كيف تستغلّ الديون العمّال في القرن الحادي والعشرين؟

  • مراجعة لكتاب «الدَّين ومستقبل العمّال: الأمولة بوصفها استغلالاً في القرن الحادي والعشرين» لجورجوس غوزوليس، الذي يتناول كيف تحوّلت ديون الأسر إلى أداة لضبط العمّال وإضعاف قدرتهم على مواجهة أصحاب العمل. ففي ظلّ ركود الأجور وتراجع الحماية الاجتماعية، بات العمّال أكثر اعتماداً على وظائفهم لسداد ديون السكن والتعليم والعلاج، ما يجعلهم أقلّ استعداداً للمخاطرة بالإضراب أو المطالبة بتحسين شروط عملهم. 

 

منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، تكاثرت الأبحاث التي تناولت تأثير الأمولة في أنماط اللامساواة وميزانيات الأسر ومختلف جوانب الحياة اليومية. ومن أبرزها كتاب «الربح من دون إنتاج» لكوستاس لابافيتساس، وكتاب «السلعة» لفوتيس ليساندرو، و«قصة رأس المال» لديفيد هارفي، إلى جانب دراسات عن ديون الأسر وإعادة الإنتاج الاجتماعي. لكن تأثير اتّساع ديون الأسر في موقع العمّال داخل أماكن عملهم لم يحظَ باهتمام مماثل.

هذه هي المسألة التي يبحثها جورجوس غوزوليس في كتابه «الدَّين ومستقبل العمّال: الأمولة بوصفها استغلالاً في القرن الحادي والعشرين»، الذي يجمع بين الاقتصاد السياسي ودراسات العمل، ويجادل بأن الديون الشخصية أصبحت إحدى الآليات الأساسية لضبط العمّال. ويرى غوزوليس أن ديون الرهن العقاري والديون الطالبية وديون العلاج تعكس ركود الأجور وانعدام الأمان، وتسهم في تعزيزهما أيضاً، إذ تجعل العمّال أشدّ اعتماداً على استمرار عملهم. فكلّما ارتفعت المبالغ التي يتعيّن عليهم سدادها، ازدادت خسائرهم المحتملة، وتراجع استعدادهم للمخاطرة بالإضراب أو المشاركة في النشاط النقابي أو مواجهة أصحاب العمل.

أمولة مكان العمل والعامل

تكمن أبرز مساهمات الكتاب في الربط بين الأمولة خارج مكان العمل وعلاقات القوّة داخله. ينطلق غوزوليس من الاقتصاد السياسي ودراسات الأمولة وأبحاث العلاقات الصناعية واقتصاديات العمل، ليقدّم قراءة تتحدّى التصوّرات السائدة عن «مستقبل العمل»، التي تركّز أساساً على الذكاء الاصطناعي والأتمتة والمنصّات الرقمية وأشكال التوظيف الجديدة. ويضع الأسرة العاملة المديونة، إلى جانب مكان العمل، في عداد المواقع الأساسية لممارسة الضبط الرأسمالي. ومن هنا، يتحدّث عن صعود «الطبقة العاملة المديونة»، ويقصد بها شريحة متزايدة من العاملين الذين باتت الحاجة إلى سداد الديون تؤثّر أكثر فأكثر في خياراتهم، في ظلّ ضعف مؤسسات التنظيم الجماعي وتزايد انعدام الأمان الوظيفي.

تساعد ديون الأسر على سدّ الفجوة بين تراجع حصّة العمل وحجم الطلب الاستهلاكي. وفي الوقت نفسه، تسهم هذه الديون في إبقاء حصّة العمل من إيرادات الشركات منخفضة

يطوّر غوزوليس حجّته عبر استعراض تاريخي للتحوّلات التي طرأت على العمل وقوّة العمّال. ويربط تزايد المديونية الشخصية بتقليص تقديمات الرعاية الاجتماعية والخصخصة ورفع القيود التنظيمية على نطاق أوسع في ظلّ الرأسمالية المعاصرة. ومع تحميل الأسر قسطاً متزايداً من تكاليف تلبية احتياجاتها الأساسية، أصبحت الديون سمة بنيوية في حياة الطبقة العاملة أكثر منها مسألة ترتبط بالخيارات الفردية والسلوك المالي. وهكذا، يتراجع استعداد العمّال للمخاطرة، ويزداد ميلهم إلى قبول العمل الهشّ وتدهور ظروفه، خشية البطالة والتخلّف عن سداد ديونهم.

