الدولة اللبنانية المتقاعسة لا تتعلّم من التجارب الأليمة
في 8 نيسان/أبريل، شنّت إسرائيل هجوماً مدمّراً على لبنان اتسم بالسرعة والانتشار. فقد ألقت 50 طائرة مقاتلة 160 قنبلة على 100 موقع خلال 10 دقائق فقط. وتوزعت الضربات بين بيروت والبقاع والجنوب. وبحسب آخر حصيلة غير نهائية، خلّف الهجوم 357 شهيداً و33 مفقوداً و1,223 جريحاً.
هذه ليست المرّة الاولى التي يواجه لبنان حدثاً مدمّراً على نحو استثنائي. ففي عام 2020، خلّف انفجار مرفأ بيروت أكثر من 6,500 جريح، لكن الدمار كان متمركزاً جغرافياً في محيط المرفأ في بيروت. وفي عام 2024، أصاب هجوم أجهزة النداء ما يقارب 3,000 شخص في الوقت نفسه عبر عملية إرهابية واحدة، أما هجوم إسرائيل المسمى «الظلام الأبدي» فقد اتسم بأنماط متشابهة من الإصابات بين الضحايا والاتساع الجغرافي.
كان من الممكن لأي نظام صحي أن يعجز عن الاستجابة لأي من هذه الأحداث، ولكن كان يُفترض أيضاً أن يساعد تكرار التجارب في تحسين استجابة الدولة، إلا أن الأدلة تُظهر أن ذلك لم يحدث.
لدى لبنان أطباء يعرفون كيف يفرزون الإصابات بعد موجات الصدمة، وممرضين قادرين على استيعاب التدفقات المفاجئة للمصابين، ومسعفين تعلّموا كيف يتحركون تحت النار وكيف ينتشلون الناس من تحت الركام، ومستشفيات اعتادت العمل تحت الضغط. لكنه لا يزال يفتقر إلى دولة تراكم الذاكرة المؤسسية وتحوّلها إلى سياسات ملموسة. بعد 3 كوارث كبرى في غضون 6 سنوات، من ضمنها 3 سنوات من الحرب المتواصلة، من الواضح أن التعلّم تراكم لدى الناس، لا لدى الدولة.
استجابة أولية قائمة على المتطوعين
وفق شهادة أحد عناصر الدفاع المدني، الذين استجابوا لقصف 8 نيسان/أبريل في بيروت، تظهر فجوة حادة في عدد المسعفين. فقد يضم مركز دفاع مدني واحد نحو 70 عنصراً على سبيل المثال، لكن 20 فقط منهم موظفون، فيما الباقون متطوعون. هذه مشكلة مزمنة في لبنان لأن الدولة ترفض توظيف عناصر الدفاع المدني. وفي يوم عمل عادي، لا يكون كثيرون منهم موجودين في المركز لأنهم يعملون في وظائف مدفوعة الأجر لتأمين لقمة العيش. هكذا، تنخفض المناوبة إلى رئيس المناوبة و3 موظفين وأي عدد متاح من المتطوعين. تصبح هذه المسألة شديدة الخطورة في وقت يكون فيه لبنان في حالة حرب، لأن الأشخاص الموجودين في المركز هم على الأرجح الذين يصلون أولاً إلى موقع الغارة الجوية، وعددهم قليل أصلاً. بعد إرسال هؤلاء المستجيبين الأوائل، يتعين على المركز أن يحدّد أي المتطوعين موجودين في محيط مكان القصف، ومن يستطيع مغادرة عمله، حتى يشارك في الاستجابة.
بعد 3 كوارث كبرى في غضون 6 سنوات، من ضمنها 3 سنوات من الحرب المتواصلة، من الواضح أن التعلّم تراكم لدى الناس، لا لدى الدولة
يزداد أثر النقص في القوى البشرية سوءاً عندما تكون الأزمة منتشرة جغرافياً. ففي 8 نيسان/أبريل، اضطرت إحدى محطات الدفاع المدني في بيروت إلى الاستجابة لأربع غارات أسقطت مباني سكنية كاملة، وكان كل موقع منها يحتاج إلى فريق كبير لانتشال الضحايا من تحت الركام.
يمكن لنظام استجابة مبني على الحد الأدنى من التغطية أن يعمل عندما تكون الأحداث متعاقبة، لكنه ينهار عندما تحتاج أماكن كثيرة إلى الاستجابة في الوقت نفسه.
