union lebanon

اتحاد عمّالي رخو وهيئات اقتصادية صاحبة سلطة في لبنان
من دون عوز أو سخرة

نقلت قناة «الجديد»، في منتصف تشرين الأول/أكتوبر، عن وزير العمل محمد حيدر أن دراسة أظهرت أن الحد الأدنى العادل للأجور في لبنان يجب أن يبلغ 1,200 دولار شهرياً. لكن الوزير أشار، في الحديث نفسه، إلى عدم توافر الأموال اللازمة لتأمين هذا المبلغ، وإلى أن تحديد الرقم النهائي يعود إلى لجنة المؤشر. في المقابل، أفادت مصادر صحيفة «المدن» بأن الرقم المطروح فعلياً للنقاش أقرب إلى 500 دولار فقط، فيما لا يزال الحد الأدنى القانوني للأجور عند 28 مليون ليرة لبنانية، أي نحو 312 دولاراً وفق سعر الصرف الحالي.

على الرغم من أن حيدر وصف الكلام المنقول عنه بأنه غير دقيق، في تصريح لـ«المدن»، فإنه لم ينفه بصورة قاطعة. وفي جميع الأحوال، تكشف تقديرات كلفة الاحتياجات الأساسية مدى تآكل قيمة الحد الأدنى للأجور. فبحسب بيانات مجموعة العمل المعنية بالمساعدات النقدية في لبنان، بلغت كلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق للبقاء على قيد الحياة نحو 563 دولاراً شهرياً لأسرة من 5 أفراد في تموز/يوليو 2026، فيما لا يتجاوز الحد الأدنى القانوني للأجور 312 دولاراً، أي إنه يغطي نحو 55% فقط من كلفة هذه السلة. وتكتسب تصريحات وزير العمل أهمية إضافية في هذا السياق، إذ يمكن للعمال الاستناد إليها للمطالبة بتصحيح الأجور في ظل الارتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات، بعدما أقرّ عملياً بعدم كفاية الحد الأدنى الحالي، الذي لا يتجاوز ربع المبلغ الذي أشار إليه.

لكن المشكلة تكمن في مدى استعداد الهيئات الاقتصادية لقبول الزيادة أصلاً، وفي الالتباس الذي أثارته تصريحات الوزير بشأن شحّ موارد الدولة، وكأنها المسؤولة عن تمويل أجور العاملين في القطاع الخاص، فيما يُلزم القانون أصحاب العمل بدفعها.

لماذا، إذاً، يتكرّر التلكؤ كلما طُرحت زيادة الحد الأدنى للأجور؟ لم يكن تحديد هذا الحد في لبنان، أقله منذ اتفاق الطائف، مسألة تحسمها الحسابات الاقتصادية وحدها، وإنما نتيجة مفاوضات علنية وسرية بين السلطة والهيئات الاقتصادية والنقابات العمالية. ومنذ عام 2019، بقيت الطبقة العاملة مسحوقة بين سطوة رأس المال والحاجة إلى الحفاظ على العمل، بعيداً من أي معيار يضمن العيش الكريم.

مشهد هزيل

بلغ الحد الأدنى للأجور 675 ألف ليرة لبنانية قبل انهيار عام 2019، أي نحو 450 دولاراً، عندما كان سعر الصرف مثبتاً عند 1,500 ليرة للدولار. والمفارقة أن قيمته بالدولار آنذاك كانت أعلى بكثير من قيمته الحالية. فقد محا الانهيار المالي والنقدي معظمها خلال أشهر قليلة، فيما تأخرت الحكومات في الاستجابة، واقتصرت زياداتها على رفع الحد الأدنى إلى 9 ملايين ليرة في عام 2023، ثم 18 مليوناً في عام 2024، وصولاً إلى 28 مليون ليرة في عام 2025.

سياسة الأجور التي تقتصر على العامل اللبناني النظامي تعيد إنتاج التراتبية في سوق العمل بحسب الجنسية والجنس والوضع القانوني، كما تخدم أصحاب العمل عبر إتاحة كتلة واسعة من العمالة غير المحمية للضغط على أجور الجميع

تبدو الزيادة هائلة عند احتسابها بالليرة اللبنانية، إذ تبلغ آلافاً في المئة، لكن قيمة الحد الأدنى بالدولار لا تزال أدنى بنحو 30% من مستواها في عام 2019. وهذه المقارنة لا تحتسب الارتفاع الحاد في الأسعار خلال السنوات الست الماضية، سواء بفعل التضخم المستورد أو التضخم المدفوع محلياً بجشع التجار. فقد أدى انهيار العملة إلى تراجع هائل في الأجور الحقيقية، من دون أن تتعامل السلطة السياسية معه بجدية، فيما غابت الهيئات العمالية عن الدفع نحو معالجته. فرفع الحد الأدنى أو دفع تعويضات غلاء المعيشة لا يعني بالضرورة تصحيح الأجور فعلياً.

