برامج صندوق النقد الدولي: «أرضيات الإنفاق الاجتماعي» تقلّصت إلى النصف والتقشّف تضاعف 4 مرّات

 

يضغط صندوق النقد الدولي على الحكومات المقترضة منه لخفض العجز وتقليص الإنفاق العام. وفي الوقت نفسه يقدّم نفسه حارساً للإنفاق الاجتماعي، عبر تضمين برامجه مع هذه الحكومات ما يسمّيه «أرضيات الإنفاق الاجتماعي»، وهي الحد الأدنى من الإنفاق على الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم الذي يُفترض أن تخصّصه الحكومات في موازانتها العامّة. لكن برامج الصندوق بين عامي 2012 و2025، التي حلّلتها منظّمة «أوكسفام»، تقول العكس تماماً. فوتيرة التشدّد المالي المطلوبة في هذه البرامج صارت أسرع بنحو 4 أضعاف. و«أرضيات الإنفاق الاجتماعي» تقلّصت من ربع الإنفاق الجاري إلى عُشره تقريباً.

يزعم صندوق النقد الدولي أن برامجه مع الدول المقترضة منه باتت تتضمّن حدوداً دنيا للإنفاق الاجتماعي، أو ما يسمّيه «أرضيات الإنفاق الاجتماعي»، وذلك لتفادي الانتقادات الموجّهة إليه في شأن الآثار التقشّفية القاسية على فئات الدخل الأدنى والمتوسط. 

لكن منظمة «أوكسفام» أجرت أخيراً تحليلاً لبرامجه بين 2012 و2025، وتبيّن أن الحد الأدنى الذي تشترطه للإنفاق الاجتماعي صار مع الوقت أصغر بكثير. فقد انخفض كنسبة من الإنفاق الحكومي الجاري بأكثر من النصف، من 25.1% في فترة 2012-2017 إلى 11% في فترة 2018-2025. 

لا تعكس «أرضيات الإنفاق الاجتماعي» الحاجات الفعلية للإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، بل ما يسمح به التمويل المتاح. وهي شروط إرشادية، لا يؤدي عدم الالتزام بها إلى وقف التمويل، على عكس الشروط التقشفية التي يؤدّي إخلال أي حكومة بها إلى وقف التمويل.

ارتفعت شروط التشدّد المالي المطلوبة في برامج صندوق النقد الدولي، 4 أضعاف: من 0.21 نقطة مئوية من الناتج المحلي سنوياً في فترة 2012–2017 إلى 0.85 نقطة مئوية في فترة 2018-2025، وباتت البرامج تشترط خفضاً أسرع للعجز أو زيادة أسرع للفائض، عبر خفض النفقات وزيادة الإيرادات.

ارتفع عدد البلدان، التي فرض الصندوق عليها تعديل مالي بأكثر من نقطتين مئويتين من الناتج المحلي من 12 من أصل 42 بلداً في فترة 2012-2017 الى 25 من أصل 54 بلداً في فترة 2018-2025. 

لم تزد وتيرة التشدّد المالي فحسب، بل بات هو الاتجاه الغالب في برامج الصندوق. ففي برامج 2012–2017، انتهى نحو 59% من البرامج بهدف مالي أكثر تشدّداً من نقطة البداية. وبعد عام 2018، ارتفعت النسبة إلى نحو 80%. أي إن 4 من كل 5 برامج تقريباً صارت تسير بالموازنة نحو مزيد من التشدّد خلال فترة البرنامج.

يتشدّد صندوق النقد في محاسبة الحكومات على أهداف تخفيض العجز، ولكنه يتساهل حين تخفق الحكومات في بلوغ «أرضيات الإنفاق الاجتماعي». 

والنتيجة: ثلث هذه الأرضيات لم يُنفَّذ، في حين تم الالتزام بـ85% من أهداف ضبط الموازنة.

حتى في البرامج الميسّرة المخصصة أساساً للبلدان منخفضة الدخل، حيث يُفترض أن تحظى الحماية الاجتماعية بوزن أكبر، يظهر الاتجاه نفسه: أرضيات أصغر للإنفاق الاجتماعي في مقابل تشدّد مالي أكبر.

انخفضت «أرضيات الإنفاق الاجتماعي» كنسبة من الإنفاق الجاري في البرامج الخاصة في البلدان منخفضة الدخل من 29.1% في فترة 2012-2017 إلى 14.5%  في فترة 2018-2025. وفي الوقت نفسه، ارتفع مقدار التشدد المالي من 0.58 إلى 1.76 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي.

الخلاصة أن «الأرضيات» ليست أداة لحماية الفئات الأكثر هشاشة من التقشّف، بل غطاء له. فالمعيار ليس وجود شرط اجتماعي في البرنامج، بل حجم الحماية التي يوفّرها فعلياً، بالمقارنة مع حجم الخفض في الإنفاق وزيادة الضرائب الذي تتحمّله هذه الفئات.

المصدر: أوكسفام - تشرين الأول/أكتوبر 2026.

    ڤيڤيان عقيقي

    مديرة التحرير التنفيذية لـ«صفر».