التعليم تحت الحرب
ما لا يقل عن 700 ألف طفل في سن الدراسة في لبنان لم يعودوا قادرين على الوصول إلى التعليم لأن مدارسهم إمّا أغلقت بسبب وجودها في مناطق الخطر أو تحوّلت إلى مراكز إيواء للنازحين. إن تعطيل التعليم في زمن الحرب لا يخلق أزمة تعليمية فحسب، بل أزمة اقتصادية واجتماعية قد تستمر لعقود. ومع غياب تدخل فعلي من الدولة لضمان التعليم للجميع وتوحيد النظام التعليمي بين المدارس الرسمية والخاصة، تتحوّل الأزمة إلى عامل يكرس الضعف الاقتصادي في المستقبل ويعمّق الفوارق الطبقية.
700 ألف تلميذ من أصل 1.1 مليون تلميذ في لبنان تأثّروا بالحرب حتى الآن، وسياسة الحكومة تخلق 6 طبقات في التعليم.
يوجد 521 ألف طفل في سن الدراسة في المناطق التي تتعرّض للقصف أو تطالها أوامر لتهجير السكان، أي في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق بعلبك والهرمل والجنوب عموماً، وهم يشكّلون 48% من مجمل تلاميذ لبنان.
بالإضافة إلى ذلك، تم تعطيل 169 ألف تلميذ عن التعليم نتيجة تحويل 334 مدرسة رسمية إلى مراكز إيواء والانتقال للتعليم عن بعد في جميع المدارس الرسمية المتبقية وهؤلاء يشكّلون 15.5% من مجمل التلاميذ في لبنان.
كيف تعاملت الدولة مع الأزمة؟
اعتمدت وزارة التربية والتعليم العالي مقاربة لا تقوم على الحق المتساوي في التعليم، بل تقوم على اختلاف الحلول بحسب الظروف الأمنية لكلّ منطقة ومؤسسة تعليمية.
- الطلب من المدارس الخاصة تقييم الوضع الأمني واختيار النمط التعليمي المناسب.
- اعتماد التعليم عن بعد في المدارس الرسمية نظراً لاستخدامها كمراكز إيواء.
- تعويض الفاقد التعليمي لطلاب المدارس في مناطق النزوح لاحقاً.
- تقديم دعم تربوي ونفسي للطلاب الموجودين في مراكز الإيواء.
تهدّد هذه المقاربة مبدأ العدالة التعليمية إذ تخلق فجوة بين:
- طلاب المدارس الرسمية والخاصة النازحين أو الموجودين في مناطق غير آمنة.
- طلاب المدارس الرسمية المخصّصة كمراكز إيواء في مناطق أكثر أماناً.
- الطلاب النازحين في مراكز الإيواء الذين سيحصلون على دعم محدود.
- الطلاب النازحين خارج مراكز الإيواء الذين لن يحصلوا على أي دعم.
- طلاب المدارس الخاصة والرسمية الذين يتعلّمون عن بعد.
- طلاب المدارس الخاصة الذين يحصلون على تعليم حضوري.
الآثار على المدى الطويل
يحصل أطفال لبنان على تعليم متقطّع وغير مستقر منذ الانهيار المالي في عام 2019، الذي لحقه تفشّي جائحة كورونا، ومن ثم إضرابات الأساتذة الذين انهارت أجورهم، والحروب الإسرائيلية المتتالية على لبنان.
إن تعطّل التعليم وتقطّعه على مدى سنوات لا يضيع الدروس فقط، بل يسبّب خسائر في الفرص الاقتصادية للبلاد والشخصية لجيل كامل:
- يخسر جيل الحروب 10% إلى 20% من دخله المستقبلي لمدى الحياة بحسب البنك الدولي.
- يزيد الانقطاع الطويل عن المدرسة التسرّب من التعليم بسبب حاجة الأسر النازحة إلى العمل والدخل.
- يفقد الطلاب مهارات أساسية وهي أساس الإنتاجية في الاقتصاد.
يخلق تعطيل التعليم اقتصادات فقيرة:
تعليم ضعيف —> عمالة مستقبلية منخفضة المهارة —> مداخيل قليلة وإنتاجية منخفضة —> اقتصاد ضعيف —> استثمارات أقل في التعليم
تكريس الفوارق الطبقية وكبح الحراك الاجتماعي
تعطّل التعليم الرسمي لفترات أطول بكثير من تعطّل التعليم الخاص، بالإضافة إلى تدهور نوعيته المستمر، يساهم في زيادة التفاوتات بين الطبقات الاجتماعية.
- يحصل تلامذة المدارس الخاصة على تعليم أفضل من تلامذة المدارس الرسمية، ومعدّلات تسرّب أدنى بكثير، ويحظون بفرص أوسع لإنهاء مرحلة التعليم الأساسي والانتقال إلى التعليم الجامعي،
- باتت المدارس الرسمية محصورة بالفقراء، الذين يزدادون فقراً بسبب سياسات الدولة الداعمة للمدرسة الخاصة على حساب تعزيز المدرسة الرسمية وحق الجميع بالحصول على التعليم الجيّد.
كيف نحمي العدالة التعليمية؟
في أوقات الحرب، العدالة التعليمية تعني ألا يصبح النزوح والفقر أسباباً لفقدان التعليم.
- فرض نظام تعليم هجين موحّد في كل المدارس لتقليل الفارق بين الرسمي والخاص.
- فتح المدارس الخاصة للطلاب النازحين بدوام ثانٍ، في مقابل الإعفاءات الضريبية التي تتمتع بها هذه المؤسسات.
- تسهيل التعلّم عن بعد عبر توزيع أجهزة لوحية لطلاب المدارس، وتوفير إنترنت مجاني تعليمي، وحتى بث الدروس عبر تلفزيون لبنان أيضاً.
- عدم الاعتماد على المدارس الرسمية فقط لإيواء النازحين، وتنويع الخيارات، وتخفيف الضغوط قدر الإمكان عن كاهل النظام التعليمي وتوجيهه نحو تحقيق العدالة في التعليم.
المصادر:
1. المركز التربوي للبحوث والإنماء لتوزيع الأطفال بحسب المناطق ونوعية التعليم في العام الدراسي 2023-2024.
2. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعدد المدارس الرسمية المستخدمة كمراكز إيواء.