كيف تحوّلت مزاعم الحماية العسكرية من التزام سياسي إلى سلعة مرتفعة الثمن؟
ماذا يحدث عندما تتوقف الولايات المتحدة عن تقديم الحماية العسكرية باعتبارها التزاماً سياسياً، وتبدأ بالتعامل معها كسلعة لها ثمن؟ هذا بالضبط ما يكشفه التحوّل الذي يمرّ به حلف شمال الأطلسي اليوم. فمع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد النقاش داخل الحلف يدور حول كيفية الدفاع عن أوروبا، بل حول من سيدفع كلفة هذا الدفاع؟ ومن سيجني ثماره؟
خلف الخلافات بشأن الإنفاق العسكري والتعريفات الجمركية والتشكيك الأميركي المتكرّر بالتزامات الحلف، يتشكل نموذج جديد للأمن الغربي: يُعاد تسعير الأمن وتمويله وتسويقه كقطاع اقتصادي ضخم. ومع اندفاع الدول الأوروبية نحو رفع موازناتها العسكرية وإطلاق برامج إعادة التسلح، تحوّلت مئات مليارات الدولارات من الإنفاق الدفاعي إلى سوق مفتوحة تتنافس عليها الدول والشركات ومجمّعات الصناعات العسكرية.
في هذه السوق الناشئة، تحاول تركيا أن تفرض نفسها لاعباً أساسياً. فبفضل موقعها الجغرافي، وقوتها العسكرية، وصعود صناعاتها الدفاعية، ترى أنقرة في التصدعات الأطلسية فرصة لتعزيز موقعها داخل المنظومة الأمنية الغربية. لكن هذا الصعود لا يحدث في فراغ، بل يتقاطع مع تحولات إقليمية أوسع، أبرزها تنامي الدور الإسرائيلي بعد الحرب على غزة والعدوان على إيران، وما نتج عنه من إعادة تشكيل للتوازنات الأمنية في المنطقة. فكيف تحوّل تراجع المظلة الأميركية إلى سوق أمنية جديدة؟ وأين تقف تركيا وإسرائيل داخل معركة اقتسام هذه السوق؟
1. واشنطن ترفع ثمن الحماية وتفتح سوقاً لا تستطيع احتكارها
لم يكن تهديد دونالد ترامب بعدم الدفاع عن الدول التي «لا تدفع ما يكفي» مجرد تصريح سياسي عابر، بل تعبيراً مكثفاً عن تحول أعمق في طبيعة العلاقة الأطلسية نفسها. فبعد عقود من تقديم الأمن بوصفه جزءاً من قيادة الولايات المتحدة للمعسكر الغربي، بدأت واشنطن تتعامل معه باعتباره خدمة لها كلفة يجب أن يتحملها الحلفاء.
تكشف أرقام الإنفاق العسكري حجم هذا التحول بوضوح. فبعد سنوات من الضغط الأميركي المتواصل، تجاوز متوسط الإنفاق الدفاعي لدول الناتو 2.76% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، فيما تعهدت الدول الأعضاء في قمة لاهاي برفعه إلى 5% بحلول عام 2035. عملياً، لم يعد السؤال داخل الحلف: من يحمي أوروبا؟ بل كم ستدفع أوروبا مقابل حمايتها؟
غير أن رفع فاتورة الحماية لا يعني فقط زيادة الإيرادات السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة، بل يخلق أيضاً سوقاً أمنية ضخمة تتجاوز قدرة واشنطن على احتكارها. فكل زيادة في الإنفاق العسكري الأوروبي تعني طلباً أكبر على الأسلحة والذخائر وأنظمة الدفاع والتكنولوجيا العسكرية، وهي سوق تقدر بمئات المليارات من الدولارات خلال العقد المقبل.
هنا تكمن المفارقة الأساسية. فبينما تدفع الولايات المتحدة حلفاءها إلى إعادة التسلح وتقاسم الكلفة، فإنها تفتح في الوقت نفسه المجال أمام منافسين جدد للدخول إلى السوق التي هيمنت عليها تاريخياً. فحجم الطلب الأوروبي المتسارع يتجاوز الطاقة الإنتاجية الأميركية وحدها، كما أن الحكومات الأوروبية تسعى إلى تنويع مورديها وتقليص اعتمادها المطلق على الولايات المتحدة.
بدأت أوروبا تبحث بصورة متزايدة عن بدائل تمنحها هامشاً أكبر من الاستقلال الاستراتيجي. وقد خصّص الاتحاد الأوروبي ما يعادل 865 مليار دولار لإعادة التسليح بين 150 مليار يورو قروضاً مباشرة لشراء الأسلحة. غير أن إعادة بناء قاعدة دفاعية أوروبية متكاملة تحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات ضخمة وقدرات إنتاجية لا تزال محدودة. وهكذا يتحول الضغط الأميركي نفسه إلى قوة تدفع نحو ظهور موردين وشركاء أمنيين جدد، وتتحول أوروبا من منطقة حماية أميركية شبه محتكرة إلى واحدة من أكبر الأسواق الأمنية المفتوحة في العالم.
إذا كانت أوروبا تملك المال لإعادة التسلح ولا تملك القدرة الإنتاجية الكافية لتلبية هذا الطلب المتسارع، فإن السؤال يصبح: من يملأ هذه الفجوة؟
2. تركيا لا تبيع السلاح فقط.. بل تبيع بديلاً أمنياً
إذا كانت الولايات المتحدة قد فتحت سوقاً أمنية جديدة عبر إعادة تسعير الحماية الأطلسية، تبدو تركيا من أكثر الدول استعداداً للاستفادة من هذا التحول. خلال العقدين الماضيين لم تكتفِ أنقرة ببناء قاعدة صناعية دفاعية متطورة، بل عملت على تحويل هذه الصناعة إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي في آن واحد.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحول. فقد ارتفعت صادرات الصناعات الدفاعية التركية من أقل من مليار دولار سنوياً في بداية العقد الماضي إلى أكثر من 10 مليارات دولار في السنوات الأخيرة، فيما أصبحت المسيّرات التركية وأنظمة الحرب الإلكترونية والمدرعات والصواريخ حاضرة في عشرات الأسواق الممتدة من أوروبا الشرقية إلى إفريقيا وآسيا الوسطى والخليج.
لكن أهمية هذه الصادرات لا تكمن في قيمتها التجارية فقط، بل في طبيعة العلاقة التي تنتجها. ففي اقتصاد الأمن الجديد، لا تعني صفقة السلاح مجرد عملية بيع وشراء، بل إنشاء علاقة طويلة الأمد تشمل التدريب والصيانة والذخائر والتحديثات ونقل التكنولوجيا والتنسيق العملياتي. لذلك فإن كل عقد دفاعي جديد يخلق شبكة اعتماد متبادلة تمنح الدولة المصدّرة نفوذاً يتجاوز قيمة الصفقة نفسها. ومن هذه الزاوية، لا تبيع تركيا المسيّرات فحسب، بل تبني حضوراً دائماً داخل البنى الأمنية للدول المستوردة. فكل طائرة مسيّرة أو نظام دفاعي يُباع يخلق علاقة تقنية ولوجستية وسياسية تمتد لسنوات طويلة، ما يحوّل السلاح من سلعة عسكرية إلى أداة لإنتاج النفوذ.
وتزداد أهمية هذا الدور مع التحولات التي يشهدها السوق الأوروبي. فالقارة التي رفعت إنفاقها العسكري بشكل غير مسبوق تواجه في الوقت نفسه فجوة إنتاجية واضحة. وعلى الرغم من تخصيص الاتحاد الأوروبي مئات المليارات لإعادة التسلح وتطوير القدرات الدفاعية، فإن الصناعات العسكرية الأوروبية لا تزال تعاني من بطء الإنتاج وتشتت سلاسل التوريد وارتفاع الكلفة مقارنة ببعض المنافسين.
هنا تبرز الميزة التركية. فأنقرة تجمع بين عضويتها في حلف الناتو، وامتلاكها قاعدة صناعية عسكرية واسعة، وقدرتها على الإنتاج منخفض الكلفة نسبياً مقارنة بالشركات الغربية الكبرى. كما أنها تمتلك خبرة تشغيلية واسعة اكتسبتها من انخراطها العسكري المباشر في سوريا وليبيا والعراق وجنوب القوقاز، وهو ما يمنح منتجاتها الدفاعية ميزة تسويقية إضافية في سوق أصبحت تفضّل الأنظمة المجربة ميدانياً على المشاريع الباهظة طويلة التطوير.
لكن صعود تركيا لا يقتصر على البعد الاقتصادي. فكلما ازدادت حاجة أوروبا إلى موردين وشركاء أمنيين جدد، ارتفعت القيمة الاستراتيجية لأنقرة داخل المنظومة الأطلسية. فتركيا لا تعرض على أوروبا أسلحة فقط، بل تعرض أيضاً جيشاً كبيراً، وقدرات تصنيع متنامية، وموقعاً جغرافياً يربط بين البحر الأسود والشرق الأوسط وشرق المتوسط والقوقاز.
غير أن تركيا ليست اللاعب الوحيد الذي يسعى إلى استثمار هذه السوق الجديدة. بالتوازي مع صعودها، تعمل إسرائيل بدورها على تحويل تفوقها العسكري والتكنولوجي إلى نفوذ سياسي واقتصادي يمتد إلى ما هو أبعد من حدودها. وهنا تبدأ المنافسة على من يملك القدرة على إنتاج الأمن وبيعه في الشرق الأوسط.
3. تنافس تركي إسرائيلي على سوق الأمن المفتوحة
إذا كانت أوروبا قد تحولت إلى سوق مفتوحة لموردي الأمن والسلاح، فإن الشرق الأوسط يشهد عملية مشابهة، لكن بشروط أكثر تعقيداً. فمع تراجع الانخراط الأميركي المباشر، لم يظهر فراغ أمني بانتظار من يملؤه، بل نشأت سوق جديدة لإنتاج الأمن وتوزيعه، تتنافس فيها القوى الإقليمية على بناء التحالفات وتصدير التكنولوجيا العسكرية وتقديم نفسها بوصفها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه.
في هذا السياق، لا يبدو التنافس بين تركيا وإسرائيل مجرد خلاف بين قوتين إقليميتين، بل صراع بين نموذجين مختلفين لإنتاج النفوذ. تسعى تركيا إلى تحويل موقعها الجغرافي وصناعاتها الدفاعية وشبكاتها السياسية إلى أدوات لبناء حضور أمني يمتد من شرق المتوسط إلى أفريقيا وآسيا الوسطى. أما إسرائيل فتعتمد على تفوقها العسكري والتكنولوجي وشبكة علاقاتها الإقليمية المتنامية لتكريس نفسها باعتبارها المزود الأكثر موثوقية للأمن والتكنولوجيا العسكرية في المنطقة.
ولا يستند هذا التفوق إلى القوة العسكرية وحدها، بل إلى صناعة أمنية أصبحت أحد أهم مصادر النفوذ الإسرائيلي عالمياً. فقد بلغت صادرات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية أكثر من 14.7 مليار دولار عام 2024، بينما استحوذت أوروبا وحدها على 54% من هذه الصادرات. كما شكّلت أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ ما يقارب نصف المبيعات العسكرية الإسرائيلية، في مؤشر إلى أن إسرائيل لا تصدّر أسلحة فحسب، بل تصدّر بنى أمنية متكاملة وعلاقات استراتيجية طويلة الأمد. وبهذا المعنى، لا تتنافس تركيا وإسرائيل على النفوذ الإقليمي فقط، بل على من ينجح في تحويل الحاجة المتزايدة إلى الأمن إلى شبكات اعتماد ونفوذ عابرة للحدود.
ومن هذه الزاوية، لا تتنافس الدولتان على الأراضي أو الحدود بقدر ما تتنافسان على الأسواق والتحالفات وشبكات الاعتماد الأمني. فالمسيّرات التركية وأنظمة التدريب والتسليح التي تصدّرها أنقرة تنتج علاقات نفوذ طويلة الأمد مع الدول المستوردة، تماماً كما تفعل إسرائيل عبر أنظمة المراقبة والاستخبارات والأمن السيبراني والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
وتظهر ملامح هذا التنافس في عدد متزايد من الساحات. ففي أفريقيا وآسيا الوسطى تتوسع تركيا عبر الصناعات الدفاعية والشراكات العسكرية، بينما تحافظ إسرائيل على حضورها من خلال التكنولوجيا الأمنية والاستخباراتية. وفي شرق المتوسط يتقاطع التنافس مع ملفات الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية. أما في سوريا، فتسعى كل منهما إلى منع تشكل ترتيبات أمنية تمنح الطرف الآخر موقعاً متقدماً داخل معادلات الإقليم المستقبلية.
ولا يتعلق الأمر بصدام مباشر بقدر ما يعكس محاولة متبادلة لمنع الطرف الآخر من التحول إلى مركز أمني مهيمن. فتركيا تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية قادرة على إنتاج الأمن وتصديره، بينما تعمل إسرائيل على استثمار تفوقها العسكري والتكنولوجي للحفاظ على موقعها بوصفها الفاعل الأمني الأكثر تأثيراً في المنطقة.
بهذا المعنى، لم يعد السؤال المركزي في الشرق الأوسط من يملك القوة العسكرية الأكبر فحسب، بل من يمتلك القدرة على تحويل هذه القوة إلى شبكات نفوذ وتحالفات وأسواق أمنية مستدامة. وهنا تحديداً يتجسد التنافس التركي الإسرائيلي بوصفه أحد أبرز مظاهر مرحلة جديدة تنتقل فيها المنطقة من الهيمنة الأميركية المباشرة إلى نظام أكثر تعددية، تتنافس فيه القوى الإقليمية على إنتاج الأمن وبيعِه وتحديد قواعده.
في النهاية، لا يكشف تصدّع حلف شمال الأطلسي مجرد أزمة داخلية في التحالف الغربي، بل يكشف تحوّلاً أعمق في طبيعة الأمن نفسه. فمع تراجع استعداد الولايات المتحدة لتحمل كلفة الهيمنة كما فعلت لعقود، لم تعد الحماية التزاماً سياسياً ثابتاً، بل أصبحت سوقاً تُعاد فيها تسعير القوة وتوزيع الأدوار وإعادة رسم شبكات النفوذ.
وإذا كان القرن العشرون قد دار حول من يملك القوة العسكرية، فإن أحد أسئلة القرن الحادي والعشرين بات: من يملك القدرة على تحويل الأمن نفسه إلى سلعة ونفوذ وسوق؟