real estate

كيف حوّل رأس المال العقاري مصر إلى مدن للمضاربة؟
مدينة بلا مالك «معلوم»

يحضر رقم 35 مليار دولار في الخطاب المصري العام بوصفه أكثر من قيمة مالية. فقد أصبح عنواناً  لصفقة رأس الحكمة التي شملت بيع 179 كيلومتراً مربعاً لإماراتيين على الساحل الغربي لمصر، ويستحضره البعض دليلاً على ثقة المستثمرين بالاقتصاد، فيما يراه آخرون دليلاً على التفريط بالأرض. لكن تفكيك الرقم يكشف صورة مختلفة. ففي شباط/فبراير 2024، أوضح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الصفقة ستوفّر سيولة جديدة بقيمة 24 مليار دولار، فيما تمثّل المليارات الـ11 الباقية ودائع إماراتية موجودة أصلاً لدى البنك المركزي المصري، جرى التنازل عنها وتحويلها إلى الجنيه لتمويل المشروع. أي أن هذا الجزء من الصفقة انتقل من بند إلى آخر في الحسابات، من دون أن تدخل أموال جديدة إلى البلاد، وفق ما يؤكّده أيضاً بيان شركة القابضة الإماراتية (ADQ).

تتّسع الفجوة بين الاستثمارات الإماراتية المعلنة والمنفّذة عند النظر إلى مجمل تدفّقاتها نحو مصر. فقد رصدت قاعدة بيانات Egypt DB نحو 402 صفقة تستند إلى 1,015 سجلاً موثقاً. وبحسب الجزء الأول من تقريرها، بلغت قيمة الاستثمارات التي نُفّذت فعلياً نحو 39 مليار دولار، في مقابل نحو 100 مليار دولار أُعلنت أو وُعد بها ولم تتحقّق، واستحوذت صفقة رأس الحكمة وحدها على أكثر من 60% من الاستثمارات الإماراتية المنفّذة.

 المدن الجديدة لم تستوعب سوى 3.8% من الزيادة السكانية في مصر حتى عام 2017

سبق أن شهدت مصر فجوات مماثلة بين الوعود والتنفيذ. ففي آذار/مارس 2015، وُقعت الحكومة مذكّرة تفاهم مع شركة «كابيتال سيتي بارتنرز»، التي يقودها رجل الأعمال الإماراتي، محمد العبار، لبناء عاصمة إدارية بقيمة 45 مليار دولار، قبل أن يتعثّر المشروع وينتقل إلى جهات أخرى. وقبل ذلك بعام، اتفقت شركة «أرابتك» مع الهيئة الهندسية للقوات المسلّحة على بناء مليون وحدة سكنية بقيمة 40 مليار دولار، لكن الاتفاق انتهى إلى عرض معدّل لا يتجاوز 13 ألف وحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

تكشف هذه الفجوة بين المعلن والمنفّذ جانباً واحداً من المشكلة. فالحكومة المصرية لم تنشر عقد رأس الحكمة حتى اليوم، ونقل موقع «ميدل إيست آي» عن متحدث حكومي أن الحكومة لا تستطيع تزويد الصحافيين بنسخة منه. وبذلك، تقتصر معرفة الرأي العام بشروط الصفقة على التصريحات الرسمية.

يشكّل هذا الغموض أحد شروط إنتاج العمران الجديد في مصر. فالمدينة التي تُحجب عقودها وتبقى ملكيتها مجهولة تفقد طابعها العمومي قبل أن ترتفع أسوارها. لكن هذا النموذج العمراني يستند أيضاً إلى وعد باستمرار تدفّق المشترين، وإلى أسر تدفع اليوم ثمن مساكن لن تسكنها قبل سنوات. وقد بدأت تظهر مؤشرات على تصدّع هذا الوعد. ففي غضون 7 أسابيع من إطلاق منصة «عقار إكزت» في تموز/يوليو 2026، عرض أصحاب أكثر من 5,000 وحدة عقارية التنازل عنها قبل استكمال سداد أثمانها. وبين غموض ملكية الأرض في أعلى السلم، وتعثّر الأسر في الوفاء بالتزاماتها في أسفله، تتشكّل معالم أزمة العمران العقاري في مصر.

تاجر الأرض الأوّل وشركاؤه المتأخّرون

يفترض الحديث عن «استيراد نموذج دبي» أن مصر امتلكت نموذجاً عمرانياً مختلفاً قبل وصول رأس المال الإماراتي، وأن الاستثمارات الخليجية هي التي غيّرته. لكن تاريخ التوسّع العمراني في مصر يكشف مساراً آخر. فقد وثّق المخطّط والاقتصادي، ديفيد سيمز، في كتابه «أحلام مصر الصحراوية»، عقوداً من بناء المدن الجديدة والمنتجعات وممرّات التنمية، انتهت إلى مدن أشباح أو مساحات مخصّصة للأثرياء. وفي محاضرة ألقاها في الجامعة الأميركية في القاهرة عام 2019، قدّر أن المدن الجديدة لم تستوعب سوى 3.8% من الزيادة السكانية في مصر حتى عام 2017، وخلص إلى أن التنمية العمرانية فيها تحوّلت بالكامل إلى سلعة.

تؤدّي هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة دوراً مركزياً في هذا النموذج، بوصفها أكبر بائع للأراضي في مصر. فهي تجني الريع من مزادات الأراضي وعقود «المشاركة»، التي تمنح بموجبها المطوّرين أراضي مقابل دفعات مقدّمة وحصص من الإيرادات. وقد قدّم رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، صفقة رأس الحكمة بوصفها امتداداً لهذا النموذج، إذ تحصل الدولة بموجبها على دفعة نقدية مقدّمة و35% من الأرباح. لكن حجم الصفقة يكشف اختلالاً في العلاقة بين الطرفين. فبحسب تحليل نشره الباحث، يحيى شوكت، في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في آذار/مارس 2024، تبدو الحكومة المصرية الطرف الأصغر في هذه الشراكة، فيما تعادل مساحة رأس الحكمة تقريباً مجموع الأراضي التي راكمتها أكبر 10 شركات تطوير عقاري في القاهرة خلال ربع قرن، وتبلغ 5 أضعاف مساحة صفقة مدينتي عام 2008، التي كانت حتى ذلك الحين أكبر صفقة لبيع أرض حضرية في تاريخ مصر.

لكن من يملك الأراضي التي تقوم عليها هذه السوق؟ تتبّعت دراسة «من يملك القاهرة؟» التي أصدرها «مرصد العمران» التابع لمنصّة «10 طوبة» في أيلول/سبتمبر 2022، ملكية نحو 41 ألف فدان في حوزة أكبر 10 شركات عقارية مدرجة في القاهرة الكبرى، وكشفت أن 6 مستثمرين يستحوذون على نصف هذه المساحة. وتتصدّر الحكومة المصرية قائمة المالكين بنحو 6,400 فدان، أي 16% من الإجمالي، تليها عائلة طلعت مصطفى بنحو 5,600 فدان (14%)، ثم عائلة بن لادن بنحو 2,800 فدان، والحكومة الإماراتية بنحو 2,500 فدان (6%)، وعائلة منصور بنحو 1,900 فدان. وتستحوذ الشركات العشر نفسها على 88% من صافي أرباح القطاع العقاري المدرج بين عامي 2010 و2021. وعند تتبّع ملكية الأراضي إلى المستفيدين النهائيين، يتبيّن أن المستثمرين المصريين يملكون نحو 53% منها، في مقابل 11.5% لكل من المستثمرين الإماراتيين والسعوديين.

تتشارك رؤوس الأموال المصرية والخليجية في السيطرة على الأرض واقتسام ريعها، ضمن نموذج عقاري سبق دخول الاستثمارات الخليجية واتّسع معها

تكشف هذه الأرقام أن رأس المال الخليجي دخل سوقاً عقارية تتركّز فيها ملكية الأراضي والأرباح مسبقاً، واشترى حصصاً في الشركات المسيطرة عليها. ومن أبرز الأمثلة استحواذ تحالف «الدار العقارية» و«القابضة» الإماراتيتين على 85.52% من أسهم شركة «سوديك»، إحدى أبرز شركات التطوير العقاري الخاصة في مصر، في كانون الأول/ديسمبر 2021، مقابل نحو 387 مليون دولار.

يساعد هذا المسار على فهم التوسّع في المدن الصحراوية بوصفه «حلّاً مكانياً»، وفق المفهوم الذي طوّره ديفيد هارفي، إذ تستوعب الأراضي والعقارات فوائض مالية لم تجد مجالات إنتاجية لاستثمارها. وقد اعتمد هذا النموذج بدايةً على رؤوس أموال محلية، قبل أن تتزايد فيه مساهمة رأس المال الخليجي. ويتقاطع ذلك مع تحليل آدم هنية، الذي يرى أن رأس المال الخليجي أصبح جزءاً من تكوين الطبقة الرأسمالية العربية نفسها. ومن هذا المنظور، تتشارك رؤوس الأموال المصرية والخليجية في السيطرة على الأرض واقتسام ريعها، ضمن نموذج عقاري سبق دخول الاستثمارات الخليجية واتّسع معها.

البيت خزانة

حوّلت الدولة الأرض إلى سلعة، فيما حوّلت السوق المسكن إلى مخزن للقيمة. وتكشف أعداد الشقق المغلقة حجم هذا التحوّل. فقد أحصى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تعداد عام 2017 نحو 12.5 مليون وحدة سكنية خالية أو مغلقة، أي نحو 29% من إجمالي الوحدات السكنية في مصر. وتشمل هذه الوحدات نحو 9 ملايين وحدة خالية، نصفها تقريباً مكتمل التشطيب، و2.9 مليون وحدة أغلقتها أسر تملك مساكن أخرى، و1.16 مليون وحدة تعود إلى أسر تقيم في الخارج. ولا تتوافر بيانات تعداد أحدث لقياس أثر موجات تعويم الجنيه المتلاحقة على هذه الظاهرة.

لكن تطوّرات السوق العقارية في السنوات الأخيرة تكشف اتّجاه هذا التحوّل. فبحسب طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات، ارتفعت مبيعات الشركات العقارية من 1.5 تريليون جنيه عام 2023 إلى أكثر من 2.5 تريليون جنيه عام 2024. ويعزو شكري هذه القفزة إلى تحوّل العقار إلى ملاذ آمن للادخار، ما يشير إلى أن حماية المدخرات من تراجع قيمة الجنيه باتت محرّكاً أساسياً للطلب العقاري، إلى جانب الحاجة إلى السكن. فالأسرة التي تشتري بالتقسيط على 8 سنوات شقة في مجمّع سكني لن تقيم فيه، تسعى إلى حماية قيمة أموالها من التضخّم، وتتعامل مع العقار بوصفه مخزناً للقيمة على غرار الذهب.

تبنّت الدولة هذا التوجّه وحوّلته إلى سياسة معلنة، عبر مبادرات وزارة الإسكان التي تشمل «تصدير العقار» وتخصيص الأراضي بالدولار للمصريين المقيمين في الخارج. وتقول الحكومة إن القطاع العقاري والأنشطة المرتبطة به يساهم بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، من دون أن يستند هذا التقدير إلى حساب منشور في الحسابات القومية. أما حصيلة «تصدير العقار»، فقد قدّرها هشام شكري، رئيس مجلس تصدير العقار، بنحو ملياري دولار في السنة المالية 2024-2025، وهو مبلغ يقلّ كثيراً عمّا يوحي به الخطاب الرسمي بشأن أهمية هذا النشاط.

لا يمكن تحميل رأس المال الأجنبي وحده مسؤولية هذا التحوّل. فالطبقة الوسطى العليا والمصريون العاملون في الخليج يساهمون أيضاً في تحويل المدينة إلى محفظة استثمارية. وفي ظل غياب أدوات ادخار تحمي قيمة أموالهم، وانعدام الثقة بسوق إيجارات تحكمها قوانين عادلة، يفضّلون شراء عقارات مغلقة على الاستثمار في مساكن مأهولة. وهكذا، تتوسّع دائرة المشاركين في إنتاج هذا النموذج، وتتكاثر المدن الموسمية التي تمتلئ في آب/أغسطس وتخلو معظم أشهر السنة، حيث تتوزّع ملكية المساكن على كثيرين من دون أن تتحوّل إلى أماكن يعيشون فيها.

الوعد يعود دَيناً

استمرّ نموذج الادخار العقاري ما دام المشترون يتوقّعون ارتفاع الأسعار، ويعوّلون على بيع وحداتهم لمشترين جدد بأسعار أعلى. لكن البيانات بدأت تكشف حدود هذه الحلقة. فبحسب أول مؤشر نشرته منصة «عقار إكزت» في أيلول/سبتمبر 2026، عرض أصحاب 5,045 وحدة عقارية التنازل عنها قبل استكمال سداد أثمانها، حتى الخامس من الشهر نفسه، بقيمة تعاقدية بلغت 53.6 مليار جنيه، وقيمة سوقية تقديرية وصلت إلى 72.2 مليار جنيه. وخلال 7 أسابيع، سجّل 7,225 بائعاً نحو 9,839 طلب تنازل، أي إن عدد طلبات الخروج من السوق قارب ضعف عدد الوحدات المعروضة. ومع ذلك، لا تمثّل هذه الأرقام إحصاءً شاملاً للسوق العقارية، إذ تستند إلى بيانات منصة واحدة حديثة العهد، كما أن عرض الوحدة للتنازل قد يرتبط بأسباب مختلفة، ولا يعني بالضرورة تعثّر مالكها في السداد.

لكن توقيت التنازل يكشف جانباً من الضغوط التي يواجهها المشترون. فقد تعاقد أصحاب نحو 46% من الوحدات المعروضة قبل عامين، و34% منها قبل عام واحد، فيما لا تتجاوز حصة من مضت 4 سنوات أو أكثر على تعاقدهم 1.3%. وعند عرض وحداتهم للتنازل، كان البائعون قد سدّدوا في المتوسط 26.8% من أثمانها. وتشير هذه المعطيات إلى أن قرار الخروج يأتي غالباً بعد سنة أو سنتين من بدء سداد الأقساط، حين تبدأ الأسر باختبار قدرتها على تحمّل التزامات تمتد إلى 8 أو 10 سنوات، وسط تقلّبات الدخل والتضخّم وارتفاع نفقات التعليم والعلاج.

العقار الذي ترتفع قيمته السوقية يواصل استنزاف دخل مالكه عبر الأقساط، وقد يضطرّه إلى البيع قبل أن يتمكّن من تحقيق العائد المتوقّع

ينقل هذا النموذج مخاطر التمويل إلى المشترين، الذين يلتزمون بسداد أثمان مساكنهم على مدى سنوات، فيما يستخدم المطوّرون أقساطهم لتمويل مشاريع قد لا تكون قد اكتملت بعد. ويقترب ذلك مما وصفه أولريش بيك بـ«فردنة المخاطر»، أي تحميل الأفراد مسؤولية مواجهة مخاطر تنشأ عن تنظيم الاقتصاد والمجتمع. وتستمرّ الضغوط حتى مع اقتراب موعد التسليم، إذ يبلغ متوسط ما سدّده أصحاب الوحدات الجاهزة للاستلام 40% من أثمانها، فيما تظهر تكاليف إضافية تشمل ودائع الصيانة والتشطيب، التي ارتفعت مع تراجع قيمة الجنيه. ومن بين البائعين الذين أجابوا عن سؤال يتعلّق بانتظام أقساطهم، أقرّ 20.7% بوجود متأخّرات فعلية.

