الحملة الجيوسياسية من أجل المعادن الاستراتيجية
عصر الأتربة النادرة

  • مراجعة لكتاب خوان مانويل تشومون بيريز «عصر الأتربة النادرة: الحملة الجيوسياسية من أجل المعادن الاستراتيجية»، الذي يتناول كيف تتحول السيطرة على المعادن الضرورية للتحول الطاقي والتكنولوجي إلى مصدر للنفوذ الاقتصادي والجيوسياسي. ففي ظل احتدام التنافس بين الصين والغرب على سلاسل الإنتاج والمعالجة والتصنيع، يطرح الكتاب إشكالية تتجاوز تأمين الموارد إلى تحديد من يتحكم بقيمتها ومن يتحمل أعباء استخراجها: هل يعيد السباق على معادن المستقبل توزيع القوة والثروة عالمياً، أم يرسّخ علاقات التبعية القائمة بين البلدان المنتجة للمواد الخام والقوى الصناعية؟

تبدو السيارة الكهربائية إعلاناً عن نهاية عصر النفط، ووعداً باقتصاد أقل تلويثاً. لكن صورتها النظيفة تحجب وراءها عمليات استخراج ومعالجة تمتد من مناجم النيكل في إندونيسيا، وأحواض الليثيوم في تشيلي، ومناجم الكوبالت في الكونغو الديمقراطية، إلى مواقع استخراج العناصر الأرضية النادرة في شمال ميانمار. وتختلف استخدامات هذه الموارد؛ فالليثيوم والنيكل والكوبالت تدخل في صناعة أنواع من البطاريات، بينما تُستخدم عناصر أرضية نادرة، مثل النيوديميوم والديسبروسيوم، في المغناطيسات الدائمة لبعض المحركات الكهربائية. وبين المنجم والمنتج النهائي، تتوزّع الأرباح والمعرفة الصناعية والأعباء البيئية على نحو غير متكافئ. ومن هذه المفارقة ينطلق الكاتب لبحث أثر السيطرة على المعادن ومعالجتها في موازين القوة الاقتصادية والعسكرية خلال العقود المقبلة.

لا تكمن المشكلة التي يناقشها الكتاب في الندرة الجيولوجية للعناصر الأرضية النادرة، إذ تتوافر مكامنها في مناطق مختلفة، وإنما في صعوبة استغلال كثير منها اقتصادياً، وتركّز قدرات فصلها ومعالجتها وتصنيعها. وينطلق المؤلف من هاجس أمن الإمدادات الغربي في مواجهة التفوق الصناعي الصيني، فيما تكشف الحالات التي يعرضها في أفريقيا وآسيا وجهاً آخر للمسألة، يتعلق بموقع البلدان المنتجة للمواد الخام في التقسيم الدولي للعمل، ونصيبها من الثروة التي تولدها مواردها. ويستند في عرضه إلى بيانات وتقارير صناعية، فضلاً عن مقابلات وزيارات ميدانية؛ وهي مصادر مفيدة، وإن كانت توقعات السوق وشهادات المسؤولين عن المشروعات تستدعي قراءة حذرة. وتثير هذه التحولات إشكالية تتعلق بمستقبل القوة والتبعية في عصر التحول الأخضر: من سيتحكم في معادن المستقبل وسلاسل إنتاجها؟ وهل سيؤدي التنافس عليها إلى تغيير موازين القوة الدولية أم إلى ترسيخ علاقات تبعية جديدة؟

التحول الأخضر وأمن الإمدادات: المعادن الاستراتيجية بين الطاقة والدفاع

ينبّه الكتاب إلى أن التوسع في استخدام الكهرباء منخفضة الانبعاثات لا ينهي الاعتماد على الموارد الطبيعية، وإنما يغيّر نوع الموارد التي يحتاج إليها الاقتصاد. فتقنيات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والصناعات الرقمية تحتاج إلى معادن تدخل، بحسب التقنية، في صناعة البطاريات والمحركات والمغناطيسات والمكونات الإلكترونية، كما تُستخدم بعض هذه المواد في صناعات الطيران والفضاء والدفاع. ولذلك، لم يعد أمن الإمدادات يقتصر على ضمان تدفق النفط والغاز، بل بات يشمل تأمين المعادن اللازمة لإنتاج التجهيزات والتقنيات الحديثة. غير أن أثر انقطاع إمدادات المعادن يختلف عن أثر انقطاع الوقود؛ إذ يهدد أساساً تصنيع معدات جديدة والتوسع في الإنتاج، وقد يعرقل صيانة المعدات القائمة، بدلاً من تعطيل تشغيلها مباشرة. وتتجاوز اعتراضات المؤلف مخاطر الإمدادات، إذ يشكك أيضاً في واقعية التوسع السريع في الطاقة المتجددة، ويدعو إلى تعزيز دور الطاقة النووية وترشيد استهلاك الطاقة والموارد.

