معاينة al-sharaa & bin salman

سوريا ما بعد الأسد
استثمارات خليجية في الاستقرار السلطوي

شكّل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 تحوّلاً إقليمياً بالغ الأهمية في موازين القوى الجيوسياسية في المشرق العربي، ولا سيّما على حساب الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشبكات نفوذها، وفي مقدّمها حزب الله في لبنان. لم يكن هذا التحوّل نتاج حدث داخلي معزول، بل نتيجة مسار طويل من الاستنزاف السياسي والعسكري لإيران، بفعل الاغتيالات الإسرائيلية المتكرّرة التي استهدفت قيادات إيرانية، والهجمات المباشرة على الأراضي الإيرانية، فضلاً عن الحرب الإسرائيلية الوحشية والمدمّرة على لبنان، التي ألحقت أضراراً جسيمة بحزب الله، أحد أعمدة المحور الإيراني.

وفي ظل هذا المشهد السياسي الإقليمي المتغيّر، سارعت الدول الخليجية إلى إعادة صياغة موقعها في سوريا، بوصفها مساحة مفتوحة لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية، لا كمجال لانتقال ديمقراطي أو إعادة بناء اجتماعي. كما سعت إلى تحويل انهيار النظام السابق إلى فرصة سياسية واقتصادية لترسيخ نفوذها، ومنع أي عودة إيرانية محتملة، وإعادة إدماج دمشق ضمن محور إقليمي تقوده الولايات المتحدة.

من التطبيع مع الأسد إلى احتضان السلطة الجديدة

قبل الإطاحة بنظام الأسد، كانت معظم ممالك الخليج العربي، باستثناء قطر، قد باشرت مسار تطبيع تدريجي مع دمشق، ولا سيّما الإمارات العربية المتحدة منذ نهاية العام 2018. غير أنّ سقوط النظام سرّع عملية الانتقال من التطبيع مع السلطة القديمة إلى احتضان النخب الحاكمة الجديدة، بقيادة هيئة تحرير الشام. 

وعلى الرغم من المخاوف الأوّلية بشأن الخلفية الجهادية السابقة للهيئة، حرصت السلطات الجديدة في دمشق بشدّة على طمأنة عواصم الخليج العربي، وتقديم نفسها كقوّة «ضامنة للاستقرار الإقليمي» لا كمصدر تهديد للدول الخليجية. وقد عبّر الرئيس السوري المؤقّت، أحمد الشرع، بوضوح عن هذا التوجّه في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2024 حين أعلن أنّ «سوريا المُحرّرة ستضمن الأمن للمنطقة والخليج العربي على مدى السنوات الخمسين المقبلة». 

سارعت الدول الخليجية إلى إعادة صياغة موقعها في سوريا، بوصفها مساحة مفتوحة لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية، لا كمجال لانتقال ديمقراطي أو إعادة بناء اجتماعي

ولم يكن اختيار وجهات الزيارات الأولى اعتباطياً. شكّلت زيارة المملكة العربية السعودية في شباط/فبراير 2025 أولى رحلات الشرع الخارجية، حيث التقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ومن جانبه، كان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أول زعيم عربي يزور سوريا في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي بعد سقوط الأسد. الرسالة كانت واضحة: السلطة الجديدة تطلب شرعية إقليمية، وتعرض الاستقرار في مقابل الاعتراف والدعم.

تنويع التحالفات والارتهان للمحور الأميركي

صحيح أن أنقرة والدوحة كانتا الرابحين الرئيسيين من سقوط نظام الأسد، بحكم علاقاتهما السابقة مع هيئة تحرير الشام، إلا أن السلطة السورية الجديدة حرصت على تنويع علاقاتها مع دول إقليمية أخرى، ولا سيما المملكة العربية السعودية. 

وقد أدّت الرياض دوراً محورياً في تسريع الاعتراف الإقليمي والدولي بالسلطة الجديدة في سوريا، ضمن مسعى أوسع لإعادة إدماج سوريا في محور جيوسياسي تقوده الولايات المتحدة، ويضمّ حلفاءها الإقليميين كتركيا وقطر والإمارات العربية المتّحدة والمملكة العربية السعودية. وقد لاقى هذا التوجّه ترحيباً خليجياً واضحاً، كونه يضمن إخراج سوريا من الفلك الإيراني، وإعادة ضبطها داخل منظومة إقليمية.

التطبيع مع إسرائيل وشروط السيادة المنقوصة

في قلب هذا التموضع الجديد، تبرز مسألة العلاقة مع إسرائيل. فقد أبدت السلطات السورية استعداداً للدخول في شكل من أشكال التطبيع، وتقديم ضمانات أمنية لتل أبيب. وسهّلت الإمارات العربية المتحدة محادثات غير رسمية بين الطرفين، سبقت محادثات أذربيجان في تموز/يوليو 2025، وجاءت بعد زيارة الشرع إلى أبو ظبي في نيسان/أبريل من العام نفسه. وعلى الرغم من التصعيد العسكري في تموز/يوليو 2025، على خلفية المجازر التي ارتكبتها ميليشيات مرتبطة بسلطات دمشق في السويداء، وما تبعها من غارات إسرائيلية، لم تتوقّف القنوات السياسية بين الطرفين. إلا أن محاولة الشرع إحياء اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 بين إسرائيل وسوريا، قبل الانخراط بشكل أعمق في التطبيع السياسي، اصطدمت برفض إسرائيلي للانسحاب من الأراضي السورية المحتلّة حديثاً بعد سقوط الأسد، ورفض دمشق الامتثال للمطلب الإسرائيلي بنزع سلاح المحافظات الجنوبية الثلاث للبلاد. 

يتكامل هذا المسار مع شروط إلغاء قانون قيصر، الذي رُفِع رسمياً في نهاية العام 2025، مصحوباً بشروط، من بينها شروط تتعلّق مباشرة بإسرائيل. إذ يتعيّن على سوريا الامتناع عن أي عمل عسكري أحادي الجانب ضدّ جيرانها، وتحديداً إسرائيل، وعدم تمويل أو مساعدة أو إيواء أي شخص أو مجموعة تُعتبرها الولايات المتحدة مهدّدة لأمنها القومي أو أمن حلفائها. عملياً، تجعل هذه الشروط السلطات السورية مسؤولة عن حماية أمن إسرائيل، على الرغم من استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية. ومن المرجّح أن تستخدم إسرائيل هذه الشروط في مفاوضاتها بشأن منطقة منزوعة السلاح في المحافظات الجنوبية الثلاث في سوريا. 

وإذا لم تلتزم سوريا بهذه الشروط، فيمكن للرئيس الأميركي إعادة فرض العقوبات إذا رأى ذلك ضرورياً. وبشكل عام، تقوّض هذه المتطلّبات السيادة الوطنية السورية وتعبّر عن إعادة إدماج مشروطة، كما تعزّز الهيمنة السياسية لواشنطن على دمشق من خلال فرض شروط تخدم مصالحها الجيوسياسية ومصالح حلفائها الإقليميين، ولا سيما إسرائيل. 

أدّت الرياض دوراً محورياً في تسريع الاعتراف الإقليمي والدولي بالسلطة الجديدة في سوريا، ضمن مسعى أوسع لإعادة إدماج سوريا في محور جيوسياسي تقوده الولايات المتحدة

وتماشيًا مع هذه الديناميات الهادفة إلى الدفع نحو شكلٍ من أشكال التطبيع بين دمشق وتل أبيب، عُقدت في كانون الثاني/يناير 2026 جولة جديدة من المحادثات برعاية أميركية، استمرّت يومين في العاصمة الفرنسية باريس. وفي أعقاب هذه الجولة، صدر بيان مشترك عن الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، أكّد التزام دمشق وتل أبيب بالسعي إلى التوصّل لترتيبات أمنية دائمة، وكذلك إنشاء آلية مشتركة «لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، واستكشاف الفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة».

إقصاء إيران وحزب الله: شرط الاندماج الإقليمي

تسعى السلطة السورية الحاكمة إلى منع أي عودة للنفوذ الإيراني في البلاد، وكذلك حزب الله، فهما عدوان لدودان للولايات المتّحدة، وتعتبرهما معظم الدول الخليجية منافسين أو جهات معرقلة. ولا يرتبط هذا الموقف بدور إيران وحزب الله في خلال الانتفاضة السورية والعداء الذي تكنّه لهما قطاعات واسعة من الشعب السوري فحسب، بل يرتبط أيضاً بالتوجّه السياسي للسلطة السورية الجديدة نحو ترسيخ وجود البلاد في محور إقليمي تقوده الولايات المتّحدة. 

وقد تُرجِم ذلك عملياً بتشديد دمشق سيطرتها على الحدود مع لبنان، ومصادرة شحنات أسلحة وأموال متّجهة إلى حزب الله في مناسبات عدّة منذ سقوط نظام الأسد السابق. 

أيضاً تهدف دمشق من خلال هذا التغيير في التحالفات إلى توطيد سلطتها داخلياً، ورفع العقوبات، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وانطلاقاً من الشرعية المستمرّة لحكمها من القوى الإقليمية والدولية، انتهجت السلطة السورية الجديدة إستراتيجية لتعزيز هيمنتها على المؤسسات السياسية للدولة، والأجهزة الأمنية، والجيش، والمجتمع بشكل عام. كما كثّفت إجراءاتها ضدّ تهريب الكبتاغون والاتجار به، وهو ما يُعدّ من أولويات المملكة العربية السعودية. قبل سقوط نظام الأسد، كان إنتاج الكبتاغون وتوزيعه خاضعاً لسيطرة الفرقة الرابعة ورجال أعمال سوريين موالين لها برزوا في خلال الحرب.

الاستثمارات الخليجية: تثبيت السلطة قبل التنمية

في هذا السياق، تسعى النخب الحاكمة في الدول الخليجية إلى دعم استقرار السلطة الجديدة في سوريا، طالما تُظهر هذه الأخيرة استعداداً واضحاً للاستجابة لمصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية. وقد تجلّى ذلك أولاً في الدور الذي أدّته هذه الدول، ولا سيما السعودية، في الدفع نحو رفع العقوبات الأميركية المفروضة على دمشق، والعمل على إلغاء قانون قيصر لعام 2019 بحلول نهاية 2025. وفي نيسان/أبريل الماضي، سدّدت السعودية وقطر متأخّرات سوريا للبنك الدولي، والبالغة نحو 15 مليون دولار، ما سيمكّن دمشق من استئناف الحصول على الدعم المالي والمساعدة التقنية من البنك. 

لم يكن هذا الإجراء تقنياً بحتاً، بل خطوة سياسية تهدف إلى إعادة إدماج الدولة السورية في المؤسسات المالية الدولية، ومنح السلطة الجديدة اعترافاً عملياً بشرعيتها. وبالتوازي، ومع انخراطها الاقتصادي المتزايد في سوريا، ضاعفت الدول الخليجية المساعدات المالية لتمويل رواتب موظّفي مؤسّسات الدولة وتأمين موارد الطاقة، بما في ذلك مشتقات النفط والكهرباء، فضلاً عن إطلاق سلسلة من الوعود الاستثمارية وتوقيع مذكّرات تفاهم. ففي أيار/مايو 2025، أُبرمت مذكرة تفاهم بين دمشق وشركة موانئ دبي العالمية (DP World)، التابعة لشركة دبي العالمية في الإمارات العربية المتحدة، بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس، بما يشمل المناطق الصناعية والتجارية الحرّة. وفي الشهر التالي، وُقّعت مذكرة تفاهم مع تحالف تقوده شركة UCC Concession Investments القطرية لاستثمار ما يصل إلى 7 مليارات دولار في قطاع الطاقة. 

وفي نهاية تموز/يوليو، استضافت دمشق منتدى الاستثمار السوري السعودي، الذي أسفر عن وعود استثمارية بقيمة 6.4 مليار دولار أميركي شملت 47 اتفاقية، وتوزّعت هذه الالتزامات بين نحو 2.93 مليار دولار لمشاريع العقارات والبنية التحتية، وحوالى 1.07 مليار دولار لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. بالإضافة إلى الإعلان عن تأسيس «مجلس الأعمال السعودي–السوري». وبعد أسابيع قليلة، أُعلن عن استثمارات جديدة، من بينها مشروع تجديد مطار دمشق الدولي بتكلفة تقديرية تبلغ 4 مليارات دولار بالشراكة مع شركة UCC Concession Investments القطرية، إلى جانب إنشاء خط مترو في العاصمة دمشق بقيمة ملياري دولار بالتعاون مع مؤسسة الإمارات الوطنية للاستثمار. 

