5 أمراض قد تقتل الأطفال في 2026
لن يكون أكبر تهديد صحي يواجهه الأطفال في العام 2026 جرثومة جديدة، بل أمراضاً مألوفة نعرف جيداً كيف نمنع انتشارها. تحذر منظمة أنقذوا الأطفال (Save the Children) من أنّ تلاقي 3 مسارات: تقلّص ميزانيات الصحة، اشتداد صدمات المناخ، واتساع رقعة النزاعات، قد يعيد 5 أمراض مألوفة إلى الواجهة، وقد يتأثر خصوصاً الأطفال الأصغر سناً.
تشير المنظمة إلى 3 نقاط ضغط رئيسة: يُقدَّر أنّ التمويل الصحي للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط قد انخفض بما لا يقل عن الخُمس، وأنّ 520 مليون طفل عاشوا في مناطق نزاع في العام 2024 (أكثر من 1 من كل 5 أطفال في العالم)، وأنّ ما يُقدَّر بـ 73 ألف طفل يومياً تأثروا هذا العام بأزمات مناخية. يمكن لتلك العوامل أن تدمّر أنظمة المياه، وتعطّل برامج التلقيح، وتؤدي إلى إغلاق العيادات الأمامية. وينتج عن ذلك «عاصفة مكتملة الأركان» للكوليرا والحصبة والملاريا وأمراض الإسهال والسل، وهي أمراض يمكن الوقاية من معظمها، لكنها تصبح قاتلة حين تنهار مقومات البقاء الأساسية.
الكوليرا
تمثّل الكوليرا كابوس انهيار الأنظمة الصحية، لأنها تنتقل عبر الماء والغذاء الملوثين، وتستغلّ فوراً أي خلل في خدمات الصرف الصحي. عندما تدفع الحروب العائلات إلى ملاجئ مكتظة، أو تتسبّب الفيضانات في إتلاف الأنابيب والمراحيض، يجد المرض مسارات جديدة للانتشار، وغالباً ما يكون الأطفال هم من يشربون من أقرب مصدر متاح للمياه. تشير أنقذوا الأطفال إلى تسجيل ما لا يقل عن 581,500 حالة كوليرا و7,200 وفاة في العام 2025. على الرغم من انخفاض الأعداد الإجمالية للحالات بالمقارنة مع العام السابق، يمكن أن ترتفع الوفيات عندما تندلع الفاشيات في مناطق متأثرة بالنزاعات، وعندما تؤدي تخفيضات المساعدات إلى تقليص الوصول إلى المياه الآمنة والخدمات الصحية الأساسية، بما في ذلك إغلاق آلاف عيادات الرعاية الصحية الأولية. الكوليرا مرض قابل للعلاج، لكن فقط إذا كان محلول الإماهة الفموية، والسوائل الوريدية، والرعاية السريعة في المتناول، وهذه بالضبط هي العناصر التي تختفي أولاً عندما تُغلَق العيادات وتنهار سلاسل الإمداد.
الحصبة
تُوصَف الحصبة في كثير من الأحيان بأنها «مرض طفولة»، لكن تخفي هذه العبارة مدى شراسة انتشارها ومدى عدم تسامحها مع أي فجوة في المناعة. فيروس الحصبة معدٍ لدرجة أن يمكن لشخصٍ واحدٍ مصاب أن ينقل العدوى إلى نحو 12-18 شخصاً من غير المحصّنين، ولهذا تنفجر الفاشيات عندما تهبط تغطية اللقاح ولو لفترة وجيزة. تقدّر منظمة الصحة العالمية أنّ 95,000 شخص، معظمهم من الأطفال دون سن الخامسة، توفوا بسبب الحصبة في العام 2024، مع نحو 11 مليون إصابة، وتحذّر من أن هذا المرض «سوف يستغل أي فجوة» في الدفاعات الجماعية. لم يتلقَّ سوى نحو 84% من الأطفال الجرعة الأولى من لقاح الحصبة، و76% فقط حصلوا على الجرعة الثانية في العام 2024، وهي مستويات تقلّ بكثير عن نسبة 95% المطلوبة من التغطية بجرعتين لوقف انتقال العدوى، ما يترك أكثر من 30 مليون طفل بنقص في الحماية. عندما تُخفَّض ميزانيات الترصد وبرامج التمنيع، لا تصبح الفاشيات أكثر احتمالاً فحسب، بل تُكتشف في وقت متأخر، ويأتي الرد أبطأ، وتستمر لفترات أطول. حتى البلدان ذات الدخل المرتفع يمكن أن تتراجع، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن إقليم الأمريكتين فقد مجدداً وضع القضاء على الحصبة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بسبب استمرار انتقال العدوى في كندا، في تذكير بأن الحصبة حساسة لأي خلل في تغطية اللقاح.
