من فيجي إلى COP 31 في أنطاليا
هل تتحوّل استغاثة الجزر المُهدّدة إلى قرارات مناخية؟

لم يكن اجتماع فيجي وتوفالو التحضيري لمؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين لتغير المناخ (COP 31)، مجرّد محطّة دبلوماسية تسبق المؤتمر السنوي، المقرّر عقده في أنطاليا التركية بين 9 و20 تشرين الثاني/نوفمبر 2026. فقد أعاد وضع قضية المناخ في إطارها الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للعالم أن يتحدّث عن الانتقال الطاقوي والازدهار الاقتصادي، فيما تواجه مجتمعات بأكملها تهديدات تمسّ أراضيها ومواردها وحقّها في البقاء؟

جاء إعلان «تاكو باكاسوا»، الذي اعتُمد في 6 تشرين الأول/أكتوبر، ليؤكّد ضرورة العمل الجماعي، والإبقاء على هدف الحدّ من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، وتعزيز التمويل والقدرة على الصمود، وحماية المحيطات. وفي رسالته إلى العالم، لم يتعامل الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتّحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، سيمون ستيل، مع تجارب توفالو وفيجي والجزر الصغيرة بوصفها تحذيرات من مستقبل بعيد، بل باعتبارها واقعاً إنسانياً يتجسّد اليوم في ارتفاع مستوى البحار والحرارة وتفاقم الخسائر والأضرار. ففي بعض الجزر المنخفضة، لا يهدّد ارتفاع مستوى البحار بابتلاع الأراضي الساحلية فحسب، بل يؤدّي أيضاً إلى تآكل الشواطئ، وغمر المناطق المأهولة، وتسرّب المياه المالحة إلى المياه الجوفية والتربة، بما يهدّد مياه الشرب والزراعة والأمن الغذائي، وقد يجعل بعض المناطق غير صالحة للسكن. وقد ارتفع متوسّط مستوى سطح البحر عالمياً نحو 10 سنتيمترات منذ عام 1993، فيما تضاعف تقريباً معدّل ارتفاعه خلال العقود الثلاثة الماضية، ليبلغ نحو 4.5 مليمترات سنوياً في عام 2023، مع تفاوت التأثيرات بين المناطق. 

إذا كانت الدول الأقل مسؤولية عن الانبعاثات هي الأكثر تعرّضاً لآثارها، فإن تحميلها أعباء ديون إضافية لمواجهة تلك الآثار يطرح سؤالاً جوهرياً حول العدالة المناخية

لكن قيمة الإعلان لن تُقاس ببلاغة عباراته، بل بقدرته على التأثير في قرارات أنطاليا. فالدول الجزرية لا تحتاج إلى مزيد من الاعتراف بهشاشتها بقدر ما تحتاج إلى خفض سريع للانبعاثات، وتمويل يمكن الوصول إليه، وحماية فعلية لمجتمعاتها واقتصاداتها ونظمها البيئية.

من إعلان التضامن إلى اختبار التمويل

من أبرز المؤشّرات العملية، التي رافقت الاجتماعات التحضيرية، الدفع نحو تعزيز «مرفق المرونة في المحيط الهادئ» (Pacific Resilience Facility)، وهي مبادرة إقليمية تقودها دول المحيط الهادئ لتمويل مشروعات الصمود أمام المخاطر المناخية والكوارث.

وقد أُعلنت مساهمات إضافية من دول وشركاء خلال الاجتماعات، بينها 10 ملايين دولار من فيجي، و2.3 مليون دولار من الدنمارك، و1.1 مليون دولار من جزر سليمان، إلى جانب تعهّدات ومساهمات أخرى. ومع ذلك، أشارت «رويترز» في 7 تشرين الأول/أكتوبر إلى أن إجمالي التعهّدات ظل دون هدف جمع 500 مليون دولار قبل COP 31، فيما يبلغ الهدف الطويل الأجل 1.5 مليار دولار.

وتكشف هذه الفجوة عن مشكلة أعمق من نقص الموارد وحده: فالتمويل المناخي لا يزال يصطدم بمسألة حجم المساهمات، وشروط الحصول عليها، وتوزيعها، والتمييز بين المنح والقروض. وإذا كانت الدول الأقل مسؤولية عن الانبعاثات هي الأكثر تعرّضاً لآثارها، فإن تحميلها أعباء ديون إضافية لمواجهة تلك الآثار يطرح سؤالاً جوهرياً حول العدالة المناخية.