تُظهر دراسة للبنك الدولي صدرت في عام 2024 حجم الكلفة الاجتماعية للأزمة، إذ ارتفع معدل الفقر النقدي في المناطق المشمولة بالمسح من 12% في عام 2012 إلى 44% في عام 2022، وصولاً إلى 70% في عكار. وعند احتساب القدرة على الوصول إلى الكهرباء والرعاية الصحية والتعليم، ترتفع نسبة الفقر المتعدد الأبعاد إلى 73% بين اللبنانيين، وتشمل جميع المقيمين غير اللبنانيين تقريباً. وتشير أحدث تقديرات «الدولية للمعلومات»، التي يُرجّح أن وزير العمل استند إليها، إلى أن كلفة المعيشة الشهرية لأسرة من أربعة أفراد تتراوح بين 890 و1,426 دولاراً، بمتوسط يبلغ نحو 1,200 دولار، وهي مرشّحة للارتفاع مع استمرار أزمة الطاقة العالمية. في المقابل، لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور نحو ربع متوسط هذه الكلفة. وبحسب مسح أجرته منظمة العمل الدولية في أيار/مايو 2026، بلغ متوسط الدخل الشهري للعاملين اللبنانيين الذين استمروا في العمل، ضمن العينة المشمولة بالمسح، نحو 560 دولاراً، بانخفاض نسبته 16.2% عن مستواه قبل الحرب، البالغ 668 دولاراً.

هكذا، تحمّل الذين يعيشون من أجورهم، ويشكّلون الغالبية الساحقة من العمال، عبء الأزمات المتلاحقة بفعل الخيارات السياسية وقوى السوق.

من يحسم لعبة الأرقام؟

من المفترض أن تجري المفاوضات على الحد الأدنى للأجور داخل لجنة المؤشر، برئاسة وزير العمل. وقد ضمّت اجتماعاتها في عام 2025 رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير، ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والمدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ورئيس إدارة الإحصاء المركزي، ورئيس الاتحاد العمالي العام، وممثلاً عن الجامعة اللبنانية. ولا يزال هذا التمثيل قائماً.

ظاهرياً، توحي مشاركة رئيس الاتحاد العمالي العام بأن العمال ممثّلون في المفاوضات. لكن نتائجها تكشف اختلال موازين القوى لمصلحة الهيئات الاقتصادية، في مقابل محدودية قدرة الاتحاد على فرض مطالبه. ففي الجولة التفاوضية التي جرت في نيسان/أبريل 2025، عرضت الهيئات الاقتصادية رفع الحد الأدنى إلى 27 مليون ليرة، أي نحو 300 دولار، فيما طالب الاتحاد العمالي العام بنحو 550 دولاراً. وفي حزيران/يونيو، أقرّ مجلس الوزراء حداً أدنى يبلغ 28 مليون ليرة، أي 312 دولاراً، بزيادة 12 دولاراً فقط على عرض أصحاب العمل. وعلى الرغم من اعتراض النقابات ومطالبتها بمراجعة شاملة لجداول الرواتب، مضت الحكومة في إقرار الزيادة.

لهذا الاختلال جذور أعمق. فقد ارتبط إضعاف النقابات العمالية اللبنانية بتدخل النخبة الأوليغارشية المهيمنة على الدولة في شؤون النقابات، وبالاستقطابات والانقسامات الطائفية التي قوّضت استقلاليتها وقدرتها على تنظيم العمال والدفاع عن مصالحهم. فاتحاد يرتبط بالشبكات السياسية نفسها التي يرتبط بها أصحاب العمل الذين يفترض أن يواجههم، لا يمتلك القدرة الفعلية على تمثيل العمال أو شلّ الاقتصاد. وفي غياب هذه القدرة على الضغط، يتحوّل «الحوار» إلى إجراء شكلي يحدّد فيه رأس المال سقف الزيادة، فيما يقتصر دور المفاوضين باسم العمال على مناقشة هوامشها.

هل تشمل الزيادة جميع العمال؟

حتى لو ارتفع الحد الأدنى للأجور، فلن تشمل الزيادة جميع أفراد القوى العاملة. فبحسب منظمة العمل الدولية وإدارة الإحصاء المركزي، ارتفعت نسبة العمالة غير الرسمية من 54.9% في عامَي 2018 و2019 إلى 62.4% في عام 2022. وعلى الرغم من غياب أرقام أحدث معلنة، فإن الحرب والنزوح عمّقا هذه المشكلة.

حين يصف بعض النقاد هذه الزيادة بأنها «ضريبة مقنّعة» أو ابتزاز لأصحاب العمل تعويضاً عن مشكلات سابقة، فإنهم يتنصّلون من دفع الكلفة الاجتماعية المترتبة على الأجر، أو ما يُعرف بالأجر الاجتماعي

غالباً ما ينصرف النقاش حول الحد الأدنى للأجور إلى الأجراء المتفرغين لدى أصحاب العمل، فيما تبقى شرائح واسعة من العاملين خارج الحماية التي يوفرها قانون العمل. ويشمل ذلك خصوصاً العمال الوافدين في المنازل والحقول وورش البناء، الذين لا يتمتعون بالحماية نفسها المتعلقة بالحد الأدنى للأجور وساعات العمل والإجازة الأسبوعية، فيما ترتبط إقامتهم القانونية مباشرة بأصحاب العمل.

إن سياسة الأجور التي تقتصر على العامل اللبناني النظامي تعيد إنتاج التراتبية في سوق العمل بحسب الجنسية والجنس والوضع القانوني. وعلى الرغم مما قد توفّره من حماية للعمالة المحلية، فإنها تخدم أصحاب العمل أيضاً، إذ تتيح لهم الاستفادة من وجود كتلة واسعة من العمالة غير المحمية للضغط على أجور الجميع. لذلك، يتجاوز الصراع على الأرقام تحديد قيمة الحد الأدنى، ليشمل تحديد من يُعدّ «عاملاً»، ومن يستحق الحماية القانونية، سواء في الأجور أو الخدمات المرتبطة بها.

التقاعد يحدّده الحد الأدنى

لا تقتصر أهمية الحد الأدنى للأجور على المبلغ الذي يتقاضاه العامل شهرياً، إذ يرتبط أيضاً بالاشتراكات التي يسدّدها أصحاب العمل للضمان الاجتماعي وبالحقوق التي يحصل عليها الأجراء، ومنها تعويضات نهاية الخدمة والمعاشات التقاعدية. لذلك، فإن زيادة الأجور تطرح التزامات تتجاوز الرواتب المباشرة، وتفسّر جانباً من مقاومة أصحاب العمل لتصحيحها.

تُحدّد الالتزامات القانونية في لبنان، بما فيها اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بالليرة اللبنانية، فيما يدفع معظم أصحاب العمل الرواتب بالدولار، بعد الدولرة الواسعة للاقتصاد منذ أزمة عام 2019. ولهذا، تكتسب قيمة الحد الأدنى للأجور أهمية حتى بالنسبة إلى العمال الذين تفوق رواتبهم هذا الحد. وقد أدّى ذلك إلى تقسيم الأجر إلى شقّين: راتب رسمي متدنٍّ يُصرّح عنه للدولة، ومبلغ نقدي أكبر يُدفع بمعظمه خارج السجلات الرسمية.  وتُحتسب تعويضات نهاية الخدمة على أساس الأجور المصرّح عنها، كما تُحدّد على أساسها الاشتراكات التي تموّل التأمين الصحي والتعويضات العائلية. وعلى الرغم من أن عدم التصريح عن كامل الأجر قد يعود بمنفعة آنية على الأجير، فإنه يعرّض الصندوق للخطر، ويضرّ بحقوق المشتركين والأجراء على المدى الطويل.

عندما أقرّ البرلمان نظاماً جديداً للمعاشات التقاعدية في القطاع الخاص عام 2023، أشارت منظمة العمل الدولية إلى ضرورة تشجيع أصحاب العمل على التصريح عن كامل الأجور للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في ظل امتناع كثيرين عن ذلك على الرغم من وضوح النص القانوني وغياب تحرّك السلطات المعنية. وترتبط ضمانات المعاشات التقاعدية في النظام الجديد بالحد الأدنى للأجور، إذ تبلغ 80% منه بعد 30 عاماً من الاشتراكات.

من هنا، تثير زيادة الحد الأدنى للأجور، أو تصحيح الأجور عموماً، قلق أصحاب العمل، إذ قد ترفع الأجور المصرّح عنها والاشتراكات المترتبة عليها، والتي تموّل الرعاية الصحية للعمال وتؤسس لنظام تقاعدهم. وحين يصف بعض النقاد هذه الزيادة بأنها «ضريبة مقنّعة» أو ابتزاز لأصحاب العمل تعويضاً عن مشكلات سابقة، فإنهم يتنصّلون من دفع الكلفة الاجتماعية المترتبة على الأجر، أو ما يُعرف بالأجر الاجتماعي.

زيادة الأجور مقابل التنازل عن تعويضات نهاية الخدمة؟

في مقابلة ضمن برنامج صباحي على قناة «الجديد»، اعتبر رئيس تجمّع الشركات اللبنانية بسام بواب أن زيادة الأجور المطروحة حالياً غير واقعية، ولن تُقرّ بصيغتها الحالية حتى لو وافقت الهيئات الاقتصادية على التفاوض. وتقوم حجّته على مجموعة اعتبارات تتعلّق بكلفة المعيشة، والإنتاجية، وقدرة المؤسسات على تحمّل الزيادة في ظل الحرب والأزمة الاقتصادية.

يرفض بواب رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1,200 دولار، معتبراً أن الاتحاد العمالي العام يدرك عدم واقعية هذا المطلب، وأن وزير العمل نفسه يوافق على إقرار الزيادة على مراحل. ويشكّك في شمولية دراسة كلفة المعيشة، بحجّة أنها تقتصر على بيروت ولا تعكس تفاوت الأسعار بين المناطق، حيث تكون أسعار «الفواكه وكل شيء تقريباً» أقل بكثير في المدن والأرياف، بحسب قوله.

أما في ما يتعلق بتغطية كلفة المعيشة، فيقترح بواب تقاسمها بين الزوج والزوجة، على أساس مساهمة الطرفين في تأمين احتياجات الأسرة. لكن إذا كان المبلغ اللازم لمعيشة فرد واحد يبلغ نحو 600 دولار، فكيف يمكن لمن يعيش بمفرده تحمّل هذه الكلفة؟ وهو يقرّ، في الوقت نفسه، بصحّة الدراسة من حيث المبدأ لجهة احتساب الحد الأدنى لكلفة المعيشة ومقومات الحياة الأساسية.

يربط بواب دفع أجور أعلى بارتفاع الإنتاجية، ويؤكد أن العمال جزء من كيان المؤسسات الاقتصادية، وإن كان يعتبر أن حصولهم على حقوقهم مسألة منفصلة عن جدوى زيادة الأجور. لكن ارتفاع الإنتاجية لا يضمن تلقائياً زيادة الرواتب، كما أن اعتبار العمال جزءاً من المؤسسة لا يعني بالضرورة حصولهم على ما يستحقونه. فلو كان أصحاب العمل يمنحون الأجراء حقوقهم طوعاً، لما استدعت الحاجة أصلاً إلى حد أدنى للأجور يفرضه القانون. ويرى بواب أن الحل يبدأ بانتهاء الحرب واستقرار الاقتصاد مرحلياً، فيما لا تزال الحرب مفتوحة. لكن على ماذا تعوّل الهيئات الاقتصادية، ولا سيما المؤسسات التي تستورد السلع وتوفّر الخدمات الأساسية وتواصل جني الأرباح في خضم الأزمات والحروب؟

لا تقتصر اعتراضات أصحاب العمل على كلفة زيادة الأجور أو الظروف الاقتصادية، بل تشمل أيضاً تعويضات نهاية الخدمة، إذ تربط الهيئات التفاوض على زيادة الحد الأدنى للأجور بتسوية هذا الملف

في هذا السياق، لا يبدو التهويل بإقفال ما تبقّى من المؤسسات حلاً مناسباً لأصحاب العمل، ما دامت المؤسسات القائمة تواصل العمل وتحقيق الأرباح، وإلا لكانت قد أغلقت أبوابها. أما الأكلاف التشغيلية، فقد اعتاد المستهلك اللبناني تحمّلها عبر الزيادات التي يفرضها أصحاب المؤسسات على أسعار السلع والخدمات. فالمؤسسات تغلق أبوابها حين يغيب المستهلك، وليس لمجرّد اختلال ميزان السوق.

يقوم الاقتصاد اللبناني، في معظمه، على قطاع الخدمات، ولا سيما الاستيراد أكثر من التصدير. لذلك، يُرجّح أن تكون المؤسسات التي استمرّت في العمل قد صمدت بفعل حاجة المستهلكين إلى السلع والخدمات التي توفّرها. وفي هذا السياق، لا يمكن استخدام الحرب ذريعة بالطريقة نفسها لدى المؤسسات الواقعة خارج مناطق النزاع، مثل بيروت المركزية أو الشمال. وهذا لا ينفي انعكاسات الحرب على الجميع، لكنه يميّز بين الإقفال القسري بفعل العدوان، والإقفال الناتج عن الإفلاس أو الأسباب الاقتصادية البحتة.

صحيح أن رفع الحد الأدنى للأجور لا يضمن تطبيقه في جميع المؤسسات، في ظل وجود مؤسسات نظامية وأخرى غير نظامية، لكن مخالفة بعض المؤسسات للقانون لا تعفي أصحاب العمل الآخرين من التزاماتهم تجاه العاملين لديهم أو الذين ينوون توظيفهم. فالقانون ملزم للجميع، بصرف النظر عن قدرة السلطة على إنفاذه.

غير أن اعتراضات أصحاب العمل لا تقتصر على كلفة زيادة الأجور أو الظروف الاقتصادية. فقد أشار بواب أيضاً إلى مسائل عالقة بين الهيئات الاقتصادية والدولة اللبنانية تتعلق بتعويضات نهاية الخدمة، إذ تربط الهيئات التفاوض على زيادة الحد الأدنى للأجور بتسوية هذا الملف. وهكذا، تصبح زيادة الأجور ورقة تفاوضية للحصول على تنازلات في الالتزامات المترتبة على أصحاب العمل تجاه الضمان الاجتماعي، بما قد يمسّ حقوق الأجراء الاجتماعية. ولم يبقَ هذا الربط مقتصراً على تصريحات بواب. فبحسب ما نشرته «الأخبار»، يربط أصحاب العمل قبول زيادة الحد الأدنى للأجور بالتوصّل إلى تسوية بشأن تعويضات نهاية الخدمة لدى الضمان الاجتماعي، تشمل مقترحات لشطب التسويات أو تقسيطها.

زيادة محدودة وثمن اجتماعي أكبر

حتى مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026، لم تتوصّل لجنة المؤشر إلى اتفاق على زيادة الحد الأدنى للأجور، على الرغم من انتهاء المهلة المحدّدة للتفاوض. لكن المواقف بدأت تتقارب حول أرقام تقلّ كثيراً عن كلفة المعيشة المقدّرة. فبحسب ما نقلته «الأخبار»، أبدى الاتحاد العمالي العام استعداداً للتراجع عن مطلب 1,200 دولار إلى مستوى يقارب 475 دولاراً، فيما لم تعلن الهيئات الاقتصادية موافقة رسمية على هذا الرقم، وإن أبدت استعداداً للتفاوض بشأنه. وفي اليوم نفسه، أقرّ رئيس الاتحاد بشارة الأسمر بأن مطلب 1,200 دولار غير قابل للتطبيق في الظروف الاقتصادية الحالية.

لا يعكس هذا التقارب قدرة الاتحاد العمالي العام على فرض مطالبه، وإنما يكشف اختلال موازين القوى في المفاوضات، والسعي إلى تحقيق توازن بين استمرارية العمل وامتصاص الغضب الشعبي. فالحكومة تسعى إلى الظهور بمظهر الحريص على الانتظام الاقتصادي والاجتماعي، كما تُظهر التقديمات التي عملت عليها أخيراً، ومنها بدل النقل. في المقابل، اعتادت الهيئات الاقتصادية اقتناص الفرص للتفاوض من موقع قوة عند كل استحقاق. وفي هذه المعادلة، يبقى الاتحاد العمالي العام الحلقة الأضعف.

لكن على أي رقم سترسو المفاوضات بين الدولة والهيئات الاقتصادية وممثلي العمال؟

إذا انتهت إلى إقرار حد أدنى يبلغ 475 دولاراً، فلن تتجاوز الزيادة نحو 162 دولاراً على الحد الأدنى الحالي. ويبقى الخطر الأكبر في ضعف الحماية القانونية للعمال، وما قد ينجم عنه من موجة تسريح واسعة مقابل زيادة الحد الأدنى لصالح فئة محدّدة من الأجراء.

هكذا، يتجاوز التفاوض تحديد قيمة الحد الأدنى للأجور إلى الحقوق الاجتماعية المرتبطة به، فيما يعجز الاتحاد العمالي العام عن فرض تصحيح شامل للأجور أو حماية مكتسبات العمال. وفي ظل اختلال موازين القوى لمصلحة أصحاب العمل، تبرز الحاجة إلى تمثيل نقابي فعلي قادر على الدفاع عن حقوق جميع العاملين، وإلى إطار قانوني يضمن تصحيح الأجور وحماية الحقوق الاجتماعية، بما يتيح للعمال عيشاً كريماً من دون عوز أو سخرة.

    داني يونس

    باحث في العلوم الاجتماعية، يركز على علاقات العمل والحركات الاجتماعية وقضايا التعليم.