كيف يمكن تفسير امتداد «الخط الأصفر» الإسرائيلي إلى البحر؟
إن الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي، والتي تُظهر «خطاً أصفر» يُقدَّم على أنه «جبهة دفاع متقدّمة»، لا تقتصر على احتلال الجزء البري من الأراضي اللبنانية، بل تمتد أيضاً إلى البحر. ويثير ذلك تساؤلات ومخاوف بشأن مشاريع لبنان لاستكشاف الغاز البحري، في وقت كانت الحكومة قد وقّعت، في 9 كانون الثاني/يناير 2026، اتفاقاً للاستكشاف في البلوك 8 مع ائتلاف تقوده شركة TotalEnergies.
يقول مسؤول لبناني معني بملف النفط والغاز، فضّل عدم الكشف عن هويته: «إن مجرد القلق من هذه الخطوة يصبّ في مصلحة إسرائيل»، معتبراً أن «الحقّ يقف بوضوح إلى جانب لبنان». وقد تبنّى هذه المقاربة رسمياً وزير الطاقة جو صدّي في 20 نيسان/أبريل، حين صرّح لوكالة رويترز: «من الناحية القانونية، لا تغيّر هذه الخريطة شيئاً من واقع وجود اتفاق بشأن الحدود البحرية. ببساطة، الاتفاق لا يزال ساري المفعول، ولا شيء تغيّر». ويهدف هذا الموقف إلى التأكيد أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقّع عام 2022، برعاية الوسيط الأميركي آموس هوكستين، ما زال يتمتع بكامل صلاحيته، وإلى طمأنة الجهات المعنية بأن خريطة عسكرية لا يمكن أن تقوّض عقود الاستكشاف القائمة.
وبالفعل يؤكّد خبير في القانون الدولي البحري، متابع لملف ترسيم الحدود البحرية، أن الخريطة العسكرية الأحادية لا تملك أي أثر قانوني على الحدود المعترف بها أو على الحقوق السيادية للبنان. غير أن خطورتها تكمن في قدرتها، على الرغم من غياب القيمة القانونية، على فرض واقع عملي جديد ذي تبعات أمنية واقتصادية وتشغيلية، قد يقيّد فعلياً ممارسة هذه الحقوق. وهذا هو الخطر الأساسي المطروح.
وعليه، يبقى من الضروري رصد تأثير هذه المعطيات على برنامج الدراسات الزلزالية ثلاثية الأبعاد الذي يستعد له الائتلاف بقيادة TotalEnergies. ويتمثّل الاستحقاق الأول في إطلاق مناقصة دولية للتعاقد مع سفينة متخصّصة في المسح الزلزالي البحري ثلاثي الأبعاد، لتنفيذ عمليات الاستكشاف في البلوك 8 خلال الربع الأول من العام المقبل.
الاتفاق البحري يحتفظ بكامل صلاحياته القانونية
ثمة نقطة أساسية تحظى بإجماع واسع: خريطة عسكرية إسرائيلية، مهما بلغت دلالاتها الرمزية أو التكتيكية، لا يمكنها بذاتها إعادة ترسيم الحدود البحرية المعترف بها، والتي سبق أن أودع الطرفان إحداثياتها لدى الأمم المتحدة. ويؤكد الخبير في القانون الدولي أن هذه الحدود «تتمتع بقوة قانونية كاملة».
كما أن الخريطة التي عمّمها الجيش الإسرائيلي في وسائل الإعلام لا تطعن أصلاً في هذه الحدود. إذ إن الخط الأكثر جنوباً فيها مُعنون صراحة بـ«خط الحدود». وعلى الرغم من أن هذه الخريطة لا تستند إلى إحداثيات دقيقة، فإنها تبدو منسجمة مع ما يُعرف بـ«الخط 23»، الذي شكّل أساس الترسيم المُكرّس في اتفاق عام 2022. ويرى عدد من الخبراء أن هذا الخط يصبّ في مصلحة إسرائيل، بالمقارنة مع الخط 29 (أكثر جنوباً) الذي تخلّى لبنان عن المطالبة به، وبالتالي لا مصلحة لها بالطعن فيه. وقد تعزّز ثبات هذا الترسيم أيضاً من خلال الاتفاق الحدودي مع قبرص في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والذي ثبّت النقطة 23 كنقطة ثلاثية معترف بها بين الدول الثلاث.