من هنا، ينبغي أن يُختبر نجاح COP 31 بقدرته على تحسين الوصول إلى التمويل، ولا سيما للدول الجزرية والأقل نمواً، وتعزيز تمويل التكيّف والخسائر والأضرار، بدلاً من الاكتفاء بإعلان صناديق ومبادرات جديدة. مع العلم أيضاً أن مفهوم «المبادرات» بحد ذاته، التي هي في طبيعتها صغيرة الحجم وجزئية وتحتاج إلى تمويل بسيط قياساً إلى المطلوب على المستوى العالمي (المقدر بتريليونات الدولارات)، لطالما استخدم من أجل تجنب إعلان فشل المؤتمرات الدولية ذات الصلة.

بون: تقدّم  من دون حسم للخلافات

كانت اجتماعات الهيئتين الفرعيتين لاتفاقية المناخ في بون، بين 8 و18 حزيران/يونيو 2026، محطّة مهمّة في التحضير لأنطاليا. فقد تناولت ملفات الانتقال العادل، والتكيّف، والتمويل، وتنفيذ اتفاق باريس، إلى جانب قضايا فنية ومؤسّسية متعدّدة. وفي ختام الاجتماعات، أشار سيمون ستيل إلى إحراز تقدّم في بعض الملفات، ومنها العمل على تحويل التعهّد بآلية للانتقال العادل إلى ترتيبات عملية. لكنه أقرّ أيضاً باستمرار الخلافات وبالحاجة إلى عمل إضافي خلال الفترة الفاصلة قبل مؤتمر الأطراف.

ينبغي ألا تتحوّل مؤشّرات الكهربة إلى بديل من النقاش بشأن خفض إنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه، بل أن تكون جزءاً من مسار واضح ومتكامل للانتقال الطاقوي

وهنا يجب التمييز بين التقدّم الإجرائي والتقدّم السياسي. فإحراز تقدّم في صياغة النصوص أو تنظيم مسارات العمل لا يعني بالضرورة الاتفاق على الالتزامات المالية، أو على سرعة خفض الانبعاثات، أو على كيفية توزيع أعباء التحوّل الاقتصادي.

لقد أظهرت اجتماعات بون أن المفاوضات لا تزال مطالبة بحسم أسئلة أساسية: كيف يُترجم هدف 1.5 درجة إلى إجراءات وطنية أكثر طموحاً؟ كيف يُموّل التكيّف في الدول النامية؟ وكيف يمكن ضمان انتقال عادل لا تتحمّل فيه الفئات الأقل قدرة على الدفع كلفة التحوّلات التي تفرضها أزمة لم تتسبّب فيها؟

لذلك، فإن أهمّية بون تكمن في تحديد ما بقي عالقاً بقدر ما تكمن في التقدّم الذي تحقّق. وما لم تنتقل هذه الملفات إلى قرارات قابلة للمتابعة والتنفيذ في أنطاليا، فقد يبقى التقدّم التفاوضي أقل بكثير من مستوى الاستجابة المطلوبة.

مبادرات الرئاسة: هل تتقدّم الكهرباء النظيفة على الوقود الأحفوري؟

تتولّى تركيا رئاسة مؤتمر COP 31، فيما تتولّى أستراليا رئاسة المفاوضات بالتنسيق معها. ويقوم هذا الترتيب على توزيع الأدوار بين قيادة المسار السياسي وبرنامج العمل من جهة، وإدارة المفاوضات الرسمية وبناء التوافق بين الأطراف من جهة أخرى.

وقد ركّزت الرئاسة المشتركة على تسريع التنفيذ، والكهرباء النظيفة، والبنية التحتية القادرة على الصمود، والتمويل، ونقل التكنولوجيا. كما طُرحت مبادرة تستهدف رفع حصة الكهرباء في الاستخدامات الطاقوية العالمية إلى 35% بحلول عام 2035، بالمقارنة مع نحو 23% في عام 2025، وفق ما أُعلن خلال التحضيرات.

وتستحق هذه المبادرة النقاش، لأن كهربة النقل والتدفئة والصناعة وغيرها من الاستخدامات يمكن أن تقلّل الاعتماد على الوقود الأحفوري، شرط أن تترافق مع توسّع سريع في مصادر الكهرباء منخفضة الانبعاثات، وتطوير الشبكات والتخزين، وتأمين التمويل اللازم.

لكن زيادة الكهرباء ليست مرادفاً تلقائياً للتخلّص من الوقود الأحفوري. فقد ترتفع حصة الكهرباء بينما يستمرّ إنتاج النفط والغاز والفحم وتصديرها، أو تعتمد الشبكات على محطّات تعمل بالوقود الأحفوري. ولذلك، ينبغي ألا تتحوّل مؤشّرات الكهربة إلى بديل من النقاش بشأن خفض إنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه، بل أن تكون جزءاً من مسار واضح ومتكامل للانتقال الطاقوي.

