معاينة feminist protests archive

الاقتصاد النسوي
الزمن والجسد والرعاية كحقول لإنتاج القيمة

  • الاقتصاد النسوي ليس مجرد دعوة للمساواة، بل مشروع فلسفي وأنثروبولوجي لإعادة بناء مفهوم الاقتصاد من جذوره
  • إعادة تنظيم الزمن وفق متطلبات العمل المأجور، يعني في كثير من الأحيان اقتطاع الزمن من الجسد الأنثوي، من الأمومة، من الطقوس، من الذات

في زمن تتسارع فيه الأزمات وتنهار فيه المفاهيم الاقتصادية التقليدية، يعيد الاقتصاد النسوي رسم حدود ما يُعتبر «عملًا» و«قيمة». من خلال عدسة أنثروبولوجية، تنكشف أبعاد جديدة للاقتصاد تُغفلها الإحصاءات: الجسد، الرعاية، الزمن، والمشاعر. تتناول هذه المقالة كيف تنتج النساء الاقتصاد في الصمت، في العناية، وفي الأوقات المسروقة من الزمن الرسمي، لتُعيد تشكيل خريطة الفاعلية الاقتصادية خارج المنظومات النيوليبرالية السائدة.

الاقتصاد غير المرئي: حين تُبنى الأسواق على أكتاف الرعاية

في العقود الأخيرة، تحوّل الاقتصاد النسوي من حقل هامشي إلى مشروع معرفي راديكالي يعيد مساءلة جوهر الاقتصاد نفسه. لا يعود الأمر فقط إلى إبراز دور النساء في الاقتصاد، بل إلى تفكيك المفاهيم التي يقوم عليها هذا العلم، مثل القيمة، الزمن، العمل، الإنتاج، والمرئي مقابل اللامرئي. في قلب هذه المقاربة تقف الأنثروبولوجيا كعدسة نقدية، تُسائِل السرديات السائدة عبر العودة إلى الحياة اليومية، إلى التجسيد والمعنى، إلى ما يُهمّش بوصفه طقوساً أو مشاعر أو تفاصيل.

المرأة ليست غائبة عن الاقتصاد، بل مغيّبة عبر تعريفات ضيّقة لا تعترف بعملها غير المأجور كجزء من النشاط الاقتصادي

من خلال هذه العدسة الأنثروبولوجية، لا يُفهم الجندر كمجرد فئة تحليلية بل كبنية رمزية يُعاد إنتاجها يومياً من خلال العمل، الرعاية، والعلاقات الاجتماعية. فالمرأة ليست غائبة عن الاقتصاد، بل مغيّبة عبر تعريفات ضيّقة لا تعترف بعملها غير المأجور كجزء من النشاط الاقتصادي. هذا ما تشير إليه نانسي فولبر (Nancy Folbre, 2001) حين تعيد تعريف الاقتصاد بوصفه شبكة علاقات تعتمد على «العمل غير المدفوع» الذي تمارسه النساء، والذي يسمح أصلاً باستمرار الاقتصاد الرسمي الذي تحتفي به النظريات التقليدية.

ما يُسمّى «اقتصاد الرعاية» لا يُحتسب في الناتج المحلي، ولا يُكافأ مالياً، على الرغم من كونه حجر الأساس في إعادة إنتاج الحياة. هنا تتقاطع الأنثروبولوجيا مع الاقتصاد النسوي في مساءلة ما يُحسب وما يُهمل، لا فقط على مستوى الأرقام بل على مستوى الزمن نفسه. فالمجتمع، بحسب ملاحظات جوان ترونتو (Joan Tronto, 1993)، لا يمكنه البقاء دون شبكة غير مرئية من الرعاية التي توفّرها النساء، سواء داخل الأسرة أو في الفضاءات المجتمعية، وغالباً من دون أي مقابل مادي.

الزمن كعبء ومعيار: كيف يُستنزف جسد النساء في صمت؟

الزمن، كما توضح باربرا آدامز (Barbara Adams, 1995)، ليس وحدة قياس حيادية بل بناء اجتماعي وثقافي. تعيش النساء، لا سيما في المجتمعات ما بعد الاستعمارية أو الهامشية، زمناً متعدداً ومتداخلاً، لا يفصل بين العمل والرعاية، بل يجمع بينهما في لحظات من الإرهاق والتفاوض والتجسيد. في دراسات إثنوغرافية مثل تلك التي أجرتها مارثا روسلر(Martha Rosler, 2011) في مناطق ريفية مغربية، تظهر النساء وهنّ يزاوجن بين زراعة الأرض، إعداد الطعام، وتنشئة الأطفال. إحدى النساء وصفت زمنها قائلة: «كلّ شيء يحدث في آن واحد. وقتي لا ينفصل». هذا التداخل يعيد تعريف الزمن لا كخيط خطي، بل كفضاء يتقاطع فيه الاقتصادي بالعاطفي والرمزي.