في أغسطس/آب 2023، جرى تثبيت 2,100 متطوع في الدفاع المدني رسمياً كموظفين في وزارة الداخلية، وكان معظمهم قد عملوا متطوعين لأكثر من 20 عاماً، ما رفع العدد الإجمالي للموظفين إلى نحو 2,600 موظف مقارنة مع 6,318 متطوعاً في 2021. وفي 2025، رصدت الحكومة 16.8 مليون دولار فقط للدفاع المدني، على الرغم من أنه ينفذ أكثر من 35,000 مهمة سنوياً، وعلى الرغم من حالة الحرب المستمرة. واليوم، ترتكز الاستجابة الأولية في لبنان على التزام موظفيها منخفضي الأجور وعلى عمل المتطوعين.
فاقمت الحرب هذا النقص عبر تقييد قدرة المسعفين على التنقل. ففي المراحل السابقة، كانت فرق من مناطق أخرى تأتي غالباً للمساعدة في مرحلة البحث والإنقاذ الأبطأ. ثم بدأت إسرائيل تستهدف المسعفين أثناء تنقلهم بين المواقع، خصوصاً في جنوب لبنان. فتكيّفت الفرق، إذ أبقت بعض المراكز حداً أدنى من الطواقم لتقليل احتمال قتل الطاقم كاملاً، بينما بدأ بعض المستجيبين في الجنوب بالتناوب مع فرق من بيروت خوفاً من أن يُقتلوا جميعاً إذا ظلوا متمركزين في مكان واحد. بمعنى آخر، بات نظام الاستجابة منظماً جزئياً حول البقاء على قيد الحياة تحت الهجوم، لا حول التغطية المثلى للإنقاذ.
نظام صحي بلا إدارة
خلافاً للسردية السائدة، لم تغرق مستشفيات بيروت بالجرحى. فبحسب شهادة طبيبين في قسم الطوارئ تحدثا إلى «صفر»، وقع العبء الرئيسي على المستشفيات الأقرب إلى مواقع القصف، ولا سيما مستشفيات رزق والزهراء والجامعة الأميركية ورفيق الحريري.
كما أشارا إلى أن بعض المستشفيات رفضت المشاركة في الاستجابة بسبب نزاعات مالية مع وزارة الصحة التي لم تسدّد متأخراتها بعد. وكانت مستشفيات أخرى جاهزة لاستقبال الإصابات وقد استعدت لتدفق كبير، لكنه لم يصل سوى عدداً ضئيلاً إليها.
بات نظام الاستجابة منظماً جزئياً حول البقاء على قيد الحياة تحت الهجوم، لا حول التغطية المثلى للإنقاذ
يطرح ذلك مسألتين. الأولى أن القطاع الصحي لا يزال يكافح للتعافي من أزمة 2019 الاقتصادية، وأن طبيعته المجزأة والمخصخصة بدرجة عالية لا تزال تعيق تنظيم استجابة متكاملة للأزمات. وهذه مشكلة مزمنة جرت مناقشتها سابقاً بإسهاب.
أما المسألة الثانية فهي أنه لم يكن هناك نقص في القدرة الاستيعابية للمستشفيات في بيروت، بل كان هناك تركز للمرضى في أقرب المستشفيات بسبب غياب إدارة تدفقات الجرحى.
تمتلك وزارة الصحة نظاماً لإدارة الأزمات يسمى مركز عمليات طوارئ الصحة العامة، وقد أُنشئ في مستشفى رفيق الحريري في تشرين الأول/أكتوبر 2023. عند بداية أي طارئ، يرسل المركز إنذارات فورية إلى المستشفيات القريبة، تليها إنذارات ثانوية إلى المستشفيات المجاورة، ويُفترض أن يأخذ توزيع المصابين في الاعتبار عاملَي القرب والقدرة الاستيعابية للمستشفى. لكن النمط الذي وصفه طبيبا الطوارئ في 8 نيسان/أبريل يوحي بأن القرب بقي العامل الحاسم.
تنص بروتوكولات المستجيبين الأوائل على نقل الجرحى إلى أقرب مستشفى. ثم يفترض أن يعيد نظام التوجيه التابع لوزارة الصحة توزيع تدفقات المرضى لتخفيف الضغط عند الحاجة. لكن هذا لم يحدث.
للمقارنة، تسبب انفجار مرفأ بيروت بعدد إصابات أكبر بسبع مرات، كما ألحق أضراراً بمستشفيات عدة ودمّر بعضها، ما خفّض القدرة الاستيعابية. في تلك الحالة، كان متوقعاً أن تغرق المستشفيات بالجرحى. أما في هجوم 8 نيسان/أبريل، فلم تتضرر المستشفيات، وكان عدد الجرحى يقع ضمن القدرة الاستيعابية للقطاع الصحي.