والسؤال الذي ينبغي طرحه في أنطاليا هو ما إذا كانت الرئاسة ستدفع نحو أهداف قابلة للقياس ومواعيد زمنية واضحة، أم ستكتفي بمبادرات طوعية تتوقف نتائجها على قرارات كل دولة.

أستراليا وتركيا: بين دور الوسيط وسجل السياسات الوطنية

تكتسب رئاسة COP 31 حساسية خاصّة بسبب طبيعة السياسات الطاقوية في الدولتين اللتين تقودان المؤتمر والمفاوضات.

تؤكّد أستراليا التزامها بتسريع التحوّل إلى الطاقة النظيفة، وتستند إلى توسّع الطاقة الشمسية والاستثمارات في الكهرباء المتجدّدة. لكنها في الوقت نفسه، دولة كبرى في تصدير الفحم والغاز، وتواجه سياساتها تحدّياً يتمثّل في كيفية التوفيق بين أهداف خفض الانبعاثات والمصالح الاقتصادية المرتبطة باستمرار صادرات الوقود الأحفوري.

الدول الصناعية تريد تسريع تنفيذ التعهّدات المناخية، بينما تؤكّد الدول النامية أن قدرتها على التنفيذ مرتبطة بتوفير التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات

في تركيا، تؤكّد الرئاسة ضرورة الحفاظ على هدف 1.5 درجة مئوية، وقد شدّد الرئيس المعيّن للمؤتمر، مراد كوروم، خلال الاجتماعات التحضيرية في المحيط الهادئ على أن تغيّر المناخ مسألة بقاء وأمن. لكن تركيا ما زالت تعتمد على الفحم والنفط والغاز، وتواجه بدورها سؤالاً بشأن سرعة التحوّل في نظامها الطاقوي.

لا يعني ذلك أن الدولة التي تستضيف المؤتمر أو تقود المفاوضات يجب أن تكون قد حلّت جميع مشكلاتها المناخية قبل تولّي المسؤولية، غير أن مصداقية القيادة الدولية تُختبر بمدى اتساق خطابها مع سياساتها، وباستعدادها لتطبيق التحوّل الذي تدعو الآخرين إليه.

وتزداد أهمّية هذا الاختبار عندما يتعلّق الأمر بالوقود الأحفوري. فبعد أن أقرّ مؤتمر COP 28 في دبي بضرورة الانتقال بعيداً من الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة، أصبح التحدّي هو تحويل هذا التوجّه إلى مسارات تنفيذية، لا الاكتفاء بتكراره في البيانات.

وستكون أنطاليا فرصة لمعرفة ما إذا كانت أستراليا وتركيا ستستخدمان موقعهما لدفع هذا المسار، أم ستتجنّبان المواجهة مع المصالح التي تعرقل التقدّم فيه.

القوى الكبرى والتمويل: أين تصرف الالتزامات؟

لا يمكن فصل مستقبل COP 31 عن مواقف القوى الاقتصادية الكبرى، سواء تعلّق الأمر بخفض الانبعاثات أو بالتمويل أو بنقل التكنولوجيا.

فالاتحاد الأوروبي، وفق ما أوردته «رويترز» في 12 تشرين الأول/أكتوبر استناداً إلى وثيقة داخلية، يسعى إلى دفع حزمة لتعزيز خفض الانبعاثات وتحويل التعهّدات الوطنية إلى إجراءات تنفيذية، مع اقتراح تمديد برنامج العمل الخاص بالتخفيف حتى عام 2040. لكنه لا يعتزم، وفق التقرير نفسه، تقديم تعهّدات مالية جديدة ضمن هذا الطرح، وهو ما قد يثير خلافات مع الدول النامية التي تطالب بمزيد من الدعم.

وهنا تظهر إحدى العقد الأساسية في المفاوضات: فالدول الصناعية تريد تسريع تنفيذ التعهّدات المناخية، بينما تؤكّد الدول النامية أن قدرتها على التنفيذ مرتبطة بتوفير التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات. ولا يمكن اختزال هذا الخلاف في مواجهة بين الطموح والتقاعس؛ إنه أيضاً خلاف حول المسؤولية التاريخية، وتوزيع الأعباء، ومن يملك الموارد والتكنولوجيا اللازمة للتحوّل.