تبرز فجوة أخرى بين سرعة نمو الطلب على المعادن والوقت اللازم لإنتاجها. فخطط التوسع في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة ترفع الطلب على المعادن بوتيرة قد تتجاوز قدرة قطاع التعدين على زيادة إنتاجه. ويورد الكاتب توقعات بتضاعف الطلب على العناصر الأرضية النادرة بحلول عام 2030، وارتفاعه إلى 7 أمثاله قبل عام 2050، مع أن هذه التوقعات ليست حتمية. ويشير أيضاً إلى أن تحويل مكمن معدني إلى منجم منتج قد يستغرق أكثر من 10 سنوات. وينتقد المؤلف ضعف التنسيق بين واضعي السياسات الطاقية والقطاع التعديني، إذ تُحدَّد أهداف طموحة للتحول الأخضر من دون ضمان توافر المواد اللازمة لتنفيذها ضمن المهل المحددة. لكن هذا الاعتراض ينسحب أيضاً على التقنيات النووية المتقدمة التي يقترحها المؤلف، ومنها التقنيات القائمة على الثوريوم، والتي تستدعي التقييم نفسه من حيث النضج التقني وكلفة التوسع وزمن التنفيذ.

تستحوذ الصين على نحو 85% من عمليات فصل أكاسيد هذه العناصر، ونحو 90% من إنتاجها في صورتها المعدنية، فضلاً عن موقعها المتقدم في تصنيع المغناطيسات والمكونات النهائية

لا تتحدد أهمية هذه الموارد بمدى توافرها الجيولوجي فحسب، وإنما بموقعها داخل سلاسل الإنتاج. ففي حالة العناصر الأرضية النادرة، تمر سلسلة الإنتاج، بعد استخراج الخام، بمراحل الفصل الكيميائي والتكرير وإنتاج المعادن والسبائك، وصولاً إلى تصنيع المغناطيسات أو مكونات أخرى، بحسب الاستخدام الصناعي. وتتطلب هذه المراحل استثمارات كبيرة وخبرات تقنية تراكمت على مدى سنوات. فقد تمتلك دولة احتياطيات معدنية مهمة، لكنها تبقى معتمدة على الخارج لتحويلها إلى مواد قابلة للاستخدام الصناعي. ولذلك، تمنح قدرات المعالجة والتصنيع نفوذاً قد يفوق امتلاك الخام نفسه.

وتدخل بعض العناصر الأرضية النادرة والمواد المصنوعة منها في أنظمة التوجيه والرادارات والطائرات والمعدات الدفاعية، إلى جانب استخداماتها المدنية. وقد يؤدي اضطراب الإمدادات إلى عرقلة إنتاج التجهيزات العسكرية وصيانتها، ما يجعل تأمينها جزءاً من الأمن القومي. ويرتبط هذا الاهتمام بالخلفية العسكرية للمؤلف، وتساؤله عن قدرة طائرات سرب البحث والإنقاذ الذي أشرف على صيانته على مواصلة العمل. ويُفرد الكتاب حيزاً واسعاً لهذه الاستخدامات ومخاطر انقطاع الإمدادات، لكنه لا يولي الاهتمام نفسه لأثر نمو الطلب العسكري في توجيه التعدين والسياسات المعدنية. وفي هذا السياق، يشير جونستون ومارين إلى أن احتياجات التسلح تسهم في تحديد المعادن المصنفة استراتيجية وتوجيه سياسات استخراجها، وأن إعطاء الأولوية للاستعداد العسكري قد يأتي على حساب الاعتبارات البيئية ومشاركة المجتمعات المحلية.

