البنك الدولي يعترف أن النمو الاقتصادي لا يمنح العمّال وقتاً أكبر للراحة
على عكس السردية الشائعة، لا يضمن ارتفاع الانتاجية أن يعمل الناس ساعات أقل، أو أن يتفرّغ الشباب للتعليم ويتمكّن كبار السن من التقاعد. فقد كشفت دراسة حديثة صادرة عن البنك الدولي، شملت 160 بلداً، أن ارتفاع الدخل الوطني لا يقود بالضرورة إلى تقليص ساعات العمل، إذ بقيت ساعات عمل البالغين شبه ثابتة على مدى عقود، على الرغم من النمو الاقتصادي.
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تتعارض مع منطق السياسات التي دفع البنك وصندوق النقد الدوليان إلى اعتمادها في الكثير من البلدان على مدى عقود، بما فيها تقييد الإنفاق الاجتماعي وإضعاف الحماية العمّالية. فقد تعاملت هذه السياسات مع تحسين شروط العمل وتوسيع الحقوق الاجتماعية بوصفها مكاسب يمكن أن تأتي لاحقاً كنتيجة للنمو الاقتصادي، فيما تُظهر الدراسة أن تقليص ساعات العمل وضمان الحق في التعليم والتقاعد يرتبطان أساساً بكيفية توزيع الموارد والحقوق والوقت داخل المجتمع، وهي خيارات قيّدتها السياسات التي روّجت لها المؤسّستان.
لماذا لا نعمل ساعات أقلّ كلّما أصبح الاقتصاد أغنى؟ ينطلق هذا السؤال من نتائج ورقة بحثية صادرة عن البنك الدولي عن ساعات العمل في العالم، تنقض السردية التي روّج لها البنك وصندوق النقد الدوليين في تدخّلاتهما في البلدان على مدى عقود، حين اعتبرا أنّ لا حاجة للدول لإرهاق ميزانياتها العامّة بزيادة الإنفاق على التعليم وأنظمة التقاعد وصون حقوق العمّال، على اعتبار أن زيادة النموّ الاقتصادي ورفع الإنتاجية كفيلان بتحسين مستوى المعيشة، بما يتيح للناس العمل ساعات أقلّ.
لكن النتيجة: «كلّما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 1%، بالكاد تنخفض ساعات عمله نحو 0.04%»
حلّلت الورقة ساعات العمل في 160 بلداً، تضمّ 97% من سكان العالم، وتبيّن أنه على الرغم من النمو الاقتصادي وارتفاع الإنتاجية المحقّقان على مدى عقود، بقيت ساعات عمل البالغين (20-59 عاماً) شبه ثابتة في معظم بلدان العالم.
ما الذي حصل فعلياً؟ لم تنخفض ساعات العمل بل أعيد توزيعها داخل المجتمع، خصوصاً بين الرجال والنساء. بمعنى آخر، يرتبط النمو الاقتصادي بتغيّر من يؤدّي العمل، أكثر ممّا يرتبط بتراجع كبير في الوقت الذي يخصّصه الناس له.
- مع ارتفاع مستوى الدخل، يعمل الرجال ساعات أقلّ، بينما تدخل نساء أكثر إلى سوق العمل، لذلك يبقى مجموع ساعات العمل لكل بالغ شبه ثابت.
- في مقابل كل ارتفاع بنسبة 1% في نصيب الفرد البالغ من الناتج المحلي، تنخفض ساعات عمل الرجال في سوق العمل بنسبة -0.13%، فيما ترتفع ساعات عمل النساء بنسبة +0.34%.
- يحدث تحوّل موازٍ داخل المنازل، إذ تتراجع ساعات العمل المنزلي غير المأجور لدى النساء، وترتفع لدى الرجال. لذلك عند احتساب العمل المنزلي إلى جانب العمل الاقتصادي، يبقى الوقت الإجمالي المخصّص للعمل مستقراً نسبياً.
في حين يعمل الشباب وكبار السن ساعات أقلّ في البلدان الغنية، تضطر هذه الفئات العمرية إلى العمل أكثر في البلدان النامية، من دون أن يكون ارتفاع الدخل العامل الحاسم في توقّفهم عن العمل أو استمرارهم به، وإنما التوسّع في الإنفاق على التعليم وأنظمة التقاعد.
تُفسِّر معدّلات الالتحاق بالتعليم 61% من الاختلافات في ساعات عمل الشباب بين البلدان الغنية والنامية، في مقابل 23% لمستوى الدخل.
كلّما ارتفع معدّل الالتحاق التعليم بنسبة 1% انخفضت ساعات عمل الشباب بنحو 3.9%.
يفسّر الإنفاق العام على التغطية التقاعدية 72% من الاختلافات في ساعات عمل المسنّين (فوق 60 سنة)، في مقابل 42% للدخل.
كلّما زاد الإنفاق العام على التقاعد بنسبة 1% من الناتج المحلي انخفضت ساعات عمل المسنّين بنسبة 7%.
فعلى الرغم من النمو الاقتصادي الذي حقّقته البلدان النامية خلال العقود الأخيرة، إلا أنها لم تشهد انخفاضاً كبيراً في ساعات عمل المسنّين بسبب محدودية أنظمة التقاعد.
إذا كان ارتفاع الدخل لا يضمن تقليص ساعات العمل، فما الذي يرتبط بانخفاضها؟
تجد الدراسة أن ساعات العمل تكون أقصر في البلدان التي توفّر حماية اجتماعية أوسع، وتنظّم وقت العمل بقوانين تحدّد الدوام، والساعات الإضافية، والإجازات المدفوعة.
- كلّما زاد الإنفاق على التحويلات الاجتماعية بنحو 1% من الناتج المحلي، انخفضت ساعات عمل البالغين بنسبة 2% إلى 3%.
وهذا يعني أن زيادة الثروة التي يُنتجها الاقتصاد لا تحدّد وحدها مقدار الوقت الذي يقضيه الناس في العمل، ولا موعد خروجهم من سوق العمل، وإنما سياسات تقليص ساعات العمل وضمان التعليم والتقاعد، وهي خيارات سياسية واجتماعية تحدّد كيف تتوزّع مكاسب النمو والحقوق والوقت داخل المجتمع.
المصدر: البنك الدولي، ورقة بحثية بعنوان «ساعات العمل حول العالم»، أيلول/سبتمبر 2026.