العمالة الجامحة التاريخ الاجتماعي للنفط في بحر العرب

التاريخ الاجتماعي للنفط في بحر العرب
العمالة الجامحة

  • مراجعة لكتاب آندريا رايت «العمالة الجامحة»، الذي تُظهر فيه أن تراجع القوة العمالية في قطاع النفط في الخليج العربي لم يكن نتيجة «مادية النفط» وحدها، بل ثمرة سياسات متعمدة: تفتيت العمال على أسس عرقية وقومية، قوانين عمل قمعية، وتسييس المواطنة للتمييز بين «المواطن» و«الوافد». فالديمقراطية لم تُقوَّض بالنفط وحده، بل بالسياسة التي أعادت تشكيل العمل، المواطنة، والتضامن الطبقي.

يذهب تيموثي ميتشل في كتابه «ديمقراطية الكربون: السلطة السياسية في عصر النفط» إلى أن الخصائص المادية المتباينة للفحم والنفط أسهمت في رسم مسارات متناقضة لتطوّر الديمقراطية الحديثة. فبينما شكّل الفحم بنية تقنية مكّنت الجماهير من بناء قوة سياسية فعّالة، عملت تدفقات النفط على تقويض هذه القدرة.

فالفحم، بحكم طبيعته الصلبة والثقيلة، فرض إنشاء شبكات نقل معقّدة أدّت إلى تركيز كميات هائلة من الطاقة في نقاط مرور ضيقة ومحددة، مثل المناجم تحت الأرض، وعُقد السكك الحديدية، والموانئ. وقد جعل هذا النظام التقني المجتمعات الصناعية شديدة الهشاشة أمام الفاعلية التنظيمية لعمال المناجم والنقل، الذين أدركوا أن بإمكانهم ممارسة التعطيل - من خلال إبطاء أو قطع تدفق الطاقة - عند نقاط الاختناق هذه. وبفضل هذه القدرة الاستراتيجية على التخريب، استطاعت الحركات العمالية المنظمة إجبار الحكومات على الاستجابة لمطالبها، ما أفضى إلى تحقيق مكاسب ديمقراطية تاريخية، من قبيل حق الاقتراع العام، والتأمين ضد البطالة والحوادث، ومعاشات التقاعد. وهي حقوق لم تكن لتتحقق بمجرد الوعي السياسي أو الخطاب الإصلاحي، بل عبر السيطرة المادية المباشرة على قنوات الطاقة.

في المقابل، يتدفق النفط كسائل من باطن الأرض مدفوعاً بالضغط الطبيعي، ما يقلّص الحاجة إلى العمالة البشرية في عملية الاستخراج مقارنة بالفحم. كما تتيح سيولته ووزنه الأخف إنشاء شبكات أنابيب صُممت تاريخياً لتجاوز قدرة البشر على تعطيل تدفق الطاقة، فضلاً عن إمكانية شحنه عبر المحيطات بواسطة ناقلات عملاقة تعمل خارج نطاق قوانين العمل الوطنية. وقد أدى ذلك إلى تجريد العمال من قدرتهم الاستراتيجية على التعطيل. وإلى جانب ذلك، أسهمت وفرة النفط وسهولة تدفقه في تحويل نظام الطاقة إلى أداة لإدارة السكان، عبر أنماط الرفاه المعتمدة على الريع النفطي، بما يسمح بتجاوز المطالب الشعبية وإضعاف إمكانات التعبئة السياسية الفعّالة.

على الرغم من وجاهة هذا الطرح، فإن ميتشل، باعتماده مقاربة تقنية شبه خالصة، يميل إلى إغفال الأبعاد السياسية–التاريخية التي رافقت نشوء صناعة النفط في الشرق الأوسط. ويشمل هذا الإغفال، على نحو خاص، سياسات تجزئة القوى العاملة على أسس عرقية وقومية، وفرض قوانين عمل قاسية، وهي سياسات لا يمكن اعتبارها نتائج حتمية لمادية النفط ذاتها، بقدر ما كانت أدوات سلطة جرى توظيفها لتحقيق أنماط السيطرة التي يصفها ميتشل بوصفها متأصلة في نظام الطاقة النفطي.

أدى هذا التداخل بين مفهومي المواطنة والعرق إلى إضفاء طابع الثبات والقدرية على الفوارق بين مجموعات العمال، ما جعل تجاوزها وبناء تضامن عابر لها أمراً بالغ الصعوبة.