تعيش النساء، لا سيما في المجتمعات ما بعد الاستعمارية أو الهامشية، زمناً متعدداً ومتداخلاً، لا يفصل بين العمل والرعاية، بل يجمع بينهما في لحظات من الإرهاق والتفاوض والتجسيد

وفي جنوب الهند، توضح هيلين لوي (Helen Loy, 2014) كيف تنظّم النساء أوقاتهن وفق الطقوس والمناسبات الاجتماعية والدينية، حيث يعاد إنتاج الجندر عبر الزمن نفسه. الطقوس ليست مجرد طقوس، بل وسائل لتنظيم الحياة اليومية وإعطائها معنى في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية هائلة. الوقت في هذه السياقات هو أيضًا أداة للتماسك والمقاومة، لا فقط للإنتاج.

ما لا يُحسب في الناتج المحلي: العمل العاطفي والزمن المقطّع

هذا الزمن المتجسّد يظهر بوضوح في دراسة جاكلين ماسود (Jacqueline Masood, 2017) لعاملات مصانع النسيج في باكستان، حيث الجسد النسائي يُستنزف بفعل جداول عمل مكثفة تفكّك الزمن البيولوجي والاجتماعي. تعبّر العاملات عن الزمن كعبء: «إنه يهرب، لكنه لا يمر»، تقول إحداهن: «الجسد هنا ليس فقط أداة عمل بل مرآة للزمن الاجتماعي الذي تفرضه بنى العمل النيوليبرالية».

أما ليلى عبد الله (Layla Abdullah, 2019)، فتتناول نساء فلبينيات مهاجرات في الخليج، وتُظهر كيف يُعاد تشكيل الزمن عبر الهجرة والانفصال الأسري. فالاتصالات الهاتفية، الجداول الزمنية للتحويلات المالية، والطقوس المنزلية عن بعد كلها أدوات لإعادة تشكيل زمن الانفصال كزمن وصل. الاقتصاد هنا ليس مادياً فقط، بل وجدانياً وعابراً للحدود.

بين الطقس والمصنع والهجرة: النساء يعدن تنظيم الوقت كفعل مقاومة

وفي دراستها عن نساء لاجئات في لبنان، تشير أمينة الحاج (Amina Hajj, 2015) إلى مفهوم «زمن المقاومة». هؤلاء النساء لا يعملن ضمن نظام رسمي، لكنهن ينظمن أوقاتهن بين أعمال مؤقتة، رعاية أسرية، ونشاطات جماعية تعزز الصمود الاجتماعي. الزمن، في ظل الهشاشة، يتحول إلى أداة لبناء أفق جديد وسط الانهيار.

تعبّر العاملات عن الزمن كعبء: «إنه يهرب، لكنه لا يمر»، تقول إحداهن: «الجسد هنا ليس فقط أداة عمل بل مرآة للزمن الاجتماعي الذي تفرضه بنى العمل النيوليبرالية»

وعلى غرار ما تقترحه شيريل غلانينغ (Cheryl Glanville, 2020)، فإن الزمن الجندري ليس انعكاساً فقط لعدم المساواة بل هو ميدان إنتاج يومي للسلطة. إعادة تنظيم الزمن وفق متطلبات العمل المأجور، يعني في كثير من الأحيان اقتطاع الزمن من الجسد الأنثوي، من الأمومة، من الطقوس، من الذات.

من الرعاية إلى المقاومة: إعادة تعريف القيمة الاقتصادية من الهامش

عبر هذا التفكيك، يتضح أن الاقتصاد النسوي ليس مجرد دعوة للمساواة، بل مشروع فلسفي وأنثروبولوجي لإعادة بناء مفهوم الاقتصاد من جذوره. لا يُقاس العمل فقط بما يُدفع مقابله، ولا الزمن فقط بما يُنتج ماديًا، بل بما يُبقي الحياة ممكنة.

إن إعادة الاعتبار للاقتصاد من خلال الرعاية، الجسد، الزمن، والمشاعر، تعني أيضاً إعادة الاعتبار للنساء كفاعلات اقتصاديات مركزيّات، لا كأطراف ملحقة. وهي دعوة للباحثين والفاعلين إلى تجاوز الاقتصاد كأرقام نحو الاقتصاد كعلاقات، كرموز، كإيقاع حياتي.