تشير البيانات أيضاً إلى أن الرغبة في التنازل لا تقتصر على جني الأرباح من ارتفاع الأسعار. فقد بلغ متوسط الفارق بين السعر السوقي الذي يقدّره البائع وسعر التعاقد 26.4%، فيما وصلت القيمة الإجمالية لهذه الفوارق إلى نحو 16 مليار جنيه. ومع ذلك، عرض أصحاب هذه الوحدات عقاراتهم للتنازل، على الرغم من ارتفاع قيمتها التقديرية.

تكشف هذه المفارقة الفرق بين ارتفاع قيمة الثروة على الورق والقدرة على تحويلها إلى سيولة. فالعقار الذي ترتفع قيمته السوقية يواصل استنزاف دخل مالكه عبر الأقساط، وقد يضطرّه إلى البيع قبل أن يتمكّن من تحقيق العائد المتوقّع. وفي المقابل، اتّجه جزء من المدخرات إلى الذهب، إذ بلغ الطلب المصري على السبائك والعملات الذهبية 30.3 طن عام 2023، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي، وسط طلب عالمي قياسي في عام 2025. ويكمن الفرق بين الأصلين في إمكان تسييلهما والالتزامات المرتبطة بهما. فالذهب قابل للبيع سريعاً ولا يفرض أقساطاً مستقبلية على مالكه، فيما يتطلّب شراء العقار بالتقسيط قدرة مستمرّة على تخصيص جزء من الدخل لسنوات مقبلة. ويمكن قراءة هذا التباين في ضوء التمييز الذي أقامه زيجمونت باومان بين «الصلب» و«السائل».

لكن الطلب على العقارات لم يختفِ، وإنّما تغيّرت شروطه. فقد سجّل 17,268 مشترياً نحو 32 ألف طلب شراء على المنصّة خلال الفترة نفسها، وبلغ متوسط الوقت الفاصل بين نشر الوحدة وتلقّي أول طلب عليها 14.6 ساعة. غير أن الطلب يتركّز على الوحدات الأقل سعراً. فالوحدات التي تقلّ قيمتها عن 3 ملايين جنيه تتلقّى في المتوسط 9.5 طلبات لكل وحدة، مقابل 1.6 طلب فقط للوحدات التي تتجاوز قيمتها 20 مليون جنيه. ويبلغ متوسط السيولة المتاحة لدى المشترين مليون جنيه، ومتوسط القسط الشهري الذي يستطيعون تحمّله 50 ألف جنيه. أما أول 21 عملية بيع أُنجزت عبر المنصة، فاستغرقت في المتوسط 14 يوماً من تاريخ النشر حتى إتمام الصفقة، وكان البائعون قد سدّدوا نحو 39.1% من أثمان وحداتهم.

وبذلك، تكشف السوق الثانوية عن إعادة توزيع للقيمة بين المشترين. فمن يملك السيولة يستطيع اختيار الوحدات التي يريد أصحابها الخروج من التزاماتهم، فيما يضطرّ بعض البائعين إلى التخلّي عن عقارات سدّدوا أقساطها لسنوات. ويعكس هذا التفاوت أحد جوانب تحويل الإسكان إلى أصل مالي، إذ تصبح القدرة على الانتظار وتحمّل الالتزامات المالية عاملاً أساسياً في تحديد من يستطيع الاحتفاظ بالعقار والاستفادة من ارتفاع قيمته.

تتركّز أعداد كبيرة من الوحدات المعروضة للتنازل في المدن والمناطق التي توسّعت على أساس توقّعات بنموّ سكاني وطلب عقاري مستقبلي. فقد سجّلت العاصمة الإدارية الجديدة 779 وحدة معروضة، تلتها منطقة الساحل الشمالي بـ541 وحدة، والتجمّع الخامس بـ489 وحدة، ورأس الحكمة بـ349 وحدة. وتصدّرت مجموعة طلعت مصطفى وشركة بالم هيلز قائمة المطوّرين من حيث عدد الوحدات المعروضة، وهو ترتيب يرتبط بحجم مبيعاتهما ولا يثبت بالضرورة ارتفاع معدّلات التعثّر بين عملائهما. لكنه يعيد إلى الواجهة الشركات نفسها التي برزت في دراسة «10 طوبة» عن تركّز ملكية الأراضي. وهكذا، تبدأ دورة الاستثمار العقاري بتركّز الأرض في أيدي عدد محدود من المالكين والمطوّرين، وتستند في تمويلها إلى أقساط المشترين، قبل أن يجد بعض هؤلاء أنفسهم مضطرّين إلى الخروج من التزاماتهم.

الساحل جغرافيا جديدة للمكانة

انتقل مركز المكانة الاجتماعية في مصر، خلال العقدين الماضيين، من الأحياء الراقية القديمة في القاهرة إلى المجمّعات السكنية المغلقة على أطرافها الشرقية والغربية، ثم إلى الساحل الشمالي. وبحسب ما نقلته الهيئة العامة للاستعلامات عن الرئيس التنفيذي لشركة «الديار» القطرية، استحوذت مبيعات الساحل على أكثر من 60% من التعاملات العقارية في مصر عام 2024. وعلى الرغم من أن الرقم صادر عن طرف صاحب مصلحة مباشرة في السوق، فإنه يشير إلى تزايد أهمية الساحل في الاستثمار العقاري. وفي هذا السياق، يوسّع رأس المال الخليجي استثماراته غرباً. فبعد صفقة رأس الحكمة، وقّعت «الديار» القطرية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 اتفاقاً لتطوير منطقة علم الروم، بقيمة إجمالية معلنة بلغت 29.7 مليار دولار، منها 3.5 مليار دولار فقط تدفّقات نقدية مباشرة تسلّمتها مصر في كانون الأول/ديسمبر 2025. ويتضمّن المخطّط الذي أعدّته شركة SOM كيلومترات من الواجهات الشاطئية الخاصة. وسبق ذلك، في أيلول/سبتمبر 2025، الإعلان عن مشروع مراسي البحر الأحمر الذي تطوّره شركتا «إعمار مصر» و«سيتي ستارز».

مع توسّع هذه المشاريع، تتحوّل الشواطئ من مساحات عامة إلى أصول عقارية تتيح للمستثمرين تحقيق الأرباح من الوصول إلى البحر. وتنصّ المادة 73 من قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 على حظر إقامة منشآت على الشواطئ لمسافة 200 متر إلى الداخل من خط الشاطئ، إلا بموافقة الجهة المختصة. لكن تحقيق «المال يشتري البحر» لشبكة «أريج»، الذي استند إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كشف أن حصة الشواطئ الخاصة ارتفعت من 14% عام 2013 إلى 88% عام 2024. وفي آب/أغسطس 2026، وجّه الرئيس المصري بتشكيل لجان عاجلة لضمان حرية وصول المواطنين إلى الشواطئ، في اعتراف رسمي بالحاجة إلى التدخّل لحماية هذا الحق.

تكشف بيانات التنازل عن الوحدات العقارية جانباً آخر من هذا التحوّل. فعندما تعيد الأسر ترتيب أولوياتها المالية، يصبح المسكن الثاني على البحر من الأصول التي قد تتخلّى عنها. وبالفعل، تحتلّ الشاليهات المرتبة الثانية بين الوحدات المعروضة للتنازل، بعد الشقق. وعلى الرغم من كثرة الوحدات المعروضة في رأس الحكمة، لا يتجاوز متوسط الطلب عليها 1.4 طلب لكل وحدة، بالمقارنة مع 5.7 طلبات في العلمين الجديدة و9 طلبات في «حدائق أكتوبر». وتُظهر بيانات المنصة أيضاً أن 12.1% من المشترين يستخدمون أرقام هواتف خليجية، ويميلون إلى شراء وحدات قطع أصحابها شوطاً أطول في سداد أثمانها، بما يتيح لهم الحصول على عقارات أقرب إلى الاكتمال من دون تحمّل التزامات طويلة مماثلة. وهكذا، تتقاطع الاستثمارات الخليجية الكبرى في تطوير الأراضي مع طلب صادر عن مشترين يستخدمون أرقاماً خليجية، قد يكون بينهم مصريون يعملون في الخليج أو مواطنون خليجيون، على وحدات يتخلّى عنها مالكوها السابقون.

لكن توسّع المشاريع العقارية يطرح أيضاً سؤالاً عن مصير المجتمعات المحلية التي تعيش على هذه الأراضي. ويتطلّب تناول هذه المسألة التمييز بين الوقائع الموثّقة والمعلومات التي لا تزال غائبة. فقد بدأت الحكومة المصرية تعويض أهالي رأس الحكمة منذ عام 2018 بنحو 150 ألف جنيه للفدان، قبل أن ترفع المبلغ إلى 300 ألف جنيه عام 2024، وفق ما رصده «ديوان العمران». وفي شباط/فبراير 2025، أعلن متحدث باسم مجلس الوزراء أن الحكومة صرفت أكثر من 6 مليارات جنيه تعويضات، وخصّصت منطقة «شمس الحكمة» لإعادة توطين السكان. لكن شيوخ القبائل كانوا قد انسحبوا من اجتماع مع وزير النقل في شباط/فبراير 2024 احتجاجاً على قيمة التعويضات. كما نقلت منصة «المنصة» عن الأهالي شكاوى من ضغوط الإخلاء وتأخّر صرف التعويضات وعدم كفايتها، فيما احتُجزت الصحافية في «مدى مصر» رنا ممدوح أثناء عملها على تغطية هذا الملف.

تبدأ دورة الاستثمار العقاري بتركّز الأرض في أيدي عدد محدود من المالكين والمطوّرين، وتستند في تمويلها إلى أقساط المشترين، قبل أن يجد بعض هؤلاء أنفسهم مضطرّين إلى الخروج من التزاماتهم

وعلى الرغم من هذه الوقائع، لا تزال معلومات أساسية عن مصير السكان مجهولة. فلا تتوافر أرقام رسمية عن إجمالي المتأثّرين بالمشروع، أو معايير معلنة لتقييم التعويضات، أو إحصاءات عن الذين رفضوها، كما لم تتضح كيفية تسوية أوضاع الحيازات العرفية التي استند إليها وجود قبائل أولاد علي في المنطقة لأجيال. ولا تقتصر هذه المشكلة على رأس الحكمة، إذ أفادت «مدى مصر» بأن مزارعي سميلة يواجهون خطر الإخلاء في إطار مشروع علم الروم القطري. ويكشف غياب هذه المعلومات طبيعة العلاقة بين المشاريع العقارية والمجتمعات المحلية، إذ تتعامل السلطات مع السكان بوصفهم مستحقّين للتعويض، من دون أن تضمن مشاركتهم في القرارات التي تحدّد مستقبل أراضيهم وأماكن عيشهم.

جيل الأسوار

يتجاوز أثر التوسّع العقاري في مصر ملكية الأرض وتدفّقات المال، ليطال أيضاً الحياة الاجتماعية والعلاقة بالمدينة. ويظهر هذا التحوّل بداية في اللغة التي تسوّق بها الشركات مشاريعها. فغالباً ما تحمل المجمّعات السكنية المغلقة أسماء أجنبية تستحضر مدن المتوسط الأوروبية أو كاليفورنيا، وتربط قيمة المكان بنمط حياة مستورد. وفي مشروع رأس الحكمة، تروّج شركة مدن القابضة لوعد «حياة متوسطية» على اللوحات الإعلانية في القاهرة. وفي أيار/مايو 2026، أعلنت شراكتها مع علامة «مونتاج» الفندقية، ثم كشفت عن منتجع يحمل اسم «ناموس». وهكذا، تستخدم الشركات العلامات العالمية لتحديد هوية المكان وتعزيز قيمته التسويقية، وتبيع من خلال العقار نمط حياة ومكانة اجتماعية. ويتقاطع ذلك مع مفهوم «التمييز الاجتماعي» الذي طوّره بيير بورديو، حيث يتحوّل الذوق إلى وسيلة لإظهار الموقع الطبقي، ويصبح العنوان السكني رأسمالاً رمزياً يمكن توريثه. لكن بيانات التنازل عن الوحدات العقارية تكشف حدود هذا الوعد، بعدما بدأ أصحاب آلاف الوحدات بعرضها للبيع قبل استكمال سداد أثمانها.

يمتدّ أثر هذا النموذج إلى الأجيال التي تنشأ داخل المجمّعات السكنية المغلقة. فالأطفال الذين يرتادون مدارس دولية داخل هذه المجمّعات أو بالقرب منها، ويقضون أوقات فراغهم في نوادٍ خاصة، ويتلقّون الرعاية الصحية في مستشفيات خاصة، ويصطافون خلف بوابات أخرى على الساحل، تتشكّل علاقتهم بالمدينة من خلال فضاءات منفصلة عن الحياة العامة. ويحدّ هذا النمط العمراني من الاحتكاك اليومي بين الفئات الاجتماعية، ويُضعف دور الشارع بوصفه مساحة مشتركة للتفاعل والتفاوض على استخدام المكان. فقد بيّن آصف بيات أن الشارع في المدن العربية شكّل فضاءً لما سمّاه «اللاحركات الاجتماعية»، حيث يتفاوض الباعة الجائلون والسكان والسلطات، من خلال ممارساتهم اليومية، على الحق في الوجود واستخدام الفضاء العام. وقد ساهمت هذه الممارسات في تشكيل السياسة الشعبية. لكن المجمّعات المغلقة تقلّص المساحات المتاحة لهذا التفاعل، إذ تحدّد البوابات والإدارة الخاصة من يستطيع الدخول وكيف يستخدم المكان. ويتقاطع ذلك مع ملاحظة ديفيد سيمز بشأن افتقار المدن الجديدة إلى حياة الشارع والفضاءات العامة الفاعلة.

لا يقتصر تحويل المكان إلى أصل استثماري على المدن الجديدة، بل يمتدّ إلى المباني التاريخية التي تحمل جزءاً من الذاكرة الجماعية. ففي كانون الأول/ديسمبر 2023، وقّعت شركة «آيكون»، الذراع الفندقية لمجموعة طلعت مصطفى، اتفاقات للاستحواذ على 39% من شركة «ليجاسي» للفنادق، مع الحصول على حقوق إدارتها الكاملة. وتملك «ليجاسي»، التي تأسّست بشراكة بين صندوق مصر السيادي والشركة القابضة للسياحة والفنادق «إيجوث»، سبعة فنادق تاريخية، من بينها مينا هاوس، وكتاراكت أسوان، ووينتر بالاس الأقصر، وسيسيل الإسكندرية. وفي آذار/مارس 2024، رفعت «آيكون» حصتها إلى 51% ضمن صفقة بلغت قيمتها 800 مليون دولار. وكانت شركتا «القابضة» ومجموعة «أدنيك» الإماراتيتان قد دخلتا شريكتين في «آيكون» نفسها في كانون الثاني/يناير 2024، بحصة بلغت 40.5%. وبذلك، أصبحت للدولة الإماراتية حصة غير مباشرة في مجموعة من أبرز الفنادق التاريخية المصرية، عبر شركة مصرية، وبمشاركة صندوق مصر السيادي.

يتكرّر هذا المسار في قلب القاهرة، حيث يجري تحويل مجمّع التحرير، الذي ارتبط لعقود بالإدارة الحكومية وبالذاكرة السياسية لميدان التحرير، إلى فندق ضمن مجموعة «أوتوغراف كولكشن» التابعة لماريوت. ويتولّى المشروع تحالف يضمّ مستثمرين أميركيين وإماراتيين، باستثمارات تتجاوز 200 مليون دولار، وبموجب عقد انتفاع مدّته 49 عاماً، وفق صندوق مصر السيادي. ويطرح تحويل هذا المبنى التاريخي إلى منشأة فندقية سؤالاً يتجاوز جدوى الاستثمار وجودة الترميم، ويتعلّق بالجهة التي تملك سلطة تقرير مستقبل الأماكن المرتبطة بالذاكرة العامة، وبمدى مشاركة المجتمع في تحديد استخداماتها.

سيادة التخطيط المتسرّبة

من يقرّر شكل المدينة عندما تُبرم عقود تطويرها بعيداً من المجال العام؟ في رأس الحكمة، نقلت الدولة الأرض بقرار جمهوري إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي منحت حقوق تطويرها لتحالف تقوده الشركة القابضة الإماراتية. واختار التحالف شركة «مدن القابضة»، المدرجة في سوق أبوظبي، مطوّراً رئيسياً للمشروع. وفي أيلول/سبتمبر 2026، منحت «مدن» عقداً بقيمة 200 مليون دولار لتحالف مقاولين مصريين لبناء إحدى مراحل منطقة «وادي يم». وكشفت الشركة في آب/أغسطس 2026 عن تصميم مطار دولي من دون تحديد موعد لافتتاحه، وكانت قد أعلنت في آذار/مارس 2025 تعاونها مع مجموعة السويدي لإنشاء منطقة صناعية بمساحة 10 ملايين متر مربع، من دون أن يتجاوز المشروع حتى الآن مرحلة التعاون المعلن.

وفي موازاة هذه الإعلانات، تراجعت تقديرات الاستثمارات المتوقّعة في المشروع من 150 مليار دولار عند الإعلان عنه إلى 110 مليارات دولار بحلول عام 2045. وفي أيلول/سبتمبر 2026، رصدت قاعدة بيانات Egypt DB أن الأعمال في الموقع لا تزال تقتصر على الأسوار والحفريات وأعمال المساحة، فيما يُتوقّع إنجاز أول 5,500 شقة نحو عام 2028. ومع ذلك، كان أصحاب 349 وحدة في رأس الحكمة قد عرضوها للتنازل عبر منصة «عقار إكزت»، قبل اكتمال الأحياء السكنية التي تقوم عليها وعود المشروع.

يظهر حجم الغموض في الأسئلة التي لا تزال بلا إجابات. فلا يُعرف ما إذا كانت صفقة رأس الحكمة تمنح المستثمر حق الملكية أم الانتفاع، ولا مدّة الانتفاع إن وُجد، ولا الجهة المختصة بفضّ المنازعات، ولا حدود الصلاحيات التخطيطية الممنوحة للشركة

في ظل هذا النموذج، يتولّى المطوّر العقاري وظائف تتجاوز البناء والاستثمار إلى تحديد شكل المدينة وتنظيم استخدامها. فهو يضع المخططات، ويختار المعماريين، ويحدّد الكثافات العمرانية، ويقرّر مواقع الطرق ومنافذ الوصول إلى البحر. وتشارك الدولة في إبرام الاتفاقات ومنح الحقوق، لكن القرارات التي تحدّد مستقبل المدينة تنتقل من المؤسسات المعنية بالتخطيط العمراني والمجالس المحلية والرقابة البرلمانية إلى عقود ثنائية لا تُنشر بنودها. ويصف الكاتب هذا التحوّل بـ«السيادة المتسرّبة»، حيث تنتقل صلاحيات التخطيط تدريجياً إلى المطوّرين من دون إعلان صريح عن التنازل عنها، ومن دون إتاحة شروط هذا الانتقال للمساءلة العامة.

يظهر حجم الغموض في الأسئلة التي لا تزال بلا إجابات. فلا يُعرف ما إذا كانت صفقة رأس الحكمة تمنح المستثمر حق الملكية أم الانتفاع، ولا مدّة الانتفاع إن وُجد، ولا الجهة المختصة بفضّ المنازعات، ولا حدود الصلاحيات التخطيطية الممنوحة للشركة. ويمتدّ اختلال القدرة على التفاوض إلى المشترين أنفسهم، إذ تلتزم الأسر بعقود تقسيط لا تملك غالباً التفاوض على شروطها، فيما تبقى مواعيد تسليم الوحدات وتكاليف استلامها عرضة للتغيّر. وهكذا، يتركّز القرار في أيدي الجهات التي تملك الأرض وتطوّرها، بينما يتحمّل المشترون جزءاً من المخاطر المالية المترتّبة على تنفيذ المشاريع.

وتقدّم الباحثة الإسرائيلية موران زاجا، في ورقة عن «سياسة المراسي» الإماراتية أصدرها معهد ميتفيم في كانون الثاني/يناير 2025، تفسيراً لهذا التوسّع من زاوية المصالح الإماراتية. وترى زاجا أن استحواذ الإمارات على أصول وبنى تحتية وعقارات خارج حدودها يوسّع نطاق نفوذها الفعلي، حتى عندما تبقى هذه الأصول خارج سيادتها الرسمية. لكن هذا التفسير، على الرغم مما يكشفه عن دور الاستثمارات في توسيع النفوذ الإماراتي، لا يفسّر وحده طبيعة العلاقة بين الأطراف المشاركة في إنتاج هذا العمران. فالدولة المصرية هي التي تطرح الأراضي وتحدّد شروط الاستثمار وتحجب العقود عن الجمهور، فيما تساهم الأسر في تمويل المشاريع بأقساطها وتتحمّل جانباً من مخاطرها.

شروط العمومية

تتطلّب مساءلة النموذج العقاري في مصر تجاوز النقاش حول الترحيب برأس المال الخليجي أو رفضه. فاختزال المسألة في هوية المستثمر الأجنبي يحجب دور الدولة المصرية ورأس المال المحلي في إنتاج هذا النموذج والاستفادة منه، ويصرف الانتباه عن شروط إدارة الأراضي العامة وتوزيع عوائدها ومخاطرها. لذلك، يطرح الكاتب خمسة شروط لاستعادة الطابع العمومي للمدينة.

يبدأ ذلك بإنشاء سجل عام للأراضي يتيح للمواطنين معرفة مالكيها والمستفيدين النهائيين منها. وقد أظهرت دراسة «10 طوبة» إمكان تتبّع الملكية وكشف تركزها، على الرغم من محدودية الموارد المتاحة لإعدادها. ويتطلّب الأمر أيضاً نشر العقود كاملة، وفي مقدّمتها عقدا رأس الحكمة وعلم الروم، حتى يتمكّن المواطنون من معرفة الشروط التي تنقل بموجبها الدولة حقوق تطوير الأراضي العامة إلى المستثمرين، ومساءلتها عنها.

ويقتضي الحفاظ على الحق في الوصول إلى البحر تطبيق القيود القانونية المتعلّقة بحرم الشاطئ وضمان الممرّات العامة، قبل أن يستكمل المطوّرون مشاريعهم وتتحوّل حماية هذا الحق إلى تدخّل متأخّر. كذلك، يجب إشراك المجتمعات المحلية، من قبائل أولاد علي في رأس الحكمة إلى مزارعي سميلة في علم الروم، في قرارات التخطيط التي تحدّد مستقبل أراضيها وأماكن عيشها، بدلاً من حصر علاقتها بالمشاريع في التفاوض على التعويضات.

ويمتدّ الحق في مساءلة هذا النموذج إلى الأسر التي تموّل المشاريع العقارية بأقساطها. وتقتضي حمايتها إلزام المطوّرين بالإفصاح عن جداول التسليم وتكاليف الاستلام، ونشر بيانات دورية عن التنازل عن الوحدات والتعثّر في السداد. فقد أظهرت بيانات منصة «عقار إكزت»، خلال 7 أسابيع فقط، إمكان رصد هذه المؤشّرات، ما يطرح سؤالاً عن غياب بيانات رسمية منتظمة تتيح تقييم المخاطر التي يتحمّلها المشترون، رغم بدء الحكومة أخيراً اتخاذ خطوات للتعامل مع هذه المسألة.

تعيد هذه الشروط طرح «الحق في المدينة»، وفق المفهوم الذي طوّره هنري لوفيفر، بوصفه حقّاً في المشاركة في إنتاج المجال العمراني وتحديد استخداماته ومستقبله. فقد اعتمد التوسّع العقاري في مصر على استمرار تدفّق المشترين وارتفاع الأسعار، وعلى أسر تموّل بأقساطها مشاريع لن تسكنها قبل سنوات. لكن تصاعد طلبات التنازل عن الوحدات يكشف حدود هذا النموذج، بعدما بدأ بعض المشترين يعجزون عن الاستمرار في تحمّل التزاماته. وفي ظل استمرار حجب العقود وغياب المعلومات عن توزيع الحقوق والمخاطر، يبقى السؤال: من يقرّر شكل المدينة ولمن تُبنى، ومن يتحمّل كلفة بنائها والانتظار فيها؟

    هشام جعفر

    صحافي وباحث في العلوم الاجتماعية، واستشاري حلّ النزاعات لعدد من المؤسسات الدولية. له عدد من المؤلفات، أحدثها: عالم ترامب (2025)، عالم ما بعد غزة (2026).