تقوم الإستراتيجية السعودية على الجمع بين خفض التصعيد والانخراط، وترك مهمة الاحتواء العسكري والأمني للنفوذ الإيراني لكل من واشنطن وتل أبيب

تعكس هذه الوعود الاستثمارية، في معظمها، التوجّهات السياسية والاقتصادية الخاصة بالدول الخليجية، التي تُفضّل الاستثمار في مشاريع البناء الضخمة والطاقة، فضلاً عن دينامية تجارية تتسم بالسعي وراء الربح السريع في قطاعات مثل السياحة والعقارات والخدمات المالية. ويأتي ذلك غالباً على حساب القطاعات الإنتاجية الأساسية، بما في ذلك الصناعات التحويلية والزراعة، بما يعيد إنتاج نموذج تنموي مشوَّه سبق أن طبع مرحلة ما قبل 2011. 

ومع ذلك، لا تزال هذه المشاريع تصطدم بعقبات وتحدّيات جدّية، سواء على الصعيد السياسي، ولا سيما فيما يتعلق بتحقيق الاستقرار الداخلي، أو على الصعيد الاقتصادي والتنفيذي. لم يدخل الكثير من مذكرات التفاهم والاتفاقيات الاقتصادية المبرمة مع ممالك الخليج حيز التنفيذ، فيما اتمت بعض المؤتمرات والصفقات التي أعلنت عن استثمارات ضخمة بطابع سياسي واضح، هدفه دعم السلطة الحاكمة الجديدة في سوريا واستقرارها، بدلاً من خدمة أغراض اقتصادية. 

وفي هذا الإطار، أدّت وسائل الإعلام الخليجية دوراً مكمّلاً لهذا الدعم السياسي. فقد تبنّت معظم القنوات التلفزيونية الخليجية، ولا سيما قناة الجزيرة القطرية، الخطاب الرسمي للحكومة السورية بشأن أحداث السويداء المأساوية مع المجازر التي ارتكبتها القوّات المسلّحة التابعة لسلطات دمشق في منتصف تموز/يوليو، وروّجت له، مُلقية باللوم في الغالب على شخصيات درزية محدّدة ومجموعات مسلّحة، فضلاً عن إسرائيل، في أعمال العنف، بما ساهم في تبرئة السلطة المركزية من مسؤولياتها السياسية والأمنية.

السعودية: استقرار سلطوي مقابل إعادة تموضع إقليمي

تتمثّل الأهداف الرئيسة لاستثمارات الدول الخليجية في سوريا في المقام الأول في تثبيت النظام الحاكم الجديد في دمشق وإضفاء الشرعية عليه سياسياً، وثانياً في تحقيق عوائد اقتصادية. ويخدم هذا التثبيت السلطوي مصالح الدول الخليجية في تعزيز وتوطيد نموذج الاستقرار الاستبدادي على المستوى الإقليمي، بوصفه شرطاً ضرورياً لحماية أنظمتها السياسية وضمان استمرارية مصالحها الاقتصادية. 

