معاينة العلاقات التجارية لإيران

الصورة: Open Source Intel

ما أهمية الاقتصاد الإيراني لمحيطه والعالم؟

على الرغم من أن إيران تُعدّ ثاني أكثر اقتصاد في العالم خضوعاً للعقوبات، فإن اقتصادها لا يزال يحتفظ بعلاقات اقتصادية مهمة مع بلدان الجوار وعدد من البلدان في آسيا وأوروبا، لكن تكاد تنحصر هذه العلاقات في تبادل السلع وإمدادات الطاقة، إلى جانب تجارة الترانزيت وحركة الأفراد لأغراض السياحة واللجوء.

بناءً على ذلك، لا تمثل الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما تهديداً على إيران واقتصادها  ومجتمعها فحسب، بل يُضر بعدد من شركاء إيران الاقتصاديين أيضاً .ومن هنا يبرز تساؤل مهم: ماذا قد يخسر العالم والمنطقة في حال تعرّض الاقتصاد الإيراني للضعف أو الانهيار؟

1. ما حجم الاقتصاد الإيراني؟ وكم ينتج للسوق الخارجية؟

بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي لإيران نحو نصف تريليون دولار أميركي بالاسعار الجارية في 2024، ما يجعله الاقتصاد رقم 33 على مستوى العالم، ويقدّر حجمه بنحو 1.8 ترليون دولار وفق طريقة تعادل القوة الشرائية، التي تراعي اختلاف مستويات الأسعار بين الدول، ما يجعل الاقتصاد الإيراني في المرتبة 22 على مستوى العالم،  وتشكّل صادرات السلع والخدمات نحو 23.6% من إجمالي إنتاجه، بحسب البنك الدولي.

 

1

2. من هم شركاء إيران في تجارة السلع؟

تشير منظمة التجارة العالمية الى أن قيمة تجارة السلع بين إيران وبلدان العالم بلغت نحو 124.6 مليار دولار أميركي بالأسعار الجارية في عام 2024، وهو رقم كبير نسبياً، الا انه أقل بوضوح من حجم تجارة بعض الاقتصادات النفطية الاخرى في المنطقة، اذ يتجاوز حجم تجارة السعودية 4 أضعاف حجم تجارة إيران.

وتتوزع هذه التجارة على عدد من البلدان في مناطق مختلفة ضمن القارة الأورو-آسيوية؛ إذ ترتبط أهم الشراكات التجارية لإيران بكل من الإمارات العربية المتحدة في الخليج، والصين في شرق آسيا، وتركيا في غرب آسيا، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، والهند في جنوب آسيا، وروسيا في شرق أوروبا. 

تُعدّ إيران شريكاً تجارياً بارزاً لعدد من الدول المجاورة لها مثل العراق وتركمانستان وأرمينيا، كما تمثّل شرياناً اقتصادياً مهماً لأفغانستان الفقيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 45 مليون نسمة، إذ تشكّل الواردات الإيرانية 15% إلى 20% من اقتصادها.

2

3. تتركز تجارة إيران في مجال الطاقة

تبلغ الاحتياطات المؤكدة من النفط الخام لإيران بنحو 157 مليار برميل، وتمثّل 12% من الإجمالي العالمي، وتُعد إيران تاسع أكبر منتج للنفط في العالم، ورابع أكبر منتج داخل منظمة أوبك. بينما تبلغ احتياطات الغاز الطبيعي  33 تريليون متر مكعب (حوالي 17٪ من الإجمالي العالمي)، وتحتل إيران المرتبة الثالثة عالمياً في إنتاج الغاز الطبيعي.

بسبب العقوبات الأميركية، ظلّت القيم التصديرية من منتجات الطاقة غير متناسبة مع حجم الاحتياطات، فقد صدّرت إيران نحو 19 مليار دولار أميركي من المنتجات تحت بند "الوقود المعدني والزيوت ومنتجات تقطيرها" في 2024، للمقارنة صدّرت السعودية 214 مليار دولار من البضائع نفسها في العام نفسه، أي 11 ضعف ما صدّرته إيران.

تشكّل صادرات النفط والغاز 34.8% من صاردات إيران، وتتضمن هذه المنتجات الغاز الطبيعي الذي يُعدّ مصدراً رئيسياً لتوليد الكهرباء، وغاز البروبان المستخدم في التدفئة والطهي وكوقود لبعض المحركات، إضافة إلى البيتومين النفطي المستعمل في إنشاء الطرق، إلى جانب غاز البيوتان وأنواع أخرى من الهيدروكربونات الغازية. وخُصصت هذه الصادرات لقارة آسيا في المقام الأول، أي إلى بلدان الصين والعراق وتركيا وباكستان والإمارات العربية المتحدة.

3

4. ما أهم الصادرات الإيرانية غير النفطية؟ وإلى أين تتجه؟

يقع نحو ثلثي صادرات إيران خارج قطاع النفط والغاز ومشتقاتهما، وتتكوّن بدرجة كبيرة من الموارد الأولية والمعادن والمنتجات الزراعية.

 تصدّر البلاد نحو 5.6 مليارات دولار أميركي من الحديد والفولاذ، أكثر من نصفها يذهب إلى العراق والصين وعمان والإمارات، و5.2 مليارات دولار من البلاستيك ومصنوعاته، ويذهب ثُلثيه إلى الصين والعراق، و3.9 مليارات دولار من المواد الكيميائية العضوية التي يذهب أغلبها إلى الصين، كما تشمل الصادرات الإيرانية الفواكه والخضراوات، ومنتجات الألبان، والأسمدة، وخامات الحديد، ومصنوعات النحاس والألمنيوم.

4

5. الجغرافيا الإيرانية كممر للسلع والسكان

تُصنَّف إيران على أنها البلد الـ 18 من حيث المساحة في العالم، وتشكل حلقة وصل بين وسط وجنوب وشرق آسيا والعالم العربي. وتبلغ طول حدودها 5,894 كيلومتراً، وتمتدّ على سبع دول هي: العراق، تركيا، أرمينيا، أذربيجان، تركمانستان، أفغانستان، وباكستان، أربعة منها دول حبيسة تعتمد في وارداتها على بلد مثل إيران الذي يطل على الساحل البحري. ويبلغ طول السواحل الإيرانية 2,400 كيلومتر، وتصل إيران بحر قزوين بالمحيط الهندي.

أدّت العقوبات المفروضة على قطاع النقل إلى عدم قدرة إيران على استغلال موقعها الجغرافي المميز بكامل طاقته وكفاءته، إلا أنه لم يمنع أن تلعب دوراً مهما في حركة السلع والسكان.

وصل حجم تجارة الترانزيت عبر البلاد، أي السلع التي تمر عبرها دون أن تكون إيران بلد المنشأ أو الوجهة النهائية، إلى نحو 22 مليون طن خلال السنة الإيرانية المنتهية في آذار/مارس 2025. وللمقارنة، فإن هذا الرقم يعادل نحو 65 ضعف حجم تجارة الترانزيت الخاصة بـلبنان في العام 2025، ويوازي حجم الترانزيت البحري لموانىء السعودية.

بفعل موقعها الجغرافي كذلك، تلعب إيران دور الوسيط في اتفاقيات تبادل الغاز gas swaps، وهي ترتيبات تشمل ثلاث بلدان على الأقل، حيث يرسل البلد أ الغاز إلى البلد ب، على أن يرسل البلد ب الغاز إلى البلد ج، لتشكيل تجارة غير مباشرة بالغاز بين البلدين أ وج. وقد شملت هذه الاتفاقيات إيران مع كل من تركمانستان وأذربيجان وتركيا والعراق.

وتطل إيران على مضيق هرمز، أهم مضيق تجاري للطاقة في العالم، حيث يمُر 38% من النفط الخام و29% من من غاز البتروليوم المسال و19% من الغاز الطبيعي المسال و19% من منتجات النفط المكررة وثُلث امدادات الاسمدة. وقد أدت الحملة العسكرية على إيران إلى ايقاف هذه الامدادات بالكامل.

وفيما يخص حركة السكان، ففي عام 2023، تجاوز عدد المسافرين عبر مطارات إيران 18 مليون مسافر، ما جعلها تحتل المرتبة الخامسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد الدول الرائدة في قطاع الطيران مثل تركيا والإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية، ومتقدمةً على مصر بعدد يزيد عن مليون و400 ألف مسافر سنوياً.

تُعد إيران مركز للسياحة الطبيعية والتاريخية والدينية والطبية، بحسب وزير السياحة الإيراني رضا صالحي أميركي ففي نصف العام الأول بحسب التقويم الإيراني أي بين آذار/مارس وأيلول/سبتمبر 2025، سجّلت إيران 4.5 مليون زيارة سياحية.

تستضيف إيران عددا كبيرا من اللاجئين في العالم، إذ بلغ عددهم نحو 3.5 ملايين لاجئ مسجّلين لدى الأمم المتحدة حتى عام 2024، بفارق نصف مليون عن تركيا التي تأتي في المرتبة الثانية. ويشكل الأفغان الغالبية العظمى من هؤلاء، حيث يعملون في إيران ويعيلون أسرهم، ويرسلون تحويلات مالية إلى الخارج. وتجدر الإشارة إلى أن عدداً كبيراً منهم تم ترحيله بعد جهود الحكومة الإيرانية لتنظيم وجود الأجانب، خصوصاً عقب حرب الـ12 يوماً.

5

لا تعكس هذه الأرقام الحجم الفعلي للاقتصاد الإيراني، إذ إن خضوعه لنظام صارم من العقوبات الأميركية والغربية يدفعه إلى تطوير شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية عبر قنوات غير رسمية. ومن خلال هذه القنوات تُنقل الأموال والاستثمارات والسلع والخدمات، وهي معاملات لا تُسجَّل عادةً في الإحصاءات الرسمية أو لدى المؤسسات الدولية. تُظهر دراسة حول الاقتصاد غير الرسمي في المدن الكبرى في إيران أن نحو  35% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه المدن يأتي من الاقتصاد غير الرسمي.