الاستغلال عبر ديون الأسر

ترتبط هذه الملاحظة بما يمكن اعتباره المساهمة الأكثر إلحاحاً وجدّة في الكتاب. يرى غوزوليس أن العلاقة بين ديون الأسر والاستغلال تؤدّي دوراً أساسياً في الارتفاع الحادّ للامساواة في الولايات المتحدة والعالم. وقد وُثّق حجم هذه اللامساواة على نطاق واسع، إذ يشير «تقرير اللامساواة العالمي لعام 2026» إلى أن أعلى 10% دخلاً من سكّان العالم يحصلون على 53% من الدخل العالمي، فيما لا تتجاوز حصّة أدنى 50% دخلاً نسبة 8%. ومع ذلك، نادراً ما يُحلَّل اتّساع تفاوت الدخل من منظور الاستغلال. فالتفسيرات السائدة ترى أن الأثرياء يمتلكون قدرة أكبر على الاستفادة من الفرص التي تتيحها التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية المستمرّة.

يقدّم كتاب «الدَّين ومستقبل العمّال» رؤية مختلفة. إذ يبيّن غوزوليس أن إبقاء أجور العاملين منخفضة في الاقتصاد المعاصر الذي تهيمن عليه الأمولة يُعدّ ضرورياً لإتاحة العوائد النقدية لمساهمي الشركات. فالأوراق المالية، التي لا تمتلك قيمة ذاتية، تستمدّ قدرتها على أداء وظيفة مخزن للقيمة بالنسبة إلى المساهمين من أسعارها، ما يستلزم عوائد نقدية منتظمة تدعم هذه الأسعار. ويؤدّي الضغط لخفض الأجور إلى الاستغلال، إذ تتّسع الفجوة بين ما يسهم العاملون في تحقيقه من إيرادات الشركات وما يحصلون عليه منها. وتشكّل ديون الأسر عنصراً أساسياً في عملية الاستغلال هذه، بسبب دورها المزدوج في الربط بين أسعار المتغيّرات الاقتصادية الأساسية المعنيّة وكميّاتها.

تساعد ديون الأسر على سدّ الفجوة بين تراجع حصّة العمل وحجم الطلب الاستهلاكي الإجمالي اللازم لتحقيق إيرادات الشركات وأرباحها. وفي الوقت نفسه، تسهم هذه الديون في إبقاء حصّة العمل من إيرادات الشركات منخفضة. فكما سبقت الإشارة، يتراجع استعداد العاملين المثقلين بالديون لمقاومة خفض الأجور، بسبب ما تضيفه المديونية من تبعات سلبية إلى أيّ مقاومة من هذا النوع.

التحرّك الجماعي في ظلّ الأمولة

انطلاقاً من الآلية التي تجعل الديون وسيلة لضبط العمّال، يستخدم غوزوليس هذا المفهوم لتفسير تراجع المشاركة النقابية والتحرّك الجماعي. ويستعرض كيف توسّعت الحركة العمّالية المنظّمة بعد الحرب، قبل أن تتراجع الكثافة النقابية في ظلّ النيوليبرالية. ويشدّد على تضافر آثار العولمة وتراجع التصنيع والأمولة وديون الأسر في هذا التراجع.

في تناوله للإضرابات العمّالية، يطوّر فكرة لافتة يسمّيها «الإسكات القسري بفعل الديون»، ومفادها أن العمّال قد يتمتّعون رسمياً بحقّ الامتناع عن العمل، لكن ظروفهم المادية تقيّد قدرتهم على ممارسة هذا الحقّ. فالديون تعمل إلى جانب سلطة الإدارة وسيطرتها، ما يوسّع نطاق الضبط الاقتصادي إلى خارج مكان العمل.

