تراجع احتياطات مصرف لبنان
فصل آخر من عملية الإنقاذ الصامت للمصارف
في ظل غياب مؤشرات اقتصادية موثوقة تسمح بقياس تطوّر أداء الاقتصاد اللبناني بدقة، عادت احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى واجهة النقاش الاقتصادي. وتمثّل هذه الاحتياطيات عملياً حجم السيولة بالعملات الأجنبية المتاحة لدى المصرف المركزي بمعزل عن التزاماته المالية أو التزامات الدولة.
قبل انهيار عام 2019، استخدم الحاكم السابق للمصرف المركزي رياض سلامة هذه الاحتياطيات لتضخيم القدرات المالية للمصرف المركزي بصورة مصطنعة، وإخفاء الخسائر المتراكمة في ميزانيته، والتي بلغت عشرات مليارات الدولارات. واليوم، على الرغم من أن تلك الخسائر لم تعالج، عادت الاحتياطيات لتُستخدم كمؤشر على قدرة النظام المالي على تحمّل التداعيات الاقتصادية للحرب، على الرغم من الاختلالات البنيوية غير المُعالجة. ومن هذه الزاوية، يشكّل تراجع الاحتياطيات إشارة واضحة إلى حجم الضغوط التي يتعرّض لها اقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة مزمنة.
ليس مستغرباً أن يكون المصرف المركزي في صدارة الجهات التي تتحمّل آثار الصدمة الناجمة عن الحرب. فهذه هي الوظيفة الأساسية لاحتياطيات النقد الأجنبي، التي تلجأ إليها الدول عادة لمواجهة الأزمات أو امتصاص تقلّبات الأسواق، ولا سيما ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية. غير أن خصوصية الحالة اللبنانية تكمن في أن هذه الاحتياطيات تؤدّي دوراً محورياً في تثبيت الاستقرار النقدي والمالي في الاقتصاد الجديد الذي نشأ بعد عام 2019، ولم يعالج بعد خسائر النظام المالي ولم يعد هيكلته على أسس سليمة.
حجم التراجع
بلغت الموجودات السائلة بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان ذروتها عند 12.08 مليار دولار في منتصف شباط/فبراير 2026. ويستند هذا التقييم إلى سعر صرف يبلغ 89,500 ليرة للدولار الواحد، وفق القرار رقم 48/4/2024 الصادر عن المجلس المركزي لمصرف لبنان في 15 شباط/فبراير 2024.
ويعني ذلك أن الاحتياطيات ارتفعت بنحو 3.5 مليارات دولار بالمقارنة مع مستواها في تموز/يوليو 2023، أي عند انتهاء ولاية رياض سلامة. فقد ترك سلامة لخلفائه آلية لإعادة بناء الاحتياطيات تختلف عن النموذج الذي كان سائداً قبل الانهيار، والذي اعتمد على اجتذاب الودائع بالدولار عبر أسعار فائدة مرتفعة على الودائع بالدولار. أما الآلية الجديدة فتعتمد أساساً على شراء العملات الأجنبية باستخدام الفوائض المالية التي تحقّقها الدولة.
ترك سلامة لخلفائه آلية لإعادة بناء الاحتياطيات تختلف عن النموذج الذي كان سائداً قبل الانهيار، تعتمد أساساً على شراء العملات الأجنبية باستخدام الفوائض المالية التي تحقّقها الدولة
غير أن هذا المسار بدأ يتغيّر منذ منتصف شباط/فبراير الماضي. فبين 15 شباط/فبراير و15 أيار/مايو 2026، تراجعت احتياطيات مصرف لبنان بنحو 610 ملايين دولار. وبحسب آخر ميزانية نصف شهرية منشورة للمصرف المركزي، بلغ حجم الاحتياطيات 11.46 مليار دولار.
مع ذلك، يقلّل مصرف لبنان من أهمية هذا التراجع. ففي بيان صادر في 5 أيار/مايو، أشار إلى أن احتياطيات العملات الأجنبية المسجّلة في نهاية نيسان/أبريل 2026، ما تزال أعلى بنحو 372 مليون دولار بالمقارنة مع مستواها في الفترة نفسها من العام السابق. كما شدّد على أن «هذا التراجع لا يعكس أي خلل في السياسات النقدية أو المالية المعتمدة، بل ناتج عن تطوّرات جيوسياسية استثنائية (...) ما أدّى إلى تباطؤ نسبي وتيرة شراء العملات الأجنبية».
ووصف المصرف هذا التراجع بأنه «مؤقت»، إذ لا يتجاوز 4.5% من قيمة الاحتياطيات بالعملات الأجنبية. وأرجعه إلى ثلاثة عوامل رئيسة، وهي «زيادة مدفوعات القطاع العام، ورفع سقوف السحوبات بموجب التعميمين 158 و166»، بالإضافة إلى تأثر هذه الاحتياطيات بـ«عوامل تقييمية بحتة ناتجة عن تقلّبات أسعار الصرف العالمية، لا سيما تحركات اليورو/الدولار، وهي عوامل محاسبية لا تعكس تدفقات نقدية فعلية».
عملياً يضطر مصرف لبنان إلى تأمين نحو 500 مليون دولار شهرياً لتغطية بندين أساسيين، يتمثل الأول في رواتب العاملين في القطاع العام التي تتطلب نحو 260 مليون دولار شهرياً، ويتمثل الثاني في المدفوعات المخصّصة للمودعين بموجب التعميمين 158 و166، والتي تستهلك نحو 240 مليون دولار شهرياً، ما لم يقرّر مصرف لبنان تعديل آلية العمل بهذين التعميمين بعد انتهاء مفعولهما في نهاية حزيران/يونيو.
وعلى الرغم من هذه الالتزامات الكبيرة، ما زال مصرف لبنان يسجّل تدفقات بالدولار تعوّض جزءاً من الأموال الخارجة، إذ يتجاوز صافي التراجع الشهري في الاحتياطيات 200 مليون دولار (استناداً إلى انخفاض قدره 610 ملايين دولار خلال 3 أشهر). وفي الوقت نفسه، ارتفعت ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان بنحو 475 مليون دولار بين منتصف شباط/فبراير ومنتصف أيار/مايو 2026، أي بمعدل شهري يفوق 150 مليون دولار.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الاحتياطيات كانت ستتآكل بوتيرة أسرع بكثير لولا الفوائض المالية التي تضخّها الدول في المصرف المركزي. وبغياب هذه الموارد، كان من الممكن أن يصل التراجع الشهري إلى نحو 350 مليون دولار شهرياً، أي أكثر من مليار دولار خلال 3 أشهر فقط، وإن كان تحديد الحجم الفعلي للتدفقات يتطلب بيانات أكثر تفصيلاً مما توفره ميزانية مصرف لبنان وحدها.
إنقاذ صامت
إذاً، يخفي التركيز على تراجع الاحتياطيات جانباً آخر من النقاش الدائر. فمنذ صيف عام 2023، لم تأتِ الزيادة المُسجّلة في احتياطيات مصرف لبنان نتيجة إصلاحات مالية أو إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي، بل استندت إلى الفوائض المالية التي حققتها الدولة، ولا سيما من خلال ارتفاع الإيرادات الضريبية والجمركية. وقد جرى تحويل هذه الموارد إلى مصرف لبنان، الذي استخدمها لشراء الدولارات من السوق والاستمرار في تمويل التعميمين 158 و166 والحفاظ على استقرار سعر الصرف.
عملياً، نحن أمام عملية إنقاذ جزئية غير معلنة للنظام المالي تُنفّذ منذ أشهر بعيداً من أي نقاش رسمي بشأن توزيع الخسائر. إنها استراتيجية سياسية قائمة على فرض الأمر الواقع، فبدلاً من تحميل المساهمين كلفة الانهيار، تُستخدم الموارد العامة وأموال دافعي الضرائب للمساهمة في تغطية هذه الكلفة، فيما تبقى رساميل المصارف ومصالح أصحابها محمية إلى حد كبير.
نحن أمام عملية إنقاذ جزئية غير معلنة للنظام المالي تُنفّذ منذ أشهر بعيداً من أي نقاش رسمي بشأن توزيع الخسائر. بدلاً من تحميل المساهمين كلفة الانهيار، تُستخدم الموارد العامة وأموال دافعي الضرائب للمساهمة في تغطية هذه الكلفة
ويمثل هذا الواقع شكلاً من أشكال إعادة الرسملة غير المباشرة وغير الشفافة لكل من مصرف لبنان والقطاع المصرفي، من دون أي اعتراف سياسي أو محاسبي واضح بحجم الدعم الذي تقدمه الدولة. والمفارقة أن هذه القضية تقع في صلب الجدل المستمر منذ عام 2019 بشأن كيفية توزيع الخسائر المالية ومن يتحمل كلفتها الفعلية.
وبعيداً من الأرقام الشهرية وحركة التدفقات الداخلة والخارجة، يفرض هذا المسار سؤالاً أكثر جوهرية يتعلّق بكيفية استخدام موارد البلاد من العملات الأجنبية خلال السنوات الماضية.
ففي نهاية عام 2019، كانت احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تتجاوز 30 مليار دولار، بعدما بلغت 36.5 مليار دولار في نهاية عام 2018، من دون احتساب احتياطيات الذهب التي كانت تُقدّر حينها بنحو 15 مليار دولار. وكان يُفترض أن تشكّل هذه الموارد قاعدة لإطلاق عملية إعادة هيكلة منظّمة للقطاع المالي والاقتصاد، إلا أنها استُخدمت في الغالب بطريقة استنسابية لخدمة مصالح خاصة. وبحلول منتصف عام 2023، تراجعت الاحتياطيات إلى نحو 14 مليار دولار عند انتهاء ولاية رياض سلامة.
وعلى الرغم من أن تحديد المسار الكامل لهذه الأموال يتطلّب تدقيقاً جنائياً شاملاً، تسمح المعطيات المتاحة برسم صورة عامة عن كيفية استنزافها. وبحسب بيان نشره مصرف لبنان في 11 أيار/مايو الماضي لتوضيح المدفوعات المرتبطة بالتعاميم الخاصة بالمودعين، جرى منذ عام 2021 ردّ نحو 6.1 مليارات دولار فعلياً لصالح صغار المودعين عبر التعميمين 158 و166، ويُضاف إلى ذلك مبلغ غير معلن دُفع بالدولار النقدي بموجب التعميم 151.1
أما الجزء المتبقي من الاحتياطيات، فقد استُهلك في سياسات دعم تراجعية الطابع وتحويلات استنسابية تتسم بعدم المساواة، وهو ما يتعارض مع مبدأ قانوني أساسي يقضي بإعطاء الأولوية للمودعين عند توزيع الأصول المتبقية في المصارف بعد الانهيار المالي.
كما يكشف بيان مصرف لبنان كيفية توزيع كلفة التعميمين 158 و166، اللذين استفاد منهما نحو 578,770 مودعاً، من بينهم 266,166 مودعاً استردوا كامل المبالغ المخصّصة لهم بموجب التعميم 158. وتظهر الأرقام أن مصرف لبنان تحمّل نحو 68.46% من الكلفة الإجمالية، أي ما يعادل 4.183 مليارات دولار، في حين لم تتحمّل المصارف سوى 31.54% من هذه الكلفة، أي ما يعادل 1.926 مليار دولار.
ويعكس هذا التوزيع خللاً بنيوياً في تقاسم أعباء الأزمة، كما يشير إلى الكلفة الباهظة لعملية الإنقاذ الصامت التي فُرضت على المجتمع ككل: فبينما تستخدم الموارد العامة والفوائض الضريبية للدولة للمساهمة في تغطية الخسائر وإنقاذ النظام المالي، تبقى رساميل المصارف ومصالح مساهمينها بمنأى عن أي مساهمة فعلية في تحمّل الخسائر.
وفي المقابل، تحمّل صغار المودعين خلال السنوات الماضية اقتطاعات ضخمة من قيمة ودائعهم. وبحسب تقديرات «كلنا إرادة»، تراوحت الخسائر الفعلية بين 67% و87% بموجب التعميم 151، وبين 12% و40% بموجب التعميم 158 قبل تعديل شروطه في كانون الأول/ديسمبر 2023، في حين استفاد بعض كبار المودعين وأصحاب النفوذ من ترتيبات استثنائية مكّنتهم من تحويل أموالهم أموالهم إلى الخارج خلال السنوات الأولى للأزمة.
بنية هشّة
لا تقتصر مشكلة هذا النموذج على غياب العدالة في توزيع الخسائر، بل بقيامه أيضاً على أسس مالية شديدة الهشاشة، تترافق مع خطر انزلاق لبنان مجدّداً إلى دوامة «العجزين التوأمين»، أي العجز في ميزان المدفوعات وعجز الموازنة العامة.
لا يزال لبنان يعاني من عجز مزمن في تدفق العملات الأجنبية إلى اقتصاده. وتشير تقديرات «كلنا إرادة» إلى أن عجز الحساب الجاري بلغ نحو 5 مليارات دولار في عام 2025، فيما قد يرتفع إلى نحو 6.2 مليارات دولار في عام 2026 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
لا تقتصر مشكلة هذا النموذج على غياب العدالة في توزيع الخسائر، بل بقيامه أيضاً على أسس مالية شديدة الهشاشة، تترافق مع خطر انزلاق لبنان مجدّداً إلى دوامة «العجزين التوأمين»
وفي الوقت نفسه، باتت قدرة الدولة على تحقيق فوائض مالية مهدّدة. فمن جهة، تفرض الحرب أعباء اجتماعية وإنفاقية إضافية على الموازنة العامة. ومن جهة أخرى يرجّح أن تتراجع الإيرادات الضريبية والجمركية نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي.
وعلى الرغم من صعوبة وضع تقديرات دقيقة لمسار المالية العامة في الظروف الراهنة، يبدو أن الاتجاه نحو تدهور كبير لا مفر منه إذا استمرت الحرب، على الرغم من النهج المحافظ وسياسة التقشف التي تعتمدها الحكومة.
ولهذا السبب تكثف السلطات جهودها للحصول على مصادر تمويل خارجية عاجلة. ففي الوقت الذي حاول فيه مصرف لبنان طمأنة الأسواق عبر بيانه الأخير بعد تحذيرات أطلقها مراقبون قلقون من الاتجاه التنازلي للاحتياطات، نشر الحاكم كريم سعيد مقالاً في صحيفة فايننشال تايمز دعا فيه المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل جسري» يسمح بـ«دعم حكومة ملتزمة بالإصلاحات ابتداءً من الآن».
وعلى الرغم من أن المقال لم يحدّد حجم التمويل المطلوب أو آلياته، تقدّم مدوّنة قريبة من الحاكم فكرة عن ذلك، وتتحدّث عن «حزمة أولية لا تقل عن 5 مليارات دولار تُستكمل بإصدار سندات طويلة الأجل بقيمة تعادل ما بين 25% و30% من السندات السيادية اللبنانية المتعثرة، على أن يتم الاكتتاب بها من قبل السعودية أو ضمن إطار أوسع يشمل دول مجلس التعاون الخليجي».
مع ذلك، يبقى تأمين هذا التمويل شديد التعقيد في ظل غياب برنامج مع صندوق النقد الدولي. ولهذا السبب، تدرس السلطات الاستفادة من آليات التمويل الطارئ المتاحة ضمن برامج البنك الدولي. وتبلغ القيمة الإجمالية لمحفظة مشاريع البنك الدولي في لبنان نحو 1.8 مليار دولار، يُقدَّر أن ما بين 1.2 و1.4 مليار دولار منها لم يُصرف بعد.
وتتمثّل أبرز الأدوات المتاحة في «مكوّن الاستجابة الطارئة المشروطة» (CERC) و«خيار إعادة الهيكلة السريعة» (RRO). وبحسب التقديرات الحالية، يمكن للبنان أن يحصل عبر آلية CERC على تمويل يتراوح بين 200 و375 مليون دولار، فيما قد تسمح آلية RRO بإعادة توجيه ما يصل إلى 10% من الأموال غير المصروفة ضمن المشاريع القائمة.
وعلى الرغم من أهمّية هذه المبالغ في الظروف الحالية، فإنها تبقى محدودة قياساً بحجم حاجات الاقتصاد اللبناني. تفوق الاحتياجات السنوية للسيولة الأجنبية هذه الأرقام بنحو عشرة أضعاف على مدار سنة كاملة. والأهم من ذلك أن اللجوء إلى هذه الآليات يعني عملياً تمويل احتياجات آنية عبر المزيد من القروض، بدلاً من معالجة الأسباب البنيوية التي تقف وراء هذه الاحتياجات أساساً.
ما هي الاحتياطات القابلة للاستخدام فعلياً؟
إذا كان تراجع الاحتياطيات لا يزال حتى الآن ضمن حدود يمكن التحكم بها، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً قد لا يكون حجم الانخفاض بحد ذاته، بل حجم الأموال التي يستطيع مصرف لبنان استخدامها فعلياً إذا استمرت الضغوط الحالية خلال الأشهر المقبلة.
فكلما تراجعت الاحتياطيات، عاد إلى الواجهة النقاش عن حقوق المودعين ومصير الأموال المتبقية لدى المصرف المركزي، وهو النقاش الذي تراجع خلال الفترة الماضية بفعل آلية «الإنقاذ الصامت» التي سمحت بتمديد الوضع القائم من دون حسم مسألة توزيع الخسائر.
إذا كان تراجع الاحتياطيات لا يزال حتى الآن ضمن حدود يمكن التحكم بها، فإن السؤال قد لا يكون حجم الانخفاض، بل حجم الأموال التي يستطيع مصرف لبنان استخدامها فعلياً إذا استمرت الضغوط
ومن بين المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها لتقييم الوضع، يبرز معيار تغطية الواردات، الذي يُستخدم دولياً لقياس مدى كفاية احتياطيات النقد الأجنبي. فوفق المعايير الاحترازية المعتمدة، ينبغي أن تكفي الاحتياطيات القابلة للاستخدام لتغطية 3 أشهر على الأقل من الواردات، أما في الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، مثل لبنان، فيُفضَّل أن تغطي الاحتياطيات ما لا يقل عن 6 أشهر من الواردات. وبالاستناد إلى مستويات الاستيراد الحالية، يعني ذلك أن لبنان يحتاج إلى احتياطيات قابلة للاستخدام تتراوح بين نحو 5.5 مليارات دولار كحد أدنى و11 مليار دولار لتحقيق مستوى حماية أكثر أماناً.
غير أن هذا المعيار يبقى عاماً نسبياً. فالواردات اللبنانية ستتأثّر بتداعيات الحرب على إيران، سواء نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والسلع المستوردة أو بسبب تراجع الطلب المحلي وانخفاض القدرة الشرائية. لذلك فإن تقدير حجم الاحتياطيات المطلوبة بصورة أكثر دقة يستوجب التركيز على الواردات الأساسية والحيوية، لا على إجمالي فاتورة الاستيراد. وحتى الآن، لم تعلن السلطات اللبنانية أي تقدير رسمي لحجم الاحتياطيات التي تعتبرها متاحة فعلياً للاستخدام أو الحد الأدنى الذي لا يمكن النزول دونه.
لكن بعض الالتزامات المعروفة تسمح برسم صورة تقريبية. فما يقارب ملياري دولار من احتياطيات النقد الأجنبي مخصّص لتسديد استحقاقات مترتبة لمؤسسات تمويل دولية، باستثناء سندات اليوروبوند المتعثرة. كما أن جزءاً من السيولة المتوافرة مخصص لتسديد مستحقات العراق المرتبطة بعقود تزويد معامل الكهرباء بالفيول، إضافة إلى فوائد حقوق السحب الخاصة المستحقة لصندوق النقد الدولي.
وبعد احتساب هذه الالتزامات، تظهر العقدة الأساسية التي أشار إليها مصرف لبنان في بيانه الأخير عندما أكد أن جزءاً كبيراً من الاحتياطيات يمثل الاحتياطات الإلزامية العائدة للمصارف، والتي اعتبر أنها «شرعاً وواقعاً من الأموال العائدة للمودعين». ويُقدَّر حجم هذه الأموال بنحو 9 مليارات دولار. غير أن هذا التوصيف ليس محل إجماع قانوني. فالمودع يمتلك، من حيث المبدأ، حقاً تجاه المصرف الذي أودع أمواله لديه، لا حق ملكية مباشراً على الأموال المودعة لدى المصرف المركزي.
ويبقى السؤال: هل سيكون بالإمكان تجنّب اللجوء مجدداً إلى هذه الاحتياطات؟
- 1
هذه التعاميم هي آليات نقدية مؤقتة تنظّم السحوبات الشهرية بالعملات الأجنبية من الودائع المصرفية في ظل غياب قانون لإعادة هيكلة المصارف ومعالجة أوضاعها.