ممارسات الرعاية والتضامن في جنوب لبنان
إعادة التفكير في عدالة الطاقة في جغرافيّات الحرب
بعد مرور عام على ما يُسمّى وقف إطلاق النار، مازال جنوب لبنان وبقاعه يتخبّطان في حرب متصاعدة من الاعتداءات الإسرائيلية التي تطال كل أوجه الحياة. أما جهود إعادة الإعمار فهي متعثّرة ومعطّلة، ولذلك تتراجع التدخلات الحكومية المحدودة أصلاً. تقوم الحرب على لبنان، على مثال الإبادة الجارية في غزّة، وفق إستراتيجية «الأرض المحروقة»، كأسلوب أساسي من بين أساليب أخرى، عبر استهداف منهجي للبنى المدنية وجعل المناطق المستهدفة غير صالحة للعيش. وبحسب منظّمة العفو الدولية، فقد تعرّضت الأراضي الزراعية والأحراش وأنظمة الطاقة والمياه والاتصالات والمدارس والمرافق الصحّية جميعها لهجمات متعمّدة.
على الرغم من وفرة الوثائق المتعلّقة بجرائم الحرب والدمار البيئي والتدمير المادي الذي أوقعه الكيان الصهيوني بلبنان، يبقى الاهتمام قليلاً بالسبل الجماعية التي اعتمدتها الجماعات لمواجهة هذه الاعتداءات والبقاء متجذّرة في أرضها. وانطلاقاً من عمل منيرة خيّاط عن بيئات المقاومة واستمرارية الحياة في الصمود، الذي يرصد العلاقات الإنسانية وغير الإنسانية التي تتيح البقاء داخل مشهد يتكرّر بفعل الحرب، بدأت البحث عن ممارسات الرعاية والتضامن والدعم المتبادل التي تبلورت بشأن الطاقة في جنوب لبنان. وتأتي هذه الممارسات في سياق تعامل المجتمعات مع الفراغ الذي خلّفته الدولة.
لا تنحصر هذه التحوّلات في العدوان الأخير، بل تعيد تاريخاً طويلاً عاش فيه الجنوب تحت وقع الحروب، وفي ظلّ تخلٍّ بنيوي من الدولة، ما دفع السكّان إلى بناء منظوماتهم الذاتية من البنى التحتية الضرورية للبقاء. تشير الممارسات الواردة هنا إلى الطرق التي يرسّخ بها الناس علاقتهم بالمكان من خلال إصلاح ما دمرته الحرب، والحفاظ على صلاتهم بالأرض المستهدفة وإبقاء أشكال الحياة ممكنة فيها على الرغم من محاولات الاقتلاع. ويأتي قطاع الطاقة ليشكّل المنظار التحليلي الرئيس لفهم هذه الديناميات وصلاتها بسبل المعيشة. وبذلك، أسعى إلى إبراز كيفية إستعادة هذه الممارسات لصياغة التصوّرات السائدة عن العدالة في النزاع، ولا سيما في مجال الطاقة.
سواء كان ذلك عبر «المناطق العازلة» أو المقترحات الحديثة لتحويل المنطقة إلى ممرّ استثماري خالٍ من السكان، تبقى النتيجة واحدة: جَعْل الأرض غير صالحة للعيش وإجبار سكّانها على الهجرة الدائمة
إن أزمة الطاقة في لبنان سابقةٌ على الحرب ولكن الحرب زادتها سوءاً. وقد اعتاد الناس على الحصول على الكهرباء ولو بطريقةٍ سقيمة وغير عادلة، إلا أن مفهومي الضوء والظلام اكتسبا دلالة جديدة في أثناء الهجمات وما بعدها، وذلك بتحديد طريقة عودة الناس إلى قراهم والبقاء فيها. وقد قال مسؤولون بلديون التقيتُهم، إن إنارة المساحات العامة أدّت دوراً أساسياً في تبديد ظلمة الدمار الذي لحق بالقرية، وفي إعادة تثبيت الناس في أرضهم وإحياء الحياة الاجتماعية. فقد تحوّلت هذه المساحات إلى نقاط تجمّع وقف حولها الأهالي في وجه التهجير، واستعادوا عبرها إيقاع حياتهم اليومية واستمرارية عيشهم.
