AI datacenter

تمركز العقل العام: الذكاء الاصطناعي والعمل الميت

  • لم يعد الأمر يتعلق بإدماج قوانين الفيزياء في الحديد والبخار، بل بترميز الواقع الاجتماعي نفسه داخل بنى حسابية. فالوقائع الاجتماعية تتحول إلى بيانات تُعاد صياغتها في صورة إحداثيات عددية داخل فضاءات خوارزمية.
  • إذا كان الاغتراب في الصناعة الكلاسيكية يتمثل في انفصال العامل عن منتوجه، فإن الرأسمالية الخوارزمية تنقل الاغتراب إلى مستوى أعمق، إذ يغدو السلوك الاجتماعي نفسه، من لغة واختيار ورغبة، مادة قابلة للاستخراج وإعادة التوظيف في دورة التراكم.

يعرّف كارل ماركس رأس المال بوصفه «عملاً ميتاً لا يعيش إلا بامتصاص العمل الحي»1. فالآلة، ورأس المال الثابت عموماً، ليسا سوى عمل سابق متجسّد مادياً في وسائل الإنتاج، يدخل في العملية الإنتاجية بوصفه قوة مستقلة عن العامل ويواجهه بصفته سلطة موضوعية. لكن هذا العمل الميت لا يكتسب طابعه الرأسمالي إلا حين ينفصل عن منتجيه ويخضع لملكية خاصة، فيتحول إلى أداة لاستخراج فائض القيمة من العمل الحي.

إن تطوّر رأس المال الثابت يدلّ على الدرجة التي أصبحت فيها المعرفة الاجتماعية العامة قوة إنتاجية مباشرة، وعلى الدرجة التي خضعت فيها شروط عملية الحياة الاجتماعية نفسها لسيطرة العقل العام وأُعيد تشكيلها وفقاً له

غير أنّ هذا المفهوم يكتسب قراءة نظرية أعمق في مخطوطات 1857-1858 المعروفة باسم الغروندريسه2. وتحتوي هذه النصوص التحضيرية المفتوحة على تحليلات استكشافية يختبر فيها ماركس مفاهيمه قبل أن تستقر في البناء المنهجي لمؤلفه الرئيس «رأس المال»، ولا سيما في ما يتصل بتطور رأس المال الثابت، أي العمل المتجسّد في الآلات والبنية التقنية للإنتاج، وعلاقته بالعمل الحي. وفي ما يعرف بـ«مقطع الآلات»، يتأمل ماركس لحظة يصير فيها العلم والمعرفة الاجتماعية قوة إنتاجية مباشرة، ويتراجع فيها العمل الفردي أمام تجسّد ما يسميه «العقل العام» داخل البنية التقنية3.

يكتب ماركس:

إن تطوّر رأس المال الثابت يدلّ على الدرجة التي أصبحت فيها المعرفة الاجتماعية العامة قوة إنتاجية مباشرة، وعلى الدرجة التي خضعت فيها شروط عملية الحياة الاجتماعية نفسها لسيطرة العقل العام وأُعيد تشكيلها وفقاً له4.

وفي موضع آخر:

فالطبيعة لا تبني آلات… إنها منتجات الصناعة البشرية؛ مادة طبيعية حُوِّلت إلى أعضاء لإرادة الإنسان على الطبيعة… إنها أعضاء للدماغ البشري، قوة المعرفة وقد تجسدت مادياً5.

بهذا المعنى، يغدو «العقل العام» قوة إنتاجية مباشرة. ويتراجع العمل الفردي من موقعه بوصفه المصدر المركزي للثروة، ويغدو عنصراً تابعاً داخل جهاز تقني يختزن تاريخاً طويلاً من التطور العلمي والاجتماعي. ومع اتساع الطابع الاجتماعي للإنتاج، يتعمق التناقض: يغدو الإنتاج اجتماعياً على نحو متزايد، فيما تبقى الملكية خاصة ومتمركزة.

ويبلغ رصده ماركس بوصفه اندماجاً للعلم في الآلة الصناعية مستوى نوعياً جديداً في عصر الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت الآلة الميكانيكية قد جسّدت معرفة علمية وتقنية، فإن النماذج الخوارزمية المعاصرة تقوم على استخراج الوقائع والمعطيات الاجتماعية نفسها: اللغة المتداولة، وأنماط الاستهلاك، والتفاعلات اليومية، وسلاسل الاختيار.

في هذه اللحظة، لا يعود العقل العام مجرد معرفة متجسدة في الآلة، بل يتحول إلى جهاز لإعادة إنتاج البنية الاجتماعية وفق منطق رأس المال

لم يعد الأمر يتعلق بإدماج قوانين الفيزياء في الحديد والبخار، بل بترميز الواقع الاجتماعي نفسه داخل بنى حسابية. فالوقائع الاجتماعية تتحول إلى بيانات تُعاد صياغتها في صورة إحداثيات عددية داخل فضاءات خوارزمية. إن تحويل الاجتماعي إلى إحداثيات يعني نزع سياقه النوعي وإعادة إدخاله في فضاء حسابي حيث يُختزل إلى مُتجهات وعلاقات احتمالية قابلة للتوقع والتوجيه.

وهذه البيانات لا تُنتج قيمة بذاتها، وإنما تدخل في صميم آلية إنتاج فائض القيمة النسبي. ويقصد ماركس بفائض القيمة النسبي زيادة فائض القيمة الناتجة من تقليص زمن العمل الضروري اجتماعياً عبر رفع إنتاجية العمل بفعل التطور التقني والتنظيمي، لا من إطالة يوم العمل. فعندما تؤدي التكنولوجيا إلى خفض كلفة السلع الأساسية التي يعيش عليها العامل، ينخفض الزمن اللازم لتعويض أجره، ويزداد الجزء من يوم العمل الذي يتحول إلى فائض قيمة6. أي إن التكنولوجيا لا تحل محل العمل الحي بوصفه مصدر القيمة، وإنما تعيد تنظيم شروط استغلاله.

في السياق الخوارزمي، تسمح معالجة البيانات بتقليص الزمن الاجتماعي اللازم للإنتاج، وتسريع دوران رأس المال، وتحسين التخطيط اللوجستي، وخفض الهدر في التسويق والتوزيع. كما تمكّن من توجيه الطلب نفسه، بل ومن إنتاج أشكال إضافية منه عبر التنبؤ السلوكي وإعادة ترتيب الفضاء الإدراكي للمستهلك. وهكذا يتحول السوق من فضاء لتبادل حاجات معطاة إلى فضاء لإنتاج حاجات قابلة للتكثيف المستمر، ما يعمّق فعالية التراكم.

في هذه اللحظة، لا يعود العقل العام مجرد معرفة متجسدة في الآلة، بل يتحول إلى جهاز لإعادة إنتاج البنية الاجتماعية وفق منطق رأس المال. فالوقائع الاجتماعية المستخرجة من النشاط الجمعي تعود لتوجّه هذا النشاط في دائرة تغذية راجعة تُكثّف السيطرة.

وإذا كان الاغتراب في الصناعة الكلاسيكية يتمثل في انفصال العامل عن منتوجه، فإن الرأسمالية الخوارزمية تنقل الاغتراب إلى مستوى أعمق، إذ يغدو السلوك الاجتماعي نفسه، من لغة واختيار ورغبة، مادة قابلة للاستخراج وإعادة التوظيف في دورة التراكم. ولم تعد البضاعة وحدها هي التي تنفصل عن منتجها، إذ ينفصل الفعل الاجتماعي نفسه عن سياقه، ويعاد تشكيله داخل بنية خوارزمية، ثم يعاد إلى الأفراد بوصفه توجيهاً وتحفيزاً. وهكذا يغدو السلوك الاجتماعي مغترباً.

وإذا كان العمل الميت، في صيغته الصناعية، يتجسّد في الآلة بوصفها وسيلة لزيادة فائض القيمة النسبي، فإن العمل الميت، في صيغته الخوارزمية، يتحول إلى أصل احتكاري قابل للاستخلاص الريعي. فلا يبقى التراكم محكوماً بمنطق زيادة إنتاجية العمل الحي فحسب، وإنما يكتسب تدريجياً طابعاً ريعياً. إن احتكار البنية الخوارزمية، والمعالجات المتقدمة، والبنية السحابية، والملكية الفكرية، يحوّل المعرفة المتجسدة إلى شرط تقني لا غنى عنه للإنتاج الرقمي، ومن ثم إلى مصدر دخل احتكاري.

لكن هذا الريع لا ينشأ من خلق قيمة مستقلة عن العمل الحي، وإنما من القدرة على اقتطاع جزء من القيمة المنتجة في قطاعات أخرى بسبب احتكار هذا الشرط التقني. فالشركات والمؤسسات التي تطوّر تطبيقات أو خدمات رقمية قد تنتج قيمة عبر العمل الحي الذي توظفه، لكنها تضطر إلى دفع رسوم مقابل الوصول إلى النماذج الأساسية أو البنية السحابية** أو المعالجات المحتكرة. وهكذا يتحول جزء من فائض القيمة الذي تولده إلى دخل ريعي لصالح مالكي البنية. فالريع هنا لا يشكل مصدراً أولياً للقيمة، وإنما يعمل بوصفه آلية لإعادة توزيعها انطلاقاً من موقع احتكاري مركزي. وبالشبه بما وصفه ماركس في تحليله لمفهوم التراكم الأولي في «رأس المال»، تجري هنا عملية نزع ملكية للبيانات والمعطيات الاجتماعية. فكما تحولت الأراضي المشاعية، في التاريخ الرأسمالي المبكر، إلى ملكية خاصة عبر الإقصاء والمصادرة، تتحول اليوم الوقائع الاجتماعية، من لغة وتفاعل وسلوك يومي، إلى أصول احتكارية بعد ترميزها خوارزمياً. غير أنّ هذا النزع لا يستهدف الأرض أو الموارد الطبيعية وحدها، وإنما يستهدف المجال الاجتماعي نفسه، فيفصل النشاط الجمعي عن منتجيه ويعاد إدخاله في دورة التراكم بوصفه أصلاً خاصاً قابلاً للاستخلاص الريعي.

إن احتكار البنية الخوارزمية، والمعالجات المتقدمة، والبنية السحابية، والملكية الفكرية، يحوّل المعرفة المتجسدة إلى شرط تقني لا غنى عنه للإنتاج الرقمي، ومن ثم إلى مصدر دخل احتكاري

وبهذا المعنى، لا يقتصر تمركز «العقل العام» على زيادة القدرة على استخراج فائض القيمة النسبي، وإنما يرسّخ فوقه طبقة ريعية. فالمعرفة الاجتماعية المتجسدة في النماذج لا تعمل فقط بوصفها وسيلة إنتاج، وإنما بوصفها حاجز دخول يحدد من يستطيع الإنتاج أصلاً. وهكذا يغدو الاحتكار شرطاً أولياً للتراكم، لا نتيجة لاحقة له. فالدخول إلى مجال الذكاء الاصطناعي المتقدم يتطلب رأسمالاً هائلاً، وبنية تحتية نادرة، وبيانات واسعة النطاق، ما يجعل المنافسة الحرة أقرب إلى استثناء منهجي منها إلى قاعدة عامة.

ومع تعمق هذا الطابع الريعي، تبتعد الرأسمالية عن منطق المنافسة الصناعية الكلاسيكية وتقترب من منطق الاحتكار البنيوي. فلا يعود التفوق الإنتاجي داخل سوق مفتوح هو المحدد الحاسم، إذ تغدو السيطرة على شروط الدخول إلى السوق نفسها هي العامل الفاصل. فمن يملك النموذج والبنية لا ينافس في إنتاج سلعة فحسب، وإنما يتحكم في الإطار الذي تُنتج داخله القيمة نفسها، أي في البنية التي يعاد من خلالها تنظيم إنتاج فائض القيمة وتوزيعه.

* يشير المصطلح هنا إلى المعرفة الاجتماعية العامة، والعلم المتراكم، والقدرات الذهنية الجمعية، والذكاء المتجسّد في النظام التقني. ولا يحيل إلى «عقل» ميتافيزيقي، وإنما إلى المعرفة الاجتماعية وقد صارت قوة إنتاجية مادية.

** البنية السحابية هي البنية المادية-التقنية التي تتيح تجسيد النماذج الخوارزمية وتشغيلها على نطاق واسع عبر احتكار القدرة على التخزين والمعالجة الحاسوبية الفائقة. وهي تشكل شرطاً ضرورياً للإنتاج الرقمي المعاصر، ومن ثم تغدو موقعاً مركزياً لاستخلاص الريع بسبب ارتفاع كلفة إنشائها وصعوبة تكرارها.

  • 1

    كارل ماركس، رأس المال، الكتاب الأول، عملية إنتاج رأس المال، طبعة دار التقدم 1985، الفصل ؛ يوم العمل،  ص 334 .  
     

  • 2

    Karl Marx, Grundrisse, trans. Martin Nicolaus (London: Penguin, 1973).
     

  • 3

    Ibid., 706–708.

  • 4

    Ibid., 706–707.

  • 5

    Ibid., 706.

  • 6

    كارل ماركس، رأس المال، الكتاب الأول، عملية إنتاج رأس المال، طبعة دار التقدم 1985، الفصل؛  القيمة الزائدة النسبية ص. 455 .

هشام روحانا

ناقد ومترجم وطبيب فلسطيني يعمل ويقيم في الكرمل حيفا.