عندما يقتصر التصدير على «إعادة التصدير»
ماذا يعني انكماش صادرات لبنان في الثلث الأول من عام 2026؟
انكمشت صادرات البضائع اللبنانية بنسبة 21% خلال الأشهر الـ 4 الأولى من عام 2026 بالمقارنة مع الفترة نفسها من عام 2025، ما أدّى إلى فقدان نحو 260 مليون دولار أميركي من عائدات التصدير. وبالنسبة إلى اقتصاد لا يتجاوز حجمه 33 مليار دولار أميركي، لا تُعد هذه الخسارة هامشية، بل تمثل تراجعا في تدفقات العملات الأجنبية.
فكيف خسر لبنان صادرات بهذا الحجم في غضون بضعة أشهر فقط؟
1. الخسارة تنبع من 5 سلع
تشير البيانات التفصيلية لإدارة الجمارك اللبنانية إلى أن الانخفاض في إجمالي الصادرات يعود بشكل أساسي إلى تراجع مجموعة محدودة من السلع، التي يمكن تصنيف بعضها ضمن عمليات إعادة التصدير.
سجّلت 5 سلع فقط، وهي الذهب والماس والغاز أويل وخردة الحديد وخردة النحاس، تراجعاً في قيمتها التصديرية بنحو 296 مليون دولار أميركي. ويُعزى 64% من هذا الانخفاض إلى الذهب وحده، فيما ترتفع النسبة إلى أكثر من 78% عند إضافة الماس، و90% تقريباً عند إضافة الغاز أويل، أما الـ 10% المتبقية فتوزّعت بالتساوي تقريباً بين صادرات خردة الحديد وخردة النحاس. غير أن التعمّق في البيانات يشير إلى أن التراجع لم يكن نتيجة تقلّبات سعرية، بل نتيجة تراجع في الكمّيات المصدّرة نفسها.
2. لماذا انكمشت صادرات الذهب والماس؟
بحسب بيانات إدارة الجمارك اللبنانية، تتّسم تجارة الذهب والماس في لبنان بعجز مزمن لصالح الاستيراد. باستثناء عام 2020، الذي تزامن مع انهيار العملة والجهاز المصرفي وتداعيات جائحة كورونا، حين سارع عدد من المقيمين إلى تحويل جزء من ثرواتهم إلى ذهب تحوّطاً من المخاطر المالية، سجّلت معظم السنوات الأخرى صافي استيراد من الذهب والماس.
في حين تعكس صادرات الذهب والماس حركة تجارية أو عمليات إعادة تصدير تمرّ عبر القنوات الاقتصادية، وقد ترتبط في بعض الحالات بأنشطة مضاربية أو بمعاملات مالية غير واضحة بالكامل. وبروزها في قمة الصادرات لا يعني أن لبنان مشارك في نشاطات استخراج الذهب أو نشاطات صناعة الماس.
وعليه ترتبط تقلّبات صادرات الذهب بقوى العرض والطلب في السوق العالمية. ومن هذا المنظور، يمكن تفسير الانخفاض الذي شهدته صادرات الذهب خلال الثلث الأول من عام 2026 بالمقارنة مع الفترة السابقة، إذ شهدت تلك الفترة القصيرة ارتفاعاً حاداً تبعه انكماش حاد في سعر الذهب والطلب عليه، في ظل بيئة جيوسياسية غير مستقرة وغير واضحة المعالم، دفعت المصدّرين في السوق اللبنانية إلى تبني نهج أكثر حذراً في عمليات إعادة التصدير.
3. ماذا عن صادرات الغاز أويل؟
تشير البيانات إلى أن ارتفاع صادرات الغاز أويل في عام 2025 كان ناتجاً أساساً عن شحنة استثنائية نُفّذت في نيسان/أبريل من ذلك العام، ما يرجّح أن المقارنة مع 2026 تعكس أثراً إحصائياً لشحنة غير متكررة أكثر مما تعكس تحولاً في النشاط التصديري.
4. ما الأسباب وراء تراجع صادرات الخردة؟
تُعدّ الخردة الاستثناء الوحيد تقريباً بين أبرز السلع المصدّرة التي تسجّل فائضاً تجارياً صافياً وواضحاً. إذ إن وارداتها تكاد تكون معدومة، ولا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات كحد أقصى في بعض السنوات.
تشير بيانات الجمارك إلى ارتفاع صادرات خردة الحديد والنحاس خلال الثلث الأول من عام 2024، تلاه ارتفاع استثنائي وكبير في الفترة نفسها من عام 2025. ويمكن ربط هذا التطور بتداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2024، والتي خلّفت دماراً واسعاً في المباني والمنشآت، ما أدّى إلى تراكم كميات كبيرة من الركام أمكن استخراج كميات كبيرة من الخردة المعدنية منه ومعالجتها، تمهيداً لتصديرها إلى الخارج.
5. أزمة مزمنة وبنيوية
استناداً إلى المعطيات التاريخية، لا يمكن اعتبار تراجع الصادرات في الثلث الأول من عام 2026 ظاهرة استثنائية، بل يبدو مؤشراً على اختلالات بنيوية مزمنة في هيكل الصادرات اللبنانية. فبدلاً من أن تتبع الصادرات مساراً تصاعدياً ومستداماً كما هو الحال في الاقتصادات الإنتاجية، اتسم أداؤها بتقلّبات حادة ومتكرّرة، حتى إن قيمتها الاسمية في الثلث الأول من عام 2026 جاءت أدنى ممّا كانت عليه في الفترة نفسها من عام 2020.
تتضح الأزمة المزمنة بشكل أوضح عند مقارنة أداء الصادرات اللبنانية السنوية باتجاهات التصدير العالمية. تشير بيانات الأونكتاد إلى نمو اسمي شبه متواصل ومستقر في الصادرات على المستوى العالمي، مع تسجيل اتجاه مماثل في المجموعات التي يُصنَّف لبنان ضمنها، بما في ذلك البلدان النامية وبلدان غرب آسيا وشمال أفريقيا. في المقابل، تُظهر البيانات الخاصة بلبنان تذبذبات متكرّرة لا تعكس نمواً تراكمياً مستقراً على المدى الطويل.
إلى ذلك، تظهر بيانات التجارة اللبنانية إلى أن 4 من السلع المذكورة سابقا (الذهب والماس وخردة النحاس والحديد) كانت عاملاً أساسياً وراء التقلبات التي شهدها إجمالي الصادرات في السنوات السابقة. إذ لم تحقق هذه السلع نمواً متواصلاً، بل اتسم أداؤها بارتفاعات وانخفاضات حادة من عام إلى آخر. ومع ذلك، حافظت على وزن كبير ومؤثر ضمن هيكل الصادرات اللبنانية، إذ تراوحت حصتها بين 24% و45% من إجمالي الصادرات.
ونظراً لأن جزءاً كبيراً من هذه الصادرات يتركز في سلع ذات قيمة مضافة محدودة، فإن ارتفاع أو انخفاض قيمة صادرات لبنان لا يعكس بالضرورة تحسناً أو تراجعاً في الأداء الإنتاجي للبلاد المخصّص للسوق الخارجية، بل ترتبط هذه التغيرات بدرجة أكبر بتقلبات الأسعار العالمية أو الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية.
تعكس هيمنة هذه الصادرات ضعف مساهمة الصناعات التحويلية المتقدمة والقطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية ضمن الهيكل التصديري اللبناني، وهو ما يترتب عليه آثار سلبية على مستويات الدخل المحلي وسوق العمل، إضافة إلى تعزيز الاعتماد على الخارج لتأمين السلع الاستهلاكية.