في راميا، أتاح مشروع إعادة تأهيل المدرسة الرسمية، الذي أطلقته جمعية «وتعاونوا»، وتحويلها إلى مركز حيوي للمزارعين، حيث وُضعت غرف جاهزة مزوّدة بإضاءة شمسية لتشكيل نقطة مركزية للنشاط الجماعي والدعم المتبادل. وبالمثل، عملت بلدية شقرا، مدعومة بشبكة من المغتربين ومن المجتمع المحلي، على إنارة الشوارع باستخدام الألواح الشمسية لاستعادة شعور نسبي بالأمان. أما في مدينة صور، فقد نسّق مسؤولو البلديات وأصحاب المولّدات إصلاح الشبكات المتضرّرة، وإعادة تنظيم الكابلات وضمان الإضاءة الأساسية، مع البدء في إيجاد حلول شمسية صغيرة بالتعاون مع شركاء خارجيين.
وتظهر هذه المبادرات قدرة السلطات المحلّية والمنظّمات المجتمعية والفاعلين غير الرسميين على الحفاظ على الحياة اليومية عندما تعجز المؤسّسات الوطنية عن التحرّك بالوتيرة والحجم المطلوبين. وتقدّم هذه التجارب كذلك دروساً مهمة في عدالة الطاقة، إذ لا يعتمد التعافي الفعّال في مناطق النزاع على البنية التحتية فقط، بل على القدرات المحلية للتعاون والابتكار، بالإضافة إلى الممارسات الرعائية التي تعوّض النقص في الحكم الوطني مع الحفاظ على الاستمرارية والإحساس بالاستقرار الجماعي. ولم يكن ما قامت به مؤسّسة كهرباء لبنان ومقدّم خدمة توزيع الكهرباء الخاص «مراد إلكتريك» من أعمال رسمية للإصلاح كافية، لولا هذه المبادرات.
ولكن تختلف هذه المبادرات بين منطقة وأخرى، وتتشكّل وسط واقع ميداني تفرض فيه الحرب قواعدها الخاصة. في القرى الحدودية يتّخذ العدوان الإسرائيلي شكلاً منهجياً واضحاً، حيث تواجه محاولات العودة وإعادة الإعمار عرقلة مباشرة ومتكرّرة. استهدفت هذه الهجمات البنى التحتية الأساسية ومن يعمل فيها وهي ضرورية لأي شكل من أشكال العودة. وحتى قبل أن يتصاعد الصراع رسمياً في 23 أيلول/سبتمبر 2024، تعرّض موظّفو مؤسّسة كهرباء لبنان لإطلاق نار من القوّات الإسرائيلية أثناء محاولتهم إصلاح شبكة التوزيع في مارون الراس. وتهدف هذه الهجمات إلى ترسيخ إستراتيجية تعيد تصوّر القرى الحدودية على أنها مساحات فارغة في يد المحتل، أو إعادة تنظيمها اقتصادياً. وسواء كان ذلك عبر «المناطق العازلة» أو المقترحات الحديثة لتحويل المنطقة إلى ممرّ استثماري خالٍ من السكان، تبقى النتيجة واحدة: جَعْل الأرض غير صالحة للعيش وإجبار سكّانها على الهجرة الدائمة. ومنذ وقف إطلاق النار، استمرّت الاعتداءات على السكّان، بما في ذلك استهداف المنازل الجاهزة، ومعدّات إعادة الإعمار، والصيادين، والمزارعين، والرعاة، ومؤخراً، اغتيال موظّفي البلديات.
أصبحت العقوبات والإملاءات الخارجية أدواتٍ إضافية لإدارة جغرافيا الحرب، وأساليب تضيّق الخناق على ما تبقّى من مساحات يحاول الناس عبرها التشبث بأرضهم، والحفاظ على نسيجهم المجتمعي
ولذلك، اقتصرت المبادرة على المجتمع، من ضمنها حملة «الدولار الواحد» التي أطلقها عضو البلدية والناشط حسين صالح في راميا، وأصبحت شريان حياة للسكّان. ومن خلال التمويل الجماعي، ساعدت هذه المبادرة العائلات في القرى الحدودية على إصلاح المنازل المتضرّرة وتأمين الكهرباء عبر الألواح الشمسية والتدفئة وتلبية الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية العاجلة. وبالمثل، تجسّدت الجهود الهادفة لاستعادة الكهرباء في عيتا الشعب في مبدأ مماثل للمسؤولية الجماعية، حيث نظّمت مجموعة من السكّان نفسها لإعادة توصيل جميع المنازل المأهولة بالشبكة الكهربائية. وعلى الرغم من أنّ مؤسّسة كهرباء لبنان أصلحت عدداً من أعمدة الكهرباء بعد وقف إطلاق النار، لم تُوصل الكابلات إلى جميع المنازل، وتعرّضت أعمالها لمزيد من الضرر بسبب استمرار الاعتداءات. واستعان السكّان بما بقي من أسلاك نجت من الهجمات، وجمعوا كابلات تبرّع بها صاحب مولد محلّي، واعتمدوا على مساهمات المجتمع الأوسع للحفاظ على استمرارية عملهم. وقد تمكّنوا من خلال هذا المزيج من الرعاية والتنظيم الجماعي والجهد المبتكر ورفض ترك أي منزل بلا كهرباء من إعادة التيّار إلى كل بيت مأهول.
يمكن فهم هذه الممارسات المتعلّقة بالبقاء والصمود والثبات على أنها تأكيد على بقائهم في قراهم وتقرير مصيرهم، ورفض محاولات الطمس والاستيلاء التي تفرضها الحرب. وبالاستناد إلى الدراسات الخاصّة بالسكّان المحلّيين، فإن الرفض ممارسة إيجابية لضمان الاستمرارية السياسية والإقليمية. كما يبرز مفهوم الصمود والثبات والارتباط بالمكان والإصرار على الحياة في مواجهة الإبادة. تكشف هذه الأفعال عن وجه من العدالة ينبع من القاعدة: عدالة تُصرّ، كما تعبّر خيّاط، على حماية الحياة والأرض والعلاقات حتى حين تعجز المؤسّسات الرسمية أو تتردّد في حمايتها. وهي عدالة تقوم على الرعاية المتبادلة، والتضامن، والوجود المستمرّ، واستمرارية الروابط التي تحفظ الحياة. هنا لا تُختزل العدالة في زمن الحرب بالمساءلة القانونية أو بمشاريع إعادة الإعمار التي تقودها الدولة، بل تتجسّد عبر جهود جماعية متجذّرة تسعى إلى صون الأرض والانتماء والحقوق في وجه العنف المتواصل.
في الوقت نفسه، دفعت ندرة المساعدات للسكّان إلى الاعتماد على التبادل والإصلاح وإعادة استخدام ألواح الطاقة، وهي لا تذكر غالباً في نقاشات عدالة الطاقة. وقد أجبرت كمّية الدمار وقلّة التمويل على استخدام ما استطاعوا إنقاذه. على سبيل المثال، تبادل بعض السكّان في الجنوب الألواح القديمة التي لم تعد متوفرة في السوق لإصلاح الأنظمة المتضرّرة، بينما أعاد آخرون توصيل الألواح الشمسية المعطّلة لتغذية سخّانات المياه الشمسية في غياب الكهرباء التي توفّرها مؤسّسة كهرباء لبنان. كما لجأ بعض السكّان إلى استخدام الألواح المتضرّرة لحجب الشمس، مع أنها بوضعها تُطلِق مواد سامة تشكّل خطراً على الصحّة.
تظهر هذه الممارسات مدى الأبعاد المادية الحيوية للطاقة في لبنان، حيث طوّر السكّان علاقة وثيقة بالكهرباء والبنى التحتية التي تقوم عليها بعد سنوات من الأزمة. كما تكشف عن واقعٍ آخر يرتبط بعدالة الطاقة، يبنى على العمل اليومي للحفاظ على تشغيل الأنظمة، ويظهر المخاطر التي يتحمّلها الناس و الأعباء التي تقع على عاتق المجتمع حين تنسحب المؤسّسات الرسمية. وفي هذا السياق، يُطرح سؤال عن العدالة عبر التفاصيل الصغيرة والمستمرّة التي يبتكر من خلالها السكّان طرقهم الخاصة من الأمن الطاقة، ويصرّون على الاستمرارية في ظل مشهد من عدم الاستقرار.
لا تُختزل العدالة في زمن الحرب بالمساءلة القانونية أو بمشاريع إعادة الإعمار التي تقودها الدولة، بل تتجسّد عبر جهود جماعية متجذّرة تسعى إلى صون الأرض والانتماء والحقوق في وجه العنف المتواصل
يتيح التأمّل في هذه الممارسات، عبر أدبيات عدالة الطاقة، تصوّر رؤى تتعلّق مباشرة بالحرب والعقوبات وإعادة الهيكلة الجيوسياسية في المنطقة. ولا يصحّ تفسير هذه الملاحظات على أنها تمجيد للعمل الجماعي، أو حجّة لغياب الدولة عن مسؤلياتها، وتكشف هذه الممارسات عن حدود الأطر الحالية للعدالة في ظل إمكانيات الوصول إلى الطاقة ضمن شروط يفرضها العنف العسكري والأجندات الخارجية والسيادات مجتزأة.
يرتكز الدرس الأول والمستخلص من تجارب لبنان وفلسطين والسودان على حقيقةٍ مفادها أنّ النقاش المعاصر بشأن عدالة الطاقة لا يمكن فصله عن إشكالية العنف المنظّم الذي يُحْدق بالوصول إلى الأرض ويعطّل الانتفاع من مواردها. فقد أُخضِعت النظم الطاقوية والبنى الإيكولوجية، بما فيها من مرافق حياتية يومية وثروات طبيعية، لمنطقِ الحرب المتقلّب، وآليّات الاستنزاف، وهيمنة النفوذ الإقليمي. وبذلك، تتحوّل الحروب إلى شكل من أشكال «الحوكمة البيئية القسرية» التي تعيد توزيع سبل الوصول إلى الموارد، وتضغط على الأفق السياسي، وتسعى إلى فرض شروط مجحفة تحدّد بمقتضاها من له الحقّ في العيش، أو العودة، أو إعادة البناء. وعليه، فإنّ أيّ مقاربة جادّة لتحقيق عدالة الطاقة لا بدّ أن تواجه بجرأة تحليلية ونقدية، التأثير المزدوج للعسكرة، سواءً في صيغتها الإمبريالية العابرة للحدود، أم في مظاهرها المحلّية، وكيفية تشكيلهما للظروف المادية التي تقاس في ضوئها العدالة وتنتزع.
ثانياً، تبرز هذه الممارسات، أي الارتجال، والرعاية المتبادلة، والتضامن، والتنسيق، والمقاومة الجماعية. كاستجابات حيوية تنتجها المجتمعات عند تراجع الأطر المؤسسية الرسمية. لكن تمجيد هذه الصور من «البراعة الشعبية» لا ينبغي أن يكون ستاراً يُخفي العنف البنيوي المنهجي الذي يدفع بالأهالي إلى هذا الحال من الاعتماد على الذات. ففي واقع لبنان، تتحول العقوبات الدولية، والقبضة المالية الخانقة، وشروط إعادة الإعمار المشروطة بجدول أعمال سياسي، إلى أعباءٍ تُلقى بشكل منهجي على كاهل البنى التحتية الهشّة التي يعتمد عليها الناس في تدبير سبل عيشهم. ولا يعدو استهداف مؤسسات التمويل الأصغر، مثل «قرض الحسن»، أو حظر قنوات التبرّعات التي ينشط فيها المجتمع المدني، إلا تأكيداً على أن منطق العقوبات والشروط الخارجية يُعطّل أدوات البقاء المادي اليومي أكثر بكثير مما «يؤدّب» النخب السياسية. وحتى عندما تقدّم كضرورةٍ سياسية واقعية، تظل أدوات تنزل بثقلها الأقسى على من يعانون أساساً وطأة النزاع. كما أن ربط مساعدات إعادة الإعمار بشروط سياسية، مثل نزع السلاح، يوسّع من دائرة هذا المنطق الإقصائي، محوّلاً إعادة البناء إلى أداة ضغط ومساومة. ولا يجوز لمنظور العدالة في توزيع الموارد أن يغضّ الطرف عن كيف تشكّل هذه السياسات عوائق أمام التعافي، وتفكّك النظم المجتمعية التلقائية للتكافل، وتضغط على الفضاء المتاح لإعادة تشكيل الحياة. وهكذا تصبح العقوبات والإملاءات الخارجية أدواتٍ إضافية لإدارة جغرافيا الحرب، وأساليب تضيّق الخناق على ما تبقّى من مساحات يحاول الناس عبرها التشبث بأرضهم، والحفاظ على نسيجهم المجتمعي، والاستمرار في الوجود على الرغم من كل شيء.
تكشف هذه الممارسات عن حدود الأطر الحالية للعدالة في ظل إمكانيات الوصول إلى الطاقة ضمن شروط يفرضها العنف العسكري والأجندات الخارجية والسيادات مجتزأة
في المقابل، إن أردنا لعدالة الطاقة أن تبقى ملتزمة بجوهر العدالة ومعاني العيش والسلامة والرفاه، فينبغي أن تسير على حدّين: حدّ المواجهة الجريئة للعنف وهيمنة القوّة وتداعياتهما العابرة للحدود، وحدّ الحياد الصارم الذي يحول دون تحويلها إلى أداةٍ في صراع المصالح الحزبية، أو آلية لانتقاء من يعترف بهم ويدعمون في رحلة التعافي. فهذه المعادلة التي بدت واضحة في السياق الفلسطيني، تتعقّد بشدّة حين تُنقل إلى الواقع اللبناني، حيث أن تسليط الضوء على العدوان أو المصادرة غالباً ما يُقرأ من خلال عدسة طائفية وجيوسياسية، أو يحوّل إلى ورقة في حسابات القوى الإقليمية والدولية. وغالباً ما تكون المحصّلة صمتاً مطبقاً يكرّس التخلي عن مجتمعات بأكملها وأراضٍ تئِنّ تحت وطأة الإهمال.
وفي الختام، لا بدّ للتفكير في عدالة الطاقة في زمن الحرب أن يتطلّب التمسّك بالثنائية التالية: فهو من جهة يستلهم الحكمة الشعبية التي تتجسّد في نظم التضامن الذاتي والرعاية المتبادلة، وهذه ليست مجرّد ردود أفعال للنجاة، بل ممارسات سياسية جذرية تصرّ على الحياة وتُجَزِر حقّ الانتماء إلى الأرض والاستمرارية في الوجود. إنها إشارات إلى عوالم تولد من رحم الدمار، عوالم تعيد فيها العلاقة الإنسانية والتماسكُ المجتمعي تشكيل معنى الحياة وسط خراب الحرب. لكن هذه الحكمة الشعبية - مهما بلغت روعتها - لا تصلح بديلاً عن فكرة الدولة بمهماتها الجوهرية: إعادة البناء، والحماية، ومحاسبة مجرمي الحرب. فهذه واجبات لا يسقط تقادمها، بل تظل قائمة في ضمير القانون الدولي. فالعدالة الحقيقية في هذه الأراضي المصابة لا تتم إلا بجمع صعب بين جذرين: جذرٌ ينبت من أسفل، من العمل الميداني والموقف الذي يرفض الناس محوه، وجذرٌ مؤسسي تحمّل عليه أعباء الواجب والحق. فغياب هذا الثاني لا يعني سوى تحويل مرحلة التعافي إلى مسرح جديد لظلم مستحدث وهجر وإهمال.
يستند هذا المقال إلى بحث بعنوان «مسارات لتحقيق العدالة بمجال الطاقة في إعادة إعمار لبنان بعد الحرب» أجرَته الباحثة بالتعاون مع «مبادرة الإصلاح العربي».