الصين ونقاط الاختناق: الهيمنة الصناعية وتسليح الاعتماد

تستمد الصين مكانتها الاستراتيجية في سوق العناصر الأرضية النادرة من جمعها بين الإنتاج المنجمي الواسع والهيمنة على مراحل الفصل والتكرير والتصنيع، وهي مراحل تمنحها نفوذاً يتجاوز امتلاك الخامات. فبحسب الأرقام التي يعرضها الكتاب، تستحوذ الصين على نحو 85% من عمليات فصل أكاسيد هذه العناصر، ونحو 90% من إنتاجها في صورتها المعدنية، فضلاً عن موقعها المتقدم في تصنيع المغناطيسات والمكونات النهائية. ولهذا، قد تنتقل الخامات المستخرجة من مناجم خارج الصين إلى مصانعها، قبل أن تعود إلى الأسواق في صورة مواد قابلة للاستخدام الصناعي. ولا يكفي تنويع مصادر التعدين لتقليص الاعتماد على الصين ما دامت عمليات المعالجة متركزة فيها. كما يتطلب بناء منشآت بديلة رؤوس أموال كبيرة وخبرات تراكمت على مدى سنوات، ما يجعل تقليص الاعتماد على الصين سريعاً أمراً صعباً، حتى بالنسبة إلى الدول الغنية بالخامات.

يربط تشومون بيريز هذا التفوق بالسياسة الصناعية الصينية، وبقرارات غربية أتاحت نقل بعض مراحل الإنتاج إلى الخارج. فقد جمعت بكين بين التدخل الحكومي والدعم المالي وتطوير القدرات التكنولوجية، واستفادت من تراجع بعض أنشطة التعدين والمعالجة في الاقتصادات الغربية، بعدما باتت تكاليفها البيئية والاقتصادية تشكل عبئاً على الشركات الأوروبية والأميركية. وتكشف حالة شركة «ماغنيكوينش» جانباً من هذه القصة؛ إذ وافقت السلطات الأميركية عام 1995 على استحواذ مستثمرين مرتبطين بشركات صينية عليها، قبل أن يُغلق خط إنتاجها الأميركي عام 2001 وينتقل نشاطها التصنيعي إلى الصين.

برز هذا النفوذ بوضوح خلال التصعيد التجاري والتكنولوجي بين بكين وواشنطن. ففي عام 2025، فرضت الصين قيوداً على تصدير 7 عناصر أرضية نادرة متوسطة وثقيلة، من بينها الديسبروسيوم والتربيوم والإيتريوم، إلى جانب أنواع من المغناطيسات عالية الأداء المرتبطة بها. ولا تشكل هذه الإجراءات حظراً شاملاً على الصادرات، وإنما تُخضع المنتجات المشمولة بها لنظام تراخيص يتيح للسلطات الصينية التحكم في وصولها إلى الأسواق الخارجية. ويمكن فهم هذه القيود في ضوء مفهوم «تسليح الاعتماد المتبادل»، إذ تتيح سيطرة الصين على مراحل حيوية من فصل العناصر الأرضية النادرة ومعالجتها وتصنيع مغناطيساتها استخدام نقاط الاختناق في سلاسل الإمداد للضغط على الدول والصناعات المعتمدة عليها، وهو ما برز في المواجهة التجارية مع الولايات المتحدة عام 2025.1

لكن قدرة الصين على تعطيل الإمدادات لا تعني قدرتها على تحويل كل أزمة إلى مكسب سياسي دائم. فهي ترتبط بدورها بشبكات التجارة الدولية، وتستورد جزءاً من المركزات المعدنية التي تعالجها، كما أن تشديد القيود على الصادرات قد يضر بمصالح شركاتها، ويحفز الدول المستوردة على تطوير بدائل. ويكشف الخلاف الصيني الياباني عام 2010 حدود هذا السلاح؛ إذ يوضح تشومون بيريز أن اليابان اتجهت بعد الأزمة إلى تنويع مصادر إمدادها، والاستثمار في إعادة التدوير وتطوير البدائل التقنية. ويشير دانيال دريزنر إلى أن استخدام الصين صادرات العناصر الأرضية النادرة للضغط على اليابان، وإن بدا ناجحاً في حينه، أضعف قدرتها على الإكراه الاقتصادي على المدى الطويل، إذ قد يدفع تكرار هذا الضغط الدول المعتمدة على الصين إلى بناء بدائل تحدّ تدريجياً من فاعليته.2