الملاريا
تقتل الملاريا بصمت لأنها مرض قديم ومألوف في الوقت نفسه. تكشف الأرقام عن مرض لم يتراجع بالسرعة الكافية وقد يكون على وشك الانفجار حيث الأنظمة الصحية تحت ضغط. تقدّر منظمة الصحة العالمية تسجيل 282 مليون حالة ملاريا و610,000 وفاة في العام 2024 عبر 80 دولة، مع تحمّل الإقليم الأفريقي حوالي 95% من الحالات والوفيات معاً. يشكّل الأطفال دون سن الخامسة نحو ثلاثة أرباع وفيات الملاريا في الإقليم، ما يعني أن الملاريا أصبحت حالة طوارئ أطفال تتكرر كل موسم مطير. ما يجعل العام 2026 مقلقاً بشكل خاص هو تقاطع رياح معاكسة بيولوجية وسياسية: تزايد مقاومة الملاريا للأدوية، ومقاومة الحشرات للمبيدات بما يضعف فعالية بعض الناموسيات، والنزاعات التي تعطل حملات الرش، وتغيّر المناخ الذي يوسّع مناطق تكاثر البعوض عبر الفيضانات وتجمّع المياه الراكدة. يشير التقرير السنوي لمنظمة الصحة العالمية عن الملاريا، إلى فجوة تمويل مزمنة، إذ استُثمر نحو 3.9 مليار دولار في مكافحة الملاريا في العام 2024 مقابل هدف يتجاوز 9 مليارات دولار، وهي فجوة تترك الأدوات المثبتة الفعالية، بما في ذلك الأجيال الأحدث من الناموسيات واللقاحات، بعيدة عن تناول المجتمعات التي تحتاج إليها.
أمراض الإسهال
لا يبدو الإسهال موضوعاً درامياً لعناوين الأخبار، لكنه لا يزال من أكثر القتلة ثباتاً للأطفال الصغار لأنه يحوّل التلوث اليومي إلى حالة جفاف وسوء تغذية مميتة. تصنّف منظمة الصحة العالمية أمراض الإسهال كثالث سبب رئيسي لوفيات الأطفال بين عمر شهر واحد و59 شهراً، إذ تقتل نحو 443,832 طفلاً دون سن الخامسة كل عام، مع ما يقارب 1.7 مليار حالة إسهال في الطفولة سنوياً. يمكن الوقاية منه عبر المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي والنظافة، وعلاجه بتدخلات منخفضة التكلفة مثل محلول الإماهة الفموية والزنك، لكن استمرارية الوصول إلى تلك الخدمات شرطاً أساسياً للوقاية. تعاظمت هشاشة الوصول إلى هذه الخدمات نتيجة الاضطرابات المناخية. تلوّث الفيضانات الآبار وتفيض أنظمة الصرف الصحي، وتفاقم الحرارة والجفاف انعدام الأمن المائي وتكاثر الجراثيم، وكلاهما يزيد الزمن الذي تقضيه الأسر في الاعتماد على مصادر غير آمنة من المياه. وتُظهر مراجعات الأبحاث حول المناخ وصحة الأطفال أن أمراض الإسهال هي أحد المسارات الرئيسة التي تتحول عبرها الأخطار المناخية إلى أمراض تصيب الأطفال، خصوصاً في الأماكن التي تكون فيها المياه والصرف الصحي في وضع هش أساساً.
السل
السل هو مرض «بطيء الاحتراق». ينتقل عبر الهواء، وقد يستغرق تشخيصه أسابيع، ويتطلب أشهراً من العلاج المتواصل. يحوّل أي انقطاع هذا المرض القابل للسيطرة إلى مرض فتاك. تشير منظمة الصحة العالمية إلى وفاة ما يقرب من 200,000 طفل بسبب السل في العام 2023، معظمهم دون سن الخامسة، وأن 1.25 مليون طفل ويافع أصيبوا بالمرض في العام نفسه. لا تكمن المأساة في حجم العبء فحسب، بل في درجة «اللا مرئية»: نحو 50% من الأطفال المصابين بالسل لا يتم تشخيصهم ولا علاجهم، وبالتالي يبقون معرضين للوفاة بسبب مرض يمكن الوقاية منه وعلاجه. لذلك تحديداً تكون الانقطاعات في التمويل خطِرة للغاية. تشير دراسة نمذجة نُشرت في العام 2025 في مجلة The Lancet إلى أنه إذا توقفت خدمات السل والفيروسات المنقوصة المناعة المدعومة بالمساعدات الصحية الدولية، يمكن أن يشهد العالم ملايين الحالات والوفيات الإضافية من السل لدى الأطفال بين عامي 2025 و2034، بما في ذلك 8.9 ملايين حالة إضافية و1.5 مليون وفاة في سيناريو انسحاب تمويلي حاد، مع أعظم الآثار في أفريقيا وجنوب شرق آسيا. تشير الدراسة نفسها إلى أن الأضرار تنخفض بشكل كبير إذا استُعيدت الخدمات في العام 2026، ما يحوّل السل إلى خيار سياسي واضح: الاستمرارية تنقذ الأرواح.
لا يُعد أي من هذه الأمراض الخمسة قاتلاً محتوماً. فهي تتحول إلى قتلة عندما تنهار بنية البقاء الأساسية: المياه النظيفة، والتلقيح الروتيني، والعيادات المزوّدة بالأدوية، والعاملون الصحيون المدرَّبون، والمختبرات الشغالة، والعلاج الذي لا ينقطع. ظهرت هذه العلاقة العضويّة بين البنية التحتية والصحة بوضوح شديد في قطاع غزّة خلال العامين الماضيين. يُطلب من الأنظمة الصحية لعام 2026 بأن تفعل أكثر بموارد أقل، في ظروف أكثر خطورة، ولأعداد أكبر من الأطفال. لا داعي لتحاليل معقّدة لفهم أن هذه المعادلة ستؤول حكماً إلى الفشل. لكن الفشل في هذه الحالة، يعني موت الأطفال.