الاستثمار القطري في «علم الروم»
ضخّ الأموال لا يوقف هشاشة الاقتصاد في مصر
وقّعت الحكومة المصرية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 اتفاقاً مع شركة «الديار» القطرية، التابعة لصندوق الثروة السيادي القطري، لتطوير منطقتي «سملا وعلم الروم»، في محافظة مطروح في صفقة تُضاف إلى سلسلة مشروعات ساحلية ضخمة تعتمد عليها الدولة لتأمين تدفقات دولارية سريعة. تمتدّ الصفقة على أكثر من 20 مليون متر مربع من الأراضي الساحلية (على مساحة 4,900 فدان)، بواجهة بحرية بطول 7.2 كيلومترات، وبقيمة إجمالية تقارب 29.7 مليار دولار.
تشمل الصفقة 3.5 مليارات دولار ثمناً للأرض، بالإضافة إلى 26.3 مليار دولار استثمارات تطويرية تشمل إنشاء أحياء فاخرة وملاعب غولف ومراسي سياحية وفنادق ومرافق حكومية.
يخصّص المخطّط الرئيسي للمشروع حوالي 60% من المساحة الإجمالية للأغراض السكنية، و15% للمناطق الخدمية، فيما تخصّص 25% للطرق والساحات العامة والمساحات الخضراء المفتوحة. وينصّ الاتفاق أيضاً على أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة ستحصل على 15% من صافي أرباح المشروع بعد أن تسترد شركة الديار كامل استثماراتها. كما يشمل جزء من القيمة وحدات جاهزة للبيع أو التشغيل تصل قيمتها إلى نحو 1.8 مليار دولار، تُدرج ضمن حصة الهيئة من المشروع. إلى ذلك، أعلنت «الديار» القطرية أنّ المرحلة الأولى من المشروع ستبدأ في العام 2026 على مساحة تمثل 20% من إجمالي الأرض، وتستغرق 5 سنوات، بينما يمتد التطوير الكامل لنحو 15 عاماً.
1. كيف تُشبه صفقة «علم الروم» صفقة «رأس الحكمة»؟
تأتي الصفقة القطرية بعد أقل من عامين على إطلاق صفقة «رأس الحكمة» مع صندوق أبوظبي السيادي، التي مُنح بموجبها 170 كيلومتراً مربعاً من الساحل الشمالي مقابل 35 مليار دولار، من ضمنها 24 مليار دولار قيمة الأرض، و11 مليار دولار للاستثمارات التطويرية.
وعلى الرغم من الفارق في المساحة، إذ تمثل مساحة مشروع علم الروم الممنوحة لشركة «الديار» القطرية حوالي 12% فقط من مساحة مشروع «رأس الحكمة» الذي حصلت عليه الإمارات، تشير التقديرات إلى أنّ سعر متر الأرض في صفقة علم الروم بلغ نحو 170 دولاراً، مقابل 141 دولاراً للمتر في صفقة رأس الحكمة، أي بزيادة تقارب 21% لصالح الصفقة القطرية. أيضاً، في صفقة رأس الحكمة، حصل الجانب المصري على 35% من أرباح المشروع، وهي نسبة تتجاوز حصّة الدولة المصرية من «علم الروم» التي تُقدَّر بحوالي 15% من صافي الأرباح بعد استرداد الاستثمارات.
وعلى الرغم من ضخامة هذه الصفقات، تظل وظيفتها الأساسية محصورة في جذب السيولة الدولارية قصيرة الأجل لمواجهة ضغوط ميزان المدفوعات، من دون المساس بالاختلالات البنيوية في الاقتصاد. فالاعتماد المتكرر على الاستثمارات الخليجية، سواء عبر الاستحواذ على أصول قائمة أو تطوير مشاريع عقارية وساحلية، لا يوفّر مساراً مستقراً لنمو طويل الأجل، بل يعيد إنتاج دورة قصيرة من التدفقات المالية يتلاشى أثرها سريعاً مع إنفاقها. وتُجسّد صفقة «رأس الحكمة» مع الإمارات هذا النمط بوضوح؛ إذ أسهمت في ضخّ سيولة كبيرة خفّفت مؤقتاً من ضغوط الدين الخارجي، غير أن انعكاساتها على الاقتصاد الحقيقي بقيت محدودة، لأنها لم تُفضِ إلى بناء قاعدة صناعية جديدة، ولم تؤسّس لهيكل إنتاجي أو تصديري قادر على دعم نمو اقتصادي مستدام.
2. كم خفّضت هذه الصفقات الدين الخارجي فعلياً؟
بحسب بيانات البنك المركزي المصري، بلغ الدين الخارجي 168 مليار دولار بنهاية العام 2023، ثم تراجع إلى 152.9 مليار دولار في منتصف العام 2024، بعد تحويل ودائع إماراتية إلى استثمارات ضمن صفقة رأس الحكمة. غير أنّ هذا التراجع لم يدم طويلاً؛ إذ عاد الدين الخارجي للارتفاع إلى 161.23 مليار دولار بحلول منتصف العام 2025، ما يعني إضافة 8.3 مليارات دولار من الالتزامات الخارجية في خلال عام واحد فقط، وهو ما يشير إلى أن هذه الصفقات لا تغيّر مسار المديونية، بل تؤجّل ضغوطها زمنياً في ظل استمرار نمط الاقتراض والإنفاق نفسه.
إلى ذلك، تحدّثت مصادر صحافية عن تشكّك صندوق النقد الدولي في جدوى الاعتماد على أدوات قصيرة الأجل، مثل بيع الأراضي والأموال الساخنة، لمعالجة أزمة العملة. ويشير الصندوق إلى أنّ هذه السياسات تتناقض مع متطلباته المتكررة بفتح المجال أمام القطاع الخاص، وتقليص هيمنة الكيانات العسكرية التي تعمل خارج أطر الشفافية والمساءلة.
3. ما كلفة المشروع على سكان «سملا»؟
تحوّلت قرية «سملا»، شرق مدينة مرسى مطروح، إلى بؤرة توتّر بعد زيارات أمنية متكررة ومحاولات إخلاء السكان، في سيناريو يعيد تجارب «رأس الحكمة» و«الوراق»، حين أجبر الأهالي على ترك أراضيهم قبل الحصول على بدائل مناسبة وقبل استكمال التفاوض بشأن التعويضات.
وتؤكّد شهادات الأهالي أنه عُرض تعويض أولي بنحو 10 آلاف جنيه للمتر للمباني، قبل أن يُخفض فعلياً إلى 5 آلاف جنيه مع بدء صرف التعويضات، ما دفعهم لرفضها فوراً. وبحسب التقارير المحلّية، لا تتجاوز قيمة التعويض عن الفدان الزراعي 300 ألف جنيه مع توفير مكان بديل لإعادة توطين السكان على أرض «الغابة الشجرية»، في حين أن سعر فدان الأرض بموجب العقد الذي وقعته هيئة المجتمعات العمرانية مع قطر يصل إلى 49 مليون جنيه. عدا أن السكان يعتمدون على زراعة الزيتون والتين، وبعض الأشجار يتجاوز عمرها 100 عام، ما يجعل الخسارة غير قابلة للتعويض المالي البسيط، وهو ما يكشف أن الكلفة الفعلية للمشروع لا تُقاس فقط بالفارق بين سعر الفدان في العقد وسعر التعويض، بل بإعادة نزع الأرض من وظيفتها الإنتاجية والمعيشية، وتحويلها إلى أصل مالي في معادلة لا مكان فيها لاستدامة المجتمعات المحلية.
4. كم تدوم الاستثمارات القطرية في مصر؟
على الرغم من اتساع الحضور القطري في السوق المصرية، تظل طبيعته متركّزة في قطاعات العقار والمال والطاقة، من دون أن تعكس تحولاً نوعياً في بنية الاستثمار أو في قدرة الاقتصاد المصري على توليد قيمة مضافة مستقلة ومستدامة.
بحسب موقع الشركة على الإنترنت، عزّزت «الديار» القطرية وجودها في السوق المصرية من خلال سلسلة من المشروعات العقارية الكبرى داخل العاصمة القاهرة، تشمل مشروعات مثل «CityGate» و«NewGiza»، إلى جانب فندق «سانت ريجيس القاهرة» والوحدات السكنية الفاخرة المرتبطة به، ما يضعها كأحد أبرز المطوّرين العقاريين الأجانب في البلاد بوجود أراضي تزيد مساحتها عن 40 مليون متر مربع في مختلف أنحاء الجمهورية.
وكان رئيس قطاع التطوير والمشروعات في آسيا وأفريقيا بالشركة، قد أعلن عن خطّة توسعية طموحة للشركة في السوق المصرية تتجاوز مجرد تنفيذ مشروع «علم الروم». وأوضح أن الشركة تتطلع إلى رفع إجمالي استثماراتها في مصر إلى نحو 43 مليار دولار في خلال السنوات العشر المقبلة.
في الموازاة، بلغ حجم الاستثمارات القطرية في مصر 618.5 مليون دولار في العام 2024، مع تعهّدات بضخ 7.5 مليارات دولار إضافية في خلال المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى حضور قوي في القطاع المالي عبر بنك قطر الوطني الذي يعد من أكبر البنوك الخاصة العاملة في السوق المصرية، وأيضاً في قطاع الطاقة، حيث عزّزت شركة «قطر للطاقة» وجودها في مصر من خلال مشاركات متنامية في أعمال التنقيب والاستكشاف في البحرين الأحمر والمتوسط، بما في ذلك صفقة بارزة تم الإعلان عنها في تشرين الأول/أكتوبر 2025 للاستحواذ على 27% من امتياز الاستكشاف البحري «شمال كليوباترا» بالتعاون مع شركة «Shell».
كما وقّعت الحكومة المصرية، عقداً بقيمة 200 مليون دولار مع شركة «المانع» القابضة القطرية لإنشاء مشروع إنتاج وقود الطائرات المستدام (SAF) في المنطقة السخنة المتكاملة التابعة للهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. ويُنفذ المشروع على مساحة 100 ألف متر مربع، باعتباره أول استثمار صناعي قطري في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.