عندما يكذب النمو ويُعاد إنتاج الفقر؟
أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء أنّ معدل النمو الاقتصادي في مصر سجّل مستوى قياسياً في خلال الربع الأول من العام المالي 2026-2025، بعدما ارتفع إلى 5.3% في مقابل 3.5% في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة قدرها 1.8 نقطة مئوية. وقد سارعت وسائل الإعلام وعدد من المحلّلين إلى الاحتفاء بهذه القفزة بوصفها إنجازاً مهماً يُحسب للحكومة، على الرغم مما تواجهه من تحدّيات ناتجة عن سلسلة من الصدمات الاقتصادية المتلاحقة، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية ـ الأوكرانية، وصولاً إلى حرب الإبادة في غزة وما خلّفته من تداعيات مباشرة على إيرادات قناة السويس بفعل ضربات الإسناد التي نفّذتها حركة «أنصار الله» على مدار عامين.
غير أنّ هذا الرقم، الذي يتجاوز حتى الهدف الذي تطمح الصين إلى بلوغه في العام 2025، لا يزيد المواطن المصري إلا حيرةً واغتراباً؛ فبينما تتصاعد الاحتفالات الرسمية والإعلامية بأرقامٍ لا يلمس آثارها في حياته اليومية، تتّسع المفارقة بين خطاب التنمية وواقع الفقر المتنامي. إذ يظل السؤال الجوهرّي قائماً: لمن تذهب ثمار هذا النمو؟ ولماذا تظلّ بعيدة عن جيوب من تتحقق على كواهلهم؟
لقد ترسّخ في خلال العقود الماضية استخدام معدلات النمو المرتفعة كمرادفٍ للرخاء الاقتصادي ودليل على نجاح السياسات العامة، بالاستناد إلى فرضيات «التسرّب» وتحقيق الرفاه الشامل. إلا أن التجربة العملية أثبتت تعقيدات أعمق وتشابكات أوسع، خصوصاً حين يتحوّل النمو إلى غايةٍ بذاته بدلاً من أن يكون وسيلة لتحسين حياة الناس. وهذا بالضبط ما نشهده اليوم في مصر، حيث بات الرقم أهم من معناه، والمؤشر أكثر حضوراً من واقعه الاجتماعي والاقتصادي.
أسطورة النمو والتسلّل
انصبّ اهتمام الاقتصاديين وصنّاع السياسات العامة في خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي على بلوغ معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، باعتبارها الشرط الحاسم لتحقيق الرفاه. تحوّل النمو آنذاك إلى ما يشبه الوصفة الطبية الجاهزة التي يقدّمها صندوق النقد الدولي لكل دول العالم الثالث، بوصفه العلاج الشامل لكل اختلال اقتصادي أو اجتماعي.
ومع دخول حقبة التسعينيات، كانت غالبية الدول النامية قد تبنّت برامج «التكيّف الهيكلي» أملاً في تعزيز النمو. وجرى الاستشهاد ببعض التجارب التي استطاعت – في ظروف خاصة – خفض معدلات الفقر عبر رفع مؤشرات التنمية، باعتبارها دليلاً قاطعاً على نجاعة تلك الوصفة. وهكذا تحوّلت العلاقة بين النمو والرفاه إلى مسلّمة راسخة في الأدبيات الاقتصادية السائدة. غير أن ارتدادات الأزمة المالية العالمية في العام 2008، والتي تسلّلت آثارها إلى معظم بلدان الجنوب، سرعان ما كشفت هشاشة هذا المبدأ، إذ تبيّن أن النظر إلى التفاوتات الكبيرة في الدخل باعتبارها محفّزاً للنمو ومن ثمّ أداةً للحد من الفقر، ليس سوى فرضية بلا سند عملي. فقد قدّم الواقع أدلة واضحة، ومتراكمة، على فشل هذه الادعاءات في تحقيق وعودها.
ارتبط هذا التصوّر كذلك بنظرية «التسلّل» أو Trickle-Down Theory؛ إذ يفترض أن ازدياد ثراء الطبقات العليا سيُفضي تلقائياً إلى «تسرّب» المنافع إلى باقي المجتمع عبر التوسع في الاستثمار والنشاط الاقتصادي، بما يعود بالنفع على من يقفون في أسفل السلم الاجتماعي. وقد شكّلت هذه الفكرة حجر الزاوية في سياسات حقبتي ريغان وتاتشر في السبعينيات والثمانينيات، قبل أن تُصدّر عالمياً، وعلى نحو خاص إلى دول العالم النامي.
كانت مصر في قلب هذا التوجّه، إذ بدأت مرحلة «الانفتاح» منذ أواخر السبعينيات، ليتّضح مع مرور الوقت أثر تلك السياسات على المجتمع: نسب فقر آخذة في الارتفاع، وتهميش اجتماعي يتعمق، وأجساد الفقراء نفسها تتحوّل إلى السجلّ الأكثر دقة لنتائج هذه الاختيارات الاقتصادية.
يمكن اعتبار بدايات التسعينيات، مع شروع حكومة حسني مبارك في تطبيق برنامج «التكيّف والتثبيت الهيكلي»، نقطة الانطلاق الفعلية لاعتماد سياسة «التسلّل إلى الأسفل» في مصر. فقد جرى تحرير سعر الصرف، وخصخصة جزء واسع من القطاع الحكومي، وتحفيز الاستثمار الخاص بوصفه القاطرة القادرة على خلق فرص العمل والحد من الفقر. وعلى الرغم من تعاقب الحكومات، فقد تبنّت جميعاً المنهج نفسه، إلى أن بلغت ذروته مع حكومة أحمد نظيف التي تفكّكت بفعل ثورة يناير 2011. وكانت تلك الحكومة الأكثر تطرفاً في تبنّي سياسات النيوليبرالية المتشدّدة؛ إذ خفّضت الضرائب على الشرائح الأعلى دخلاً بنسبة وصلت إلى 50%، وأسندت مناصب وزارية وبرلمانية لكبار رجال المال والأعمال، ما منحهم سلطة مضاعفة للتأثير في التشريعات وللحصول على تسهيلات مالية واستثمارية هائلة. وبينما قفز معدل النمو إلى 7.2% في العام 2008، ارتفع في المقابل عدد المصريين تحت خط الفقر إلى 25.2% بحلول العام 2011، بعدما كان 17.1% فقط في العام 2003. وقد شكّل هذا التناقض الصارخ بين صعود المؤشرات الاقتصادية وتدهور أحوال الناس أحد أهم العوامل التي فجّرت شعار الثورة الشهير: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».
في خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2011 و2014، تراجعت معدلات النمو وتعمّق الفقر، إذ وصل الأخير إلى 26.3% في العام 2012، في حين لم تتجاوز معدلات النمو 2.2% لثلاث سنوات متتالية. ومع استمرار الاضطراب، لجأت الحكومة في العام 2016 إلى برنامج إصلاح اقتصادي جديد قوامه إجراءات قاسية أدت إلى ارتفاع تدريجي في النمو، لكن توازى معه ارتفاع صاروخي في معدلات الفقر، التي بلغت ذروتها في العام 2019 متجاوزة 35%، لتتوقف الحكومة بعدها عن إعلان النتائج لعامين متتالين.
كان الثمن الذي دُفع في مقابل رفع معدلات النمو سلسلة قرارات اقتصادية مُكلفة اجتماعيّاً: بدءاً من تحرير سعر الصرف، وصولاً إلى موجة واسعة من التسهيلات القانونية للمستثمرين، أبرزها صدور قانون الاستثمار رقم 72 لعام 2017 وتعديله في آب/أغسطس 2019، والذي منح إعفاءات مالية وإدارية ضخمة تسببت بخسائر كبيرة في إيرادات الدولة. وقد انعكس ذلك على اتساع عجز الموازنة وتراجع قدرة الحكومة على تمويل قطاعي الصحة والتعليم، وهما الركيزتان الأساسيتان للرفاه العام. ومع ذلك، ظلّت تلك السياسات تُسوّق باعتبارها نجاحاً لأنها نجحت في رفع معدلات النمو… ولو على حساب المجتمع.
الاستثمار: المصباح السحري للنمو
منذ أن شرع النظام المصري في تنفيذ حزمة الإصلاحات الاقتصادية في العام 2016، وهو يتعامل مع الاستثمار بوصفه المصباح السحري القادر على حلّ جميع الأزمات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد؛ إذ يجري تقديم «تهيئة مناخ جاذب» للمستثمرين باعتبارها الأداة المثلى لمعالجة الفقر والبطالة وتحقيق الرفاه. غير أنّ هذه الدعاية ليست جديدة؛ فقد سبقتها حقبة مبارك بشعارات مشابهة، ولم تختلف السياسات الراهنة عن تلك التي رُوّج لها قبل عقدين، بل إن التسهيلات التي تضمّنها قانون الاستثمار لعام 2017 تُعدّ الأكبر في تاريخ التشريعات المصرية.
يعود تأسيس وزارة الاستثمار إلى عام 2004 بهدف اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز الاستثمار الخاص. ومع حكومة أحمد نظيف، شهد الاستثمار الخاص توسعاً لافتاً بلغ نحو 33% في السنة المالية 2007-2006. إلا أنّ هذا التوسع لم يكن انعكاساً لتحسن شامل في بنية الاقتصاد، بل جاء على حساب الانفاق العام الحقيقي في القطاعات الحيوية؛ فقد تراجع الاستثمار الحكومي في التعليم بنسبة 20%، وفي الصحة بنسبة 13%، وفي الكهرباء بنسبة 35% خلال الفترة نفسها. وعلى الرغم من أن الاقتصاد حقق معدل نمو بلغ 4.1% في العام 2004، فإن السنوات الثلاث التالية سجّلت قفزات متتالية إلى 4.5% ثم 6.8% وصولاً إلى 7.2% عام 2007.
غير أنّ هذا النمو لم يكن نتاج تنمية متوازنة أو استثمار اجتماعي مستدام، بل نتيجة توسع استثماري ذي طبيعة انتقائية يهمّش القطاعات العامة الحيوية، ويمنح الأفضلية لرأس المال الخاص على حساب الوظيفة الأساسية للدولة في إعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
في دراسة للباحث عبد المنعم لطفي تتتبّع أثر الاستثمار على نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في خلال الفترة (1987–2016)، بالاستناد إلى بيانات البنك الدولي ومسوح الدخل والإنفاق الأسري، وخلصت النتائج إلى تقدير معدل الفقر في العام 2016 بنحو 39.8%. وقد ركّزت الدراسة على السنوات الأربع السابقة لتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي، لتقييم الديناميات التي كانت تتحكم في العلاقة بين النمو والفقر قبل دخول البلاد في موجة التقشّف العنيف.
إلى ذلك، تكشف البيانات أنّ معدلات الفقر شهدت استقراراً نسبياً بين عامي (1987–1991)، ثم بدأت بالانخفاض تدريجياً حتى العام 2003. غير أنّ صعود المناخ الاستثماري في العقد الأول من الألفية—مع ما رافقه من توسع في الاستثمارات الخاصة وإعادة هيكلة الاقتصاد—أعاد الفقر إلى مساره التصاعدي، قبل أن تتفاقم حدّته مع الأزمة المالية العالمية في العام 2008. لكن الارتفاع الأكبر تم تسجيله بعد العام 2015، نتيجة عنف السياسات التقشّفية المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي، والتي انعكست مباشرة على الشرائح الأفقر في المجتمع.
وفي العقد الحالي، كثّفت مصر جهودها لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حتى باتت تستحوذ على نحو ربع التدفقات الاستثمارية إلى المنطقة العربية؛ إذ حصلت على 9 مليارات دولار من أصل 41 ملياراً نهاية العام 2019. ثم شهد العام 2023 قفزة غير مسبوقة، إذ ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر لأكثر من أربعة أضعاف في أقل من عام، مقترباً من 47 مليار دولار، بفضل صفقة «رأس الحكمة» التي ضخّت الإمارات عبرها 35 مليار دولار. وأدت تلك الصفقة إلى قفز مصر من المرتبة 32 عالمياً في جاذبية الاستثمار إلى المرتبة التاسعة، لتصبح الوجهة الأولى أفريقياً—في وقت لم تتجاوز فيه الزيادة القارية 12%، بينما بلغت الزيادة المصرية أكثر من 300%. لكن في المقابل، تتدهور مؤشرات أخرى على نحو مقلق: فالفقر يتصاعد، واللامساواة تتعمّق، ومؤشرات سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي تتراجع بعنف، على الرغم من كل تدفقات رأس المال تلك.
