطبع، أن ينفصل عن تأويلات المدرّس نفسه، وقراءتي ليست سوى واحدة من قراءات كثيرة معقولة. أردت أن أفتح باباً إلى فكر ماركس، يعبر منه القرّاء ليصوغوا فهمهم الخاص. وبهذه الروح أيضاً أُعدّت سلسلة الفيديوهات والأدلّة المكتوبة المصاحبة لكتابَي ماركس «رأس المال» و«الغروندريسة».

شعرت أيضاً بحاجة ملحّة إلى إبراز راهنية فكر ماركس السياسية. وقد رتّب ذلك عليّ التزاماً بتحديد ما يمكننا تعلّمه منه، وكذلك ما تركه غير مكتمل، أو استبعده افتراضياً، أو أخطأ فيه ببساطة ــ يا للهول! كما اقتضى التمييز بين ما تجاوزه الزمن في فكره وما ظلّ محتفظاً براهنيته. وكان السؤال الذي يشغلني: ماذا يمكن لقراءة ماركس أن تعلّمنا اليوم، وما الذي يتعيّن علينا القيام به بأنفسنا كي نفهم العالم المحيط بنا؟

يمكننا، بالعمل الجماعي، أن نغيّر هذا العالم بالفعل، وإن كان ذلك، كما يشير ماركس، لا يحدث أبداً في ظروف نختارها بأنفسنا. لكن التشريح النظري لهذه الظروف يشكّل مقدّمةً ضرورية لتغييرها

شرعت في إظهار فائدة منهج ماركس وتنظيراته المحدّدة، عبر توظيف فهمي لهما في تحليل الأحداث والقضايا المعاصرة. ولم أدرك إلا في مرحلة متأخّرة نسبياً أنني كنت أردم الفجوة بين اثنين من أعمال ماركس السياسية التأسيسية. ومن الكتب الأحدث التي تندرج ضمن «مشروع ماركس» كتاب «17 تناقضاً ونهاية الرأسمالية»، الذي أحدّد فيه ما قد تعنيه مناهضة الرأسمالية، وأقدّم أسباباً عقلانية تدعو إلى تبنّيها في ضوء الأوضاع الراهنة؛ وكذلك كتاب «ماركس، رأس المال وجنون العقل الاقتصادي»، الذي أقدّم فيه صياغةً نسقيةً لأعمال ماركس في محاولة لتفسير أزمات رأس المال المعاصرة. وقد استكشف كلّ كتاب من كتبي جانباً محدّداً من تحليل ماركس في علاقته بموضوع أو وضع معيّن. وكنت آمل أن يشجّع أثرها التراكمي الآخرين على قراءة ماركس بعناية وانفتاح، واتّخاذها مدخلاً إلى مثل هذه الدراسات العملية.

يمثّل «قصة رأس المال» خطوةً أخرى في سرد حكاية رأس المال بطريقة آمل أن يتمكّن الناس من فهمها والإفادة منها على المستويين الشخصي والسياسي. ويمكننا، بالعمل الجماعي، أن نغيّر هذا العالم بالفعل، وإن كان ذلك، كما يشير ماركس، لا يحدث أبداً في ظروف نختارها بأنفسنا. لكن التشريح النظري لهذه الظروف يشكّل مقدّمةً ضرورية لتغييرها. وعلى هذا الأساس، أقدّم هذا النص إسهاماً في السعي إلى بناء بديل أكثر إنسانيةً ومراعاةً للبيئة.

نُشر هذا النص في 23 شباط/فبراير 2026 في New Statesman، وتُرجم إلى العربية ونُشر في «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة