معاينة صناعة الحرب في العام 2024

صناعة الحرب في العام 2024

ارتفع إجمالي إيرادات أكبر شركات الأسلحة والخدمات العسكرية في العالم بنسبة 5.9% في العام 2024، لتبلغ 679 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تسجّله بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) حتى الآن. وقد سجّلت أكثر من ثلاثة أرباع هذه الشركات (77 شركة) نمواً في إيراداتها في خلال العام نفسه، فيما تجاوزت الزيادة لدى 42 شركة 10%، مدفوعةً بطلب حكومي متسارع على منظومات التسليح في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في العالم.

يكشف العام 2024 أن العالم دخل مرحلة تسليح غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة. إذ تواصل الولايات المتحدة ترسيخ هيمنتها عبر شبكة عسكرية كونية، فيما تعيد أوروبا بناء صناعتها الدفاعية تحت ضغط الحرب، وتحوّل إسرائيل الحرب إلى رافعة توسّع. هذه ليست مجرّد أرقام. إنها الخريطة الجديدة للاقتصاد السياسي العالمي، حيث تصبح الصناعة العسكرية—بأرباحها، شبكاتها، واستثماراتها—أحد المفاتيح الأساسية لفهم تحوّل ميزان القوى الدولي واتجاهاته المستقبلية.

صناعة الحرب في العام 2024

أولاً، الولايات المتحدة: حين تُغذّي الإمبراطورية أرباحها

تُشكّل الولايات المتحدة المركز العصبي لصناعة السلاح العالمية. ففي العام 2024، ضمّت قائمة أكبر 100 شركة أسلحة 39 شركة أميركية بإيرادات بلغت 334 مليار دولار، ما يقارب نصف إجمالي القائمة. وعلى الرغم من أن النمو الظاهر (3.8%) يبدو متواضعاً، إلا أنه يعادل 12.5 مليار دولار، وهو حجم الإيرادات السنوية لشركة تحتل المرتبة 12 عالمياً.

هذا الحجم يكشف البنية العميقة للإمبراطورية العسكرية الأميركية: شبكة قواعد تمتدّ على القارات، جيوش متعددة ضمن جيش واحد، ودورة اقتصادية–عسكرية تستفيد من كل توتّر دولي مهما بَعُد عن الأراضي الأميركية. من تايوان إلى أوكرانيا، ومن الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية، تُترجم التحوّلات الجيوسياسية مباشرةً إلى طلب إضافي على الأسلحة الأميركية.

ومن بين أكبر 5 شركات أسلحة في العالم، تقع 4 منها في الولايات المتحدة وهي لوكهيد مارتن (المرتبة 1)، آر تي إكس (المرتبة 2)، نورثروب غرومان (المرتبة 3) وجنرال ديناميكس (المرتبة 5) وقد سجّلت جميعها ارتفاعاً في عائداتها من الأسلحة في خلال العام 2024. شهدت لوكهيد مارتن، أكبر منتج أسلحة في العالم، أول زيادة في عائداتها منذ العام 2020، إذ ارتفعت بنسبة 3.2% لتصل إلى 64.7 مليار دولار. ويُعزى جزء من هذا الارتفاع إلى استئناف تسليم طائرات F-35 المقاتلة، بعد تأجيلات إنتاجية في العام 2023 تتعلّق بالنسخة المطوَّرة للطائرة. أما جنرال ديناميكس فقد سجّلت أكبر زيادة بين الشركات الأربع، إذ ارتفعت عائداتها بنسبة 8.1% لتبلغ 33.6 مليار دولار. ويعود هذا النمو بشكل رئيس إلى التوسّع في برامج تصنيع الغوّاصات النووية الأميركية من فئتي كولومبيا وفيرجينيا، اللتين تمثّلان استثمارات استراتيجية ضخمة في تحديث الأسطول البحري الأميركي.

صناعة الحرب في العام 2024

ثانياً، أوروبا: إعادة التسلّح كاستراتيجية اقتصادية

مع الغزو الروسي لأوكرانيا، أعادت أوروبا ترتيب أولوياتها الأمنية، ودخلت في دورة تسلّح ممتدّة. في العام 2024، ضمّت قائمة أكبر 100 شركة 26 شركة أوروبية (باستثناء روسيا)، وبلغت إيراداتها 151 مليار دولار، بزيادة 13%—أي 22% من إجمالي القائمة. ومع زيادة تفوق 17 مليار دولار بالمقارنة مع العام 2023، أصبحت الشركات الأوروبية محرّكاً أساسياً لنمو قطاع الصناعة العسكرية عالمياً.

وشهدت غالبية هذه الشركات أداءً صعودياً: إذ سجّلت 23 شركة زيادة في عائداتها، فيما حافظت شركتان على مستوياتها السابقة. وبالتوازي، قامت 65% من الشركات الأوروبية المدرجة بتوسيع طاقاتها الإنتاجية في خلال العام 2024، سواء عبر افتتاح مصانع جديدة، أو إنشاء خطوط إنتاج متخصّصة، أو تنفيذ عمليات استحواذ لزيادة حجمها الإنتاجي.

في بريطانيا، بلغ إجمالي عائدات الشركات السبع المدرجة في القائمة 52.2 مليار دولار في العام 2024، بزيادة 6.6% عن العام السابق. وتقدّمت شركة BAE Systems إلى المرتبة الرابعة عالمياً، لتصبح أول شركة غير أميركية تدخل ضمن الخمس الأوائل منذ العام 2017.

أما فرنسا وإيطاليا وألمانيا، فكانت أبرز مراكز النمو الأوروبية الأخرى. بلغت عائدات الشركات الفرنسية الأربع نحو 26.1 مليار دولار، بزيادة 12%. وحققت الشركتان الإيطاليتان المدرجتان عائدات بلغت 16.8 مليار دولار، بزيادة 9.1%. وفي ألمانيا، ارتفعت عائدات الشركات الأربع إلى 14.9 مليار دولار، مسجّلة قفزة كبيرة نسبتها 36%.

وتضم القائمة أيضاً دولاً ذات وزن صناعي أصغر ولكنها سجّلت نمواً لافتاً. بولندا مثلتها شركة PGZ في المرتبة 51، بعائدات 3 مليارات دولار وزيادة حادّة بلغت 34%. تشيكيا مثّلتها شركة Czechoslovak Group (المرتبة 46)، التي حققت أعلى نسبة نمو في القائمة على الإطلاق، بلغت 193%، نتيجة جزئية لبرنامج تزويد أوكرانيا بقذائف المدفعية. أما الشركة الأوكرانية الوحيدة، Ukrainian Defense Industry (المرتبة 52)، فزادت عائداتها بنسبة 41% لتصل إلى 3 مليارات دولار، بفعل الطلب المرتبط بالحرب المستمرة مع روسيا.

وعلى الجانب الآخر، ظلّ الإنتاج العسكري الروسي عند مستويات مرتفعة في العام 2024، على الرغم من مرور أكثر من عامين على الغزو الشامل لأوكرانيا. فقد ركّزت الصناعة الروسية على الذخائر، المركبات المدرعة، المدفعية، الصواريخ، والطائرات المسيرة. وسجّلت شركتا Rostec وUSC—وهما الروسيتان الوحيدتان في قائمة المئة الكبرى بسبب نقص البيانات عن باقي الشركات—زيادة بنسبة 23% في عائداتهما، لتصل إلى نحو 31.2 مليار دولار.

صناعة الحرب في العام 2024

ثالثاً، إسرائيل: اقتصاد الحرب كاستراتيجية توسّع

بلغت العائدات العسكرية لشركات الأسلحة في الشرق الأوسط نحو 31 مليار دولار فقط في العام 2024، أي أقل من 5% من إجمالي عائدات قائمة أكبر 100 شركة أسلحة، مع تمثيل محدود يقتصر على 8 شركات. إلا أنّ هذه الحصة الصغيرة رافقها أعلى معدّل نمو تقريباً؛ إذ ارتفعت عائدات هذه الشركات بنسبة 14% بين عامي 2023 و2024، مضيفةً ما يقارب 4 مليارات دولار إلى إجمالي القائمة. ويعود هذا النمو بشكل مباشر إلى تصاعد عدم الاستقرار في المنطقة، وفي المقدمة الحرب التي تشنّها إسرائيل وما أنتجته من موجة تسلّح إقليمية ودولية.

ارتفعت العائدات الإجمالية للشركات الإسرائيلية الثلاث المدرجة في قائمة الـ100 بنسبة 16% لتصل إلى 16.2 مليار دولار في العام 2024. ويُعزى هذا الارتفاع إلى الإبادة الجماعية في غزة وتوسّع الأعمال العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، إلى جانب الطلب العالمي المتزايد على الطائرات المسيّرة الإسرائيلية المتقدّمة وأنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيّرة.

سجّلت شركة Elbit Systems—الأكبر في إسرائيل والمرتبة 25 عالمياً—نموّاً بنسبة 13.6% في إيراداتها لعام 2024، لتبلغ 6.2 مليار دولار. وقد شكّلت العقود الدولية محرّكاً أساسياً لهذا النمو، إذ جاء 65% من إجمالي الطلبات المتراكمة، والبالغة 22.6 مليار دولار، من عقود خارجية، أبرزها صفقات مع دول أوروبية لشراء طائرات مسيّرة بعيدة المدى. كما حصلت الشركة على أكثر من 5 مليارات دولار من العقود الجديدة من وزارة الدفاع الإسرائيلية بعد بدء الحرب على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023.

أما شركة Israel Aerospace Industries—المرتبة 31—فظلّت ثاني أكبر منتج أسلحة إسرائيلي، إذ ارتفعت عائداتها بنسبة 13%لتصل إلى 5.2 مليار دولار في 2024. وسجّلت شركة Rafael (المرتبة 34) أكبر زيادة بين الشركات الإسرائيلية الثلاث، بلغت 23%، لتصل عائداتها إلى 4.7 مليار دولار، فيما ارتفعت قيمة الطلبات المتراكمة إلى 17.8 مليار دولار بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل في العام 2024، ما دفع الطلب على أنظمتها الدفاعية، خصوصاً أنظمة الدفاع الصاروخي، إلى مستويات غير مسبوقة.

من جهة أخرى، ومع إدراج شركة MKE (المرتبة 93)، ارتفع عدد الشركات التركية المدرجة في قائمة أفضل 100 شركة لعام 2024 إلى 5 شركات—وهو أعلى رقم تحققه تركيا في تاريخ التصنيف. وبلغت عائداتها الإجمالية 10.1 مليار دولار، بنمو 11% على أساس سنوي. وقد حققت شركة ASELSAN (المرتبة 47) أكبر زيادة بين الشركات التركية (+24%)، لتصل عائداتها إلى 3.5 مليار دولار. كما سجّلت مجموعة EDGE الإماراتية (المرتبة 37) عائدات أسلحة بلغت 4.7 مليار دولار في 2024، بعد عودتها إلى القائمة للمرة الأولى منذ 2020، نتيجة توافر بيانات مالية كافية للنشر.

صناعة الحرب في العام 2024

رابعاً، الصين: التراجع الوحيد في بيئة عالمية تتّجه نحو التسلّح

تُعدّ الصين ثاني أكبر دولة في العالم من حيث الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة، وقد استثمرت في خلال السنوات الماضية في تحديث جيشها وتعزيز قدراتها البرية والبحرية والجوية، بهدف ردع القوات الأميركية وحلفائها في منطقة المحيطين الهادئ والهندي وشرق آسيا. وتمثّل عائدات الشركات الصينية نحو 13% من إجمالي عائدات قائمة أكبر 100 شركة أسلحة في العام 2024.

لكن على الرغم من هذا الثقل، شهدت الشركات الصينية تراجعاً حاداً في أدائها في خلال العام 2024؛ إذ انخفضت العائدات الإجمالية للشركات الثماني المدرجة في القائمة بنسبة 10% لتصل إلى 88.3 مليار دولار—وهو أكبر انخفاض نسبي تسجّله أي دولة ضمّتها القائمة في ذلك العام. وقد سجّلت 6 من أصل 8 شركات صينية انخفاضاً في عائداتها، وسط موجة اتهامات بالفساد في عمليات الشراء العسكري، ما أدّى إلى تأجيل العقود الجديدة وإعادة النظر في عقود قائمة.

ظلّت شركة AVIC (المرتبة 8) أكبر منتج أسلحة في الصين، على الرغم من تراجع عائداتها بنسبة 1.3% إلى 20.3 مليار دولار نتيجة تباطؤ تسليم الطائرات العسكرية. أما شركة NORINCO—أكبر منتج للأنظمة البرية في الصين والمرتبة 11 عالمياً—فقد سجّلت أكبر انخفاض بين جميع الشركات المدرجة في قائمة 2024، بنسبة 31%، لتتراجع عائداتها إلى 14 مليار دولار. ويعود هذا الانخفاض الكبير إلى تأجيل الحكومة عقوداً رئيسة بعد إقالة رئيس مجلس إدارتها ورئيس قسمها العسكري على خلفية اتهامات فساد واسعة.

كما شهدت شركة CASC (المرتبة 17)—المنتِج الرئيس للأنظمة الصاروخية والفضائية—انخفاضاً في عائداتها بنسبة 16% لتصل إلى 10.2 مليار دولار، نتيجة تأجيل مشاريع الأقمار الصناعية العسكرية ومركبات الإطلاق، وذلك عقب إقالة رئيسها في أواخر 2023 على خلفية شبهات مشابهة.

نتيجة هذا التراجع الصيني، انخفضت العائدات الإجمالية للشركات الـ23 المدرجة في قائمة الـ100 الأكبر والمرتكزة في آسيا وأوقيانوسيا بنسبة 1.2% لتصل إلى 130 مليار دولار في العام 2024، على الرغم من النمو اللافت لدى دول آسيوية أخرى لم ينجح في تعويض الخسائر الصينية. ففي كوريا الجنوبية، ارتفعت عائدات الشركات الأربع المدرجة بنسبة 31% لتصل إلى 14.1 مليار دولار، مستفيدة من الطلب المتزايد على صادراتها العسكرية، خصوصاً في أوروبا. وفي اليابان، سجّلت الشركات الخمس المدرجة نمواً مزدوج الرقم، مدفوعة بزيادة الطلب المحلي ضمن برنامج طموح لتحديث القدرات العسكرية اليابانية. أما الهند، فارتفعت عائدات شركاتها الثلاث بنسبة 8.2% لتصل إلى 7.5 مليار دولار، في إطار خطط التوسّع الصناعي والدفع نحو تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين.