صدمة الحرب تسقط وهم الفوائض، فهل يعود لبنان إلى دوامة العجز المزدوج؟
بنيت الموازنة العامة اللبنانية لعام 2026 من دون أي اعتبار لحالات الطوارئ والقوّة القاهرة والصدمات الكبيرة، إلا أن توسع الحرب مجدّداً، نسف هذا البنيان ووضع أرقام الإيرادات والنفقات على مسار معاكس تماماً. وحتى الآن، ترجّح التقديرات حصول تراجع في الإيرادات العامة، في مقابل ارتفاع في النفقات، ما قد يحول دون قدرة الحكومة على الحفاظ على سياستها بتصفير العجز المالي وتحقيق فائض أولي، وهو ما يعيد لبنان إلى دوامة العجز المزدوج، أي العجز في الموازنة والعجز في الحساب الجاري في آنٍ معاً.
حقّقت المالية العامة فائضاً في آخر سنتين، بلغ 645 مليون دولار في عام 2024، و1.5 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، وكانت تطمح إلى تحقيق فائض بنحو 600 مليون دولار في عام 2026، إلا أن توسّع الحرب مجدّداً سيؤدي إلى خفض الإيرادات وزيادة النفقات، ما سيجعل الأمر بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، لا بل قد يؤدي إلى العجز بدلاً من الفائض.
لكي تحقّق الخزينة العامة فائضاً، لا بدّ من أن تسجّل تحسّناً في الإيرادات العامّة، غير أنّ تداعيات الحرب تحول دون ذلك.
وفق موازنة عام 2026، تشكّل الرسوم الجمركية والرسوم الداخلية على السلع وضريبة القيمة المضافة نحو 60.7% من مجمل إيرادات الموازنة.
للمقارنة، خلال 66 يوماً من الحرب الموسّعة بين 23 أيلول/سبتمبر و26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، خسرت الخزينة العامة نحو 1.07 مليون دولار يومياً من الإيرادات العامّة، 68.3% منها من 3 مصادر:
1. ضريبة القيمة المضافة
تراجعت بنحو 290 ألف دولار يومياً
بسبب انكماش الاستهلاك وضعف قدرة الدولة على الجباية.
2. الرسوم الجمركية
تراجعت بنحو 253 ألف دولار يومياً
نتيجة انخفاض الاستيراد بسبب تراجع الطلب.
3. إيرادات الاتصالات
تراجعت بنحو 186 ألف دولار يومياً
بسبب تراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض استهلاك بعض الخدمات.
لا يقتصر الأمر على تراجع الإيرادات، سترتب الحرب الجارية نفقات جديدة علِى الخزينة.
بعد انتهاء الحرب الماضية في 26 تشرين الثاني/أكتوبر 2024، لم تخصّص الحكومة مبالغ لإعادة الإعمار وتسديد بدلات الإيواء نتيجة قرار اتخذته بالتقشّف.
- اكتفت برصد 12.1 مليون دولار لمجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة
معظمها للرواتب والأجور والمشاريع الجارية - و10 ملايين دولار لإزالة الردم.
لكن الآن يتوقع وسط الانقسام السائد بعد قرار نزع سلاح حزب الله واعتباره خارجاً عن القانون، أن يعمد المتضرّرون إلى مطالبة الحكومة بالانخراط في مسألة التعويض عن الأضرار والإيواء.
تضاف هذه النفقات إلى أكلاف أخرى تعمد الحكومة إلى إخفائها، ولا تدرجها ضمن الموازنة، لخلق وهم بأنها تحقّق فوائض:
- 1.6 مليار دولار
الفواتير المستحقّة ثمناً لشحنات الفيول العراقي بين 2024 و2025. - 780 مليون دولار
الزيادة على أجور القطاع العام التي لم تصرف لليوم. - 2.2 مليار دولار
مستحقات قروض ميسّرة وغيرها من الاشتراكات في المؤسسات الدولية. - 964.8 مليون دولار
ديون جديدة من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي لا تظهر في دفاتر الحكومة،
ولكنه دين يفترض بلبنان أن يسجّله ويردّه في شكل أقساط. - رسملة نحو مليار دولار من حقوق السحب الخاصة
لتفادي تسجيل فائدة سنوية بقيمة 40 مليون دولار في الموازنة ناتجة عن استخدام هذه الحقوق. - الكلفة التي قد تنتج عن إعادة هيكلة الدين سندات اليوروبوندز وإعادة رسملة مصرف لبنان.
المصدر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – تقييم حالة «عودة العجز المزدوج: تداعيات الحرب على المالية العامة في لبنان» - 14 نيسان/أبريل 2026