هذا البعد المُسيَّس، الغائب نسبياً عن أطروحة ميتشل، تسعى أستاذة الأنثروبولوجيا أندريا رايت إلى استعادته في كتابها «العمالة الجامحة: تاريخ النفط في بحر العرب»، عبر مساءلة التحول التاريخي للطبقة العاملة في قطاع النفط في فضاء بحر العرب: من حالة من الجموح السياسي والتمرد والمطالبة بحقوق اقتصادية وسياسية واسعة، إلى وضع منزوع التسييس تحكمه هياكل قانونية وعرقية صارمة. وتنجز رايت ذلك من خلال تتبع تشكّل الحركة النقابية والعمالية منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى سبعينياته.

وتبني رايت أطروحتها على أربع فرضيات أساسية. الأولى، أن التضامنات العمالية المبكرة في صناعة النفط كانت، على نحو لافت، متعدّدة الأعراق وعابرة للحدود، إذ وحّدت عمالاً من جنسيات وخلفيات إثنية مختلفة حول مظالم طبقية مشتركة. والثانية، أن هذه التضامنات الواسعة جرى تفكيكها بصورة منهجية عبر إعادة تنظيم القوى العاملة على أسس وطنية، من خلال استراتيجيات إدارية مؤسسية متعمدة، وتسخير السياسات القومية والأطر القانونية للمواطنة. أما الفرضية الثالثة فتتعلق بكيفية توظيف عمليات تأميم النفط نفسها كأداة لقمع حقوق العمال وعسكرة الاستجابة للإضرابات. في حين تركز الفرضية الرابعة على مفهوم المواطنة ودوره الحاسم في قلب هذا التحول، حيث أضحت الحقوق—أو الحرمان منها—مرتبطة مباشرة بجواز السفر الذي يحمله العامل.

جغرافياً وتاريخياً، يتمحور البحث حول فضاء بحر العرب بوصفه مجالاً شهد، على مدى قرون، حركات كثيفة من التبادل التجاري والهجرة، قبل أن يتحول، منذ مطلع القرن العشرين، إلى ساحة تنافس بين القوى الإمبريالية والشركات العابرة للحدود. أما منهجياً، فتزاوج رايت بين العمل الميداني الإثنوغرافي والبحث الأرشيفي متعدد اللغات، من خلال قراءة نقدية لأرشيفات السلطات الاستعمارية والشركات النفطية.

من التضامن إلى التفتيت

في عام 1929، تأسست شركة نفط البحرين (بابكو)، لتصبح أول شركة تكتشف حقل نفط في الخليج العربي خارج إيران. وتعود جذور هذا التأسيس إلى عام 1925، حين منح شيخ البحرين، عيسى بن علي آل خليفة، امتيازاً نفطياً لجيولوجي وصيّاد الامتيازات البريطاني، فرانك هولمز، الذي أعاد بيعه لاحقاً إلى شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال). وقد رافقت هذه العملية تجاذبات دبلوماسية حادة، سعت خلالها الحكومة البريطانية إلى توظيف نفوذها السياسي لمنع الهيمنة الأميركية الكاملة على الامتياز، واشترطت أن تكون الشركة المشغّلة مسجّلة بموجب القوانين البريطانية. واستجابة لهذه الضغوط، جرى تأسيس «بابكو» في كندا، مع فرض مجموعة من الشروط، من بينها تعيين مديرين وموظفين بريطانيين، وتفضيل العمالة البحرينية، والإبقاء على مكتب اتصال في بريطانيا.

ضمن هذا السياق التأسيسي المشحون بالتنافس الإمبريالي، برزت الموجة الكبرى الأولى من التنظيم العمالي في قطاع النفط. وقد شكّل إضراب عمال حقل عوالي التابع لـ«بابكو» عام 1938 أول تعبير بارز عن هذه الموجة. فقد واجه العمال القادمون من مناطق وخلفيات متعددة ظروفاً معيشية بالغة القسوة، إذ أُسكنوا في ثكنات خشبية بدائية أشبه بالصناديق، في ظل ارتفاع حاد في أسعار التموين، إلى جانب نظام أجور تمييزي. وعلى الرغم من حداثة التجربة التنظيمية، نجحت الحركة العمالية الناشئة في بناء تحالف واسع ضم عمالاً بحرينيين وعرباً آخرين وهنوداً، الذين شكّلوا آنذاك نحو 13% من القوة العاملة في الشركة. وكان المطلب المركزي لهذا التحالف هو تحقيق المساواة في الأجر مقابل العمل المتساوي.