لقد نجحت الاستجابة لأن طواقم الإسعاف وأقسام الطوارئ والأطباء يعرفون من الخبرة أين يسلّمون المصابين عادة. وهذا شكل من أشكال التكيف غير المؤسسي. وهو ينجح إلى أن تُصاب المستشفيات الأقرب نفسها، أو تفقد طواقمها، أو تُغرق بالمرضى. لهذا تحتاج هذه الأزمات إلى قائد أوركسترا، مثل مركز عمليات الطوارئ في الوزارة، يستفيد من الخبرات الفردية المتراكمة ويكيّف الاستجابة مع الطبيعة الخاصة لكل أزمة.
قوى أمنية غير مدرّبة
بحسب شهادة عنصر الدفاع المدني، وصلت قوى الأمن الداخلي والجيش إلى مواقع القصف بعد 30 دقيقة، ولم تكن لديها تعليمات واضحة عما يجب فعله. لم تدِر هذه القوى حركة المرور حول المواقع بشكل موثوق، وغالباً ما كان المدنيون هم من يساعدون في فتح الطريق وتنظيم المرور كي تتمكن سيارات الإسعاف من الاقتراب من مواقع الغارات. كما ساعد موظفو البلديات في تنظيم السير حول المستشفيات. في بعض الأحيان، كانت القوى الأمنية تعيق سيارات الإسعاف بدل تسهيل مرورها. كما أنها لم تنجح في إبعاد المدنيين والصحافيين عن مواقع الغارات بشكل فعّال.
نجحت الاستجابة لأن طواقم الإسعاف وأقسام الطوارئ والأطباء يعرفون من الخبرة أين يسلّمون المصابين عادة. وهذا شكل من أشكال التكيف غير المؤسسي
بعد مرحلة أولى من الارتباك والفوضى، بدأت القوى الأمنية تتلقى التعليمات من المستجيبين الأوائل الموجودين على الأرض، فساعدت في نقل الأجسام الثقيلة، وإبعاد المدنيين، وتنظيم حركة السير في الجوار المباشر لمواقع القصف. بينما قال متطوع الدفاع المدني إن القوى الأمنية تضيف قدراً مفيداً من اليد العاملة إلى الاستجابة، فإنها لا تصل وهي تحمل تعليمات واضحة أو تدريباً يضمن النظام في موقع قصف تكون فيه كل لحظة حاسمة لإنقاذ الأرواح.
على الرغم من أن الدولة كانت موجودة في مواقع الغارات، فإنها لم تأتِ بقيمة مضافة تتجاوز ما يمكن أن يقدمه مدنيون حسنو النية. كان يفترض بالقوى الأمنية أن تأتي بهيكل قيادة واضح، وتسهيل وصول المسعفين، وأن تبعد الحشود عن الموقع، وأن تُبقي الصحافيين خارج المنطقة العملياتية، وأن تضمن عمل المنظمات الموجودة وفق تسلسل مسؤوليات محدد، وإن تيسّر مرور سيارات الإسعاف إلى المستشفيات.
بعد الاستجابة الأولى، تبدأ المرحلة الأطول والأبطأ من البحث والإنقاذ، حيث تبدأ أعمال الحفر لاستخراج الناجين والشهداء من تحت الأنقاض. يكون العمل الأولي غالباً يدوياً لأن الطواقم تخشى انهيارات ثانوية، أو وجود ذخائر غير منفجرة، أو تشويه الجثامين، أو احتمال بقاء ناجين تحت الركام. يتطلب البحث والإنقاذ الحضري المهني أدوات متخصصة، مثل المجسات الصوتية، لاكتشاف الناجين تحت الأنقاض. يذكر المسعف أن الدفاع المدني لا يملك هذه الأدوات. بعد سنوات من تكرار أحداث الإصابات الجماعية، لم تجهّز الدولة المستجيبين على نحو مناسب لمواجهة الأزمات الكثيرة التي نعيشها. بل إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو من يتولى بناء وتجديد مراكز الدفاع المدني وجمع الأموال لتجهيزها.
على الرغم من تنوع أزمات لبنان خلال السنوات الست الماضية، فإن النمط المشترك الوحيد بينها كان غياب الدولة. عندما انفجر المرفأ، ساعد الناس في نقل الجرحى إلى المستشفيات، بل وأزالوا الركام بأنفسهم. وعندما يُهجَّر أكثر من مليون شخص مرتين، يضطرون إلى البحث عن مساكن وإطعام أنفسهم، ويضطر الناس إلى تنظيم حملات تبرع لدعمهم. لقد كررت الحكومة مراراً أنها قادرة على حماية لبنان، لكن إدارة الجبهة الداخلية خلال الحرب، وأخيراً هجوم إسرائيل في 8 نيسان/أبريل، تُظهر أننا، وإن كنا نستطيع الاعتماد على المجتمع اللبناني للمساعدة، فلن نتلقى أي حماية من الدولة.