كيف تسعى واشنطن وأوروبا إلى تقليص الاعتماد على الصين؟

أعادت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي النظر في سياساتهما المعدنية بعدما تكشفت مخاطر الاعتماد المفرط على الصين. ويرصد تشومون بيريز محاولات الغرب استعادة بعض هذه القدرات، عبر تنويع الموردين وإنشاء منشآت جديدة للفصل والتكرير والتصنيع. وتستهدف هذه السياسات تقليص مخاطر الاعتماد على الصين أكثر من قطع العلاقات التجارية معها، إذ إن تنويع مصادر الخام لا يكفي لتأمين الإمدادات من دون تطوير قدرات بديلة لتحويله إلى منتجات قابلة للاستخدام الصناعي.

في الولايات المتحدة، تشكل اعتبارات الدفاع والتكنولوجيا دافعاً أساسياً لهذه الاستجابة. فقد وسعت واشنطن تدخلها في تمويل مشروعات المعادن الحرجة. ويبرز الكتاب دور وزارة الدفاع في تقديم الحوافز والقروض وضمانات التمويل واتفاقات الشراء، والتعاون مع شركة «ليناس» الأسترالية لتطوير قدرات معالجة العناصر الأرضية النادرة الثقيلة في تكساس. ويتناول أيضاً محاولات استكمال سلسلة الإنتاج انطلاقاً من منجم «ماونتن باس» في كاليفورنيا، الذي تديره شركة «إم بي ماتيريالز»، في ظل صعوبة الانتقال من استخراج الخام إلى إنتاج المعادن والمغناطيسات. وتجسد الشراكة التي أبرمتها وزارة الدفاع مع الشركة في تموز/يوليو 2025 اتساع التدخل الحكومي ليشمل الاستثمار المباشر، وضمان حد أدنى للأسعار، وإبرام اتفاقات شراء طويلة الأجل. وبذلك، يتجاوز دور واشنطن تمويل المشروعات إلى التدخل في شروط السوق نفسها. ويبقى نجاح هذه السياسة مرهوناً باستكمال حلقات الإنتاج، وتجنب بقاء الصناعة الجديدة رهينة للدعم الحكومي.

قدرة الصين على تعطيل الإمدادات لا تعني قدرتها على تحويل كل أزمة إلى مكسب سياسي دائم. فهي ترتبط بدورها بشبكات التجارة الدولية، وتستورد جزءاً من المركزات المعدنية التي تعالجها، كما أن تشديد القيود على الصادرات قد يضر بمصالح شركاتها

أما الاتحاد الأوروبي، فيتحرك في ظروف أشد صعوبة، بسبب محدودية قدراته الإنتاجية وتوزع الصلاحيات بين مؤسساته ودوله الأعضاء. ويستعرض تشومون بيريز قانون المواد الخام الحرجة، الذي يستهدف زيادة الاستخراج والمعالجة وإعادة التدوير، وتنويع الموردين وتيسير تنفيذ المشروعات الاستراتيجية. غير أن الأهداف التي يحددها القانون لعام 2030 لا تضمن بذاتها إنشاء القدرات الصناعية المطلوبة، إذ يتوقف تحقيقها على توافر الاستثمارات والتراخيص، وتطوير الخبرات التقنية، والتنسيق بين الدول الأعضاء. وتوضح حالة مصنع «سيلاماي» في إستونيا حدود القدرات الأوروبية القائمة؛ إذ يستورد مركزات معدنية من الولايات المتحدة وروسيا، ويرسل المواد المفصولة إلى مصنع تابع للشركة في تايلاند لتحويلها إلى معادن وسبائك. ولذلك، ترتبط استعادة القدرة الصناعية الأوروبية بتطوير مراحل التصنيع اللاحقة، وليس بتوسيع منشآت الفصل والمعالجة وحدها.

يعزو المؤلف جانباً من تراجع التعدين والمعالجة في الغرب إلى كلفة الالتزام بالمعايير البيئية، والاعتراضات الاجتماعية، وضعف الدعم الحكومي. وعلى الرغم من إقراره بالأضرار البيئية لهذه الأنشطة وتحذيره من نقلها إلى بلدان تضعف فيها الرقابة، فإنه لا يوضح بما يكفي كيفية التمييز بين الإجراءات الإدارية التي يمكن تبسيطها والضوابط الضرورية لحماية السكان والموارد الطبيعية. ويبقى التحدي متمثلاً في إعادة بناء هذه القدرات من دون تخفيف معايير الحماية أو نقل الأعباء البيئية إلى مجتمعات أخرى. وتساعد دراسة ثيا ريوفرانكوس عن استخراج الليثيوم في بلدان الشمال العالمي، على سبيل المقارنة، في فهم هذا التوتر؛ فخطاب أمن الإمدادات والاستدامة لا ينهي النزاع حول آثار التعدين وحقوق المجتمعات المحلية، بما فيها المطالبة بالحصول على موافقتها على المشروعات. 

التنافس على المعادن: أعباء الاستخراج ورهانات النظام الدولي

يتجاوز التنافس على المعادن الاستراتيجية المواجهة الصناعية بين الصين والولايات المتحدة، ليشمل مناطق الاستخراج وما يرافق التوسع في التعدين من أعباء بيئية واجتماعية. ويناقش تشومون بيريز كيف يمكن للتحول الطاقي، على الرغم من أهدافه المناخية، أن يوسع أنشطة التعدين والمعالجة في بلدان تعاني من ضعف الرقابة على استغلال مواردها. فبينما تستفيد الاقتصادات المستوردة من التقنيات منخفضة الانبعاثات، تتحمل مناطق الإنتاج الأضرار الناجمة عن استهلاك المياه واستخدام المواد الكيميائية وتراكم المخلفات. ويشير المؤلف إلى انتقال أنشطة ملوثة خارج الاقتصادات الغربية، بعدما ساهم تفاوت التكاليف والقدرات التنظيمية في إعادة توزيع مراحل الإنتاج. غير أن خطورة هذه الأضرار لا تكفي وحدها للحكم على الحصيلة البيئية للتحول الطاقي، إذ يستدعي ذلك التمييز بين خفض الانبعاثات العالمية والآثار المحلية للتعدين، وتقييم الأضرار والمنافع على امتداد دورة حياة التقنيات المختلفة. وتكشف هذه العملية تفاوتاً بين البلدان التي تتحمل أعباء الاستخراج وتلك التي تحتفظ بالصناعات المتقدمة والحصة الأكبر من القيمة المضافة.

في بعض مناطق التعدين، تتداخل الثروة المعدنية مع النزاعات المسلحة. ويعرض الكتاب حالة ولاية كاشين في شمال ميانمار، حيث ارتبط استخراج العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، ولا سيما الديسبروسيوم والتربيوم، بشبكات تجارية عابرة للحدود وجماعات مسلحة تستفيد من عائدات التعدين، في ظل الطلب الصناعي الصيني وضعف الرقابة المحلية. ويستحضر المؤلف نزاعات شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، المرتبطة بمعادن أخرى منها الكولتان، بوصفها سوابق تحذيرية، فيما يناقش احتمال أن تؤدي المنافسة على رواسب العناصر الأرضية النادرة في بوروندي إلى تفاقم التوترات القائمة. ومع أن هذه الحالات توضح كيف يمكن توظيف الثروة المعدنية في تمويل الصراعات وتغيير مصالح أطرافها، فإن تفسير النزاعات يستدعي مراعاة ظروفها السياسية والتاريخية، وتجنب اختزالها في مفهوم «لعنة الموارد». 

ويعرض تشومون بيريز تجربة مختلفة في أوغندا، حيث يقدم مشروع «ماكوتو» بوصفه نموذجاً لتعدين أكثر مراعاة للبيئة والمجتمعات المحلية. لكنه يقر بأن المشروع سيتطلب نقل بعض السكان من مناطقهم، مع التعويل على التعويض وإعادة التوطين في مقابل المنافع الاقتصادية المنتظرة. غير أن زيارة الموقع ومقابلات مسؤولي المشروع لا تكفي للتحقق من هذه الوعود؛ إذ يتطلب ذلك التأكد من موافقة السكان المتأثرين، وعدالة التعويضات والضمانات البيئية، ومعرفة نصيب أوغندا من أنشطة المعالجة والتصنيع.

وفي فصل «اليوان المعدني»، يتساءل الكاتب عما إذا كانت سيطرة الصين على المعادن الحرجة وصناعاتها ستوسع استخدام اليوان على حساب الدولار، على غرار الدور الذي أداه النفط في ترسيخ العملة الأميركية. ويستشهد في هذا السياق بقبول شركة «بي إتش بي» تسوية بعض مبيعات خام الحديد إلى الصين باليوان. لكن هذه المعاملة لا تكفي لإثبات تحول اليوان إلى عملة احتياط دولية. ويقر المؤلف بالقيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال الصينية، وصعوبة منافسة الأسواق المالية الأميركية، ما يضعف القياس بين دور النفط في ترسيخ الدولار والدور المحتمل للمعادن في صعود اليوان. ويعزز هذا التحفظ ما يناقشه الاقتصادي كريستيان دو بواسيو ومارك شوارتز، الرئيس المدير العام لدار السكة الفرنسية، بشأن استمرار هيمنة الدولار على النظام النقدي الدولي وبطء التحولات في موازين القوة بين العملات.3

يقترح الكاتب في الفصل الأخير إبرام معاهدة دولية ملزمة لتنظيم استخراج المعادن النادرة وتوزيعها، في إطار توسيع صلاحيات الأمم المتحدة، إلى جانب إنشاء وكالة دولية للمعادن الحرجة تتولى تنسيق المخزونات الاستراتيجية وتحريرها عند انقطاع الإمدادات. غير أن قبول الدول المسيطرة على حلقات الإنتاج الأساسية بالتنازل عن بعض صلاحياتها لمؤسسة دولية ليس مضموناً. وعلى الرغم من إقرار المؤلف باختلال موازين القوة داخل الأمم المتحدة، فإنه لا يوضح كيف يمكن للوكالة المقترحة تجنب إعادة إنتاج هذا الاختلال، ولا سيما في تمثيل البلدان المنتجة ومشاركتها في اتخاذ القرار. ولا تنحصر مسألة التمثيل بالبلدان المنتجة؛ إذ تؤكد سوزان ناكانواغي ضرورة إشراك المجتمعات المتأثرة في القرارات المتعلقة باستخراج المعادن، ومراعاة احتياجات البلدان الغنية بالموارد في التعاون والتنظيم الدوليين. وتتوقف فاعلية التنظيم على مشاركة البلدان المنتجة والمجتمعات المحلية في صنع القرار وتوزيع المنافع، وليس على ضمان استقرار الإمدادات وحده.

يفضي تحليل تشومون بيريز إلى أن الرهان الجيوسياسي في المعادن الاستراتيجية لا يبدأ من المنجم ولا ينتهي عنده؛ إذ يرتبط النفوذ أيضاً بامتلاك القدرة على فصل الخام ومعالجته وتحويله إلى مكونات تؤثر في موازين القوة الاقتصادية والأمنية. ومن هنا تبرز أهمية الكتاب، إذ ينقل النقاش من سؤال توافر الموارد إلى سؤال السيطرة على سلاسل الإنتاج التي تمنحها قيمتها. غير أن تركيزه على أمن الإمدادات الغربي يثير إشكالية أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى البلدان المنتجة، ولا سيما في الجنوب العالمي: هل يقود السباق الجديد على المعادن إلى تحسين موقعها في الاقتصاد العالمي، أم يقتصر على تغيير الموارد التي تقوم عليها علاقات التبعية؟ ولا يتوقف الجواب على حجم الاحتياطيات المعدنية التي تختزنها أراضي هذه البلدان، وإنما على قدرتها على تحويل تلك الموارد إلى قاعدة صناعية ومعرفية تعزز موقعها التفاوضي.

  • 1

    Cha, Victor D., Ellen Kim, and Andy Lim. China’s Weaponization of Trade: Resistance Through Collective Resilience. New York: Columbia University Press, 2026, p. 127.

  • 2

    Drezner, Daniel W. "Introduction: The Uses and Abuses of Weaponized Interdependence". In The Uses and Abuses of Weaponized Interdependence, edited by Daniel W. Drezner, Henry Farrell, and Abraham L. Newman. Washington, DC: Brookings Institution Press, 2021, p. 4.

  • 3

    de Boissieu, Christian, et Marc Schwartz. La nouvelle guerre des monnaies. Paris: Odile Jacob, 2025, p. 209.

عبد الرفيع زعنون

باحث مشارك في المعهد المغربي لتحليل السياسات، رئيس فريق البحث في القانون العام في مركز اسبارطيل لخدمة القانون وحسن الأداء القضائي بالمغرب.