التغير المناخي فاقم أزمة المياه في تونس لكن السياسات العامة هي التي جعلت المجتمع هشاً أمامها

لا ترتبط أزمة شح المياه في تونس بالتحولات المناخية فحسب، بل تعود أساساً إلى السياسات العامة والخيارات الاقتصادية المتبعة، التي جعلت المياه تُوزّع بشكل لا متساوي وفق الطبقة الاجتماعية والمنطقة والقطاع الاقتصادي، وتتفاقم آثارها مع اشتداد التغير المناخي.

على الرغم من ربط غالبية السكان بشبكات المياه، بقي الوصول الفعلي للمياه غير مضمون، خصوصاً في الأرياف والمناطق الداخلية، حيث تعيش مناطق كاملة انقطاعات متواصلة للمياه، أحياناً تمتدّ لأشهر. 

بين 2019 و2023:

1

من يدفع ثمن العطش؟

بسبب تراجع الموارد المائية خلال السنوات الأخيرة، فرضت الدولة تقشّفاً مائياً على السكان. 

  • قطع مياه الشرب ليلاً
  • منع الريّ في الأراضي الزراعية التي يستخدمها صغار الفلاحين
  • تقييد الزراعات المستهلكة للمياه

غير أن هذا التقشّف المائي لم يفرض على الجميع، إذ استمرت قطاعات واسعة باستهلاك المياه بشكل كبير. 

  • السياحة
    يستهلك السرير الفندقي الواحد حوالي 500 ليتر يومياً، وهو ما يعادل 5 أضعاف استهلاك المواطن العادي.
     
  • الصناعات الغذائية والنسيج
    تستهلك الكثير من المياه وهي مخصّصة بالأساس للتصدير. 
     
  • شركات الفوسفاط 
    تستنزف المياه الجوفية التي زاد استغلالها بنسبة 7% بين عامي 2019 و2023. 
     
  • شركات المياه المعلّبة 
    تستثمر في تراجع الإنفاق العام على البنية التحتية المائية، ما يجعل الأسرة التونسية تنفق 15% من دخلها لشراء المياه. 

كيف صُنعت الأزمة؟

منذ سبعينيات القرن الماضي، أُعيد تنظيم الاقتصاد التونسي لخدمة التصدير والاستثمارات الأجنبية.

وجّهت المياه نحو:

  • الزراعات التصديرية المستهلكة للمياه 
    وزعت الأراضي الفلاحية على المستثمرين المحليين والأجانب، مع توفير الموارد المائية اللازمة لإنتاج محاصيل مستهلكة للمياه ومعدّة للتصدير. 
    في المقابل، تُركت الأرياف ببنى تحتية مهترئة واستثمارات متراجعة، ما دفع الفلاحين الصغار لترك أراضيهم والنزوح نحو المدن للعمل في الخدمات والسياحة. 
  • السياحة الساحلية
    استخدمت كآلية لجذب الاستثمارات الأجنبية بوصفها الحل لمشاكل التنمية والبطالة المحلية. 

تحوّل القطاع الفلاحي من قطاع يُنتج لتلبية الاحتياجات الداخلية، إلى قطاع مكلّف بإنتاج ما تطلبه أسواق الدول الغنية، مقابل بضعة ملايين من الدولارات لا تكفي لاستيراد الحاجات المحلية من الحبوب والغذاء والزيوت النباتية والأدوية.

حتى «الانتقال الأخضر» قد يعمّق أزمة المياه

على الرغم من شحّ المياه، تتجه تونس إلى مشاريع «الهيدروجين الأخضر» المخصّصة للتصدير نحو أوروبا.

ستحتاج هذه المشاريع إلى تحلية مئات ملايين الأمتار المكعبة من مياه البحر واستهلاك ضخم للطاقة والمياه، فيما ستنتج كميات هائلة من المياه شديدة الملوحة. وبدل إعادة بناء سياسة مائية عادلة، يجري استنزاف الموارد لخدمة أسواق الخارج.

السؤال اليوم ليس: هل توجد مياه؟ بل: لمن تُخصَّص المياه أصلاً؟

المصدر: الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنمية، تقرير «الحق في المياه والتغيّر المناخي في تونس»، أيار/مايو 2025.

    ڤيڤيان عقيقي

    مديرة التحرير التنفيذية لـ«صفر».