أما الولايات المتّحدة والصين وسائر الاقتصادات الكبرى، فإن أثر سياساتها الداخلية والتجارية والصناعية في مسار المفاوضات سيكون مهمّاً، خصوصاً في ظل التنافس على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والموارد المعدنية اللازمة للطاقة النظيفة.

ولذلك، لن يكفي أن تتفق الدول على تسريع الانتقال الطاقوي. بل ينبغي أن تتفق أيضاً على شروط أكثر عدالة لتمويله، وعلى ألا يتحوّل التحوّل الأخضر إلى مجال جديد لتكريس التبعية التكنولوجية أو نقل التكاليف إلى الدول الأضعف.

هل تستطيع أنطاليا إبقاء هدف 1.5 درجة حيّاً؟

يتجاوز التحدّي الذي يواجه COP 31 جمع المبادرات تحت عنوان «التنفيذ». يحتاج العالم إلى تقليص الفجوة بين التعهّدات الحالية والمسار المناخي المطلوب، وإلى إجراءات أكثر وضوحاً بشأن خفض الانبعاثات والتكيّف والتمويل.

ينبغي ألا يُنظر إلى هدف 1.5 درجة مئوية باعتباره رقماً تفاوضياً قابلاً للتبادل مع مكاسب اقتصادية قصيرة الأجل. فكل زيادة إضافية في الاحترار تعني مخاطر أكبر

ومن هنا تكتسب دعوة دول المحيط الهادئ أهمّيتها: فهي لا تطالب باستثناء خاص، بل بتطبيق الالتزامات الدولية بما يتناسب مع حجم الخطر الذي تواجهه. كما أن حماية المحيطات ليست قضية إقليمية تخصّ الجزر وحدها؛ فالمحيطات تؤثّر في تنظيم المناخ العالمي، وتمتصّ الحرارة وثاني أكسيد الكربون، وترتبط بالنظم الغذائية والاقتصادات الساحلية.

ويجب أن ينعكس ذلك في قرارات أنطاليا من خلال دعم العلوم البحرية، وتعزيز حماية النظم البيئية، وتطوير خطط التكيفّ، والاعتراف بالخسائر التي لا يمكن تجنّبها أو إصلاحها بسهولة.

كما ينبغي ألا يُنظر إلى هدف 1.5 درجة مئوية باعتباره رقماً تفاوضياً قابلاً للتبادل مع مكاسب اقتصادية قصيرة الأجل. فكل زيادة إضافية في الاحترار تعني مخاطر أكبر، خصوصاً للمجتمعات الجزرية والساحلية وللفئات التي تفتقر إلى الموارد اللازمة للتكيّف.

من التضامن إلى المساءلة

قدّمت فيجي وتوفالو إلى العالم رسالة واضحة: لم يعد ممكناً التعامل مع أزمة المناخ بوصفها ملفاً تقنياً منفصلاً عن الحقوق والسيادة والعدالة. وما تواجهه الدول الجزرية اليوم يطرح أسئلة بشأن مسؤولية الدول، وحماية الشعوب والأراضي، وحقوق الأجيال المقبلة.

لكن هذه الرسالة تضع مؤتمر أنطاليا أمام اختبار عملي. فهل سيُترجم إعلان تاكو باكاسوا إلى تمويل إضافي يمكن الوصول إليه؟ وهل ستتقدّم المفاوضات نحو مسارات أكثر وضوحاً للخروج من الوقود الأحفوري؟ وهل ستترافق مبادرات الكهربة مع استثمارات في الشبكات والطاقة النظيفة ونقل التكنولوجيا؟ وهل سيصبح الانتقال العادل التزاماً قابلاً للقياس، بدلاً من أن يبقى شعاراً؟

إن نجاح COP 31 لن يُقاس بعدد المبادرات التي تُعلن خلاله، بل بمدى قدرته على تقليص الفجوة بين ما يعرفه العالم عن الخطر وما يفعله لمواجهته، وبين ما تتعهّد به الدول وما يصل فعلياً إلى المجتمعات المتضرّرة.

من فيجي إلى أنطاليا، لا تطلب الدول الجزرية من العالم أن يتضامن معها بالكلمات فقط. إنها تطالبه بأن يثبت أن التعاون الدولي لا يزال قادراً على حماية من لا يملكون القوة الاقتصادية والسياسية لفرض مصالحهم.

وهذا، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لمؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين: ليس ما إذا كان سيؤكّد مجدّداً خطورة أزمة المناخ، بل ما إذا كان سيحوّل هذا الإدراك إلى قرارات عادلة وملموسة، قبل أن تصبح بعض الخسائر غير قابلة للتدارك.