قد يتمتّع العمّال رسمياً بحقّ الامتناع عن العمل، لكن ظروفهم المادية تقيّد قدرتهم على ممارسة هذا الحقّ. فالديون تعمل إلى جانب سلطة الإدارة وسيطرتها، ما يوسّع نطاق الضبط الاقتصادي إلى خارج مكان العمل

ثم ينتقل غوزوليس إلى بحث أثر هذه الضغوط في حياة العمّال اليومية داخل أماكن عملهم. ففي فصل «الديون واليأس في مكان العمل»، يعود إلى مفهوم «جيش العمل الاحتياطي» لدى ماركس وإنغلز، ليجادل بأن العمل الهشّ والمنخفض الأجر يشكّل وضعاً بنيوياً في الرأسمالية المعاصرة، يستخدمه أصحاب العمل لضبط العمّال.

تزيد الديون الشخصية من حدّة هذه الهشاشة المتأصّلة. فعندما تهدّد البطالة العمّال بفقدان دخلهم وقدرتهم على سداد التزاماتهم المالية، قد يقبلون بأعباء عمل مفرطة وأجور راكدة ووظائف غير مستقرّة، تجنّباً للمخاطرة بفقدان عملهم. وهكذا، تتحوّل المديونية إلى مصدر لانعدام الأمان الاقتصادي والنفسي، وتعزّز التفاوتات الطبقية والجندرية والعرقية القائمة، نتيجة التحيّزات البنيوية التي تنطوي عليها تقييمات الجدارة الائتمانية للأفراد.

تكمن إحدى أبرز مساهمات الكتاب في الربط بين مجالين بحثيين غالباً ما يُدرسان كلٌّ على حدة: أمولة الاقتصاد والمجتمع من جهة، وأسواق العمل والعلاقات الصناعية والتحرّك الجماعي من جهة أخرى. ويرى غوزوليس أن فهم تراجع قوّة العمّال يقتضي النظر إلى ما هو أبعد من التغيّرات في التوظيف والبنى النقابية وقوانين العمل، إذ أصبحت الالتزامات المالية التي يتحمّلها العمّال أنفسهم جزءاً أساسياً من آليات إضعاف قوّتهم.

هل يمكن دمقرطة التمويل؟

يستحقّ الفصل الأخير من الكتاب، «تنظّموا، قاوموا، ألغوا: دمقرطة التمويل والعمل»، اهتماماً خاصاً، لأنه يبحث في التبعات السياسية لهذا التشخيص. ويربط غوزوليس النضالات المتعلّقة بالديون بالنضالات الجماعية المرتبطة بالعمل والقوّة الاقتصادية، انطلاقاً من رفض التعامل مع الديون الشخصية بوصفها مشكلة يمكن إدارتها على المستوى الفردي. وتشمل مقترحاته تنظيم المدينين والمستأجرين، ودمقرطة المؤسسات المالية عبر تعاونيات يملكها العمّال ويديرونها، إلى جانب تدابير لتوسيع الديمقراطية في أماكن العمل.

واللافت أن هذه الخلاصة ترفض الفصل بين الإصلاح المالي والسياسة العمّالية. فالحدّ من هشاشة وضع العمّال أمام دائنيهم يمكن أن يعزّز قدرتهم على التنظيم في أماكن عملهم، فيما تتيح إعادة بناء قوّتهم الجماعية معالجة الظروف التي تجعل المديونية أمراً لا مفرّ منه أصلاً. وهكذا، يشير الفصل إلى مشروع أوسع لدمقرطة التمويل والعمل، يتجاوز الاكتفاء بالتخفيف من تبعات الأمولة.

تكمن أهمية الكتاب في قدرته على تقديم تفسير نظري مقنع للعلاقة بين المديونية وسلوك العمّال وقوّتهم الجماعية، وإسناده بشواهد من سياقات تاريخية ووطنية مختلفة. وبذلك، يقدّم غوزوليس مقاربة متميّزة لفهم الاستغلال في القرن الحادي والعشرين. فسلطة رأس المال على العمّال لا تتوقّف عند بوّابة المصنع أو باب المكتب، وإنما تمتدّ عبر الديون إلى داخل بيوتهم.

نُشِر هذا المقال في LSE Review of Books في 28 أيلول/سبتمبر 2026 بموجب رخصة المشاع الإبداعي.

    فوتيس ليساندرو

    أستاذ باحث في الاقتصاد السياسي العالمي، ومدير مشارك لمركز سيتي لأبحاث الاقتصاد السياسي في جامعة سيتي سانت جورج بلندن.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة