الشعبوية السلطوية: بين الماضي والحاضر
في سبعينيات القرن العشرين، صاغ الأكاديمي وعرّاب الدراسات الثقافية، ستيوارت هول، مصطلح الشعبوية السلطوية لتحليل الاتجاهات المتنامية نحو مشروع إكراه أكثر تشدّداً تمارسه الدولة، ضمن مشروع سياسي انتهى إلى صعود مارغريت تاتشر إلى السلطة. يشير جزء الشعبوية في المصطلح إلى أن تنامي استخدام القوة من فوق يتحوّل مع الوقت إلى مطلب ترفعه فئات اجتماعية من تحت، طلباً لإنقاذ المجتمع مما يبدو انهياراً أخلاقياً.
استدعاني مفهوم الشعبوية السلطوية من جديد وأنا أقرأ عن عنصر في وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية أطلق النار على رينيه نيكول غود في وجهها 3 مرات في مينيابولِس. ووفق ما يُتداول، يتجه هذا العنصر إلى أن يصبح مليونيراً عبر صفحتين على الأقل في منصّة Go Fund Me خُصِّصتا عملياً لمكافأته على القتل، لأن امرأتين لم تُبديا ما يكفي من التهيّب أو الخضوع له ولزمرته ذوي الملامح الفاشية.
تعني الشعبوية عند هال أنّ المسألة تتجاوز تحوّل المحافظة السلطوية إلى خطاب رائج، لتتمثّل في نجاحها في مواءمة فئات اجتماعية متعدّدة مع كتلة السلطة، وفي تحييد التناقضات التي تقوم، «منطقياً»، بين هذه الفئات وبين المصالح التي تخدمها القوى السياسية الممثِّلة لها. يجسّد ترامب في الولايات المتحدة وفاراج في بريطانيا التناقض الطبقي الذي يتيح لمليونيرات أن يتبنّوا قضايا الناس.
إذا كان الحديث عن «الناس» ينطوي على قدر من المراوغة التي تحجب العلاقات الطبقية، فإن مشكلة أخرى ترافق مفهوم الشعبوية تتمثّل في سهولة الانزلاق من تعريفه التقني، المرتبط ببناء تحالفات عمودية، إلى معنى «الشعبي»، بما يفضي إلى تضخيم حجم الحماسة الجماهيرية الفعلية لمشروع سياسي بعينه. وقد تعرّض هول نفسه لانتقادات بسبب هذا الخلط تحديداً في تحليله للتاتشرية.
شعبية ترامب
يظلّ تحديد ما هو «شعبي» وما ليس كذلك، بهذا المعنى الكمي، مسألة تجريبية ملتبسة. يتمتّع ترامب بشعبية واضحة على مستوى معيّن. يصعب وصف شخص حصد 77 مليون صوت في آخر انتخابات رئاسية بأنه ينهار أو يخسر بسرعة. لكنّ طريقة العدّ قادرة دائماً على إعادة تقطيع الكعكة الشعبية كما تشاء.
تنامي استخدام القوة من فوق يتحوّل مع الوقت إلى مطلب ترفعه فئات اجتماعية من تحت، طلباً لإنقاذ المجتمع مما يبدو انهياراً أخلاقياً
بحسابات المجمع الانتخابي الأميركي، سحق ترامب منافسته كامالا هاريس بنسبة 58% إلى 42%. غير أنّ الصورة تتبدّل عند التصويت الشعبي، حيث لم يتجاوز الفارق حدوداً ضيّقة: 49.81% مقابل 48.34%. ويبقى السؤال مفتوحاً حول امتلاك ترامب قاعدة شعبية تمكّنه من متابعة مشروعه السلطوي حتى الفاشية.
في المقابل، ما إن يحرز السلطة السياسية حتى تتحرك رافعات سلطة الدولة، مثل تعزيز وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية ونشرها، وقد يملك عندها قاعدة شعبية كافية لسحق مقاومة جماهيرية واسعة.
اليسار
يُعدّ نقد اليسار البريطاني لاختزال العمل السياسي في حسابات الانتخابات، بمعنى الانصياع الانتهازي لما يُتصوَّر أنه الموقف الشعبي الغالب في قضية ما، ثم التراجع عن الوعود السياسية، نقداً مفهوماً ومشروعاً. لكنه يحمل في الوقت نفسه خطراً حقيقياً، إذ قد يقود اليسار إلى التقليل من شأن الضرورة القصوى لمنع انتصار انتخابي لقوة سياسية جديدة قادرة على إدخال البلاد في مسار تغييرات جذرية وغير مسبوقة.
في سبعينيات القرن العشرين، تتبّع هول، عبر مصطلح الشعبوية السلطوية، مساراً نقل أزمة الديمقراطية الاجتماعية التي فجّرتها أزمة الرأسمالية البريطانية إلى مصطلحات وأطر مرجعية أخرى تلائم سلطة الدولة وسلطة الشركات أكثر. تحوّلت مشكلات تاريخية وسياسية واجتماعية-اقتصادية إلى مطلقات أخلاقية، وفرضت مجموعة واسعة من «التهديدات» للنظام الأخلاقي، من الأعراف الجنسية إلى نظريات تربوية رائجة، ومن نقابات تطالب بزيادات أجور تعجز الأمة عن تحمّلها، إلى شباب جانحين (ولا سيما السود)، ويساريين شيوعيين، ومهاجرين، وغير ذلك، تشديد قبضة الدولة. ركبت مارغريت تاتشر هذه التيارات المحافظة نحو انتصار انتخابي، ومع أنها بدأت شديدة اللاشعبية، قلبت المشهد عبر حرب الفوكلاند. والباقي معروف.
أزمة النيوليبرالية
يبدو أن التاريخ يكرّر نفسه اليوم، وإن ضمن سياقات جديدة. فالأزمة لم تعد أزمة الديمقراطية الاجتماعية، التي انتهت بوصفها سياسة مؤسسية منذ زمن، بل أزمة النيوليبرالية نفسها، على الرغم من بقاء الأولى كتطلّع شعبي لا أكثر.
يتجه هذا العنصر إلى أن يصبح مليونيراً عبر صفحتين على الأقل في منصّة Go Fund Me خُصِّصتا عملياً لمكافأته على القتل
حين أصدرت ميلاني فيليبس كتاب «لندنستان» عام 2006، وادّعت فيه أن جهاديين إسلاميين استولوا على العاصمة البريطانية، رأى معظم المراجعين أن إسقاطها لأطروحة صامويل هنتنغتون عن «صدام الحضارات» على الواقع البريطاني ضرب من المبالغة الفجّة. غير أن هذا الخطاب بدأ اليوم يكتسب حضوراً متزايداً داخل التيار العام. في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، سبق إقالته بسبب نيته الانتقال إلى حزب الإصلاح، رسم روبرت جينريك صورة مشابهة عن مدينة برمنغهام، زاعماً أن متطرّفين إسلاميين مارسوا ضغوطاً ناجحة على قائد شرطة ويست ميدلاندز، كريغ غيلفورد، لمنع مشجّعي مكابي تل أبيب من حضور مباراة ضد أستون فيلا. وقد حظي هذا المنشور بتأييد واسع من أشخاص يرون أن ثقافتهم وهويتهم مهددتان بـ«الإغراق»، وهي العبارة نفسها التي استخدمتها تاتشر يوماً بشكل فاضح. في عهدها، كان المقصود بذلك السكان البريطانيين السود. أما اليوم، فيستهدف الخطاب السكان البريطانيين من أصول جنوب آسيوية وأفريقية.
الإسلاموفوبيا
يتزايد بلا شك رواج عنصرية أطروحة «الاستيلاء» الإسلامي، وتزرع أرضاً خصبة لمشروع شعبوي يميني. من اللافت أن هذا لم يترجم بعد إلى الساحة الدولية، وهي نقطة ضعف للشعبوية السلطوية. لا يساور شكّ في أن محاولات وصل الشعبوية اليمينية في الداخل بالتعاطف مع الهجوم الإبادي الإسرائيلي على غزة بقيت علاقة غير متكافئة. يعود ذلك جزئياً إلى الوضوح الذي تقدّمه غزة لكل من يحتفظ ببوصلة أخلاقية. فالصور التي تُظهر غزة وقد تحولت إلى مشهد قمري من الركام تتحدث فعلاً عن نيّة إبادة. يعجز جزء كبير من الإعلام البريطاني عن بلوغ هذا الحدّ الأخلاقي البسيط، كما يظهر مثلاً حين يكرّر نِك روبنسون، في برنامج Today على إذاعة Radio 4، القول إنّ «كثيرين قد يشكّكون في استخدام مصطلح «إبادة جماعية»، كلّما تجرّأ أحدهم على استعمال الكلمة التي تصف، في الواقع، على نحو أدقّ أفعال الدولة الإسرائيلية.
ثمة سبب آخر لهذا الاختلال، يتمثّل في أن قضية الوضوح الأخلاقي نفسها شهدت مقاومة منظَّمة لتواطؤ الدولة البريطانية في جريمة حرب، قادتها حملات تمتد من «أوقفوا الحرب» إلى «دافعوا عن هيئات المحلّفين». غير أن التحدّي الآن يكمن في تحويل هذا النجاح إلى مكسب داخل ساحة السياسة الداخلية، وهي ساحة أشدّ تعقيداً بكثير. هنا ينقلب موقع الاختلال رأساً على عقب: فاليسار ما زال غارقاً في الفوضى داخلياً، بينما يواصل اليمين، وهو مصطلح بات يشمل اليوم قوى تمتد من حزب الإصلاح إلى قيادة حزب العمّال، تعزيز موقعه على المستوى الدولي. في الوقت نفسه، يعمل الأوروبيون على تهويل خطر روسيا، مترافقاً مع زيادة الإنفاق العسكري وتصاعد النقاش حول التجنيد الإجباري. وإذا تمكّنوا من تسويق مشروع وضعية الحرب والعسكرة بوصفه «شعبياً»، فإن الدائرة ستكتمل، أو قد يشتد الخناق. المسألة على قدرٍ كبير من الخطورة.
نُشِر هذا المقال في 17 كانون الثاني/يناير 2026 في موقع Counterfire ، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموجب موافقة من الجهة الناشرة والكاتب.