يعيد هذا التناقض طرح السؤال المركزي: إذا كان الاستثمار الأجنبي المباشر هو المحرك الأول للنمو، فلماذا لا ينعكس على حياة الناس؟ تحاول الإجابة على هذا السؤال دراسة منشورة في مجلة البحوث الزراعية تقارن أثر التدفقات النقدية على خفض الفقر بين عدد من دول المنطقة. وتخلص الدراسة إلى أنّ مصر تشهد سوء إدارة حادّاً في توظيف الاستثمار الأجنبي لتعزيز التنمية الاجتماعية؛ إذ لا تتجاوز كفاءتها في تحويل الاستثمار إلى خفض للفقر 37%. وفي المقابل، تحقق المغرب - على الرغم من استحواذها على 4% فقط من استثمارات المنطقة - نسبة كفاءة تبلغ 43%، بينما تسجل الجزائر كفاءة 100% في تحويل الاستثمار إلى تراجع في الفقر، على الرغم من أن نسبة الفقر فيها ظلت عند 28% حتى العام 2019.
تكشف هذه الأرقام أنّ مجرّد تدفّق الاستثمار الأجنبي، مهما بلغ حجمه، ليس معياراً للرفاه أو أداة تلقائية لتخفيف الفقر؛ فالكفاءة المؤسسية، ونوعية الاستثمار، وقدرته على خلق قيمة إنتاجية حقيقية، هي المحددات الفعلية لأي مسار تنموي جاد.
منذ تسعينيات القرن الماضي، اتسم النمو الاقتصادي في مصر بانخفاض كفاءة استخدام عوامل الإنتاج، وبالاعتماد المتزايد على مشروعات كثيفة رأس المال بدل المشروعات كثيفة العمالة، ما جعل النمو غير قادر على توليد فرص عمل كافية أو تحسين إنتاجية الاقتصاد. وقد تركز نحو 75% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعي العقارات والصناعات الاستخراجية، وهما قطاعان محدودا الأثر في دعم التحوّل الهيكلي أو رفع الإنتاجية الكلية، الأمر الذي جعل أثر النمو محصوراً وغير منتشر في باقي قطاعات الاقتصاد.
خلق هذا النوع من النمو هشاشة بنيوية في بيئة الأعمال المحلية. تسجّل مصر أداءً أدنى من متوسط نظرائها في مؤشر التنافسية العالمية، ولا سيما في محاور تطوّر بيئة الأعمال، والابتكار، والجاهزية التكنولوجية—سواء مقارنة بدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو بالأسواق الناشئة حول العالم. ويؤكد مسحٌ أجراه البنك الدولي في العام 2016 عن شركات القطاع الخاص المصرية أنّ أقل من 15% فقط من الشركات نفّذت ابتكارات في منتجاتها أو عملياتها في خلال السنوات السابقة على المسح، فيما 6% فقط شاركت في أنشطة بحث وتطوير خلال السنة المالية 2015. تعكس هذه الأرقام ضمور القدرات التكنولوجية وضعف منظومة الابتكار، وهو ما يحد من فعالية القطاعات المنتجة ويزيد الاعتماد على قطاع العقارات الذي يرفع مؤشرات النمو من دون أن يخلق أثراً ملموساً على الفقر أو على فرص العمل الحقيقية.
وعلى مدى عقود، لم تتحقق ثمار النمو الموعودة إلا لفئات بعينها، في حين بقيت نتائجه على المجتمع غير مستدامة. فالتفاوت الكبير في أثر عوامل الإنتاج —كالرأسمال والعمالة—على القطاعات المختلفة يجعل بعض القطاعات، مثل البناء والتشييد، تسجل معدلات نمو مرتفعة لا تستند إلى تحسن حقيقي في الإنتاجية. وهذا يعني أن النمو يبقى هشّاً، ويعيد إنتاج دوائر الفقر بدلاً من كسرها.
أمّا البعد الجغرافي فقد أدّى دوراً حاسماً في تعزيز تمركز الفقر. وبحسب تقارير البنك الدولي، وعلى الرغم من تحقيق معدلات نمو مرتفعة في الناتج المحلي الإجمالي، فإن سوء توزيع عوائد التنمية يجعل الفقر في صعود مستمر. تنحصر معظم ثمار النمو في العاصمة أولاً ثم في الواجهة البحرية، بينما يعاني صعيد مصر من حالة شديدة من الإفقار؛ إذ يتركّز فيه أكثر من نصف فقراء البلاد، كما يعاني سكانه مستويات أعلى من اللامساواة مقارنة بالدّلتا. ويبلغ فقر الريف الجنوبي ذروته بنسبة 58.2% من السكان، وهي أعلى نسبة تمركز للفقر في مصر على الإطلاق.
إن هذا النمط من النمو—المعتمد على رأس المال الكثيف، والمحدود الابتكار، والمركّز جغرافياً—لا يُنتج تنمية شاملة، ولا يفتح أفقاً لتغيير حقيقي في حياة الناس، بل يرسّخ بنية اقتصادية تُعاد فيها صناعة الفقر بدل القضاء عليه.
التضخّّم يبتلع الأخضر واليابس
تضع المؤسسات الدولية السيطرة على التضخّم في مقدمة توصياتها للحكومة المصرية، باعتباره الأداة المركزية لتحسين مستويات المعيشة والحد من اتساع رقعة الفقر. غير أنّ الواقع المصري يكشف مفارقة حادّة؛ فعلى الرغم من رفع الحد الأدنى للأجور اسميّاً إلى نحو 7 آلاف جنيه مطلع العام 2025، بالمقارنة مع 6 آلاف في مطلع العام 2024، فإن قيمته الحقيقية تراجعت بصورة ملموسة عند احتسابها بالدولار، إذ هبطت من نحو 194 دولاراً إلى 138 دولاراً في خلال عام واحد. ويعكس هذا التآكل السريع في القوة الشرائية أثر التضخم الجامح وتقلبات سعر الصرف المرتبطة بتدفق رؤوس الأموال قصيرة الأجل في ظل الصدمات الجيوسياسية المتلاحقة.
وعلى الرغم من ذلك، يواصل الخطاب الرسمي التأكيد على أن تحسن مستوى المعيشة بات وشيكاً، باعتبار ارتفاع معدلات النمو مؤشراً كافياً لتحقيق الرفاه. غير أن التجربة المصرية تُفنّد هذا الزعم مراراً. فالعلاقة بين النمو والتضخم ليست علاقة خطية بسيطة، وهو ما يوضحه مفهوم عتبة التضخم (Inflation Threshold Effect)، الذي يفترض أن التضخم لا يعيق النمو ما لم يتجاوز مستوى معيناً يُقدّر في مصر بين 10% و15%. لكن مرحلة ما بعد إصلاحات 2016 شكّلت خروجاً صارخاً على هذا الإطار؛ إذ تجاوز التضخم حاجز 30%، بينما استمر النمو مدفوعاً بالإنفاق الحكومي والمشروعات كثيفة رأس المال، لا بتحسن في الإنتاجية أو الدخل الحقيقي للأسر.
وتدعم دراسة الباحثة هند مرسي (2021) هذا الاستنتاج؛ إذ تبيّن أن التضخم في مصر لم يكن مجرد عرض اقتصادي، بل تحوّل إلى آلية لإعادة توزيع الدخل بصورة غير عادلة. فقد خلصت نتائجها القياسية إلى أن كل زيادة بنسبة 1% في التضخم تقترن بزيادة تقارب 0.44% في معدل الفقر. كما أظهرت أن مرونة سعر الصرف بعد التعويم—الذي فقد فيه الجنيه أكثر من ثلثي قيمته في خلال سنوات قليلة—نقلت عبء الأزمة نحو أصحاب الدخول الثابتة، في حين استفادت الفئات ذات الدخول المرنة أو المرتبطة بأنشطة المضاربة. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة السكان غير القادرين على تلبية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة إلى نحو 62% في السنوات الأولى من تطبيق الإصلاحات. وإذا كان التضخم قادراً على ابتلاع زيادات الأجور في مهدها، وعلى تقليص القدرة الشرائية للأغلبية الساحقة، يبقى السؤال مشروعاً: إلى أي حد يمكن اعتبار النمو الاقتصادي مؤشراً حقيقياً إلى تحسّن رفاه المواطنين، لا مجرد رقم تتباهى به المؤسسات الدولية؟
في المحصلة، لا يمكن قياس نجاح السياسات الاقتصادية عبر معدلات النمو وحدها، ولا عبر أرقام تُعرض في البيانات الرسمية من دون النظر إلى أثرها الفعلي على حياة الناس. فالتنمية التي لا تصل إلى موائد الأسر، ولا تُترجم إلى أمن غذائي وتعليم ورعاية صحية وفرص عمل مستقرة، تبقى تنمية ناقصة مهما ارتفعت مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي. وإذا علمتنا التجربة المصرية في خلال العقود الماضية شيئاً، فهو أن النمو حين يُفصل عن العدالة الاجتماعية يتحوّل من أداة للرفاه إلى وسيلة لإعادة إنتاج الفقر.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية ليس: كم حققنا من نمو؟ بل: من الذي استفاد منه… ومن الذي تُرك خارجه؟