قراءة في الفشل والنتائج غير المرئية
الربيع العربي وتحوّلات المنطقة
- يبدو المشهد العربي اليوم محكوماً بنوع من الهشاشة المركّبة: الدولة ما زالت قوية في أدوات الردع، لكنها ضعيفة في أدوات البناء؛ المجتمع أكثر حيوية، لكنه أقل قدرة على تحويل طاقته إلى قوة مؤسسية؛ الاقتصاد يتحرك، لكنه لا ينمو بما يكفي لإعادة تشكيل طبقاته. هذا الوضع الهجين لا يسمح بالعودة إلى الماضي، لكنه لا يسمح أيضاً بتأسيس توازن جديد بسهولة.
- في عدد من البلدان العربية، تحوّلت الأحزاب من فاعلين سياسيين إلى وسطاء نفوذ أو إلى مؤسسات تبحث عن شرعية ضائعة أمام صعود الفاعلين الأفقّيين. ومع ذلك، ظلّ حضور بعض الأحزاب، مثل الأحزاب الدينية أو الليبرالية الجديدة، فاعلاً في إعادة تشكيل المشهد، خصوصاً من خلال قدرتها على استقطاب قواعد اجتماعية واسعة أو عبر التحكم في شبكات التمويل والاتصال
- لا تُنتج الفردنة استقلالية بل هشاشة، ولا تُنتج حرية بل عبئاً دائماً في اتخاذ القرارات ضمن ظروف غير قابلة للقياس أو التنبؤ. إنها فردنة تقوّض التضامن من دون أن تؤسس لمشروع بديل، وتخلق طبقات اجتماعية جديدة غير مبنية على الطبقة أو التعليم، بل على القدرة على التنقل داخل اقتصاد متقلّب
لم يكن الربيع العربي حدثاً عابراً، ولا يمكن قراءته بمنطق الفشل أو النجاح، كما لو أنه مشروع سياسي خاضع لمعيار التقييم النهائي. يختزل هذا المنطق ظاهرة تاريخية عميقة في لحظاتٍ سياسية قصيرة، ويحصر سيرورة اجتماعية ممتدة في نتائج ظرفية تبدو، ظاهرياً، مخيبة للآمال في بعض البلدان ومُجهضة في بلدان أخرى. غير أن المقاربة الأعمق — تلك التي تستلهم علم الاجتماع التاريخي وتستفيد من درس نربرت إلياس في النظر إلى التحولات كعمليات طويلة المدى — تدفعنا إلى تجاوز السؤال الأخلاقي الإجرائي: «هل نجح الربيع العربي أم فشل؟»، نحو سؤال بنيوي أشمل: ما الذي تغيّر في بنية المجتمعات العربية وفي علاقة الدولة بالمجتمع في خلال العقد الذي تلا الثورات؟
إن التمعّن في جذور الأحداث ومساراتها يُظهر أن الشرارة التي انطلقت من سيدي بوزيد لم تكن سوى التعبير الأكثر كثافة عن اختلالات تراكمت عبر عقود: اقتصاد ريعي غير قادر على إنتاج العدالة، وبيروقراطيات متضخمة فاقدة للفعالية، وشبكات محسوبية تصوغ علاقة الدولة بالمجتمع، وطبقات وسطى متآكلة تتأرجح بين الاستقرار الهشّ والغضب المكتوم. كانت الثورات تعبيراً عن نهاية «توازن قديم» أكثر مما كانت وعداً بولادة نظام جديد مكتمل المعالم. لذلك، من الخطأ النظر إليها كمحاولة إصلاح سياسي فشلت في اجتياز امتحان الانتقال الديمقراطي، بل كديناميات اجتماعية-تاريخية فتحت أفقاً جديداً، حتى وإن بدا هذا الأفق غائماً أو متقلّباً.
الثورات، وفق مقاربة الديناميات الاجتماعية، لا تُقاس بنتائجها الفورية بل بما تُحدثه من تفككٍ بطيء في البنى القديمة وتشكل تدريجي لتوازنات جديدة. هكذا يعمل التاريخ: ليس فجأة، بل عبر تراكم طويل يخلخل المألوف ويمهّد لولادة غير مكتملة. وقد بيّنت التجربة العربية أن التحولات السياسية ليست سوى الطبقة السطحية لعملية أعمق: إعادة ترتيب الفاعلين الاجتماعيين، إعادة تشكيل أنماط السلطة، إعادة إنتاج أو تفكك العقد الاجتماعي، وبروز أشكال جديدة من الفعل الاحتجاجي والاقتصادي والثقافي.
لقد أظهرت السنوات التي تلت العام 2011 أن الاقتصادات العربية وجدت نفسها أمام لحظة كشف تاريخي: انكشف ضعف النموذج الريعي، وتبيّنت محدودية قدرة الدولة على امتصاص البطالة، وانفضحت هشاشة التنمية القائمة على الامتيازات واحتكار الثروة. وكان هذا الانكشاف أكثر عمقاً من أي تغيير سياسي مباشر، لأنه مسّ الأسس التي قامت عليها شرعية الأنظمة منذ الاستقلال. فحتى في البلدان التي استعادت فيها السلطوية بريقها أو فرضت قوّتها من جديد، لم تستطع الدولة أن تعيد إنتاج «ما قبل 2011»؛ إذ تغيّر المجتمع، وتغيّرت تطلعات الأجيال الجديدة، وتغيّرت طرق السيطرة وأدواتها، وتبدّل معنى الاستقرار ذاته.
وفي المقابل، كشفت الثورات عن قدرة الفاعلين الاجتماعيين، من نقابات، وحركات شبابية، ومجتمع مدني، وفاعلين محليين، على تأدية أدوار بديلة في تحديد مسار السياسة اليومية. وتجلّى ذلك بوضوح في بلدان مثل تونس، حيث لم تعد الدولة مركز الفعل السياسي الوحيد، بل أصبحت طرفاً ضمن شبكة أوسع من القوى المتداخلة، وإن بقيت هذه الشبكة مضطربة وغير مستقرة. هذا التعدّد في الفاعلين أعاد رسم حدود السلطة، وفرض على الأنظمة، حتى تلك الأكثر صرامة، أن تعدّل أدواتها وإيقاعاتها، ما يؤكد أن التحول حاصل حتى لو لم تظهر نتائجه في شكل انتقال ديمقراطي ناجز.
أما في المستوى الاجتماعي-الأنثروبولوجي، فقد شهدت المنطقة توسّعاً كبيراً في أشكال التعبير العام، وفي الجرأة على مساءلة السلطة، وفي المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. حتى في الوضعيات التي تراجعت فيها الحريات، ظلّت الذاكرة الاحتجاجية حيّة، كما ترسّخت فكرة أن الدولة ليست كياناً مقدّساً خارج النقد، بل مؤسسة بشرية يُحاسبها المجتمع. وهذا التحول في الوعي، وإن بدا غير مرئي، هو من أهم نتائج الربيع العربي. فهو يمسّ البنية الثقافية العميقة التي ظلّت لعقود تُعيد إنتاج الطاعة والولاء بوصفهما شرطين للاستقرار.
ولعلّ أهم ما كشفت عنه تجربة هذا العقد هو المفارقة التالية: عاد الاستبداد في بعض البلدان، لكنه عاد مضطرباً، أقلّ ثقة، وأكثر اعتماداً على أدوات اقتصادية-أمنية هشّة. لم يعد الاستبداد قادراً على تقديم وعود تنموية حقيقية، ولا هو قادر على استعادة صيغته القديمة القائمة على الخوف وحده. وهذا التصدع في شرعية الحكم يمثّل تحوّلاً بنيوياً لا يمكن تجاهله، وهو جزء من المسار التاريخي الذي لا يُختزل في لحظة سياسية واحدة.
من جهة أخرى، أدت الأزمات الاقتصادية، من ارتفاع الدين العام إلى تراجع قيمة العملات، ومن تدهور الخدمات العامة إلى اتساع الهجرة، وإلى تشكّلات اجتماعية جديدة. فقد توسّع الاقتصاد غير الرسمي، وتغيّرت علاقة الأفراد بسوق العمل، وأصبحت الهجرة خياراً جماعياً عابراً للطبقات. وكل هذا يدل على أن التحولات ليست سياسية فحسب، بل بنيوية تمسّ أسلوب العيش ذاته. وهذه التحولات، في منطق السوسيولوجيا التاريخية، لا تُعتبر فشلاً بل جزءاً من عملية إعادة تشكيل عميقة قد لا نرى نهايتها بعد.
إن مقاربة الربيع العربي بمنطق «الفشل» تُعمي عن رؤية أنه أنتج زعزعة طويلة المدى في أنظمة السلطة، وفي بنى الاقتصاد، وفي طبيعة الفعل الاجتماعي. ومقاربته بمنطق «النجاح» تُحوّله إلى حدث ينبغي أن يحقّق انتقالاً سحرياً نحو الديمقراطية، كأن التاريخ يعمل بخط مستقيم. أمّا مقاربته بمنطق التحول، فهي التي تجعلنا نفهمه كجزء من سيرورة تاريخية تتجاوز اللحظة، وتشتبك مع البنى الطويلة المدى، تماماً كما يبيّن منهج إلياس: توازنات اجتماعية تتشكل، علاقات قوة تتبدّل، مسارات تتقدم وتتراجع، لكنّها تظلّ تتحرك.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجّه التحليل ليس «هل فشل الربيع العربي؟» بل «كيف أعاد الربيع العربي تشكيل المنطقة، حتى عندما بدا أنه لم يغيّر شيئاً؟»، ذلك أن أحداث العقد الماضي تُظهر بوضوح أن العالم العربي دخل طوراً جديداً: طوراً غير مكتمل، متردد، متناقض، لكنه مختلف جذرياً عمّا قبله. طوراً تتجاور فيه الثورات المؤجلة مع السلطويات القلقة، والمجتمعات المتحركة مع الدول المتصلبة، والأمل المتقطع مع الغضب المتجدد. وهذا التداخل نفسه هو علامة التحول، لا الفشل.
تفكك التوازنات القديمة: من أزمة العقد الاجتماعي إلى هشاشة الدولة التنموية
يشكّل تفكّك التوازنات القديمة في العالم العربي أحد المسارات البنيوية التي أعادت تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع في خلال العقدين الأخيرين. لم يتخذ هذا التفكّك شكل حدث فجائي، بل جاء نتيجة تراكم طويل لاختلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية أخذت تنحت تدريجياً في القواعد التي بُنيت عليها شرعية الدولة بعد الاستقلال. ومع تصاعد هذه الاختلالات، بدأ العقد الاجتماعي الذي حكم المنطقة لعقود يفقد فعاليتَه، كما بدأت أدوات الدولة التنموية تتراجع في قدرتها على احتواء المجتمع أو تنظيم مصالحه، لينشأ نمط جديد من الهشاشة يتجاوز مستوى الأداء السياسي إلى عمق البنية التاريخية. يعكس هذا المسار، في جوهره، منطق التحول البطيء الذي يرى التغيرات الكبرى كتراكمات تتقدّم ضمن نسيج العلاقات الاجتماعية قبل أن تظهر في شكل تحولات سياسية مرئية (Elias, 1969).
كانت الثورات تعبيراً عن نهاية «توازن قديم» أكثر مما كانت وعداً بولادة نظام جديد مكتمل المعالم. لذلك، من الخطأ النظر إليها كمحاولة إصلاح سياسي فشلت في اجتياز امتحان الانتقال الديمقراطي
كان الاقتصاد الريعي، الذي مثّل قاعدة التوازنات القديمة، أول ما تعرّض للخلخلة. فمع تضخم الطلب الاجتماعي على الشغل والخدمات، تراجعت قدرة الدولة على تمويل شبكات التوزيع الريعي التي كانت تؤمِّن لها استقراراً هشاً. وفي المقابل، لم يتطوّر القطاع الخاص ليصبح قوة إنتاجية، بل بقي في كثير من السياقات أسيراً لشبكات الامتياز التي جعلت عوائده مركّزة بدل أن تكون مُوزَّعة، وهو ما أضعف إمكانيات الترقي الاجتماعي وعمّق الشعور بأن قواعد اللعبة الاقتصادية فقدت عدالتها (Cammett et al., 2015). عند هذه النقطة لم يعد الخلل مرتبطاً بإدارة ضعيفة فحسب، بل أصبح تعبيراً عن أزمة بنيوية في نموذج التنمية ذاته، حيث تراجعت قدرة الدولة على ضمان وظيفة توزيعية كانت جوهر العقد الاجتماعي لعقود.
ومع تآكل الأسس الاقتصادية لهذا العقد، تراكمت اختلالات اجتماعية أثرت مباشرة على علاقة المواطن بالدولة. فقد توسّع الاقتصاد غير الرسمي، وتراجعت نوعية الخدمات العمومية، وتآكلت الثقة في المؤسسات. وقد بينت دراسات جديدة عن العقد الاجتماعي في المنطقة أنّ هذه الأزمة لم تكن وليدة لحظة سياسية معينة، بل حصيلة طويلة لسوء توزيع الفرص واستنزاف آليات الإدماج الاجتماعي (Loewe & Zintl, 2021). وما تفاقم هو ليس فقط ضعف قدرة الدولة على تقديم الخدمات، بل انهيار التصوّر الذي حمله المواطن عن وظيفة الدولة: من حامية للعدالة والحد الأدنى من الكرامة، إلى جهاز إداري-أمني يزداد بعداً من المجتمع.
وتكشف المقاربات الأنثروبولوجية عن مستوى أكثر عمقاً لهذا التفكّك: فالممارسات اليومية داخل مؤسسات الدولة — من البلديات إلى المستشفيات والإدارات — أظهرت أن التآكل لم يصبّ النظام السياسي في قمته فقط، بل أصاب «الدولة المتجسّدة» كما تظهر في تفاصيل الحياة اليومية. فعندما يتحوّل الولوج إلى الخدمة إلى عملية تفاوضية، وحين تصبح الرشوة الصغيرة جزءاً من آليات العمل، وحين تتناقض القرارات الإدارية بشكل دائم، فإن المواطن يواجه تفكّكاً فعلياً وغير معلن لمؤسسات كان يُفترض أن تشتغل بمنطق معياري واضح. هذه الظواهر، التي لطالما شدّدت عليها المقاربات الحداثية النقدية لدراسة الدولة، تشبه تماماً ما أشار إليه Olivier de Sardan حين وصف الدولة في كثير من البلدان الأفريقية بأنها «دولة ممارسات» أكثر مما هي «دولة نصوص»، أي دولة تُعرف من خلال ما تفعله لا ما تعلنه.
وتضاف إلى ذلك ديناميات ديمغرافية واجتماعية أسهمت في توسيع الفجوة بين المجتمع والدولة. فارتفاع نسبة الشباب، وتوسّع العمران، وتغيّر أنماط الاستهلاك والاتصال، أحدثت تحوّلاً في طبيعة التوقعات الاجتماعية. لم تعد الأجيال الجديدة تقبل بتوازنات صيغت في مرحلة كان فيها الاقتصاد موجّهاً والوظيفة العمومية متاحة والانتقال الاجتماعي ممكناً. ومع تراجع قدرة الدولة على الاستجابة لهذه التوقعات، فقد العقد الاجتماعي أحد أعمدته الأساسية: قابلية الدولة لأن تكون أفقاً للترقي الاجتماعي. لقد أصبحت الفجوة بين طموحات المجتمع وإمكانات الدولة دليلاً إضافياً على هشاشة النموذج التنموي القديم، الذي لم يعد قادراً على مواكبة التحولات العميقة في البنية الاجتماعية.
أما على مستوى السلطة، فقد برز تحول آخر لا يقل أهمية: تفكُّك الانسجام الداخلي لأجهزة الدولة ذاتها. إذ بدأت ملامح «تذرّر مؤسسي» تتشكّل تدريجياً، حيث تعمل وزارات وإدارات وأجهزة أمنية بمنطق استقلالي غير معلن، فتتجزأ الدولة إلى وحدات متنافرة، ما يجعل التنسيق والقدرة على التخطيط أموراً شبه مستحيلة. هذا الانفصال بين الدولة ومشروعها التاريخي، كما وصفه جلبير أشقر (2013)، هو أحد المؤشرات القوية على أنّ تآكل التوازنات القديمة بلغ درجة جعلت الدولة غير قادرة لا على تجديد أدواتها ولا على صياغة نموذج جديد.
وفي سياق البحث عن بدائل، لجأت كثير من الأنظمة إلى توسيع دور الأجهزة الأمنية، أو إلى التحالف مع شبكات اقتصادية مغلقة، بهدف الحفاظ على السيطرة في ظل غياب أدوات الحوكمة الفعّالة. غير أنّ هذا المسار، وإن ضمن درجة من الثبات السياسي المؤقت، زاد في إضعاف الدولة التنموية. فالدولة لا تُقاس بقوتها القمعية فقط، بل بقدرتها على التنظيم والتحديث والاستشراف، وهي قدرات تحتاج إلى بيروقراطية فعّالة، وإلى طبقة سياسية قادرة على توليد الثقة، وإلى اقتصاد منتج. وقد بيّنت الأدبيات المقارنة عن الدولة التنموية (Evans, 1995؛ Kohli, 2004) أن قوة الدولة تكمن في قدرتها على بناء شراكة مع المجتمع، لا على تعميق المسافة معه.
ونتيجة لذلك، يبدو المشهد العربي اليوم محكوماً بنوع من الهشاشة المركّبة: الدولة ما زالت قوية في أدوات الردع، لكنها ضعيفة في أدوات البناء؛ المجتمع أكثر حيوية، لكنه أقل قدرة على تحويل طاقته إلى قوة مؤسسية؛ الاقتصاد يتحرك، لكنه لا ينمو بما يكفي لإعادة تشكيل طبقاته. هذا الوضع الهجين لا يسمح بالعودة إلى الماضي، لكنه لا يسمح أيضاً بتأسيس توازن جديد بسهولة. فالتوازنات القديمة تفكّكت دون أن تُستبدل، والعقد الاجتماعي انهار دون أن يُعاد بناؤه، والدولة التنموية فقدت أسسها دون أن تعثر على صيغة بديلة.
هكذا يتبيّن أن ما يجري ليس انهياراً نهائياً ولا انتقالاً ناجزاً، بل مرحلة وسطية طويلة تتسم بتداخل المسارات، وبتقدّم بطيء لتحولات عميقة لم تكتمل بعد. وهو ما يجعل فهم تفكّك التوازنات القديمة شرطاً أساسياً لفهم طبيعة المستقبل الممكن، لأن ما نعيشه هو جزء من سيرورة تاريخية تتجاوز منطق الارتداد أو التقدّم، وتخضع لمنطق التحوّل البنيوي الذي يعيد تشكيل الدولة والمجتمع في آن واحد.
إعادة توزيع أدوار الفاعلين: نحو خرائط جديدة للسلطة والمجتمع
أدّت التحولات التي أعقبت الربيع العربي إلى إعادة تشكيل غير مسبوقة لخرائط الفاعلين في المجالين السياسي والاجتماعي، إذ لم يعد ممكناً فهم السلطة في المنطقة عبر النموذج الهرمي القديم. فالمشهد الذي تشكّل منذ 2011 يقوم على إعادة توزيع أدوار الفاعلين يعكس منطق «السياسة الصراعية» (Tilly & Tarrow, 2015)، حيث تتداخل مستويات التأثير ويتحوّل الحقل السياسي إلى مساحة مفتوحة لإعادة التفاوض بشأن الهيمنة والشرعية والمكانة. لم يعد الفاعل المركزي — الدولة — يحتكر إنتاج القرار أو التحكم في المجال العمومي، بل أصبح واحداً من بين فاعلين عدة يتنافسون على إعادة صياغة قواعد اللعبة، بما في ذلك النقابات، الحركات الشبابية، المنظمات غير الحكومية، الفاعلين الدينيين، الأجهزة الأمنية، وشبكات المصالح الاقتصادية. هذا التشظي في مراكز الفعل أنتج وضعاً تتعايش فيه أشكال متعددة من السلطة، بعضها رسمي وبعضها متجذر في الممارسة اليومية، على نحو يتوافق مع الرؤية الأنثروبولوجية للدولة بوصفها مزيجاً من النصوص والممارسات (Olivier de Sardan, 1995).
لم يعد الخلل مرتبطاً بإدارة ضعيفة فحسب، بل أصبح تعبيراً عن أزمة بنيوية في نموذج التنمية ذاته، حيث تراجعت قدرة الدولة على ضمان وظيفة توزيعية كانت جوهر العقد الاجتماعي لعقود
لقد برزت الحركات الاجتماعية كأهم الفاعلين الجُدد في مرحلة ما بعد 2011، ليس لأنها أطاحت بأنظمة أو دفعت نحو إصلاحات، بل لأنها أطلقت دينامية جديدة لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة. ووفق مقاربة «السياسة من أسفل» (Bayat, 2013)، لم يَعُد الفعل الاحتجاجي حدثاً استثنائياً، بل شكلاً من أشكال التعبير اليومي عن رفض المحاصصة والامتياز، وعن المطالبة بإعادة توزيع المعنى قبل إعادة توزيع السلطة. ومن خلال هذا الحراك، اكتسب المجتمع قدرة على فرض إيقاع جديد على الدولة، حتى في السياقات التي استعادت فيها السلطوية زمام المبادرة. فالحركات الشبابية، على الرغم من عدم تجذّرها تنظيمياً، نجحت في التأسيس لنمط جديد من الفعل السياسي يتجاوز هياكل الأحزاب التقليدية ويُدخل أشكالاً جديدة من الفاعلية إلى المجال العمومي.
وتوازياً مع هذا الحراك، تحوّلت النقابات من مؤسسات تفاوض اجتماعي إلى فاعلين سياسيين من الدرجة الأولى في دول مثل تونس، حيث أدّت دورَ الوسيط بين المجتمع والدولة في لحظات الانسداد. ويؤكد هذا التحوّل ما بيّنه (Fillieule 2010) عن قدرة الفاعلين الجماعيين على إعادة تعريف ذاتهم تبعاً للفرص السياسية المتاحة. كما يكشف أيضاً عن تآكل الحدود بين الفعل الاجتماعي والفعل السياسي، إذ أصبحت السياسات الاجتماعية نفسها جزءاً من صراع أوسع بشأن تحديد أولويات الدولة ووجهتها.
وفي مقابل صعود هذه الفاعلية الاجتماعية، شهدت أجهزة الدولة تحوّلات داخلية عميقة. فقد أصبح الجيش، في دول عدة، فاعلاً سياسياً يمارس تأثيراً مباشراً على مجرى الأحداث، أحياناً بصفة ضامن للاستقرار وأحياناً كلاعب فوق-سياسي يعيد تشكيل موازين القوى. ولأن الأدبيات المقارنة ركّزت على دور الجيوش في الانتقال الديمقراطي (Barany, 2012)، كشفت التجارب العربية عن تشكل «سياسة أمنية موازية» تتحكم أحياناً في مسارات الحكم أكثر مما تتحكّم المؤسسات المدنية. شكّل هذا الميل إلى «أمننة» السياسة أحد العوامل التي أعاقت بناء خريطة جديدة مستقرة للفاعلين، لكنه في الوقت ذاته أظهر حدود النموذج القديم الذي كان يتعامل مع الأمن كمكمّل للسياسة لا كبديل عنها.
وفي السياق ذاته، شهدت الأجهزة البيروقراطية إعادة توزيع داخلية للسلطة وفق ما يمكن وصفه بـ«تذرّر الدولة». اكتسب بعض الإدارات والمؤسسات استقلالية فعلية من المركز نتيجة غياب التنسيق أو ضعف الرقابة، بينما تراجعت أخرى إلى وضع من العجز الهيكلي. هذه الظاهرة، التي درستها الأنثروبولوجيا السياسية في سياقات أخرى (Gupta, 2012)، تكشف عن تحول الدولة من جهاز مركزي متماسك إلى شبكة متعددة العقد ذات مصالح متباينة. وهو ما يجعل خريطة الفاعلين اليوم لا تُرسم من خلال المركز فقط، بل من خلال النقاط التي يتجسّد فيها الفعل اليومي: البلديات، مراكز الشرطة، الإدارات المحلية، المؤسسات التربوية، والقطاعات الاقتصادية غير الرسمية.
أما الأحزاب السياسية، فقد دخلت مرحلة «إعادة اصطفاف» على غرار حالات الانتقال السياسي في أوروبا وأميركا اللاتينية. ففي عدد من البلدان العربية، تحوّلت الأحزاب من فاعلين سياسيين إلى وسطاء نفوذ أو إلى مؤسسات تبحث عن شرعية ضائعة أمام صعود الفاعلين الأفقّيين. ومع ذلك، ظلّ حضور بعض الأحزاب، مثل الأحزاب الدينية أو الليبرالية الجديدة، فاعلاً في إعادة تشكيل المشهد، خصوصاً من خلال قدرتها على استقطاب قواعد اجتماعية واسعة أو عبر التحكم في شبكات التمويل والاتصال.
وتبرز كذلك أهمية الفاعلين غير الدولتيين، الجمعيات، المنظمات الحقوقية، المبادرات المحلية، الفاعلين الرقميين، الذين أصبحوا، بعد 2011، قادرين على التأثير في مسار الأحداث بدرجة لا تقل عن الفاعلين التقليديين. فقد أظهرت تجارب «النشاط الشبكي» (Castells, 1997) أنّ المجال الرقمي لم يعد مُكمّلاً للمجال الواقعي، بل صار فضاءً لتنسيق الأفعال، وصياغة الرأي العام، وإعادة تعريف مفهوم الشرعية ذاتها.
هذا التعدد في الفاعلين لم يُنتج خريطة جديدة للسلطة فقط، بل أيضاً توزيعاً جديداً للزمن السياسي. تتعامل الدولة مع أفق استراتيجي بطيء، بينما تتحرك الحركات الاجتماعية بأفق تكتيكي سريع. تعتمد النقابات إيقاع التفاوض، بينما يعتمد الفاعلون الرقميون على الإيقاع الفوري. يعتمد الجيش أفق الاستقرار، بينما يعتمد الفاعلون المحليون على أفق النجاة اليومية. تعكس هذه التعددية الزمنية، كما يشير Elias، تحوّلاً في «توازن القوى بين المجموعات الإنسانية» ينتج عنه فقدان الاحتكار السياسي التقليدي ويُدخل المجتمع في طور جديد من تشكيل السلطة (Elias, 1991).
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يمكن القول إن الربيع العربي لم يعِد توزيع السلطة بالمعنى المؤسسي فقط، بل أعاد توزيع القدرة على الفعل: فبينما فقدت الدولة جزءاً من احتكارها للقرار، اكتسب المجتمع جزءاً من القدرة على الفعل العمومي، وبينما تحولت الأحزاب إلى لاعبين من الدرجة الثانية في بعض السياقات، صعدت شبكات المصالح الاقتصادية أو الأجهزة الأمنية. وبينما تعمّق الانقسام بين الرسمي وغير الرسمي، أصبح «المحلي» بديلاً جزئياً عن «الوطني» في كثير من المعارك اليومية.
وهكذا، فإن إعادة توزيع أدوار الفاعلين ليست مجرد نتيجة للثورات، بل هي تعبير عن تحوّل بنيوي طويل المدى في علاقة السلطة بالمجتمع، تحوّل لا تزال خرائطه في طور التشكل. ومثل كل تحوّل تاريخي، يحمل هذا المسار تناقضات وتقاطعات، لكنه يكشف في جوهره أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تُعاد فيها كتابة قواعد السلطة من أسفل ومن أعلى في آن واحد.
النتائج غير المرئية: تحولات اجتماعية واقتصادية يعاد تشكيلها في العمق
تتشكّل في المنطقة اليوم طبقات جديدة من التحول لا تُرى على سطح الأحداث، لكنها تعمل بفعالية أكبر من أي تغيير مؤسسي مُعلن. ففي خلال العقد الأخير، تغيّرت أنماط العيش بصورة تجعل العلاقة بين الأفراد والاقتصاد والسلطة تدخل طوراً مختلفاً لم يعد فيه الخطاب الرسمي قادراً على مواكبته أو تفسيره. إن ما يحدث ليس انتقالاً سياسياً بالمعنى المتعارف عليه، بل تحوّل في «البنية التحتية للحياة الاجتماعية»، وهو تحول تتسرّب آثاره في الصمت ويعيد تنظيم المجتمع من الداخل.
الربيع العربي لم يعِد توزيع السلطة بالمعنى المؤسسي فقط، بل أعاد توزيع القدرة على الفعل: فبينما إلى لاعبين من الدرجة الثانية في بعض السياقات، صعدت شبكات المصالح الاقتصادية أو الأجهزة الأمنيةأول ملامح هذا التحول هو إعادة صياغة معنى الأمان الاقتصادي. فقد أصبح الأفراد يعتمدون على شبكات متحركة من العمل المرن والفرص العارضة والاقتصاد غير الرسمي، بعدما تراجعت قدرة الاقتصاد الرسمي على خلق مسارات ترقّي واضحة. وهذا الانزياح من الهياكل الثابتة إلى العلاقات الطارئة يخلق منطقاً اجتماعياً جديداً، حيث لا تُبنى الخيارات على توقعات طويلة الأمد، بل على توازنات لحظية تُدار يوماً بيوم. هذا التحول يعكس دينامية عميقة سبق أن أشار إليها منظّرون ربطوا بين هشاشة الدولة وتوسّع أشكال العيش البديلة التي تتجاوز الإطار المؤسسي (Hibou, 2006).
ومع توسّع الاقتصاد غير الرسمي، لم يعد هذا الفضاء موازياً للاقتصاد «الحقيقي»، بل صار مكوّناً أساسياً في إعادة إنتاج المجتمع. فالعمل العارض، المبادلات غير المسجلة، الخدمات غير المنظمة، كلها أصبحت تشكل الحيّز الأكثر نشاطاً في الاقتصاد. وهذا ما يجعل الواقع الاقتصادي أقرب إلى شبكة من العلاقات المتناثرة التي تُدار عبر الثقة والمهارة والقرب الاجتماعي، أكثر مما تُدار عبر القوانين والهياكل. بهذا المعنى، يتكوّن اقتصاد سياسي جديد لا يتجسد في مؤسسات واضحة، بل في ممارسات يومية تتراكم ببطء، وتؤثر في توزيع الموارد والسلطة من دون أن تعلن عن نفسها.
والمفارقة هنا أن توسّع الاقتصاد غير الرسمي لا يعكس قوة المجتمع بقدر ما يعكس تراجع قدرة الدولة على ضبط المجال الاقتصادي. فالدولة التي كانت تُعرّف نفسها من خلال تقديم الوظائف والاستقرار لم تعد قادرة على أداء هذا الدور بصورة مماثلة، وتحوّلت تدريجياً إلى جهاز يراقب أكثر مما يوفّر، ويضبط أكثر مما يدمج. يولّد هذا التحول نمطاً من الازدواجية: حضور مكثّف للدولة في الفضاء الرقابي يقابله غيابها في الفضاء الاجتماعي الاقتصادي. وقد وصفت بعض الدراسات هذا الوضع بأنه انتقال من «الدولة الموفّرة» إلى «الدولة المراقِبة» (Mitchell, 2002).
أما على مستوى أنماط العيش، فيظهر تحول ثانٍ لا يقل عمقاً: تغيّر العلاقة بالزمن. فقد تراجع منطق التخطيط طويل المدى لصالح تكتيكات قصيرة المدى. بات الأفراد ينظمون حياتهم وفق منطق معالجة الأزمات بدل بناء المسارات، وهو ما يقود إلى تحوّل في القيم ذاتها: المرونة تُستبدل بالثبات، والحيلة تُستبدل بالمهنة، والقدرة على التكيف تصبح أهم من الخبرة. هذا التحول لا يعكس فقط تبدلاً في الاقتصاد، بل إعادة صياغة للذات الاجتماعية التي باتت تتحرك في فضاء مستمر التقلّب. وهو تحول ينسجم مع ما وصفه منظّرون للحياة اليومية باعتباره انتقالاً من «مجتمع الاستقرار» إلى «مجتمع الاحتمال» (de Certeau, 1984).
ويترافق هذا التحول مع صعود نمط جديد من الفردنة المرهقة. لم يعد الفرد مندمجاً في جماعة قادرة على حمايته، ولا في دولة قادرة على رعايته، بل أصبح وحده في مواجهة اقتصاد غير مضمون ومؤسسات غير قادرة على توفير اليقين. لا تُنتج الفردنة استقلالية بل هشاشة، ولا تُنتج حرية بل عبئاً دائماً في اتخاذ القرارات ضمن ظروف غير قابلة للقياس أو التنبؤ. إنها فردنة تقوّض التضامن من دون أن تؤسس لمشروع بديل، وتخلق طبقات اجتماعية جديدة غير مبنية على الطبقة أو التعليم، بل على القدرة على التنقل داخل اقتصاد متقلّب.
ويظهر التحول الثالث في إعادة تشكيل العلاقة مع الفضاء العمومي. فبينما تبدو السياسة التقليدية راكدة، تنتج الحياة اليومية أشكالاً جديدة من الفعل غير المعلن: احتجاجات صامتة، سخرية جماعية على المنصات الرقمية، انسحاب من المشاركة، أو امتناع متعمّد عن الانخراط في مؤسسات الدولة. يعيد هذا الفعل غير المرئي صياغة حدود الشرعية بصورة تدريجية، لأنه يُفرغ السلطة من القدرة على التأثير في النفوس حتى حين تحافظ على قدرتها على فرض القرارات. وقد أشار بعض الباحثين إلى أنّ هذا النوع من «اللامشاركة المُسيّسة» يُعدّ أحد أقوى مؤشرات التحول الاجتماعي في الفترات الانتقالية (Wedeen, 2015).
وفي قلب كل هذه التحولات يكمن تغير في تصور الناس لذواتهم وللعالم. فالفرد، الذي كان يربط ترقيه الاجتماعي بالعمل والجهد، بات يقيس نجاحه بالقدرة على تجنب الانهيار. والمجتمع، الذي كان يرسم حدوده عبر الانتماء المشترك، أصبح يتشكل عبر تفاعلات مؤقتة تُعيد ترتيب العلاقات من دون أن تؤسس بنية مستقرة. والاقتصاد، الذي كان يُعرّف عبر الناتج والإنتاجية، صار يُعرّف عبر المبادرة الفردية والمخاطرة والتجربة.
هذه التحولات لا تفتح الطريق نحو نموذج جديد، لكنها تُغلق الطريق نحو النموذج القديم. فهي لا تبني بديلاً، لكنها تفكك البنى القائمة بهدوء، حتى يصبح من الصعب العودة إلى ما كان. إنها تحولات غير مرئية لأنها لا تأخذ شكل قرار سياسي أو قانون جديد، بل لأنها تعمل في مستويات الحياة التي لا تُلتقط بسهولة: طريقة قضاء الوقت، كيفية الحصول على الدخل، معنى الاستقرار، تصور المستقبل، علاقة الفرد بالدولة، وإدراكه لمكانه في المجتمع.
ومع تراكم هذه التحولات، يصبح المجتمع مختلفاً عن صورته الرسمية. فخلف الواجهة الثابتة، تتشكل بنية جديدة للحياة الاقتصادية والاجتماعية، بنية لا تخضع لمنطق الخطط العمومية، بل لمنطق التكيف المستمر. ومن هنا تأتي قوة هذا التحول: إنه يغيّر أسس الحياة من دون أن يعلن عن نفسه. ومع الوقت، يصبح هو القاعدة الجديدة التي يجب أن تُفهم من خلالها تحولات المنطقة، لا بوصفها أزمات ظرفية، بل بوصفها إعادة تشكيل هادئة وعميقة للعيش والاقتصاد السياسي.
مستقبل المنطقة بين الاستقرار الهش وإمكانات موجة جديدة من التغيير
يبدو مستقبل المنطقة محكوماً اليوم بتفاعل معقّد بين ديناميات الاستقرار الهش والتحولات العميقة التي تراكمت منذ لحظة الربيع العربي الأولى. لا يسمح المشهد الحالي بالحديث عن نهاية دورة سياسية أو بداية أخرى، بقدر ما يكشف عن لحظة انتقال ممتدة، تتجاور فيها عناصر السكون والاهتزاز، وتتقاطع فيها القوى التقليدية مع الفاعلين الجدد في شبكة كثيفة من التوازنات المتناقضة. وعلى ضوء هذا الواقع، يصبح استشراف المستقبل محاولة لفهم المسارات التي تتشكّل داخل هذه الفوضى المنظمة، حيث لا يعكس الهدوء المؤسسي استقراراً فعلياً، ولا تشير التوترات المتكررة بالضرورة إلى انفجار وشيك. إنّ المنطقة تدخل مرحلة يعاد فيها ترتيب معاني السلطة والمشروعية والتنمية، بطريقة تجعل كل سيناريو قابلاً للانبثاق من داخل السلوكيات اليومية أكثر من انبثاقه من القرارات الرسمية.
الفرد، الذي كان يربط ترقيه الاجتماعي بالعمل والجهد، بات يقيس نجاحه بالقدرة على تجنب الانهيار. والمجتمع، الذي كان يرسم حدوده عبر الانتماء المشترك، أصبح يتشكل عبر تفاعلات مؤقتة
أول ما يفرض نفسه في تحليل المستقبل هو إدراك أنّ الهشاشة الحالية لا تُضعف الأنظمة بالضرورة، بل تعيد تعريف أدوات بقائها. فقد بيّن عدد من الباحثين أنّ الأنظمة السلطوية، بخلاف ما يبدو، تتغذّى أحياناً من الأزمات، فتتقن تحويلها إلى مدخل لإعادة إنتاج السيطرة (Bellin, 2004). وهذا يعني أن مسار الاستقرار القائم حالياً ليست له جذور صلبة، لكنه يمتلك قدرة على الاستمرار عبر التكيّف المستمر مع الضغوط. فالدولة التي فقدت جزءاً من قدرتها على الاستجابة الاجتماعية أصبحت تعوّض ذلك بالتحكم في المجال الأمني والرقمي، ما يمنحها زمناً سياسياً إضافياً وإن كان هشاً.
غير أنّ هذا النمط من الاستقرار لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، لأن التآكل المتواصل في البنية الاقتصادية والاجتماعية يُنتج بدوره مسارات تغيير صامتة. ومع توسّع اللامساواة وتزايد الضغوط المعيشية وتراجع الأمان الوظيفي، يدخل المجتمع في مرحلة يُعاد فيها تشكيل الوعي الجماعي تجاه معنى العدالة وتوزيع الفرص. وبحسب عدد من النظريات التي تربط الاحتجاج بدورات الأزمة الاقتصادية، فإنّ المجتمعات التي تُراكم مستويات عالية من الإحباط من دون قناة تمثيل فعّالة تميل إلى توليد موجات جديدة من الصراع (Goldstone, 2001). وهذا لا يعني حتمية نشوء ثورات جديدة، لكنه يعني أن احتمالات التغيير لا تتراجع، بل تتخذ أشكالاً متعددة يصعب على السلطة التقاطها أو احتواؤها مبكراً.
وفي الوقت ذاته، يشهد المجال الاجتماعي تحوّلات تجعل أنماط التغيير المستقبلية غير قابلة للقياس عبر الأدوات التقليدية. فالمجتمع لم يعد يحشد نفسه بالطريقة ذاتها التي عرفها العقد الماضي؛ تتراجع الاحتجاجات الكبرى، لكن تتزايد أشكال الرفض المبعثر، ويتراجع الانخراط السياسي المباشر مقابل صعود أنماط من الاعتراض الهادئ، أو الانسحاب من الفضاء العام، أو الهجرة، أو الاقتصاد غير الرسمي. وهذا يعني أنّ إمكانية حدوث موجة جديدة من التغيير قد لا تأتي عبر مسارات الثورة الكلاسيكية، بل عبر تآكل بطيء في قدرة الدولة على التحكم في المجتمع، أو عبر تراكم تغييرات صغيرة تُحدث في النهاية اختلالاً واسعاً في بنية السلطة.
على مستوى آخر، يشكل التحول الجيواقتصادي الإقليمي عاملاً حاسماً في تحديد السيناريوهات المقبلة. فالتفاوت بين الدول القادرة على تمويل استقرارها الداخلي وتلك التي تعتمد على الاقتراض والدعم الخارجي يزداد وضوحاً، ما يؤدي إلى اختلاف في أنماط الحكم وفي مستويات القدرة على امتصاص الصدمات. وفي سياق عالمي يتسم بارتفاع المخاطر، تبدو المنطقة أمام احتمالين متناقضين: إمّا مزيد من الانكفاء نحو الداخل وشراء الوقت عبر حلول مؤقتة، أو انفتاح قسري على إصلاحات اقتصادية عميقة تفرض نفسها من خلال ضغط الوقائع لا من خلال الإرادة السياسية. وقد أظهرت تحليلات عدة أنّ الاستثمار في «الاستقرار المؤقت» من دون معالجة البنى المنتجة للأزمات يجعل الأنظمة أكثر عرضة للصدمات الكبرى (Acemoglu & Robinson, 2012). ومن هنا تتشكل ثلاثة سيناريوهات مستقبلية كبرى:
السيناريو الأول: إعادة رسملة الاستقرار الهش. وفي هذا السيناريو تستمر السلطة في استخدام أدوات الرقابة والضبط، ويستمر المجتمع في تطوير استراتيجيات التكيف. وعلى الرغم من أنّ هذا السيناريو يبدو الأكثر احتمالاً على المدى القريب، إلا أنّه يحمل في داخله بذور تآكل لا يمكن السيطرة عليه، لأنّ تراكم الفوارق الاجتماعية وصعود الاقتصاد الموازي واستمرار ضعف الثقة بالمؤسسات يولّد أرضية قابلة للاشتعال مع أي صدمة خارجية أو داخلية.
السيناريو الثاني: موجة جديدة من التغيير المتدرج غير المرئي. وهو سيناريو لا يتخذ شكل انفجار مفاجئ، بل شكل إعادة تشكيل بطيئة للسلطة من الداخل. قد تتراجع الدولة تدريجياً لصالح فاعلين اقتصاديين، أو شبكات محلية، أو تحالفات جديدة بين قطاعات المجتمع. هذا السيناريو لا يفترض ثورة صريحة، لكنه يتوقع تحولاً في مركز الثقل داخل المجتمع، بحيث يصبح تأثير الدولة أقلّ حضوراً، وتأثير المجتمع أكثر اتساعاً، حتى دون صدام مباشر.
السيناريو الثالث: دورة احتجاج جديدة، قد تختلف عن موجة 2011 من حيث طبيعة المطالب والفاعلين.فالمطالب المستقبلية تبدو أقلّ أيديولوجية وأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية: العدالة الاقتصادية، الكرامة المعيشية، الحوكمة الفعالة. وتشير عدة أعمال إلى أنّ موجات الاحتجاج عادة ما تتجدد حين يفشل النظام في إعادة بناء عقد اجتماعي جديد (Tarrow, 2011). ومع تحول الفضاء الرقمي إلى بنية دائمة للغضب الاجتماعي، يصبح صعود موجة احتجاج جديدة احتمالاً واقعياً لا يمكن استبعاده.
لكن العامل الأكثر تعقيداً في قراءة المستقبل هو أنّ الاستقرار الهش والتغيير الكامن ليسا مسارين منفصلين، بل وجهين لدينامية واحدة. فلا الاستقرار قادر على تثبيت نفسه، ولا التغيير قادر على الاكتمال، ما يجعل المنطقة أمام حالة انتقال دائم تُعاد خلالها صياغة قواعد التفاعل السياسي والاجتماعي بعيداً عن الآليات التقليدية. وفي هذا المعنى، فإن مستقبل المنطقة لا يتحدد بما يعلنه الفاعلون، بل بما تفرضه التحولات التي تنمو في العمق، وتستمد قوتها من تراكم طويل لا يمكن عكسه، حتى وإن بدا السطح جامداً.
بهذا، يصبح الاستشراف فعلاً لا يبحث عن «نهاية الطريق»، بل عن الاتجاهات التي تتولد من داخل الهشاشة نفسها، لأنّ الهشاشة لم تعد مجرد ضعف في بنية الدولة، بل أصبحت مجالاً لإنتاج أشكال جديدة من التنظيم، وأشكال جديدة من الاعتراض، وأشكال جديدة من الحياة، قد تكون هي مصدر التغيير المقبل.
المراجع:
Acemoglu, D., & Robinson, J. (2012). Why nations fail: The origins of power, prosperity, and poverty. Crown Publishers.
Bellin, E. (2004). The robustness of authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in comparative perspective. Comparative Politics, 36(2), 139–157.
Certeau, M. de. (1980). L’invention du quotidien. Gallimard.
Certeau, M. de. (1984). The practice of everyday life. University of California Press.
Goldstone, J. A. (2001). Toward a fourth generation of revolutionary theory. Annual Review of Political Science, 4, 139–187.
Hibou, B. (2006). La force de l’obéissance. Économie politique de la répression en Tunisie. La Découverte.
Mitchell, T. (2002). Rule of experts: Egypt, techno-politics, modernity. University of California Press.
Tarrow, S. (2011). Power in movement: Social movements and contentious politics (3rd ed.). Cambridge University Press.
Wedeen, L. (2015). Peripheral visions: Publics, power, and public performance in Yemen. University of Chicago Press.