ينطبق هذا بشكل خاص على المملكة العربية السعودية، لا سيما في ظل تركيزها على مسار الإصلاحات الاقتصادية والأهداف المحددة في رؤيتها 2030. تهدف هذه الخطة الاقتصادية إلى تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري وتأمين ما يصل إلى 100 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة سنوياً بحلول نهاية العقد، غير أن هذه الأهداف تواجه تحدّيات وانتكاسات مستمرّة في ظل بيئة إقليمية غير مستقرّة وسياسات خارجية مكلفة. لقد باءت السياسة الخارجية التصادمية التي انتهجها ولي العهد محمد بن سلمان، وتمثلت في الحرب الدامية التي شنّها على اليمن في العام 2015 وممارسة سياسة الضغوط القصوى على طهران وحلفائها في المنطقة، بالفشل الذريع. فقد أصبحت هذه السياسات عبئاً سياسياً واقتصادياً ثقيلاً، يهدّد مباشرة مشاريع إعادة هيكلة الاقتصاد السعودي، ويقوّض قدرة المملكة على جذب الاستثمارات الأجنبية. لذا، سعت الرياض إلى إعادة تموضع إقليمي يقوم على خفض التصعيد وبناء علاقات أكثر براغماتية مع خصوم الأمس، بدءاً بالمصالحة مع قطر (2021) ثم إعادة تطبيع العلاقات مع تركيا (2022)، وصولاً إلى الاتفاق مع إيران (2023). وتهدف السعودية من هذا التحوّل إلى تعزيز بيئة سياسية استبدادية مع دول إقليمية أخرى، بما يضمن مصالحها السياسية والاقتصادية. 

في هذا الإطار، تحوّلت العلاقة مع إيران من المواجهة المفتوحة إلى التعايش المنضبط. وتقوم الإستراتيجية السعودية على الجمع بين خفض التصعيد والانخراط، وترك مهمة الاحتواء العسكري والأمني للنفوذ الإيراني لكل من واشنطن وتل أبيب، طالما جرى تجنّب انفجار إقليمي شامل. ويبرز ذلك بوضوح في الدور الذي أدّته السعودية، إلى جانب الإمارات، في نيسان/أبريل 2024، عبر المساهمة في تحييد الهجوم الإيراني ضد إسرائيل، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة وتل أبيب. كما سمحت الرياض لطائرات التزويد الأميركية باستخدام مجالها الجوي لدعم العمليات العسكرية في خلال تلك المرحلة.

على الرغم من التنافس المستمر بين ممالك الخليج، إلا أنها تتقاطع عند هدف مركزي: عدم العودة إلى وضع مماثل لما كان عليه قبل «انتفاضات الربيع العربي» في العام 2011، وبالتالي ترسيخ نظام إقليمي يقوم على الاستقرار السلطوي

ضمن هذا الإطار الأوسع، لا تزال المملكة العربية السعودية تتطلّع إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولكن بشروط محدّدة تضمن مصالحها السياسية والأمنية، وفي مقدّمها الحصول على مظلة أمنية أميركية رسمية، على غرار تلك التي تتمتّع بها إسرائيل، إلى جانب دعم أميركي لتطوير برنامج نووي مدني. وقد تعزّزت هذه الرغبة في الحصول على ضمانات أميركية إضافية في المرحلة التي تلت السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ بات يُنظر إلى إسرائيل على نحو متزايد بوصفها مصدر تهديد للأمن القومي والاستقرار الإقليمي، في ضوء توسّع عملياتها العسكرية في مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك استهداف مناطق ترتبط بحلفاء للولايات المتحدة، مثل قطر.

 ويأتي هذا المسار في سياق دفع واشنطن نحو تسريع تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وخصوصاً الدول الخليجية، كجزء من إستراتيجية أميركية أوسع لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، في ظل تنافسها المتصاعد مع الصين. 

سوريا في قلب إعادة إنتاج الاستقرار السلطوي الإقليمي

على الرغم من التنافس المستمر بين ممالك الخليج، إلا أنها تتقاطع عند هدف مركزي: عدم العودة إلى وضع مماثل لما كان عليه قبل «انتفاضات الربيع العربي» في العام 2011، ومنع أي حركات احتجاجية جديدة تدعو إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة، وبالتالي ترسيخ نظام إقليمي يقوم على الاستقرار السلطوي. 

وفي هذا السياق، يُعدّ استقرار السلطة الحاكمة الجديدة في دمشق، المستعدّة لخدمة مصالحها الوطنية والإقليمية، أولوية قصوى للممالك الخليجية. فسوريا لا تُعاد صياغتها كدولة مستقلة ولا بوصفها مجتمعاً مدمَّراً يحتاج إلى إعادة بناء، بل كركيزة إضافية في نظام إقليمي يعيد إنتاج الاستبداد، هذه المرّة تحت لافتة الاستقرار والتنمية.