لماذا يحتاج العالم إلى 26 ساعة للانتقال من سنة إلى أخرى؟
عندما تدقّ الساعة في منتصف الليل في جزيرة كيريباتي في وسط المحيط الهادىء، وتُعلن بداية العام الجديد، ستحتاج الكرة الأرضية، بحسب نظام المناطق الزمنية وخطّ التاريخ الدولي، إلى 26 ساعة لكي ينتهي العام 2025، أي أننا نحتاج إلى ساعتين أكثر من ساعات اليوم الـ24.
هذه الساعات الـ26 ليست ظاهرة فلكية خالصة ولا «حتمية طبيعية» كاملة؛ بل هي نتيجة تزاوجٍ دائم بين جغرافيا الكوكب واختيارات سياسية واقتصادية وتسويات ثقافية بشأن معنى الوقت، ومن يملك حقّ تعريفه.
1. السبب الطبيعي: الأرض تدور والنهار يتدرّج على خطوط الطول
الأرض تدور حول محورها مرة كل 24 ساعة تقريباً، ما يعني أن الشمس «تصل» إلى الظهر ثم الغروب ثم منتصف الليل بشكلٍ متدرّج من شرق خطوط الطول إلى غربها. هذه الحقيقة البسيطة تعني أن «اليوم» لا يبدأ في كل مكان في اللحظة نفسها. لكن الطبيعة وحدها لا تُنتج فارقاً يمتد الى 26 ساعة. فلو قُسّمت الأرض هندسياً إلى 24 منطقة زمنية متساوية (كل 15 درجة طول = ساعة)، لكان الفارق الأقصى بين أول وآخر منطقة هو 24 ساعة.
2. أين تبدأ السنة الجديدة 2026؟ وأين تنتهي سنة 2025؟
تبدأ سنة 2026 أولاً في المناطق الواقعة ضمن المنطقة الزمنية UTC+14، وتعدّ جزيرة كيريتيماتي (Christmas Island)، وهي جزء من أرخبيل كيريباتي، أول مكان على الكرة الأرضية يدخل إلى السنة الجديدة.
تنتهي سنة 2025 في المناطق الواقعة ضمن المنطقة الزمنية UTC−12، وتحديداً جزر بايكر وهاولاند (Baker & Howland Islands)، وهي أراضٍ غير مأهولة تابعة للولايات المتحدة.
أي أن العالم يظل «عالقاً» في سنة 2025 في هذه الجزر بينما تكون بقية الأرض قد دخلت 2026 منذ قرابة يوم كامل.
الفارق الزمني بين المكانين هو 26 ساعة كاملة، من أقصى الشرق (UTC+14) وأقصى الغرب (UTC−12). وهذه الحالة ليست «قانوناً طبيعياً» بل نتيجة قرار بشري بالسماح بوجود مناطق زمنية تتجاوز ±12 ساعة، وخصوصاً بعد التعديلات على خطّ التاريخ الدولي (International Date Line).
3. خطّ التاريخ الدولي: حدٌّ وهمي أكثر منه خطاً جغرافياً
خطّ التاريخ الدولي هو الحدّ الذي يفصل بين يومين مختلفين على جانبيه: إذا عبرته غرباً تزيد يوماً، وإذا عبرته شرقاً تنقص يوماً. وهو يمرّ تقريباً قرب خط طول 180° لكنه يتعرّج كثيراً لكي لا يشطر دولاً وجزراً إلى يومين مختلفين. وهنا يبدأ الجانب السياسي: الخطّ ليس مرسوماً بالمسطرة، بل مفصّلٌ على مقاس الدول والجزر والتجارة والروابط البشرية.
4. السياسة والاقتصاد: حين تُغيّر الدول «مكانها في الزمن»
في منتصف التسعينيات، كانت كيريباتي (دولة جزرية مبعثرة عبر مساحة محيطية شاسعة) تواجه مشكلة عملية: أجزاء من البلاد كانت تقع على يوم مختلف عن أجزاء أخرى بسبب مرور خطّ التاريخ بينها. فقرّرت إعادة تموضع خطّ التاريخ بالنسبة لأراضيها بحيث تصبح جزرها الشرقية ضمن التاريخ نفسه مع العاصمة وبقية البلاد، بهدف توحيد أيام العمل داخل الدولة، وتسهيل الإدارة، والاستفادة من قيمة رمزية/سياحية مرتبطة بكونها أول من يستقبل السنة الجديدة.
وكذلك، تخلت ساموا عن يوم لتصبح أقرب تجارياً من أستراليا ونيوزيلندا. ففي العام 2011، قامت ساموا بقفزة عبر خطّ التاريخ الدول، لكي تتزامن أيام العمل مع شركائها الرئيسيين في آسيا-المحيط الهادئ.
الصين أيضاً بمثابة مثال شهير على قرار سيادي باعتماد منطقة زمنية واحدة (UTC+8)، على الرغم من امتداد البلاد جغرافياً عبر مناطق زمنية «طبيعية» عدة. يُقدَّم هذا عادةً كخيار إداري-سياسي لتوحيد الدولة وتبسيط الحكم والتنسيق.
في الواقع، يعتمد كثير من الدول فروقات نصف ساعة أو 45 دقيقة لأسباب تاريخية/ سيادية/ محلية، ما يجعل خريطة الزمن أكثر تعقيداً من «24 شريحة متساوية».
5. «السنة الجديدة» ليست واحدة أصلاً
حتى سؤال «الانتقال من سنة إلى أخرى» يفترض ضمناً أن العالم كله يعتمد 1 كانون الثاني/يناير كنقطة بداية. عملياً، دول ومجتمعات كثيرة تحتفل برؤوس سنوات أخرى (قمري/شمسي-قمري/هجري/فارسي…)، وبعضها يجعلها عطلة رسمية أساسية. لذلك «السنة الجديدة العالمية» هي بالدرجة الأولى سنة التقويم الغريغوري بوصفه معياراً دولياً في الإدارة والتجارة والإعلام، لا بوصفه تقليداً كونياً واحداً.
الـ26 ساعة التي يستغرقها العالم للانتقال من سنة إلى أخرى ليست بسبب دوران الأرض وحده؛ دوران الأرض يفسّر تدرّج النهار، لكن الـ26 ساعة تأتي من قرارات بشرية بتوسيع نطاق المناطق الزمنية إلى UTC+14 وUTC−12.
خطّ التاريخ الدولي سياسي بقدر ما هو جغرافي: يتعرّج لتجنّب شطر الدول، ويتبدّل حين تملي التجارة والإدارة ذلك.