«خط أصفر» غير قانوني
بناءً على ذلك، يُعدّ امتداد «الخط الأصفر» الإسرائيلي إلى البحر «غير قانوني بالكامل لأنه ينتهك السيادة اللبنانية»، بحسب الخبير في القانون الدولي. فوفقاً للمادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، «تمتد سيادة الدولة الساحلية، إلى ما يتجاوز إقليمها البري ومياهها الداخلية، لتشمل حزاماً بحرياً ملاصقاً يُعرف بالبحر الإقليمي».
ويمتد هذا الحزام حتى 12 ميلاً بحرياً (نحو 20 كيلومتراً) انطلاقاً من خط الساحل، ويشمل جزءاً من البلوكات العشرة التي تكوّن نطاق الاستكشاف البحري اللبناني. إلا أنه لا يشمل البلوك 8، الذي يخضع حالياً لرخصة استكشاف.
البلوك 8 خارج البحر الإقليمي
يقع البلوك 8 ضمن الجزء من المجال البحري اللبناني المعروف بالمنطقة الاقتصادية الخالصة (ZEE)، وهي مساحة بحرية، يمكن أن تمتد حتى 200 ميل بحري وفق اتفاقية قانون البحار، يتمتع فيها لبنان بحقوق حصرية في استثمار موارده الطبيعية، مع بقاء حرية الملاحة الدولية قائمة.
وبموجب القانون الدولي، لا يحق لإسرائيل فرض قيود عامة على الملاحة أو على الأنشطة الاقتصادية داخل هذه المنطقة. ويشير أحد الخبراء إلى أن «الاعتبارات الأمنية، حتى لو استُخدمت، لا يمكن أن تُطبّق إلا ضمن حدود البحر الإقليمي». إذ إن توسيع هذه الذريعة إلى ما هو أبعد من ذلك من شأنه أن يقوّض مبدأ أساسياً في القانون الدولي، وهو حرية الملاحة، كما يتجلّى في التوترات القائمة في مضيق هرمز.
ولا تقتصر هذه الحرية على لبنان وحده، بل تشمل جميع السفن التي تعبر هذا الجزء من المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية، بغض النظر عن علمها، سواء كانت تركية أو مصرية أو صينية أو فرنسية… وبالتالي، فإن أي محاولة لفرض قيود بالقوة ستُعدّ تصعيداً نوعياً: «أي عمل من هذا النوع قد يُصنَّف كعمل عدائي»، بحسب تقدير خبير عسكري لبناني عمل على ملف الحدود البحرية.
وينسحب هذا التحليل أيضاً على أنشطة استكشاف الطاقة البحرية. فإذا حاولت إسرائيل منع شركة TotalEnergies من إرسال سفينة للمسح الاستكشافي في البلوك 8 كبداية، فإن ذلك قد يُعتبر اعتداءً على دولة أخرى، نظراً إلى أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية لعام 2022 يوفر أساساً قانونياً واضحاً لاستكشاف البلوكات اللبنانية، وينهي الغموض الذي كان قائماً سابقاً حول «المنطقة المتنازع عليها».
خطر تأخير تشغيلي جديد
تبقى إحدى الإشكاليات الأساسية في أن الخريطة الإسرائيلية غير واضحة بما يكفي لتحديد ما إذا كانت الادعاءات تمتد إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة، أم تقتصر على البحر الإقليمي. وهذا الغموض، بحسب مسؤول لبناني معني بملف النفط والغاز، يبدو «جزءاً من مناورة ضغط وابتزاز» تهدف إلى تعظيم النفوذ الإسرائيلي ضمن مفاوضات إقليمية أوسع.
وعلى المدى القريب، يتمثل الخطر الأكبر بالنسبة للبنان في احتمال أن تؤدي هذه الضغوط إلى تأخير جديد في برنامجه الاستكشافي، الذي أُعيد إطلاقه حديثاً على الرغم من محدودية نتائجه حتى الآن وتأخره عن باقي دول حوض شرق المتوسط. إذ لم تُفضِ عمليتا الحفر السابقتان — في البلوك 4 عام 2020 (Byblos-1) والبلوك 9 عام 2023 (Qana 31/1) — إلى اكتشافات قابلة للاستثمار التجاري.
وقد استأنف القطاع نشاطه مع توقيع اتفاق في كانون الثاني/يناير الماضي على البلوك 8 مع المشغّل TotalEnergies، وسط تأكيد رسمي بأن العمل حتى الآن يسير وفق الخطة على الرغم من الظروف الأمنية، ومن دون أي انقطاع، سواء من جانب الائتلاف أو من جانب هيئة إدارة قطاع البترول اللبنانية.
ومع ذلك، يبقى هناك خطر قائم، إذ يرى خبير الطاقة مارك أيوب أن «الوضع الأمني قد يدفع مجدداً إلى عزوف الجهات المعنية عن الانخراط في أي نشاط تجاري داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية».
الجدول الزمني والرهانات التقنية
يرتكز الجدول الزمني الحالي على سلسلة مراحل تتمحور، في هذه المرحلة، حول تنفيذ المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد في الربع الأول من عام 2027. ومن المتوقع أن تستغرق أعمال المسح نحو شهرين، يليها قرابة ستة أشهر لمعالجة البيانات الخام وتحليلها، ما يتيح للائتلاف الوقت الكافي لإجراء تقييماته الجيولوجية والاقتصادية قبل منتصف عام 2028. ومن المفترض أن تتخذ شركة TotalEnergies قرارها النهائي بشأن تنفيذ حفر استكشافي قبل كانون الثاني/يناير 2029.
ويشير خبير الطاقة مارك أيوب إلى أن TotalEnergies «تملك قانونياً هامشاً زمنياً مريحاً يتيح لها تأجيل بدء المسح الزلزالي لأشهر عدّة إضافية». ويضيف: «وفي ضوء ما تبيّن لاحقاً، يمكن التساؤل عمّا إذا كان قرار فسخ العقد مع شركة TGS قد كان صائباً».
فالعقد الذي أُبرم أواخر عام 2024 مع الشركة النرويجية TGS، خلال ولاية وزير الطاقة السابق وليد فياض، كان ينص على تنفيذ مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد على مساحة 1,200 كيلومتر مربع من البلوك 8 من دون أي كلفة مباشرة على الدولة اللبنانية. وقد اعتمد هذا النموذج على مقاربة «العملاء المتعددين» التي مكّنت لبنان سابقاً من تغطية معظم منطقته الاقتصادية، باستثناء المناطق الجنوبية بانتظار ترسيم الحدود. وكانت TGS ستتولى تمويل الدراسة، على أن تستعيد استثماراتها لاحقاً من خلال بيع البيانات وتحليلاتها لشركات مهتمة.
ويشرح أيوب أنه «مع وجود سفينة في المنطقة خلال صيف 2025، كان من الممكن إطلاق أعمال المسح الجيولوجي في الخريف والانتهاء منها بحلول اليوم». إلا أن وزير الطاقة الحالي جو صدّي، الذي لم يكن قادراً على استشراف تطوّرات الحرب، دافع حينها عن خيار الحكومة إعطاء الأولوية لاتفاق أوسع يمتد لخمس سنوات مع ائتلاف TotalEnergies وEni وQatarEnergy، نظراً لتضمّنه أيضاً إمكانية الحفر، على الرغم من أن شروطه الزمنية أطول في ما يتعلق بمرحلة جمع البيانات الزلزالية وحدها.
ومن بين الأسباب المطروحة لمدة تصل إلى ثلاث سنوات في تنفيذ المسح الزلزالي: محدودية توافر السفن المتخصصة، فضلاً عن تعقيدات إدارة الملف من قبل الائتلاف، بدءاً من إطلاق المناقصات وصولاً إلى تحليل النتائج.
ورقة على طاولة المفاوضات الإقليمية الكبرى
أكثر من كونه تشكيكاً قانونياً مباشراً في الحدود البحرية، يبدو أن «الخط الأصفر» الإسرائيلي الجديد في البحر يشكّل، بالدرجة الأولى، ورقة استراتيجية إضافية ضمن المفاوضات الإقليمية الجارية. ويلاحظ خبير الطاقة مارك أيوب أن «إسرائيل، كعادتها، تسعى إلى تثبيت مكتسباتها — إذ أتاح لها اتفاق ترسيم الحدود البحرية إطلاق الإنتاج من حقل كاريش للغاز — ثم تعود لممارسة الضغط على لبنان، وهذه المرة عبر حرمانه من العوائد المرتقبة، من خلال إعادة خلق حالة من عدم اليقين الأمني تؤثر سلباً في جاذبية البلوكات 8 و9 و10».
وهكذا، تندرج مسألة الغاز البحري اللبناني بشكل متزايد ضمن إطار تفاوضي إقليمي أوسع، في سياق التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران، وبالتوازي مع إعادة تشكيل خريطة الطاقة في شرق البحر المتوسط.