canada-first

هكذا دواليك
الجميع أطرافٌ في عالم ترامب، كندا نموذجاً
في ظلال الـ MAGA

كان الجنرال مايجور روبرت روس من كبار قيادات الجيش الكندي حين قاد، عام 1814، مجموعة من جنوده نحو واشنطن في مهمّة سرّية انتهت بحرق البيت الأبيض ومجموعة من المباني العامة. ثم عاد ليسقط في إحدى المعارك، ويُدفن في مدينة هاليفاكس ضمن مراسم تكريم عسكرية شاملة. وكان ذلك الرد الكندي المباشر على قيام الأميركيين، قبل عام، بحرق مباني الحكومة والبرلمان الكنديين في مدينة تورنتو.

ما سبق ليس سوى ترجمة حرفية لأحد المقاطع التي يتضمّنها الكتيّب التعريفي الرسمي بتاريخ كندا، والذي يُعدّ أساسياً للتحضير لامتحانات الجنسية الكندية للمهاجرين، بما يضمن إطلاعهم على حد أدنى من تاريخ البلاد التي سيكملون حياتهم فيها. فعلاقات الود والجيرة والتعاون الاقتصادي والسياسي والأمني، والتي تصل أحياناً إلى حدّ التبعية، لا تخفي التاريخ الطويل من شدّ الحبال الذي مرّت به العلاقات الأميركية–الكندية خلال قرنين من الزمن، وتخلّلته الكثير من الأزمات والافتراقات. ومع ذلك، بقيت قوة الجغرافيا الناظم الأبرز للعلاقات بين الجارتين الحليفتين اللتين تمتلكان أطول حدود مشتركة في العالم، بطول نحو 9,000 كيلومتر.

ما يحصل اليوم من نذر حرب تجارية مباشرة، مع إعلان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الانسحاب من الاجتماعات الثنائية في 21 آب/أغسطس الماضي، ليس سوى الفصل الأحدث في هذه العلاقة. ويعود السبب، على حد قول كارني، مباشرة إلى أن «التعديلات التي أُدخلت في اللحظة الأخيرة على الشروط التي اقترحتها الولايات المتحدة كانت غير منصفة وغير مجدية من الناحية الاقتصادية». كما أشار كارني إلى وجود الكثير من «الشكوك بشأن موثوقية أي اتفاق يمكن التوصّل إليه» مع الإدارة الأميركية، في ظل إلحاح الأميركيين على فرض مبدأ المراجعات الدورية للاتفاقيات الموقّعة، بما يرهق الأطراف الأخرى ويحدّ من قدرتها على التخطيط الاقتصادي المستقبلي.

أثبتت المقاطعة نجاعتها وشكّلت خطراً مباشراً على المنتجين الأميركيين. بحلول شباط/فبراير 2026، انخفضت واردات كندا من المشروبات الكحولية الأميركية بنحو 81% مقارنة بآذار/مارس 2025

جاء الردّ الأميركي سريعاً، فجر السبت 22 آب/أغسطس، باعتماد حزمة إضافية من الرسوم الجمركية استهدفت مجموعة كبيرة من السلع الكندية المصدّرة إلى الولايات المتحدة، بلغ حجمها الإجمالي 28 مليار دولار، أي نحو 5.5% من إجمالي الصادرات. لكن الأمر اتخذ منحى أكثر حدّة في الأيام التالية، حين دخل ترامب شخصياً على خط التراشق السياسي، مهدداً الكنديين بأن التعاطي معه بوصفه عدواً ستكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد الكندي.

جذور الأزمة الحالية

في فترته الرئاسية الأولى، أطلق ترامب حربه التجارية الكبرى على مختلف الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وفي مقدمتهم كندا إلى جانب الصين. وينطلق ترامب من قناعة مفادها أن مبادئ التجارة الحرة، التي دفعت الولايات المتحدة الأميركية نحوها وعملت على تعميمها منذ ثمانينات القرن الماضي، وشكّلت العمود الفقري لاستراتيجيات النمو الاقتصادي في الدول الصناعية والغربية عموماً، لم تعد صالحة لتأمين المصالح الأميركية اليوم.

لذلك، فإن ما يطلبه ترامب بسيط جداً: إعادة تعريف شروط التجارة العالمية وفقاً للمصالح الاستراتيجية الأميركية، مرتكزاً إلى موقع الولايات المتحدة بوصفها المركز الإمبراطوري العالمي. هكذا، ألغى اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) عام 2017، وفرض استبدالها باتفاقية جديدة، هي «أوسمكا» (USMCA)، تضم كندا والمكسيك والولايات المتحدة وتنتهي مدتها عام 2036.

تمكّن ترامب عبر الاتفاقية الجديدة من فرض شروط تفضيلية على الكنديين، كان على رأسها إجبارهم على فتح سوق الألبان الكندية، التي يُقدّر حجمها بنحو 16 مليار دولار، أمام المنتجين الأميركيين، ووضع سقف لحجم صادرات السيارات الكندية إلى الولايات المتحدة. كذلك، لم تحلّ الاتفاقية معضلة الرسوم الجمركية على صادرات الألومنيوم والصلب الكندية، التي فرضت عليها إدارة ترامب رسوماً ضخمة منذ عام 2017. كما تمكّنت إدارة ترامب الأولى من «تفخيخ» المسار التفاوضي لاتفاقية أوسمكا عبر إدخال بندَي المراجعة والتمديد الدوريين، بما يفتح نافذة لإعادة مناقشة بنود الاتفاقية وشروطها المتبادلة بدءاً من تموز/يوليو 2026، مع ضرورة ضمان عدم اعتراض أي من الدول الموقّعة على التمديد. ويمنح هذا التفصيل ترامب، مرتكزاً إلى القوة الإمبراطورية الأميركية المالية والعسكرية والديموغرافية، حقاً عملياً في إعادة تشكيل بنود الاتفاق وفق أولوياته التجارية. وهذا، حرفياً، ما يفعله اليوم، وما أدى إلى انهيار المسار التفاوضي.

والمفارقة أن النص الذي وافقت عليه حكومة جاستن ترودو عام 2019 حدّد آليات العمل في حال فشل المراجعة الدورية الأولى، وهو ما حدث اليوم، عبر فرض مراجعة سنوية للبنود. وهذا يعني دفع كندا والمكسيك إلى مسار تفاوضي شاق ومستمر تمتلك فيه الولايات المتحدة حق الفيتو. عملياً، تجعل هذه الآلية مهمة حكومتي البلدين قائمة على إرضاء الإدارة الأميركية لضمان استمرار العلاقات التجارية.

نقاط الاشتباك التجاري

بمراجعة التصريحات المتبادلة بين الطرفين، تبرز 4 قضايا خلافية أفضت إلى انهيار المفاوضات والتوجّه نحو حالة من الحرب التجارية المباشرة وغير المسبوقة.

الضرائب على قطاع صناعة السيارات: بحسب المفاوضين الكنديين، فوجئوا في اللحظات الأخيرة من المفاوضات بفرض الأميركيين استثناءً على سيارات الدفع الرباعي الكبيرة والمتوسطة المنتجة في مقاطعة أونتاريو، يحرمها من خفض التعريفات الجمركية على قطاع صناعة السيارات الكندي من 25% إلى 15%، وهو أحد أبرز البنود التي كانت موضع تفاوض. ويشكّل هذا الاستثناء تهديداً مباشراً لوظائف نحو 20 ألف عامل كندي. 

اللافت أن العرض الأميركي كان، أساساً، محصوراً بالسيارات التي تعتمد في سلاسل توريدها بصورة رئيسية على مكونات أميركية الصنع، أي بأكثر من 75% من مكوناتها. ويتوسع الشرط الأميركي أيضاً ليحدّ من قدرة المصانع الكندية على استيراد الألومنيوم والصلب الخام من مصادر خارج القارة وبكلفة أقل، بما يعيد عملياً تشكيل قطاع صناعة السيارات في كندا ليصبح مجرد امتداد للصناعة الأميركية. وقد رفض كارني هذا الأمر تماماً، معتبراً إياه قراراً سيادياً بامتياز. وتمثّل هذه النماذج نسبة قليلة من إجمالي السيارات المنتجة في كندا، لكنها تُعدّ من أكثر خطوط الإنتاج نمواً، لا سيما أن الشركات الأميركية تستثمر فيها بقوة. فقد بدأت شركة فورد بناء مصنع لنموذج F-Series، بكلفة إجمالية تصل إلى نحو 5 مليارات دولار، في مدينة أوكفيل الكندية، فيما تستثمر شركة جنرال موتورز نحو 144 مليون دولار في منشأتها لتجميع السيارات في مدينة أوشاوا.

سعت إدارة ترامب إلى تحويل السياسة التجارية الدولية لكندا إلى ذراع تنفيذية مكمّلة لسياستها، بما يضرب جوهر استراتيجية حكومة كارني الرامية إلى تعزيز مستويات الاستقلال الاقتصادي

من الواضح أن الهدف الأساسي من هذا الإجراء هو التأثير مباشرة في القرارات الاستثمارية لشركات السيارات الأميركية التي تتسابق لتوسيع استثماراتها في مقاطعة أونتاريو الكندية. 

والجدير بالذكر أن نحو 92% من الإنتاج الكندي يُصدَّر إلى الولايات المتحدة. فالقطاع صُمّم أصلاً ليكون مكمّلاً لصناعة السيارات الأميركية، لكنه انتقل تدريجياً نحو الشركات اليابانية، التي تمثّل اليوم نحو 76% من إجمالي الإنتاج.

الصناعات الغذائية وحصص الاستيراد: ليست المسألة جديدة، إذ تعود إلى مفاوضات عام 2019 التي أفضت إلى رفع القيود الجمركية عن صادرات الألبان الأميركية ومشتقاتها، وخصوصاً الأجبان، شرط ألا تتجاوز حصتها 4% من إجمالي السوق الكندية. غير أن الإنتاج الأميركي يعاني بصورة كبيرة من أزمة تصريف ومن المنافسة في السوق العالمية، ولم يتمكّن من تحقيق الاختراق المطلوب في السوق الكندية. وعزا الأميركيون ذلك إلى نظام توزيع رخص الاستيراد الذي تحصره أوتاوا بالمنتجين المحليين، ما يعني عملياً انتفاء مصلحتهم التجارية في الاستيراد قبل تصريف الإنتاج المحلي. علماً أن صادرات الألبان الأميركية إلى كندا ارتفعت بنحو 78% خلال السنوات الخمس الماضية.

في المفاوضات الأخيرة، طالب الأميركيون بتغيير نظام توزيع الحصص وفتحه، بصورة خاصة، أمام تجار التجزئة، إلى جانب التحرير الكامل للقطاع، وهو ما يمثّل تدخلاً مباشراً في سياسات إدارة القطاع في كندا. لكن المسألة تتجاوز موضوع الحصص، إذ تكمن المشكلة الأكبر في طبيعة الدعم الحكومي الأميركي لمنتجي الحليب والأجبان، والذي يصل إلى نحو 38 مليار دولار سنوياً لقطاعي الألبان واللحوم. في المقابل، لا تدعم الحكومة الكندية إنتاجها المحلي القائم على المزارع العائلية المتوسطة الحجم. وهذا ما يهدّد بإغراق السوق الكندية بشكل كامل في حال رفع نظام الحصص، علماً أن ما قبلت به أوتاوا من تعديلات وفق الشروط الأميركية سيُضعف قدرة المنتجين على التحكم في السوق المحلية.

يتعلق الأمر أيضاً بمعايير الجودة والنوعية التي تختلف جذرياً بين البلدين، إذ تسمح الولايات المتحدة باستخدام هرمونات النمو البقري الاصطناعية، وبمستويات مرتفعة من الخلايا الجسدية (Somatic Cell Count) في الحليب، فيما تعتمد كندا معايير صارمة في هذا المجال حفاظاً على صحة المستهلكين وجودة المنتج. ويُضاف إلى ذلك أزمة مقاطعة المشروبات الكحولية الأميركية في السوق الكندية، والتي جاءت رداً مباشراً على قرار ترامب المفاجئ عام 2025 بفرض رسوم جمركية تصل إلى نحو 25% على السلع الكندية. وقد دفع ذلك الحكومات المحلية في معظم المقاطعات الكندية إلى اتخاذ قرارات تنفيذية بمقاطعة السلع والبضائع الأميركية، وتحديداً في قطاع المشروبات الكحولية.

مع مرور الوقت، أثبتت المقاطعة نجاعتها وشكّلت خطراً مباشراً على المنتجين الأميركيين. وتشير الأرقام إلى أنه، بحلول شباط/فبراير 2026، انخفضت واردات كندا من المشروبات الكحولية الأميركية بنحو 81% مقارنة بآذار/مارس 2025، إذ تراجعت قيمة الواردات من نحو 718 مليون دولار إلى 137 مليون دولار أميركي. واعتبر ترامب هذه المقاطعة أحد الأسباب التي تعرقل المفاوضات. حتى إن كارني نفسه توجّه، خلال اجتماع مع حكام المقاطعات قبل يومين من انهيار المفاوضات، بطلب تخفيف حملات المقاطعة تحت ضغط أميركي.

اللغة الفرنسية والقضايا الثقافية المرتبطة بها شكّلت عاملاً إشكالياً إضافياً في المفاوضات. اعتبر الأميركيون أن القوانين الكندية، وتحديداً تلك المطبقة في مقاطعة كيبيك، والتي تفرض على السلع المستوردة أن تتضمن شروحات تفصيلية باللغة الفرنسية لضمان حق المستهلكين الناطقين بها في الاطلاع على طبيعة المنتجات التي يستهلكونها ومكوناتها، تشكّل عوائق أمام التجارة. وهذه المسألة ليست عابرة بالنسبة إلى كيبيك، التي تُعدّ إحدى أكبر المقاطعات الكندية وتكافح للحفاظ على الحقوق الثقافية للناطقين بالفرنسية. كما يمتد الخلاف إلى قوانين كيبيك المتعلقة بكيفية إبراز المحتوى المنتج باللغة الفرنسية عبر المنصات الأميركية العاملة في قطاع الترفيه والمنتجات الثقافية، مثل «نتفليكس» تحديداً.

كان كارني حاسماً في هذا الشأن، معتبراً أن المسألة تتجاوز حدود التفاوض التجاري لتمسّ شؤوناً سيادية تمثّل خطاً أحمر بالنسبة إلى الكنديين.

وينسحب الوضع نفسه على أزمة الاستفتاء على الانفصال في مقاطعة ألبرتا، التي تحيط بها الكثير من الشكوك بشأن طبيعة العلاقة التي تجمع حاكمتها، دانييل سميث، بإدارة ترامب. 

من جهته، سخر وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك من هذا الأمر، واعتبر أن حكومة كارني تستخدمه كعامل ضغط سياسي للتأثير في نتائج الانتخابات المقبلة في كيبيك. لكن كبير المفاوضين الأميركيين، جايمسون غريير، عاد وتراجع عن هذا الموقف بعد انهيار المفاوضات، مؤكداً أن موضوع اللغة الفرنسية لن يكون سبباً لعرقلة التفاوض مستقبلاً.في هذا المشروع الإمبراطوري، لا وجود لحليف استراتيجي بقدر ما يجري البحث عن أتباع استراتيجيين، يُفرض عليهم إعادة تحديد أولوياتهم بما يخدم رؤية ترامب لـ«إعادة عظمة أميركا»

الحق في تحديد العلاقات التجارية الخارجية لكندا برز كنقطة خلافية كبرى. ضغطت واشنطن لاعتماد صيغ تحدّ من حرية كندا في عقد اتفاقات تجارة حرة مع دول من خارج القارة. وجاء هذا الضغط مدفوعاً بالاتفاقية التي عُقدت مؤخراً مع الصين، وسمحت باستيراد نحو 50 ألف سيارة كهربائية، بما يكسر الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على السيارات الكهربائية الصينية. هنا أيضاً، كان الموقف الكندي مباشراً في الدفاع عن الحق السيادي في تحديد استراتيجيات البلاد في التجارة الدولية، بما يحمي الاقتصاد المحلي ويدعم مسار الاستقلال الصناعي عن الولايات المتحدة، ولا سيما في ظل التقلبات السياسية التي تطبع العلاقة اليوم، والتي لا تبدو عابرة.

اللافت أن إدارة ترامب الأولى نجحت في تضمين اتفاقية «أوسمكا» شرطاً يمنع أي دولة موقّعة من إبرام اتفاق تجارة حرة مع اقتصاد لا يرتبط بمعايير حرية السوق، والمقصود بذلك مباشرة الصين. ويعني هذا عملياً فرض وصاية تجارية أميركية على القرارات التجارية السيادية لكل من كندا والمكسيك.

لكن ما حصل في الجولة الأخيرة هو أن المفاوضين الأميركيين سعوا إلى تعديل الصياغة بما يفرض تطابقاً أوسع بين الاتفاقيات التجارية الثنائية التي تعقدها كندا مع شركائها وبين المصالح الأميركية كما تحدّدها واشنطن. بمعنى آخر، سعت إدارة ترامب إلى تحويل السياسة التجارية الدولية لكندا إلى ذراع تنفيذية مكمّلة لسياستها، بما يضرب جوهر استراتيجية حكومة كارني الرامية إلى تعزيز مستويات الاستقلال الاقتصادي.

من جانبها، اعتمدت حكومة كارني رداً مباشراً على استهداف ترامب لقطاعاتها الإنتاجية، عبر حزمة كبيرة من التعريفات الجمركية تحت شعار «دولار مقابل دولار»، تقوم على رفع التعريفات الجمركية الدفاعية في كندا بنسبة تعادل تلك التي يفرضها الأميركيون. ودخلت هذه التعريفات حيّز التنفيذ في 8 أيلول/سبتمبر 2026. واستهدفت أوتاوا قطاعات أميركية بعينها، في مقدمتها صناعات الصلب والألومنيوم، إضافة إلى قطاع الألبان. كما تميّزت الحزمة الجمركية بطابع قطاعي، إذ تتراوح التعريفات من 15% على بعض السلع إلى 50% على سلع أخرى، بما يخدم مصالح القطاعات الاقتصادية الكندية ويحمي وصولها إلى المواد الخام ويدعم نموها.

وصمّمت أوتاوا حزمتها الجمركية أيضاً بطريقة تتيح لها التأثير مباشرة في الانتخابات الأميركية المقبلة، إذ تشير الإحصاءات إلى أن الولايات الأميركية المتأرجحة (Swing States) هي الأكثر استهدافاً بالقرارات الكندية. إنها الحرب التجارية الأكبر والأخطر في تاريخ البلدين.

أبعد من حرب تجارية، الإمبريالية 2.0

لا ينبغي مقاربة الأزمة الراهنة بين كندا والولايات المتحدة بوصفها نزاعاً جمركياً عابراً بين جارتين، بقدر ما يجب فهمها كحلقة محورية في مسار تحوّل السياسة الخارجية الأميركية منذ وصول ترامب إلى الرئاسة عام 2017. فمن فنزويلا إلى مضيق هرمز وتهديد ترامب بالسيطرة عليه، مروراً ببنما وغرينلاند ودول حلف الناتو، وصولاً إلى غزة ولبنان وسوريا وعلاقاته مع دول الخليج العربي، ترتكز استراتيجية ترامب على ما يمكن اعتباره «الاقتصاد السياسي للبلطجة الإمبراطورية». وتقوم هذه الرؤية على الجمع بين ثلاث أدوات للهيمنة غير مسبوقة في التاريخ الحديث: التفوق العسكري المطلق الذي لا ينازع عليه أحد، وإن كانت الحرب على إيران اليوم تثبت حدود القدرة العسكرية الأميركية؛ وهيمنة الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية وأساساً للمبادلات التجارية والنفطية؛ ومنظومة العقوبات المالية والمصرفية التي تشكّل ذراع الحرب المالية الأميركية ضد كل من يتحدى إرادتها من دول العالم.

في هذا المشروع الإمبراطوري، لا مكان للتحالفات السابقة أو لمعايير حسن الجوار. فلا وجود لحليف استراتيجي بقدر ما يجري البحث عن أتباع استراتيجيين، يُفرض عليهم إعادة تحديد أولوياتهم المالية والعسكرية والسياسية بما يخدم رؤية ترامب لـ«إعادة عظمة أميركا». وهكذا، يصبح العالم بأسره وظيفياً في رؤية ترامب لأميركا الجديدة، التي يدعمها بمنظومة متكاملة من مراكز القوة المالية والثقافية والعسكرية، وحتى التكنولوجية، داخل الولايات المتحدة. وكندا، التي ظلّت لعقود الحليف الأكثر ولاءً لواشنطن، تكتشف اليوم أن ولاءها التاريخي لم يشترِ لها استثناءً من هذا المنطق. فهي تواجه الآن الآليات نفسها التي وُجّهت سابقاً إلى خصوم أميركا التقليديين، من الصين إلى روسيا وإيران. 

لا تسعى إدارة ترامب إلى إصلاح نظام التجارة العالمي بقدر ما تسعى إلى فرض نظامها الخاص للتجارة الدولية، القائم على وظيفية العالم في مسار يهدف إلى تأبيد سطوتها

ما يحصل اليوم يمثّل استهدافاً ممنهجاً لمنظومة العولمة الاقتصادية التي حكمت العالم منذ لحظة سقوط جدار برلين، ويهدّد البنية التحتية الحوكمية التي نتجت عنها، من منظمة التجارة العالمية وآليات فضّ النزاعات التجارية، إلى معايير العمل والبيئة المشتركة وحرية تدفق السلع والخدمات والاعتراف بالسيادة الوطنية أساساً للتفاوض.

في الحقيقة، لا تسعى إدارة ترامب إلى إصلاح نظام التجارة العالمي بقدر ما تسعى إلى فرض نظامها الخاص للتجارة الدولية، القائم على وظيفية العالم في مسار يهدف إلى تأبيد سطوتها.

في هذا السياق، علينا العودة إلى مناقشة نظرية «المركز والأطراف» (Dependency Theory)، لكن بصياغة جديدة تناسب المرحلة. فبعكس المفهوم الكلاسيكي للنظرية، الذي يقوم على فكرة أن النظام الرأسمالي العالمي ينتج «مراكز» غنية تستفيد من استغلال «أطراف» فقيرة تزوّدها بالمواد الخام والعمالة الرخيصة، وأن هذا التقسيم ليس عرضياً بقدر ما هو شرط لاستمرار النظام ذاته، يقوم ترامب بإعادة تعريف المراكز «الغنية» نفسها كأطراف وظيفية.

في عالمه، لا مكان لمركز خارج أميركا، ولا لدول «نصف هامشية». فكندا يجب إخضاعها، والأوروبيون يُحتقرون لضعفهم وهشاشة تحولاتهم الثقافية، ويمكن هنا مراجعة خطاب ماركو روبيو في مؤتمر ميونخ، فيما يجب محاصرة الصين والتحكم بسلاسل توريد موادها الخام، كما يحصل عبر الحرب على إيران. ودول الخليج نفسها تكتشف اليوم أن ثروتها النفطية، التي تمثّل حصنها السيادي الأول، تتعرض لتهديد غير مسبوق، سواء من حيث نتائج الحرب المباشرة أو من حيث استراتيجية ترامب للالتفاف على منظمة أوبك ومحاولته تفريغها من قوتها في التحكم بأسعار النفط، عبر استراتيجيته النفطية الجديدة التي ترتكز على السيطرة على النفط الفنزويلي.

في عالم ترامب، الجميع أطراف، حتى في الداخل الأميركي، والسبيل الوحيد للترقي يرتبط بالقيمة الوظيفية في مشروع «إعادة عظمة أميركا». فلا مكان لمفاهيم السيادة الوطنية أو الحقوق الثقافية، ولا حتى للإعلام الحر والحريات وحقوق الإنسان. 

هكذا تقوم سياساته الدولية، من «ريفييرا غزة» إلى «منطقة ترامب الاقتصادية» في جنوب لبنان، وصولاً إلى مضيق هرمز الذي يفاخر بنيته تسميته «مضيق أميركا». وهكذا كان الأمر أيضاً في طريقة حله للنزاع بين الهند وباكستان، الذي اعتبره في غير مصلحته فقرر إنهاءه من دون علم المتحاربين تقريباً. وهكذا يتعاطى مع الكنديين، الذين يذكّرهم دائماً بفرصة الانضمام إلى المركز ليصبحوا «الولاية الأميركية الأحدث».

إنها الإمبريالية 2.0. مقاومتها أمر حتمي، لكننا مدعوون إلى إعادة تعريف سبل المواجهة وآلياتها. وهذا هو جوهر التحدي اليوم.

    ربيع جميل

    أستاذ محاضر في علم اجتماع المنظّمات والعمل، باحث متخصّص في اقتصاد المنصّات الرقمية.