معاينة measles vaccine africa

عودة الحصبة: مؤشر فشل نموذج الصحّة العالمية

يكشف الارتفاع المتجدّد في عدد حالات العدوى والوفيات الناتجة عن الحصبة حدود النظام الصحي العالمي، على الرغم من عقود من التقدّم نحو القضاء على المرض. 

يُظهر تحليل جديد صادر عن منظّمة الصحّة العالمية أنه، على الرغم من الانخفاض الحاد في الوفيات المرتبطة بالحصبة عالمياً بين عامي 2000 و2024، شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً مقلقاً في مؤشرات والتلقيح وازدياداً في معدلات العدوى والوفيّات. 

انخفضت نسب التلقيح بشكل خاص في البلدان منخفضة الدخل والمناطق المتأثّرة بالنزاعات في أفريقيا وإقليم شرق المتوسط، وهي مناطق تتحمّل العبء الأكبر من وفيات الحصبة، على الرغم من أنها لا تسجّل العدد الأعلى من الحالات. 

يعكس هذا التفاوت بنية عالمية غير متكافئة تُفاضل في توزيع التقنيّات الصحيّة المتقدّمة لمصلحة الشمال العالمي. وانطلاقاً من معطيات منظمة الصحة العالمية، تتتبّع هذه القراءة تقاطعات الجغرافيا والتمويل وحوكمة الصحة العالمية في إنتاج اللامساواة داخل النظام الصحّي العالمي.

75% من الأطفال غير الملقحين وأكثر من 80% من وفيات الحصبة يتركّزون في أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط

نظام صحي عالمي يُنتج تعرّضاً غير متكافئ لخطر الحصبة

الحصبة عدوى فيروسية تُسبّب حمى شديدة وسعالاً وطفحاً جلدياً، وقد تؤدّي إلى مضاعفات خطيرة مثل الالتهاب الرئوي أو الدماغي، وصولاً إلى الوفاة، ولا سيما لدى الأطفال الصغار أو المصابين بسوء تغذية أو ضعف في المناعة. وتُعدّ الحصبة من أكثر الأمراض قدرةً على الانتشار، إذ يمكن للمصاب الواحد أن ينقل العدوى إلى ما بين 12 و18 شخصاً في مجتمع غير مُحصّن، ما يجعل القضاء على انتقالها مرهوناً بتحقيق مستويات عالية جداً من التغطية اللقاحية.

لهذا السبب، تُعتبر الحصبة مؤشّراً بالغ الحساسية على عدم المساواة الصحية. إذ يمكن لثغرة صغيرة في التغطية أن تتحوّل سريعاً إلى فاشيات واسعة. ففي العام 2024، لم يتلقَّ 20.6 مليون طفل الجرعة الأولى من لقاح الحصبة؛ يعيش أكثر من نصفهم في أفريقيا (56%)، ويقيم نحو الخُمس في إقليم شرق المتوسط (19%). وبينما تبلغ التغطية اللقاحية 94% في البلدان الغنية، تنخفض إلى 87% في البلدان متوسطة الدخل، و66% في البلدان منخفضة الدخل، وتصل إلى 64% فقط في البيئات الهشّة والمتأثرة بالنزاعات.

ولا يُعدّ هذا التفاوت في توزيع اللقاحات ظاهرة جديدة. فقد برزت إشكالية العدالة الصحية بوضوح في خلال جائحة كوفيد-19 عند توزيع اللقاحات عالمياً. وعلى الرغم من استخلاص الخبراء دروساً واضحة عن أن تحقيق العدالة الصحية شرطٌ لتحسين النتائج الصحية وحماية سكان الدول الغنية كما الفقيرة، لم تُترجم هذه الدروس بعد إلى سياسات عملية ملموسة.

وتسجّل أفريقيا وإقليم شرق المتوسط أكثر من 80% من وفيات الحصبة عالمياً، على الرغم من أنهما لا يمثلان سوى نحو نصف إجمالي الحالات. ويعني ذلك أن الطفل المصاب في الجنوب العالمي أكثر عرضةً للوفاة، ليس بسبب الفيروس بحد ذاته، بل نتيجة غياب الرعاية الصحية الكافية في الوقت المناسب، وتفشي سوء التغذية، وضغط الأنظمة الصحية. فالمرض نفسه الذي يمرّ بشكل طفيف في الشمال قد يتحوّل إلى تهديد قاتل في الجنوب. ومن هنا، تصبح العدالة في الوصول إلى اللقاح مسألة عدالة إنسانية بامتياز، إذ إن المجتمعات الأقل تحصيناً هي، في الوقت نفسه، الأكثر عرضةً للوفاة.

تدفّقات التمويل تعكس الأولويات الجيوسياسية لا الحاجة الوبائية

يُعدّ لقاح الحصبة من أكثر التدخّلات الصحية فعاليةً من حيث الكلفة؛ إذ يُنسب إليه وحده أكثر من 60% من أصل 154 مليون وفاة جرى تفاديها بفضل التلقيح منذ مطلع القرن، مع عائد اقتصادي يُقدّر بنحو 58 دولاراً مقابل كل دولار يُستثمر فيه. ومع ذلك، يتراجع التمويل العالمي في لحظة تصبح فيها جدوى هذا اللقاح أوضح من أي وقت مضى، في ظل قرارات تحكمها اعتبارات سياسية وجيوسياسية أكثر مما تحكمها مؤشرات عبء المرض.

وضعت منظمة الصحة العالمية هدف القضاء على الحصبة بحلول العام 2030، عبر تحقيق تغطية لقاحية تتجاوز 95% عالمياً، وتعزيز أنظمة الترصّد للإبقاء على عدد الحالات دون حالة واحدة لكل مليون نسمة. غير أن تقارير المنظمة تحذّر من أن الانخفاض المستمر في تمويل برامج التلقيح والترصد يهدّد استدامة هذا المسار. كما تشير إلى أن التخفيضات الأخيرة في دعم الولايات المتحدة للصحة العالمية خلّفت فجوات حادّة في الاستراتيجية، وفي القدرات المخبرية، وفي الاستجابة السريعة للفاشيات.

لا تتوزّع آثار هذه التخفيضات بشكل متكافئ. فالمناطق التي تتحمّل العبء الأكبر من وفيات الحصبة، ولا سيما أفريقيا وإقليم شرق المتوسط، تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي لتنفيذ حملات التلقيح، وصيانة سلاسل تبريد اللقاحات، وتمويل الفحوصات المخبرية وأنظمة الترصد. وعلى الرغم من أن هذه المناطق مسؤولة عن أكثر من نصف الوفيات التي جرى تفاديها منذ العام 2000، فإنها تواجه اليوم مستقبلاً تُهدَّد فيه ركائز التمويل الأساسي بالانقطاع.

في المقابل، تُصان الميزانيات التي تضمن تغطية لقاحية مرتفعة في بلدان الشمال، بينما تُقلّص في الجنوب العالمي، ما يعمّق هرمية صحية تُوزَّع فيها الحماية وفق أولويات سياسية، لا وفق الحاجة الوبائية أو حجم الخطر الفعلي.

سردية «التردّد عن اللقاحات» تُبعد الأنظار عن الأسباب البنيوية

غالباً ما تُفسَّر تفشيات الحصبة في البلدان الغنية على أنها نتيجة «تردّد الأهالي» عن تلقيح أطفالهم. ويلاحظ تقرير منظمة الصحة العالمية بالفعل عودة الفاشيات في سياقات شهدت تراجعاً أو ركوداً في التغطية، إلى جانب وجود جيوب من غير الملقّحين على الرغم من ارتفاع المعدلات الوطنية للتلقيح.

غير أنّ هذا التفسير لا يعكس الصورة العالمية، ولا يشكّل السبب الرئيس لارتفاع عبء الحصبة اليوم. لم يحدث الانخفاض الأوسع في التغطية نتيجة تغيّر المواقف الفردية من اللقاح، بل عندما تعطّلت الأنظمة الصحية في خلال جائحة كوفيد-19. فقد بلغت الحماية من الحصبة ذروتها في العام 2019، قبل أن تهبط في خلال الجائحة إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد، ولا تزال حتى اليوم دون مستويات ما قبل الجائحة. وفي هذا السياق، لا يشكّل الأطفال المنتمون إلى أسر رافضة للقاح الفئة الأكثر عرضة لفقدان الجرعة الأولى، بل الأطفال الذين يعيشون في بيئات منخفضة الدخل أو هشّة، حيث لا تتجاوز التغطية 64%، بالمقارنة مع 94% في البلدان الغنية.

ويؤكّد التقرير أن التفشيات الأخيرة تبرز الحاجة الملحّة إلى أنظمة صحّية قوية وقادرة على ضمان استمرارية التلقيح، وتعزيز الترصّد، وتوفير الفحوصات المخبرية، والاستجابة السريعة للفاشيات. إن اختزال المشكلة في «تردّد» الأهالي يُحوّل الانتباه بعيداً من هذه المتطلبات البنيوية، ويُحمّل العائلات في الجنوب العالمي مسؤولية إخفاقات تعود في جوهرها إلى ضعف البنى الصحية، وتقطّع الخدمات، ونقص التمويل العام المستدام.

مسار القضاء على الحصبة يكشف حدود النموذج العالمي الهرمي في الصحة

على الورق، تبدو الحصبة المرضَ المثالي للقضاء عليه: لقاحها عالي الفعالية، وسمات العدوى واضحة، وقد نجحت مناطق واسعة من العالم سابقاً في وقف انتقال الفيروس بالكامل. غير أنّ التجربة العالمية، خارج إقليم الأميركيتين حيث الأداء المؤسسي أقوى، تكشف واقعاً متأرجحاً بين التقدّم والانتكاس. فقد نجحت دول عديدة في احتواء التفشيات، قبل أن يعود فيروس الحصبة للانتشار مجدداً، كما نشهده اليوم في موجات واسعة على الرغم من توافر المعرفة العلمية والتقنيات اللازمة. ويشير هذا التناقض إلى إخفاق سياسي وبنيوي، لا إلى قصور علمي.

ولا يزال النموذج السائد للسيطرة على الحصبة نموذجاً عمودياً وتوجيهياً: تُصاغ الاستراتيجيات في مراكز القرار العالمية في جنيف ونيويورك، ويُموّل تنفيذها من مانحين في الشمال العالمي، ثم تُطبّق في الجنوب عبر حملات مؤقتة تعتمد على موارد مالية وبشرية ولوجستية خارجية. وتُنتج هذه المقاربة، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل والمتأثرة بالنزاعات، مكاسب هشّة سرعان ما تتآكل مع أي أزمة داخلية أو تراجع في التمويل. تُعامَل المجتمعات بوصفها «أهدافاً» للتدخل، لا شركاء في صياغته، بينما تُختزل الحكومات في دور المنفّذ لا الشريك.

وتُظهر مسيرة القضاء على الحصبة، بذلك، حدود البنية الراهنة للنظام الصحي العالمي. فهي قادرة على تحقيق انخفاضات سريعة ومبهرة في معدلات الإصابة على المدى القصير، لكنها عاجزة عن بناء أنظمة صحية متينة ومملوكة محلياً، قادرة على الحفاظ على تغطية لقاحية مرتفعة، والاستجابة للفاشيات بشكل روتيني واستباقي. ويعكس ذلك نموذجاً يستجيب للأزمات بعد وقوعها، بدل أن يستثمر في الوقاية والاستدامة بوصفهما أساس الصحة العامة.