اضطلعت الشركات بدور محوري في تفكيك الحركة العمالية، عبر تبنّي استراتيجيات إدارية قائمة على عرقنة الجنسية وتنظيم القوى العاملة على أسس تمييزية

أسّست هذه التجربة المبكرة لنمط من النضالات العمالية العابرة للقومية داخل القطاع النفطي. وفي خلال ثلاثينيات وأوائل أربعينيات القرن العشرين، شهدت المنطقة أشكالاً مماثلة من التضامن العابر للأعراق، تجلّت في سلسلة من الإضرابات الكبرى. ففي عام 1946، على سبيل المثال، شهدت شركة النفط الأنغلو-إيرانية (AIOC) في أحد حقولها في عبادان واحداً من أضخم الإضرابات في تاريخ الشرق الأوسط. وتُبيّن رايت أن الدافع الرئيسي لانخراط العمال - بمن فيهم العمال الهنود - في هذا الإضراب لم يكن الأيديولوجيا السياسية لحزب «توده» الماركسي، الذي قاد الحركة تنظيمياً، بقدر ما كان نابعاً من الظروف المعيشية القاسية المشتركة. إذ وصفت التقارير البريطانية آنذاك مساكن العمال بأنها «أماكن قذرة مشبعة بالبول»، تفتقر إلى الماء والكهرباء، وكان ينام فيها ما يصل إلى 10 أشخاص في غرفة واحدة رطبة. وقد أسهم هذا التقارب المكاني، وهذه المعاناة اليومية المشتركة، في إنتاج وعي تضامني عابر للانقسامات القومية والإثنية، شكّل الأساس المادي الأول للحركة العمالية النفطية في المنطقة.

لكن عقب الحرب العالمية الثانية، بدت الشركات النفطية والحكومات أكثر وعياً بالمخاطر التي تمثلها الحركة العمالية الصاعدة. فقد غيّرت الحرب وما تلاها المشهدين الجيوسياسي والاقتصادي على نحو جذري، إذ اكتسب النفط قيمة استراتيجية قصوى، مع ارتفاع حصته من استهلاك الطاقة العالمي بفعل موجة إعادة الإعمار. ومع التوسع السريع في الإنتاج النفطي في المنطقة، اتسعت القوة العاملة واتسعت معها أشكال النضال العمالي. وقد تميّزت الفترة الممتدة من أربعينيات القرن العشرين حتى منتصف الخمسينيات بإضرابات متكررة وذات أثر بالغ في الكويت والسعودية والبحرين، وكذلك في مصفاة عبادان الضخمة في إيران.

في مواجهة هذه الموجة، تبلورت استجابة من «ثالوث» سلطوي مترابط—شركات النفط، والإدارة البريطانية، والحكّام المحليين—بات ينظر إلى الإضرابات العمالية بوصفها تهديداً وجودياً للاستقرار الاقتصادي والمصالح الاستراتيجية. وقد اضطلعت الشركات بدور محوري في تفكيك الحركة العمالية، عبر تبنّي استراتيجيات إدارية قائمة على عرقنة الجنسية وتنظيم القوى العاملة على أسس تمييزية. ففي أواخر الأربعينيات، استورد المديرون الأميركيون في «أرامكو» ونظراؤهم البريطانيون في «بابكو» سياسات الفصل العنصري المعروفة بـ«جيم كرو» من الولايات المتحدة، وجرى تطبيقها في إدارة وتدريب العمال في السعودية والبحرين.

تجلّت هذه السياسات، أولاً، في الفصل المكاني الصارم، إذ جرى توزيع العمال على معسكرات سكنية وفق جنسياتهم، بما حال دون التفاعل الاجتماعي اليومي وأعاق نشوء تحالفات عمالية عابرة للانتماءات القومية. كما جرى ربط التدرج الوظيفي بالجنسية، عبر حصر المناصب الإدارية والرقابية بالأميركيين والأوروبيين، وإسناد الوظائف المكتبية والحرفية إلى العمال الهنود، بينما أُبقي العمال العرب المحليون في أدنى السلّم المهني، في الأعمال اليدوية الأكثر مشقة. وإلى جانب ذلك، جرى تكريس التفاوت عبر نظام الامتيازات الترفيهية، حيث اقتصرت المرافق—من ملاعب وسينما ومكتبات—على الأوروبيين والأميركيين، في حين مُنحت الجنسيات الأخرى امتيازات متفاوتة ومجزأة، مثل حصص كحول أكبر للهنود أو أوقات أطول لاستخدام ملاعب الكريكيت للباكستانيين، في محاولة متعمدة لإذكاء التنافس والانقسام البيني، بدلاً من توجيه السخط نحو الشركة ذاتها.

المواطن والوافد

شكّل استقلال الهند وباكستان عام 1947 نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ العمل النفطي في المنطقة. فبدلاً من توجيه مطالبهم إلى الشركات أو إلى الحكومات المحلية، بدأ العمال الهنود باللجوء إلى الحكومة الهندية بوصفهم مواطنين في دولة مستقلة، طلباً لحماية حقوقهم. ووفقاً لتحليل أندريا رايت، أسهم هذا التحول في نقل الفعل السياسي من حقول النفط ذاتها إلى قنوات الدبلوماسية بين الدول، ما أفقد الحركة العمالية إحدى أهم أوراق قوتها المباشرة.

في المقابل، شرعت الحكومات المحلية في الخليج في مطالبة شركات النفط بحماية «حقوق المواطنين»، وهو ما مهّد لظهور أطر قانونية جديدة للعمل تُميّز بوضوح بين «المواطن» و«الوافد». وضمن هذا السياق، شجّعت الحكومات الشركات على الاعتماد المتزايد على العمالة المؤقتة عبر نظام المقاولين، باعتبارها قوة عاملة لا تمتلك حقوقاً قانونية تمكّنها من ممارسة الضغط الجماعي على الشركات. وقد أنتج هذا النمط وضعاً وظيفياً هشاً، قلّص استعداد العمال المهاجرين للمشاركة في الإضرابات، خوفاً من الترحيل.

وتكشف رايت، بالاستناد إلى مصادر أرشيفية، عن استراتيجية لافتة انتهجتها شركات النفط في تلك المرحلة، تمثلت في تفضيل توظيف عمال عديمي الجنسية أو قادمين من دول ذات نفوذ دبلوماسي ضعيف وفائض كبير في اليد العاملة، مثل الفلسطينيين بعد عام 1948، أو الإيطاليين الإريتريين. ويعكس هذا التفضيل سعي الشركات إلى بناء قوة عاملة يسهل التحكم بها وتفتقر إلى أي غطاء سياسي فعّال. ويتضح ذلك في حادثة إضراب عمال هنود عن الطعام في أحد مشاريع شركة «بريتش بتروليوم» في عدن، جنوب اليمن، في أوائل الخمسينيات، وهو ما دفع الحكومة الهندية إلى تعليق الهجرة العمالية إلى المشروع مؤقتاً. وقد مثّل هذا التدخل درساً لشركات النفط حول «المخاطر السياسية» المرتبطة بتوظيف عمال يحملون جنسية دولة ذات وزن دبلوماسي.

أسهمت وفرة النفط وسهولة تدفقه في تحويل نظام الطاقة إلى أداة لإدارة السكان، عبر أنماط الرفاه المعتمدة على الريع النفطي، بما يسمح بتجاوز المطالب الشعبية وإضعاف إمكانات التعبئة السياسية

وترى رايت أن نظام الكفالة، الذي سيتكرّس لاحقاً ويتوسّع ليشمل مختلف القطاعات، يجد جذوره في هذه الهندسة الإمبريالية للقوة العاملة في قطاع النفط خلال خمسينيات القرن العشرين. فقد كان الهدف الأساسي من هذه الهندسة الإمبريالية إنشاء قوة عاملة مهاجرة هشّة، معزولة سياسياً، ومجرّدة من أي ظهير. وأسهم التوظيف عبر وكالات العمل في تعميق هذا الوضع، ليكون الناتج النهائي إفراغ حقول النفط من السياسة، بالتوازي مع نقل العمالة المحلية «المتمردة» تدريجياً بعيداً عن الأعمال اليدوية، سواء عبر الاستيعاب في الوظائف الحكومية وشبكات الرعاية، أو عبر استبدالها بعمالة مهاجرة محرومة من الحماية القانونية وقابلة للضبط.

في الوقت نفسه، كان المشهد السياسي في المنطقة يشهد تحولات عميقة مع صعود الحركات القومية المناهضة للاستعمار، ولا سيما عقب تأميم النفط في إيران عام 1951. ففي البحرين، شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1954 و1956 موجة اضطرابات واسعة أفضت إلى تشكّل «هيئة الاتحاد الوطني» بوصفها إطاراً سياسياً جامعاً، سعى إلى حشد الطبقة العاملة ضمن برنامج يدمج بين النضال النقابي والعمل الوطني من منظور قومي عربي. وقد استهدفت هذه الحركة تأجيج المشاعر المعادية للهيمنة البريطانية، وتعزيز التضامن مع القضايا القومية الكبرى، وعلى رأسها فلسطين وتأميم قناة السويس في مصر. وتمكّنت «هيئة الاتحاد الوطني»، إلى حدّ بعيد، من تجسير الانقسامات الطائفية والطبقية داخل المجتمع البحريني.

غير أن هذا المدّ الشعبي والعمالي قوبل بردّ حاسم وعنيف من قبل السلطة وشركات النفط. فقد رفضت إدارة شركة «بابكو» مطالب العمال، مستندة إلى خطاب أبوي يبرز «المزايا» التي توفرها الشركة - كالتعليم المجاني والرعاية الصحية - في محاولة لنزع الطابع السياسي عن المطالب العمالية. وبلغت المواجهة ذروتها في تشرين الثاني/نوفمبر 1956، عقب أزمة السويس، حين دخلت القوات البريطانية المنامة، وحُلّت «هيئة الاتحاد الوطني»، واعتُقل قادتها. شكّل هذا التدخل لحظة مفصلية، كشفت بوضوح الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية الإمبريالية المباشرة لحماية نظام النفط من تهديدات الحركة العمالية والتنظيم السياسي المرتبط بها.

وفي أعقاب هذا القمع، شرعت السلطة في إعادة هندسة المجال العمالي من خلال تشريعات جديدة، تمثلت في قانون العمل لعام 1957، المستوحى إلى حدّ كبير من قانون «تافت–هارتلي» الأميركي المعادي للنقابات. وقد تضمّن هذا القانون قيوداً صارمة، حمّلت النقابات مسؤولية مالية عن الأضرار الناتجة عن الإضرابات، وفرضت فترات تهدئة طويلة، وجرّمت الإضرابات ذات المطالب السياسية.

في هذا السياق، يحتل مفهوم المواطنة موقعاً محورياً في تحليل أندريا رايت لتحوّلات الطبقة العاملة النفطية في فضاء بحر العرب، من تحالفات واسعة عابرة للأعراق والجنسيات إلى أشكال تضامن مجزأة تقوم على الهوية الوطنية. فقد جرى توظيف المواطنة بوصفها أداة مزدوجة: وسيلة للمطالبة بالحقوق من جهة، وآلية لتفتيت الطبقة العاملة من جهة أخرى. ويتجلّى هذا بوضوح في الحالة الهندية بعد الاستقلال، حين استدعى العمال الهنود في حقول النفط هويتهم الوطنية المستقلة للمطالبة بالمعاملة الكريمة ورفض التمييز العنصري، وهو ما عزّز التضامن فيما بينهم على الرغم من اختلاف لغاتهم وخلفياتهم، لكنه في الوقت ذاته عمّق الفوارق بينهم وبين العمال من الجنسيات الأخرى.

وعلى مستوى التشريعات المحلية الجديدة، دفعت الحكومات - بتأثير مباشر من الشركات النفطية - نحو تسييس الهوية الوطنية كأداة لضبط «العمالة غير المنضبطة»، وترسيخ تراتبية عمالية قائمة على العرق والجنسية. وقد أدى هذا التداخل بين مفهومي المواطنة والعرق إلى إضفاء طابع الثبات والقدرية على الفوارق بين مجموعات العمال، ما جعل تجاوزها وبناء تضامن عابر لها أمراً بالغ الصعوبة. وفي كثير من الحالات، طغى الولاء الوطني على المصالح الطبقية المشتركة، وهو ما مهّد الشروط البنيوية لولادة «الدولة الريعية»، التي تبلورت ملامحها بوضوح عقب موجة الاستقلالات في الخليج العربي خلال ستينيات وبدايات سبعينيات القرن العشرين.

    أحمد نظيف

    صحافي وكاتب ومترجم في مجلة منظمة اليونسكو.