كيف تكشف الحرب دورة الربح الخفي في مصر؟ 

كيف تكشف الحرب دورة الربح الخفي في مصر؟ 

حققت مصر اكتفاءً ذاتياً من الأسمدة، وحققت فوائض تصديرية كبيرة تجاوزت 1.36 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2025. كما يُنتَج محلياً نحو 94% من الأدوية المتداولة في السوق. ومع ذلك، يضطر الفلاحون، منذ موجة ارتفاع الأسعار التي أعقبت الحرب على إيران، إلى شراء شيكارة السماد من السوق السوداء بنحو 1,200 جنيه بدلاً من 290 جنيهاً بالسعر الرسمي. وفي الوقت نفسه، عادت أزمة نقص الأدوية، ولا سيما الأدوية المنقذة للحياة، تحت ذريعة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

لكنّ المشكلة لا تقتصر على نقص المعروض أو اضطرابات السوق العابرة؛ إذ يبدو أن الأزمة تحولت إلى نمط عمل قائم بذاته، تتغذّى فيه الأرباح على الندرة والفوضى. فكيف تحوّلت الأزمات إلى دورة ربح دائمة؟ ومن المستفيد من استمرار النقص على الرغم من وفرة الإنتاج؟

1. وفرة للتصدير ونقص في السوق المحلية

بلغت القيمة السوقية لقطاع الأسمدة في مصر نحو 34.26 مليون دولار عام 2024، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 40.79 مليون دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 3.15%، مدفوعة بتزايد الطلب المحلي الناتج عن النمو السكاني. وفي المقابل، واصل القطاع تعزيز حضوره التصديري، إذ ارتفعت صادرات الأسمدة إلى 9.43 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بـ8.78 مليار دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 650 مليون دولار ومعدل نمو سنوي بلغ 7.4%.

غير أن هذا التوسع في التصدير ترافق مع اتجاه معاكس داخل السوق المحلية؛ فمنذ ما يقارب عقداً من الزمن، تتراجع حصة الاستهلاك المحلي من إجمالي الإنتاج، بالتوازي مع تقليص كميات الأسمدة المدعّمة المخصصة للمزارعين. فقد نجحت الشركات المنتجة في الضغط على الحكومة لخفض نسبة الإنتاج المورّدة إلى وزارة الزراعة بالسعر المدعوم من 55% إلى 37%، مع طرح مقترحات لتخصيص 10% من الإنتاج للبيع وفق أسعار السوق الحرة.

وفي الوقت نفسه، رفعت الحكومة أسعار الغاز الطبيعي المستخدم في صناعة الأسمدة، فزاد الحد الأدنى للسعر بمقدار دولار واحد لكل مليون وحدة حرارية بريطانية ليصل إلى 5.5 دولارات في أيلول/سبتمبر الماضي، قبل أن يرتفع إلى 8.5 دولارات بعد الحرب. وتستهلك مصانع الأسمدة ما بين 35% و40% من إجمالي الغاز المخصص للصناعة، والبالغ 106 مليارات قدم مكعب يومياً، كما تمثل نحو 25% الاستهلاك المحلي الإجمالي للغاز. وبما أن الغاز الطبيعي يشكل قرابة 70% من تكلفة إنتاج الأسمدة، فقد انعكست الزيادة الحكومية في أسعار الطاقة، والتي بلغت نحو 21%، على أسعار المنتج النهائي. إلا أن أسعار الأسمدة ارتفعت بأكثر من 30%، وفق بيانات البنك الدولي، ما يشير إلى أن الزيادات السعرية تجاوزت بكثير أثر ارتفاع تكاليف الطاقة وحده.

كيف تكشف الحرب دورة الربح الخفي في مصر؟ 

وعلى الرغم من تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي من الأسمدة منذ سنوات، كشف اختفاؤها من منافذ وزارة الزراعة خلال الشهرين الماضيين جانباً من كيفية تحويل الأزمة إلى مصدر للربح. فقد دفعت الندرة المتفاقمة الحكومة إلى التدخل وكشف ممارسات استهدفت الاستيلاء على كميات من الأسمدة المدعّمة وتهريبها إلى السوق السوداء، حيث ارتفع سعر شيكارة السماد (50 كيلوغراماً) بنحو 243% على أساس سنوي.

وعلى الرغم من شكاوى الشركات المنتجة من تآكل هوامش الربح بسبب نظام الدعم، تعكس مؤشرات السوق صورة مختلفة؛ إذ حققت هذه الشركات مكاسب كبيرة من موجة ارتفاع الأسعار، وهو ما ظهر في الأداء الصاعد لأسهمها منذ الأيام الأولى للحرب. وفي ظل اتساع الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية، فضّلت الشركات توجيه الحصة الأكبر من إنتاجها إلى التصدير، بينما تحوّل جزء من الأسمدة المدعّمة إلى سلعة نادرة محكترة تُباع في السوق السوداء بأسعار تصل إلى 5 أضعاف السعر الرسمي. وهكذا، بينما تتراكم الأرباح على امتداد سلسلة الإنتاج والتوزيع، يقف المزارعون في طوابير منافذ وزارة الزراعة بحثاً عن السماد الذي لا يجدونه.

2. اختفاء الأدوية أم إخفاؤها؟

تنتج مصر محلياً نحو 94% من احتياجاتها الدوائية، ولا تعتمد على الاستيراد إلا لتوفير 6% من السوق. ومع ذلك، شهدت الصيدليات خلال عامي 2024 و2025 اختفاء مئات الأصناف الدوائية، وفي مقدمتها الإنسولين الضروري لملايين مرضى السكري، ما دفع كثيراً من المرضى إلى اللجوء للسوق السوداء وشراء الدواء بأسعار تفوق سعره الرسمي مرات عدة.

والمفارقة أن أزمة النقص تزامنت مع توسع النشاط التصديري. ففي آذار/مارس 2024 وقّعت وزارة الصحة اتفاقية شراكة مع كوبا لتصدير الإنسولين المصنع محلياً، لينضم إلى قائمة تضم 11 دولة أفريقية تتلقى بالفعل صادرات الإنسولين المصري. وفي الوقت الذي كانت فيه المصانع تفتح أسواقاً جديدة في الخارج، كانت المستشفيات وغرف العمليات داخل البلاد تواجه نقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. وأفاد عشرات الأطباء بوجود المستلزمات المفقودة في السوق السوداء، على الرغم من اختفائها من القنوات الرسمية، حيث تُباع أحياناً بأسعار تصل إلى 10 أضعاف السعر المعتاد. وأمام غياب البدائل، اضطرت عائلات كثيرة إلى شرائها لإنقاذ حياة مرضاها، بينما أُلغيت عمليات جراحية لمرضى لم يتمكنوا من تحمل كلفة السوق الموازية.

وتزداد الصورة وضوحاً عند النظر إلى أرباح شركات الدواء. فبعد حملة ضغوط مكثفة على الحكومة، حصلت الشركات على زيادات سعرية وصلت في بعض الأصناف إلى 50%، بحجة ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص العملة الأجنبية. لكن الأزمة لم تنتهِ بعد رفع الأسعار، بل استمرت حالات النقص والاختفاء، إلى درجة دفعت مسؤولين للحديث علناً عن انتشار سوق سوداء للدواء، فيما تواصلت المطالبات برفع الأسعار مجدداً باعتبارها الحل الوحيد للأزمة.

في المقابل، سجلت صادرات الدواء المصرية نمواً بنسبة 28% خلال الربع الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، بينما تجاوزت قيمة الصادرات مليار دولار خلال العام، مع استهداف زيادتها بنسبة 25% إضافية في عام 2026.

تكشف أزمتا السماد والدواء، وهما من أكثر القطاعات ارتباطاً بالأمن الغذائي والصحي، عن منطق اقتصادي واحد: أولوية الإنتاج من أجل التصدير لا من أجل تلبية الاحتياجات المحلية، وهو ما يتلاقى مع رغبات الحكومة باستقطاب دولارات من الخارج. فكل دولار إضافي يحققه التصدير يعني أرباحاً أكبر للشركات في ظل تراجع قيمة الجنيه، كما يعني للحكومة تدفقات من العملة الأجنبية تحتاجها بشدة لخدمة الدين الخارجي، خصوصاً بعد تراجع إيرادات قطاعي السياحة وقناة السويس، وهما من أهم مصادر النقد الأجنبي. وفي هذه المعادلة، تتحوّل الندرة المحلية من أزمة يفترض حلها إلى نتيجة متوقعة، بل ومربحة، ما دامت الأرباح الدولارية تتقدم على تلبية احتياجات السوق الداخلية.

3. دولار للحكومة وأعباء للمواطن

تكشف الأزمة التي عمّقتها الحرب عن آلية متكاملة لاستغلال حالة عدم الاستقرار واستثمارها في تعظيم الأرباح، ولو كان الثمن تحميل الفلاحين والمرضى كلفة إضافية. ففي الوقت الذي تتزايد فيه تحذيرات البنك الدولي من مخاطر موسم زراعي صعب في عدد من دول المنطقة، فرضت هيئة المجتمعات العمرانية رسوماً جديدة على المزارعين في الأراضي الواقعة على طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي تحت مسمى «رسوم تحسين»، بلغت 15 ألف جنيه للفدان الواحد، أي ما يعادل نحو 280 دولاراً. وفي المقابل، تواصل شركات الأسمدة الضغط من أجل تحرير الأسعار بالكامل وتحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي للمزارعين.

ويأتي ذلك على الرغم من أن الدعم الحكومي للقطاع الزراعي في مصر يُصنَّف وفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ضمن مستويات الدعم المحدودة مقارنة بالكثير من الدول الأخرى. صحيح أن قيمة الدعم ارتفعت اسمياً من نحو 3 مليارات جنيه سنوياً خلال الفترة 2000-2002 إلى 19.7 مليار جنيه خلال الفترة 2022-2024، إلا أن الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه قلّص قيمته الفعلية بالدولار من 764 مليون دولار إلى 616 مليون دولار خلال الفترة نفسها. كما تراجعت نسبة الدعم المقدم للمنتجين الزراعيين من إجمالي إيرادات المزارع من 4% إلى 1% فقط، ما يعني أن المزارعين يتحملون بصورة متزايدة عبء ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلبات السوق.

أما في قطاع الدواء، فتبدو الصورة أكثر وضوحاً. فقد ارتفعت مبيعات سوق الدواء إلى 73.3 مليار جنيه خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024، مقارنة بنحو 51 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2023. كما قفز حجم السوق من نحو 40 مليار جنيه عام 2014 إلى أكثر من 215 مليار جنيه عام 2023، بمعدل نمو يتجاوز 500%. ومع ذلك، استمرت أزمة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية.

كيف تكشف الحرب دورة الربح الخفي في مصر؟ 

وبررت وزارة الصحة جانباً من الأزمة بزيادة الطلب الناتج عن تدفق المرضى من غزة والسودان، مشيرة إلى ارتفاع الاستهلاك بنحو 35%. لكن هذا التفسير لا يفسر وحده استمرار الاختفاء المتكرر للأدوية الأساسية، خصوصاً مع تمكن الأجهزة الرقابية من ضبط مئات الأطنان من الأدوية المغشوشة والمتداولة خارج القنوات الرسمية، في سوق تُقدَّر نسبة الأدوية غير القانونية فيها بنحو 30%، مقارنة بمتوسط عالمي لا يتجاوز 10%.

وعلى الرغم من اعتراف الحكومة بوجود سوق سوداء للأسمدة والأدوية، لا تستهدف السياسات المتبعة كسر الحلقة التي تنتج الأزمة، بقدر ما تدير آثارها. فبدلاً من توجيه الفوائض الإنتاجية لسد احتياجات السوق المحلية، أو تأميم عمليات التوزيع، أو تقييد الصادرات عند حدوث نقص داخلي، ترضخ الحكومة لمطالب المنتجين عبر رفع الأسعار وتحريرها تدريجياً، تحت شعار مكافحة السوق السوداء وتحفيز الإنتاج.

في المقابل، تواصل شركات الأسمدة والأدوية استخدام ورقة نقص المعروض والتهديد بخفض الإنتاج أو وقفه للضغط من أجل مزيد من التنازلات السعرية والتنظيمية. ومع كل جولة جديدة من رفع الأسعار، تتوسع هوامش الربح الرسمية، بينما تستمر السوق الموازية في ابتلاع جزء من الإنتاج وتحقيق أرباح استثنائية للحلقات الوسيطة. وهكذا تتحول الأزمة من حالة طارئة إلى نموذج عمل مستدام، يحقق مكاسب متراكمة من التصدير وارتفاع الأسعار والندرة في آن واحد.

في المحصلة، لا يدفع الفلاح والمريض الثمن وحدهما، بل تتآكل فكرة الحق في الوصول إلى السلع الأساسية نفسها. فحين يصبح الغذاء والدواء خاضعين أولاً لمنطق الربحية وتدفقات الدولار، تتحول الأزمات من مشكلات ينبغي حلها إلى فرص اقتصادية قابلة للاستثمار، وتصبح الندرة جزءاً من آلية تحقيق الأرباح، لا مجرد نتيجة جانبية لها.

    منى يسري

    صحافية مصرية وباحثة سابقاً في مركز دال للإنتاج الإعلامي والأبحاث، درست الاقتصاد السياسي، ومهتمة بالعلوم الاجتماعية وقضايا السيادة الغذائية.