إستراتيجية أميركا أولاً للصحّة العالمية
في 22 كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت الحكومة الأميركية انسحابها رسمياً من منظّمة الصحّة العالمية. غير أن هذه الخطوة لا تعني انسحاب الولايات المتّحدة من ميدان الصّحة العالمية بقدر ما تعكس تحوّلاً في الأهداف والأدوات والقنوات التي تعتزم العمل من خلالها.
لطالما حمّلت إدارة دونالد ترامب المنظّمة مسؤولية سوء إدارة جائحة كوفيد-19، في مسعى لصرف الأنظار عن إخفاقات داخلية أسفرت عن وفاة نحو 1.2 مليون أميركي في خلال الجائحة. وفي هذا السياق، اعتمدت الإدارة مقاربة مغايرة كلياً تحت عنوان «إستراتيجية أميركا أولاً للصحة العالمية»، التي نُشرت في أيلول/سبتمبر 2025. وتقوم هذه الإستراتيجية على إعادة توجيه التمويل الذي كانت الولايات المتحدة تقدّمه للمنظمة، بصفتها أكبر المانحين، إضافة إلى مخصّصات برامج الصحة العامة الدولية الأخرى، نحو هدف مُعلن يتمثل في جعل الولايات المتحدة «أكثر أماناً وأقوى وأكثر ازدهاراً»، بما ينسجم مع النزعات القومية المتصاعدة في الغرب.
إذا لم تتحقّق المؤشرات المتفق عليها أو لم تُستوفَ الالتزامات المالية، تحتفظ الولايات المتحدة بحق حجب التمويل في السنوات اللاحقة، على أن يصبح الالتزام بالمعايير شرطاً لتفعيل التمويل المستقبلي
غير أنّ قراءة متأنية لهذه الإستراتيجية تكشف أن جوهرها يتجاوز الشعارات المعلنة، إذ تسعى إلى توظيف دبلوماسية الصحة كأداة صريحة لفرض المصالح الأميركية على الدول التابعة، وفتح أسواق البلدان منخفضة الدخل أمام التوسّع العدواني لمنتجات وخدمات الرعاية الصحية الأميركية.
فقد أرست الولايات المتحدة، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، نموذجاً للمساعدات الدولية هدف، ولو جزئياً، إلى احتواء الآثار السلبية لتدفّقات القيمة غير المتكافئة من الجنوب إلى الشمال، ولا سيما حماية أنظمة الصحة العامة في الجنوب العالمي من الانهيار بما يضمن عدم تعطّل تدفّق السلع واليد العاملة جرّاء تفشي الأمراض المعدية. أما اليوم، فهي تنقلب على ذلك النموذج لصالح تصوّر قومي ضيّق للصحة العالمية، أقل فاعلية وأكثر خطورة، من شأنه أن يعمّق تسليح الصحة ويعكس تحوّلاً في بنية الإمبراطورية الأميركية في مرحلة أفولها.
من تنسيق متعدّد الأطراف إلى صفقات ثنائية
تقترح «استراتيجية أميركا أولاً للصحة العالمية» إعادة هندسة تنسيق الصحة العالمية، عبر الانتقال من إطار التعاون متعدد الأطراف الذي تقوده منظمة الصحة العالمية إلى نموذج اتفاقات ثنائية متعددة السنوات مع كل دولة على حدة، وهو النمط الذي عُرف عن دونالد ترامب تفضيله، تُحدَّد فيه أهداف واضحة وخطط عمل مفصّلة.
بموجب هذا التصور، تتحوّل المساعدات الصحية إلى ترتيبات تفاوضية قائمة على الأداء. إذ تتضمن الاتفاقات جداول زمنية ومؤشرات سنوية محدّدة لتقديم الخدمات الصحّية ونتائج الأمراض، مثل أعداد اختبارات التشخيص، وعدد المستفيدين من العلاج، ومعدلات الإصابة والوفيات. ويهدف هذا الإطار إلى جعل النتائج «قابلة للإنفاذ»، فإذا لم تتحقّق المؤشرات المتفق عليها أو لم تُستوفَ الالتزامات المالية، تحتفظ الولايات المتحدة بحق حجب التمويل في السنوات اللاحقة، على أن يصبح الالتزام بالمعايير شرطاً لتفعيل التمويل المستقبلي.
تختلف هذه الهندسة جذرياً عن نمط انخراط الولايات المتّحدة في منظّمة الصحّة العالمية، التي تقوم على حوكمة متعددة الأطراف. ففي إطارها، تُناقَش السياسات والميزانيات وتُقَرّ ضمن جمعية الصحة العالمية، حيث تشارك الدول الأعضاء مجتمعة في تحديد جدول الأعمال. وتستند شرعية المنظمة إلى منظومة قواعد ومعايير تنطبق على جميع الأعضاء، بما في ذلك الالتزامات المنصوص عليها في اللوائح الصحية الدولية، التي تُلزم الدول بتقييم الأحداث الصحية والإبلاغ عن الفاشيات التي تستوفي شروط الخطر خلال 24 ساعة من التقييم. وعلى الرغم من أن الضغوط السياسية ليست غائبة عن عمل المنظمة، فإن آليتها النظرية تقوم على إطار مشترك يُفترض أن يسري بغض النظر عن تفاوت موازين القوة في العلاقات الثنائية.
تقود الاتفاقات الثنائية المقترحة إلى تركّز القوة، حتى وإن وصفت الاستراتيجية المؤشرات بأنها تُحدَّد «بشكل مشترك». فالولايات المتحدة تبقى الطرف الذي يتحكم برافعة تجديد التمويل
في المقابل، تقود الاتفاقات الثنائية المقترحة إلى تركّز القوة، حتى وإن وصفت الاستراتيجية المؤشرات بأنها تُحدَّد «بشكل مشترك». فالولايات المتحدة تبقى الطرف الذي يتحكم برافعة تجديد التمويل، ما يمنحها نفوذاً مضاعفاً إزاء الدول المعتمدة على المساعدات الصحية. والوزارة التي تفاوض تحت وطأة احتمال فقدان التمويل ستُعطي الأولوية، حتماً، للأجندة التي يفرضها العقد ولمؤشرات الرعاية الصحية القابلة للقياس الكمي.
قد يُنتج هذا النهج مخرجات واضحة وقابلة للقياس، لكنه يهدد أيضاً بتهميش الأجندات الصحية الوطنية لمصلحة أولويات الولايات المتحدة. ولا تخفي الاستراتيجية أن هدف المساعدة الصحية الأميركية هو تعزيز المصالح الأميركية ودفع أولوياتها عبر هذه العلاقات الثنائية. وهنا تكمن مخاطر التنازل الضمني عن جزء من السيادة في تحديد الأجندة الصحية الوطنية لصالح دولة مانحة. ففي نموذج منظمة الصحة العالمية، تُناقَش الأولويات علناً ضمن منتديات متعددة الأطراف، وتستمد شرعيتها من توافق جماعي. أما في نموذج «أميركا أولاً»، فتُحدّد الأولويات عبر مساومات ثنائية غير متكافئة، وتبقى الأجندة في كثير من الأحيان غير معلنة.
إعادة هيكلة تقديم الخدمات
بعد تحويل الشراكة الصحية إلى عقد، يبرز السؤال التالي، من سيقدّم الرعاية ومن سيموّلها؟
يتصل المطلب الأميركي الأول بهندسة نظام مقدّمي الرعاية. إذ تستهدف الإستراتيجية نظام «الشركاء المنفذين» القائم بكثافة على المنظمات غير الحكومية، وهو النموذج الذي بات يهيمن على برامج المساعدات الصحية عالمياً. فهؤلاء الشركاء، وغالباً ما يكونون منظمات غير حكومية، يعملون كمتعهدين لتنفيذ مهام كان يمكن لوزارات الصحة الوطنية الاضطلاع بها، من اللوجستيات والتدريب إلى جمع البيانات وإعداد التقارير.
تشير الوثيقة إلى أنه عند إطلاق برامج مثل PEPFAR (خطة الرئيس الأميركي الطارئة للإغاثة من الإيدز) عام 2003، كانت قدرات دول كثيرة محدودة في تقديم خدمات معقدة، ما دفع الولايات المتحدة إلى التعاقد مع جهات خارجية لبناء أجزاء من الاستجابة وتشغيلها. غير أن ما قُدّم بوصفه حلاً مؤقتاً تحوّل، بحسب الاستراتيجية، إلى بنية موازية مكلفة. وتستشهد الوثيقة بحالة أوغندا، حيث وُجد في عام 2024 نحو 57 شريكاً منفذاً يمولون أكثر من 300 جهة فرعية، إلى جانب نفقات مرتفعة لإدارة البرامج. وتخلص إلى أن تعدد طبقات التعاقد يضخّم الكلفة الإدارية ويعمّق التشظي، كما يضعف «الملكية المحلية» للبرامج.
قد تتبنى بعض الشبكات الدينية مواقف مناقضة للأدلة العلمية، ولا سيما في ما يتعلق بتنظيم الأسرة أو الصحة الجنسية أو الإجهاض، كما قد يخلق حواجز أمام مرضى لا يشاركون مقدمي الرعاية معتقداتهم
في هذا الجانب، تُحسن الاستراتيجية تشخيص خلل بنيوي في نموذج الرعاية الصحية المموّلة بالمساعدات، لكنها لا تقدّم علاجاً متماسكاً له. فعندما تدير منظمات غير حكومية برامج رأسية موازية لأمراض محددة، تجد الحكومات نفسها مسؤولة عن رقع متناثرة ضمن نظام صحي متشرذم لا تملك السيطرة الكاملة عليه. وترتفع الأكلاف نتيجة «دويلة المشاريع» التي كان يمكن دمجها ضمن بنية وطنية موحّدة، كما تتبدد المساءلة: فإذا أخفقت الخدمات، تكون الحكومة مهمّشة، بينما المنظمات غير الحكومية ليست مؤسسات عامة خاضعة للمساءلة الديمقراطية.
تقترح الخطة نقل تقديم الخدمات والوظائف التقنية تدريجياً إلى الحكومات، عبر تحفيز ترتيبات من حكومة إلى حكومة، وإدماج الأنشطة المموّلة من المانحين داخل الأنظمة الوطنية، بما يشمل مواءمة أجور العاملين الصحيين واستخدام أنظمة التوزيع الوطنية حيثما أمكن. وقد شهدت زامبيا عام 2019 نقل دعم الخدمات الأساسية المرتبطة بفيروس نقص المناعة المكتسبة من المنظمات غير الحكومية إلى الحكومات الإقليمية، وأظهرت دراسة لاحقة تحسناً في التغطية العلاجية وكبح الحمل الفيروسي، مع انخفاض ملحوظ في الكلفة لكل مريض. ويُفترض أن يعزز العمل جنباً إلى جنب مع الحكومات مسؤولية الدولة، ويخفض الكلفة عبر تجميع الموارد، ويزيد استدامة البرامج.
في المقابل، توسّع الخطة تعريف «مقدّمي الخدمات» عبر الترحيب الصريح بالمنظمات الدينية والقيادات الروحية بوصفها شركاء في التنفيذ. وتشير إلى إشراك رجال الدين في حملات التوعية باعتباره مساراً لبناء الثقة والتوسّع داخل المجتمعات. وقد يكون لهذا النهج مزايا عملية في سياقات تفتقر إلى عيادات موثوقة، أو حيث تمثل المؤسسات الدينية من بين الشبكات المحلية القليلة المستقرة. غير أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر، إذ قد تتبنى بعض الشبكات الدينية مواقف مناقضة للأدلة العلمية، ولا سيما في ما يتعلق بتنظيم الأسرة أو الصحة الجنسية أو الإجهاض، كما قد يخلق حواجز أمام مرضى لا يشاركون مقدمي الرعاية معتقداتهم.
ويكشف تركيز الاستراتيجية على الامتثال للقيود القانونية الأميركية أن تقديم الخدمات الصحية سيُعاد تشكيله وفق اعتبارات السياسة الداخلية الأميركية. ومن أبرز هذه القيود تعديل هيلمز الذي أُقر عام 1973، ويحظر استخدام المساعدات الخارجية الأميركية لتمويل خدمات الإجهاض أو المعلومات المتعلقة بها. ومن شأن هذه الشروط أن تعرّض برامج الرعاية الصحية في البلدان المتلقية لتقلبات سياسية وثقافية وقانونية داخل الولايات المتحدة، قد لا تنسجم دائماً مع أفضل الأدلة المتاحة في الصحة العامة، ولا مع الاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية.
إعادة هيكلة التمويل
المطلب الأميركي الثاني يتمثل في «الاستثمار المشترك»، أي وضع مسار منظّم يُلزم الحكومات المتلقية للمساعدات بأن تتولى تدريجياً تمويل خدمات الخطوط الأمامية في أنظمتها الصحية.
تؤطر الاستراتيجية هذا التوجّه بوصفه عملية «فِطام» للدول عن الاعتماد المزمن على المساعدات الخارجية، وتؤكد أنه يخلق حوافز متبادلة للالتزام طوال مدة الاتفاقات الثنائية. ومن حيث المبدأ، يُعدّ التمويل المشترك آلية منطقية لتعزيز الاستدامة المالية للبرامج الصحية، إذ لا يمكن لأي نظام أن يبقى معتمداً إلى ما لا نهاية على تمويل خارجي متقلّب.
غير أن قراءة هذا الطرح في ضوء الوقائع المالية في بلدان الجنوب العالمي تكشف مفارقة أساسية: فالتمويل المشترك، إذا لم يُقترن بمعالجة الأسباب البنيوية التي تُقيّد الموازنات العامة، قد يتحول إلى عبء إضافي بدل أن يكون رافعة للاستدامة. لا تقترح الاستراتيجية مثلاً إعادة هيكلة الديون السيادية، ولا تتناول الضغوط الاقتصادية الأوسع — من خدمة الدين إلى شروط المؤسسات المالية الدولية — التي كثيراً ما تترك وزارات الصحة في البلدان منخفضة الدخل عاجزة عن توسيع إنفاقها الصحي.
التمويل المشترك، إذا لم يُقترن بمعالجة الأسباب البنيوية التي تُقيّد الموازنات العامة، قد يتحول إلى عبء إضافي بدل أن يكون رافعة للاستدامة
وبينما يبدو تعزيز الاستثمار المحلي هدفاً وجيهاً لتقوية صمود الأنظمة الصحية، يتضح أن الاستراتيجية الأميركية تقدّمه أيضاً كأداة لخفض إنفاقها على المساعدات. وفي ظل هذا التصميم، قد تضطر الحكومات إلى تحويل موارد من قطاعات أخرى — مثل التعليم أو الحماية الاجتماعية أو احتياجات صحية لا تدخل ضمن نطاق الاتفاق — كي تحافظ على تدفق التمويل الأميركي. ولا سيما أن الاستراتيجية تربط صراحةً التمويل المستقبلي بالأداء في التمويل المشترك وغيره من المقاييس المتفق عليها، ما يجعل الامتثال المالي شرطاً لاستمرار الشراكة.
وعليه، فإن «الاستثمار المشترك» كما يُطرح هنا لا يعبّر فقط عن مسار نحو الاستدامة، بل عن آلية إعادة توزيع داخلية للموارد تحت ضغط خارجي، قد تُعيد تشكيل أولويات السياسات العامة في الدول المتلقية بما يتماشى مع شروط المانح أكثر مما يعكس احتياجاتها الذاتية.
ضبط البرامج الموازية
أخيراً، تعد الاستراتيجية بإصلاح إحدى أكثر سمات الرعاية الصحية المموّلة بالمساعدات تعرّضاً للنقد، وهي «البرامج الموازية». إذ تجادل الخطة بأن البرامج الأميركية أدارت تاريخياً الاستجابة لأمراض مثل فيروس نقص المناعة المكتسبة، والسل، والملاريا، وشلل الأطفال عبر نظم عمودية منفصلة، لكل منها آليات تخطيطها، وشركاؤها، وسلاسل مشترياتها، وأنظمة بياناتها الخاصة. تقترح الاستراتيجية دمج هذه البرامج بعضها ببعض، وإدماجها في سلاسل الإمداد الوطنية وأنظمة المعلومات الصحية. والأمثلة التي تسوقها تبدو منطقية: إذ يوزّع فريق من العاملين الصحيين أدوية نقص المناعة المكتسبة في منطقة ريفية يمكن تدريبه أيضاً على توزيع اختبارات الملاريا وإحالة الحالات المشتبه بها للسل، كما يمكن لشبكة تشخيص واحدة أن تخدم ضبط الأمراض الروتيني وترصّد الفاشيات معاً. ومن شأن هذا النوع من الدمج أن يحدّ من الازدواجية المكلفة، وأن يترك البلدان مع بنية تحتية أكثر قابلية للاستدامة بعد تراجع التمويل الخارجي.
غير أن الدمج لا يعني بالضرورة توسيع نطاق الأولويات الصحية. فالاستراتيجية تُبقي تركيزها منصبّاً على التهديدات المعدية العابرة للحدود، وتربط تعريفها للنجاح بأهداف زمنية دقيقة، مثل كشف الفاشيات خلال 7 أيام، والاستجابة لها خلال 72 ساعة لمنع وصولها إلى السواحل الأميركية. ويكشف هذا التركيز عن عدسة أمنية واضحة تُعيد تعريف الصحة العالمية بوصفها خط دفاع بيولوجي أول عن الداخل الأميركي.
يفسّر ذلك بقاء الحزمة «المدمجة» متمركزة حول الأمراض المعدية القابلة للانتشار الدولي، في حين قد تحظى الأمراض غير المعدية — كالسكري وأمراض القلب والسرطان — باهتمام أقل، لأنها لا «تسافر» بالطريقة ذاتها ولا تُدرج ضمن معادلة الأمن البيولوجي. وبعبارة أخرى، قد تنجح الخطة في تقليص التشظي داخل برامج الأمراض المعدية، لكنها تُبقي الفجوة قائمة بين الأمراض التي قد تهدّد الحدود الأميركية وتلك التي تثقل الحياة اليومية للسكان في البلدان المتلقية من دون أن تمسّ مباشرة المصالح الأميركية.
استخدام المساعدات لتوسيع سوق الرعاية الصحية الأميركية
في إطار تحقيق الهدف الثالث المعلن، جعل أميركا «أكثر ازدهاراً»، تستبدل الاستراتيجية لغة الصحة العامة بلغة الأسواق. فهي لا تنظر إلى البلدان منخفضة الدخل بوصفها فضاءات لإنقاذ الأرواح فحسب، بل أيضاً بوصفها أسواقاً واعدة لنمو الشركات الأميركية.
تستند الوثيقة إلى توقعات سوقية لتبرير هذا التحول: إذ تشير إلى أن سوق الرعاية الصحية في آسيا قد يبلغ 5 تريليونات دولار بحلول عام 2030، ونحو 250 مليار دولار في أفريقيا، فيما قد يصل سوق التشخيص إلى 40 مليار دولار في الفترة نفسها. تُستخدم هذه الأرقام لتسويغ دبلوماسية تجارية نشطة، تدفع من خلالها الحكومة الأميركية — عبر الاتفاقات الثنائية للمساعدات — نحو تخفيف عوائق دخول الشركات الأميركية إلى تلك الأسواق. ويشمل ذلك التفاوض لمنح أفضلية للشركات الأميركية في توريد الموارد الطبية، وتشجيع الاعتراف بالمنتجات المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، والترويج لمبادرات «المواءمة التنظيمية».
توضح الاستراتيجية صراحة أن مشتريات المساعدة الخارجية يمكن أن تعمل كأداة دخول إلى الأسواق. فقد اشترت المساعدات الأميركية أدوات تشخيص بأكثر من 120 مليون دولار من شركات مقرها الولايات المتحدة، من بينها Abbott وCepheid وHologic. كما جرى شراء 50% من اختبارات التشخيص السريع للملاريا و70% من اختبارات التشخيص السريع لفيروس HIV من شركات تصنيع أميركية، بما يتجاوز 350 مليون دولار من المشتريات.
قد تنجح الخطة في تقليص التشظي داخل برامج الأمراض المعدية، لكنها تُبقي الفجوة قائمة بين الأمراض التي قد تهدّد الحدود الأميركية وتلك التي تثقل الحياة اليومية للسكان في البلدان المتلقية
وتؤكد الاستراتيجية أن ترسيخ وجود هذه الشركات عبر المشتريات الممولة بالمساعدات يتيح لها مواصلة البيع لاحقاً في تلك الأسواق من دون حاجة إلى تدخل أميركي إضافي. وبعبارة أبسط: تدفع المساعدات ثمن موطئ القدم الأول، بما يسهّل التوسع التجاري لاحقاً.
يظهر المنطق ذاته في تناول الاستراتيجية لمفهوم «الشراء المجمّع» — أي الشراء بالجملة من قبل المانحين والبلدان معاً لخفض الأسعار وضمان استقرار الإمداد. فبينما تؤكد الوثيقة أهمية هذا الأسلوب لتأمين سلع عالية الجودة بأسعار منخفضة، فإنها تشدد أيضاً على ضرورة أن تسهّل هذه الآليات وصول العلاجات والتشخيصات المبتكرة من الشركات الأميركية، وأن يبقى شراء المنتجات الأميركية المبتكرة شرطاً أساسياً في برامج المساعدات.
وتشير الاستراتيجية إلى أن مساهمات الولايات المتحدة في الصناديق متعددة الأطراف خلقت بالفعل أسواقاً للشركات الأميركية، مستشهدة بنحو 3.5 مليارات دولار من مشتريات الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا من شركات أميركية منذ عام 2010، وبأكثر من 12.5 مليار دولار من مشتريات الشركات المصنّعة في الولايات المتحدة عبر منظمات صحية متعددة الأطراف أخرى بين 2012 و2023. ويتمثل انعطاف «أميركا أولاً» في السعي إلى ضمان تصميم قنوات المشتريات، حتى متعددة الأطراف منها، بطريقة تحمي التفوق التجاري الأميركي.
تنعكس هذه الأولوية التجارية أيضاً في بنية التمويل المقترحة. إذ تدعو الاستراتيجية إلى الإبقاء على تمويل كامل (100%) لدعم «الخطوط الأمامية»، أي شراء المعدات الطبية ورواتب العاملين الصحيين الذين يقدمون الرعاية مباشرة، مع تقليص سريع للإنفاق غير المرتبط مباشرة بتقديم الخدمات، مثل المساعدة التقنية والإشراف وإدارة الجودة وإدارة البرامج.
ورغم أن تقليص الإدارة المتضخمة يُقدَّم بوصفه مسعى لتحسين الكفاءة، فإنه يكشف في الوقت نفسه أن الإنفاق المحمي هو تحديداً الأكثر ارتباطاً بالمنتجات والخدمات القابلة للشراء من الشركات الأميركية.
تتعامل الاستراتيجية مع البيانات الصحية بوصفها أداة للصحة العامة وميزة تجارية في آن واحد. فهي تدعو إلى تبسيط أنظمة المراقبة عبر تتبع تقديم الخدمات، والوبائيات، وسلامة سلاسل الإمداد، والتزامات الاستثمار المشترك. ويمكن لهذه البيانات أن تتحول إلى معلومات سوقية تعزز تنافسية الشركات الأميركية، لا سيما في ظل الشروط المحدودة التي تضعها الوثيقة بشأن حماية الخصوصية وأمن البيانات.
كما أن الاتفاقات الثنائية المقترحة ستستلزم ترتيبات طويلة الأمد لتبادل البيانات، تتيح للولايات المتحدة الوصول إلى ما تعتبره ضرورياً لرصد التهديدات وإدارة البرامج. وفي الوقت ذاته، تفتح هذه الرقابة المجال أمام صفقات مربحة في مجالات أنظمة معلومات الصحة، والتحليلات، والتشخيص، وتقنيات سلاسل الإمداد، تحت عنوان «الرقمنة» وتحديث أنظمة الترصد الصحي.
بهذا المعنى، لا تُعاد صياغة الصحة العالمية فقط بوصفها أداة للأمن القومي، بل أيضاً كبنية تحتية لتمديد النفوذ التجاري الأميركي، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن البيولوجي مع استراتيجية تصدير التكنولوجيا والمنتجات الأميركية إلى أسواق الجنوب العالمي.
أميركا أولاً مقابل منظمة الصحة العالمية
يبدأ الإطار الدستوري لمنظمة الصحة العالمية، في مواجهة المنطق السوقي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تكريسه، من منطلق حقوقي صريح: التمتّع بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه هو «أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان». ويقوم تصور المنظمة للتغطية الصحية الشاملة على إتاحة الخدمات من دون مشقة مالية، في اعتراف واضح بأن الوصول إلى الرعاية الصحية لا يجوز أن يُختزل في القدرة الشرائية. وحتى في مجال المشتريات الطبية، يُقدَّم نظام التأهيل المسبق لدى المنظمة بوصفه آلية لضمان الجودة والسلامة لصالح البلدان وجهات الشراء، لا أداة لحجز حصة سوقية لصناعة وطنية بعينها.
لا تُعاد صياغة الصحة العالمية فقط بوصفها أداة للأمن القومي، بل أيضاً كبنية تحتية لتمديد النفوذ التجاري الأميركي، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن البيولوجي مع استراتيجية تصدير التكنولوجيا والمنتجات الأميركية
في المقابل، يطرح التحول الأميركي سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث حين يُهمَّش إطار صُمّم أصلاً لاحتواء إخفاقات سوق الصحة، لصالح نظام يهدف إلى توسيع تلك الأسواق؟ فقد وُجدت المساعدات الصحية لأن ديناميات السوق لا تكترث بمن لا يستطيع الدفع، ولا تمنح أولوية للأمراض والخدمات الأساسية غير المربحة. أما «استراتيجية أميركا أولاً»، فلا تُخفي رغبتها في أن تستخلص الشركات الأميركية أرباحاً من هذه البيئات. فهي تعلن صراحة سعيها إلى خلق «بيئة مواتية» للأعمال الأميركية، وتوسيع الاعتراف بالمنتجات المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، واستخدام المشتريات الممولة بالمساعدات وأنظمة المراقبة الصحية لبناء موطئ قدم دائم في الأسواق الناشئة.
ومن منظور نقدي، يمكن اختزال هذا التحول في مسارين رئيسيين: أولاً، إطلاق العنان لقوى السوق والاختلالات البنيوية بين الشمال والجنوب العالمي، بما يُبقي أعداداً كبيرة من المرضى في مواجهة احتياجات لا يستطيعون تحمّل كلفتها؛ وثانياً، إعادة توجيه منظومة الصحة العالمية بحيث تصبح الولايات المتحدة المستفيد التجاري شبه الحصري من الفجوة القائمة بين الشمال والجنوب، بدل أن تكون جزءاً من نظام تعاوني متعدد الأطراف يتقاسم أعباء المعالجة ومنافعها.
بهذا المعنى، لا يقتصر التحول على تغيير آليات التمويل أو التنفيذ، بل يمسّ الأساس القيمي الذي بُنيت عليه الصحة العالمية الحديثة: من اعتبارها حقاً عاماً عابراً للحدود، إلى معاملتها بوصفها مجالاً لتوسيع النفوذ الاقتصادي وتعظيم العائدات الوطنية.