معاينة roops march before President Julius Nyerere and Vice President Abeid Karume at the fourth anniversary of the union of Zanzibar and Tanganyika in January 1968

عودةٌ إلى المستقبل
رؤية نيريري للتنمية الصناعية ودروسها للجنوب العالمي المُعاصر

على مدار القرن الماضي، دأبت أقطار الجنوب العالمي على مجاهدة تحدّيات تنموية مزمنة ومتجدّدة في كل مرحلة تاريخية. فقد واجهت هذه الأقطار، التي تشكّلت في بوتقة الكولونيالية والإمبريالية وأشكال الاستغلال الإمبريالي الجديد، ومنذ سنوات استقلالها الأولى في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، تحدّيات كبرى تتعلّق بضمان الرفاه المادي لسكانها، ووضع أسس اقتصادية تُمكّنها من ترسيخ سيادة سياسية فعلية لا شكلية. وفي هذا السياق، حدّد ثانديكا مكانداوايري، المفكّر التنموي الأفريقي والاقتصادي المناهض للرؤى الاقتصادية التقليدية، خمس مهام تاريخية أعلنتها الدول الأفريقية حديثة الاستقلال، هي: «إنهاء الاستعمار بالكامل في القارة، والبناء الوطني، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والدمقرطة، والتعاون الإقليمي» (Mkandawire, 1999).

ومنذ نيل أفريقيا استقلالها، تَشَكَّلت ملامح هذه التحدّيات الإنمائية استجابةً لضغوط وإملاءات المراحل التاريخية المتعاقبة. فقد بدأ هذا «التشكّل» بالحاجة الملحّة إلى توليد العوائد لتمويل التنمية، ثم تقلبات أسواق السلع العالمية، تلاها الخضوع المتزايد للضغوط الإكراهية التي مارستها المؤسسات المالية الدولية. وجاءت استجابات الدول الأفريقية لهذه التحديات المتتابعة في صورة تحولات متكررة في مناظيرها الإستراتيجية. ففي البداية، سادت أنماط التبعية الاستخراجية والاعتماد على تصدير السلع الأساسية، قبل أن تشهد مرحلة ما بعد الاستقلال المبكرة، في الستينيات والسبعينيات، موجة من التحول الصناعي بقيادة الدولة، مدعومة بالاستثمارات الحكومية والتخطيط المركزي.

غير أنّ هذا المسار سرعان ما جرى تفكيكه ابتداءً من الثمانينيات والتسعينيات، مع فرض «إجماع واشنطن» وسياسات التحرير الاقتصادي وأصولية السوق، وما رافقها من نتائج كارثية. وفي مرحلة لاحقة، أدّت الإخفاقات العميقة للمشروع النيوليبرالي إلى إعادة إحياء النقاش بشأن دور الدولة التنموي، والتدخلات الاستراتيجية، وأهمية التعاون الاقتصادي بين بلدان الجنوب (Chang et al., 2014; Stiglitz, 2018). وفي هذا السياق، عادت السياسات الصناعية إلى الواجهة، بعد أن كانت تُعدّ ضرباً من «الهرطقة» في خلال ذروة هيمنة النيوليبرالية (Cramer et al., 2020; Oqubay, 2015).

اليوم، تعود السياسات الصناعية إلى صدارة النقاش التنموي العالمي، مدفوعةً بالتحولات الاقتصادية الكبرى في دول مثل الصين وكوريا الجنوبية والبرازيل. غير أنّ السياسات الصناعية المعاصرة تتبلور في سياق بالغ التعقيد، تُثقله التحديات الوجودية المرتبطة بخفض الانبعاثات الكربونية، والأعباء المتراكمة للديون السيادية، والأزمات المتكررة والمتجذّرة في بنية النظام الرأسمالي ذاته. وتفرض هذه التحديات المتداخلة ضرورة العودة النقدية إلى تجارب التنمية المستقلة في التاريخ، لا بوصفها سرديات من الماضي، بل كمصادر حيوية لاستخلاص الدروس.

في هذا الإطار السياسي والفكري، يتناول هذا المقال الرؤية الصناعية لجوليوس ك. نيريري، قائد التحرر الوطني، والمثقف الثوري، وأول رئيس لتنغانيقا وتنزانيا المستقلة. ونحن إذ نستعرض تجربته التاريخية، لا نقدّمها بوصفها «وصفة جاهزة» قابلة للاستنساخ، إذ لا تخلو من أوجه قصور تستوجب النقد والتعلّم، بل نطرحها كتجربة غنية ومركّبة، تنطوي على دروس مهمّة يمكن أن تُسهم في إضاءة الإشكاليات البنيوية التي لا تزال تواجه بلدان الجنوب العالمي في الراهن.

نيريري: الصورة الكبيرة

يشهد الاستقرار السياسي طويل الأمد في تنزانيا، ووحدتها حول سردية وطنية جامعة، على مهارة جوليوس كامباراقي نيريري رجلَ دولةٍ من الطراز الرفيع. فهذا الاستقرار وذلك التماسك ليسا نتاج مرحلة حكمه فحسب، بل امتداد مباشر لمشروعه السياسي الذي بدأ يتبلور قبل توليه الرئاسة بسنوات. فقد انطلق مساره السياسي في العام 1954، مع تأسيسه «الاتحاد الوطني الأفريقي لتنجانيقا» (تانو)، وهي منظمة كرّست منذ نشأتها جهودها لتحقيق الحكم الذاتي الوطني. وفي سبيل هذا الهدف، استخدم نيريري بمهارة أدوات النظام الاستعماري ذاته ضدّه، حين عرض قضية تنجانيقا على مجلس وصاية الأمم المتحدة في آذار/مارس 1955، ثم أعاد طرحها مرة ثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 1956. وقد حاجج، على نحو مُقنع، بأن الإدارة البريطانية أخفقت في الاضطلاع بمسؤولياتها في إعداد البلاد للحكم الذاتي، ما أسهم في تصاعد الضغوط الدولية على القوة الاستعمارية (Msekwa, 2005).

وفي محاولة لكبح طموحاته السياسية، سعت الحكومة الاستعمارية البريطانية إلى وضع نيريري أمام خيار قاسٍ، إذ أُجبر على المفاضلة بين مهنته مُعلماً – ومنها ورث لقبه الشهير «مواليمو»، أي «المعلم» باللغة السواحلية – وبين مواصلة نشاطه السياسي. فقد وُجّه إليه إنذار من إدارة مدرسة سان فرانسيس كولدج، قرب دار السلام، حيث كان يعمل، خُيّر فيه بين التخلي عن العمل السياسي أو فقدان وظيفته التعليمية (Shivji et al., 2020). غير أنّ هذه المناورة الاستعمارية جاءت بنتائج عكسية، إذ تحوّل قرار نيريري التخلي عن أمانه الوظيفي إلى إعلان مدوٍ عن التزامه السياسي، ودفعه إلى التفرغ الكامل للحشد الشعبي والتعبئة الوطنية.

وقد أتاح له ذلك إطلاق حملة قطرية شاملة، بلور من خلالها رؤية واضحة للحرية والاستقلال في تنجانيقا، وبلغت هذه الحملة ذروتها في الانتصار الانتخابي الكاسح لـ«تانو» في انتخابات 1958–1959. وعلى إثر هذا الانتصار، بات نيريري في موقع يؤهله للتفاوض على الاستقلال، الذي تحقق في العام 1961، وأصبح أول رئيس للوزراء، ثم أول رئيس لتنجانيقا المستقلة.

عند الاستقلال، تولّى نيريري رئاسة دولة تعاني تخلفاً تنموياً شديداً، إذ لم يكن فيها سوى 12 طبيباً مؤهلاً بالكامل، بنسبة صادمة بلغت طبيباً واحداً لكل 870 ألف نسمة

وقد وجّهت الحكمة الاستراتيجية ذاتها مقاربة نيريري لمرحلة ما بعد الاستقلال، ولا سيما في سياق تأسيس تنزانيا المتحدة في العام 1964. وبصفته المهندس السياسي الأول لاتحاد تنجانيقا وزنجبار، وهما الركيزتان المكوّنتان لتنزانيا المعاصرة، عمل نيريري بوعي على بناء سردية وطنية متماسكة، تستند إليها الهوية التنزانية على أرضية صلبة. وقد تحقق ذلك عبر جملة من الأدوات الاجتماعية-السياسية، من أبرزها ترسيخ اللغة السواحلية بوصفها لغة وطنية جامعة (Saul, 2012). 

ولقد أثبت نموذج الحكم المدني غير العنيف الذي صاغه نيريري قدراً عالياً من الصلابة والاستمرارية عبر العقود، في تناقض حاد مع موجات الانقلابات والانقلابات المضادة والحروب الأهلية التي عصفت بدول أفريقية أخرى في مرحلة ما بعد الاستقلال (Shivji, 2012). فالاستقرار السياسي طويل الأمد في مجتمعات خارجة من الاستعمار ليس محض مصادفة تاريخية، بل هو ثمرة قيادة واعية ومشروعات سياسية ذات رؤية بعيدة المدى.

لقد تجاوز مشروع نيريري مرحلة تحقيق التماسك السياسي، ليقدّم منجزات مادية عميقة الأثر، ويتوسع في توفير «الأجر الاجتماعي» للشعب التنزاني. فعند الاستقلال، تولّى نيريري رئاسة دولة تعاني تخلفاً تنموياً شديداً، إذ لم يكن فيها سوى 12 طبيباً مؤهلاً بالكامل، بنسبة صادمة بلغت طبيباً واحداً لكل 870 ألف نسمة (Nyangoro, 2002). غير أنّ المشهد تغيّر جذرياً بحلول نهاية رئاسته في العام 1985. فقد انتشرت المراكز الصحية في جميع المراكز الحضرية وفي نحو ثلث القرى، وأصبح الحصول على المياه النظيفة متاحاً لأكثر من 60% من قرى البلاد، التي بلغ عددها نحو 8 آلاف قرية. كما وفّرت الدولة الرعاية الصحية والتعليم مجاناً، وتكفّلت حتى بتغطية تكاليف انتقال الطلاب ومواصلاتهم إلى المدارس (Townsend, 1998).

وعلى الرغم من أن السياسات الاقتصادية التنزانية في عهد نيريري أدّت إلى تحقيق بلدان مجاورة، مثل كينيا، لعوائد تصدير أعلى، فإن المسار التنموي التنزاني أرسى قاعدة أوسع وأكثر صلابة من المكاسب الاجتماعية لعامة الشعب. فقد انطلق هذا المسار من تعريف مغاير للتقدم، واعتمد مقاييس تنموية موجّهة صراحةً لمصلحة المجتمع (Adésínà, 2009; Rodney, 1972; Townsend, 1998).

وبموازاة إنجازاته الداخلية، ينهض الإرث الأممي لنيريري كأحد أعمدة سيرته السياسية. فقد تميّز لا بصفته فيلسوفاً سياسياً صاحب فكر أصيل في سياق الاستقلال الأفريقي فحسب، ولا فقط لأنه صاغ مشروعاً ينسجم مع الواقع التاريخي للقارة واحتياجاتها، بل أيضاً بوصفه صوتاً أخلاقياً وإستراتيجياً بارزاً على الساحة العالمية. ففي ظل قيادته، تحوّلت تنزانيا إلى ملجأ ومركز لوجستي لحركات التحرّر في جنوب القارة. وقد اتخذت حركات عدة من دار السلام مقراً لها، من بينها «المؤتمر الوطني الأفريقي» (ANC) و«المؤتمر الأفروعمومي» (PAC) في جنوب أفريقيا، و«جبهة تحرير موزمبيق» (FRELIMO)، و«الاتحاد الوطني الأفريقي الزمبابوي» (ZANU)، و«الاتحاد الشعبي الأفريقي الزمبابوي» (ZAPU)، و«منظمة شعب جنوب غرب أفريقيا» (SWAPO) في ناميبيا. وأسهم ذلك في ترسيخ موقع تنزانيا كمركز إقليمي للنضال المناهض للاستعمار.

وتجلّى التضامن المناهض للإمبريالية في تنزانيا أيضاً عبر استضافتها لإحدى أوائل سفارات فلسطين في أفريقيا، التي افتُتحت في العام 1973، حين كانت في ذلك الوقت مكتباً أو بعثةً لـ«منظمة التحرير الفلسطينية» (Magama, 2020). وظلّ الموقف التنزاني منسجماً مع الإجماع الأفروعمومي المبكر الداعم للقضية الفلسطينية. كما عبّرت تنزانيا عن موقفها المناهض للإمبريالية بأشكال متعددة من التضامن مع فيتنام وكوبا والصين منذ أواخر الستينيات وطوال السبعينيات، سواء على المستوى الحكومي أو من خلال النشاط الطلابي داخل القُطر (Burton, 2024).

ومن خلال هذه المسارات المتعددة، برز نيريري كمحور فكري يُرتكَن إليه ضمن حركة عدم الانحياز، واضعاً رؤيةً تتجاوز الحياد السلبي، نحو المشاركة النشطة في تقرير المصير، ومناهضة الإمبريالية، والسعي إلى إعادة بناء جذرية لنظام اقتصادي عالمي عادل. وقد تجلّى الاعتراف الدولي بمكانته عندما اختير رئيساً لـ«لجنة الجنوب» في العام 1987، وهو تجمع ضمّ مفكرين ورجال دولة من بلدان الجنوب، وجاء رداً مباشراً على نظام عالمي يفرض اختلالات بنيوية على دولهم. وأكّدت قيادته لهذه المبادرة دوره كمفكر أصيل لقضايا تضامن الجنوب العالمي، وتقرير المصير، والتنمية.

وفي العام 2009، منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة نيريري، بعد رحيله، لقب «البطل العالمي للعدالة الاجتماعية»، مؤكدةً أنه «ساعد على قيادة أفريقيا في الخروج من الاستعمار، نحو نظام اجتماعي واقتصادي يضع البشر، لا تعظيم الأرباح، في صميم العملية الاقتصادية» (Brockmann, 2009: 7).

وعلى الرغم من ضخامة الإرث الوطني والإقليمي والدولي لنيريري، يركّز هذا المقال على رؤاه في الفكر الصناعي والإنمائي تحديداً. ويتناول التحليل التالي الجوانب الاقتصادية لفلسفته، فلسفة «أوجاما» (Ujamaa)، ونهجه الإقليمي في التصنيع، ومحاور إطاره الثلاثة للسياسات: السيادة، والتنمية، وإحلال الواردات. وبعد هذا الاستعراض، يفحص المقال أسباب تهميش إرث نيريري الفكري في الخطاب الإنمائي المعاصر، قبل أن يختتم باستكشاف الكيفية التي يمكن من خلالها لأفكاره ورؤاه أن تُغني النقاشات الراهنة بشأن السياسات الصناعية في الجنوب العالمي اليوم.

الأساس الفِلاحي: أوجاما كمسار نحو التصنيع

«أوجاما» مصطلح سواحلي يعني «الجماعة» أو «العائلة الممتدة»، وقد أصبح مرادفاً للفلسفة الاجتماعية-السياسية التي صاغها نيريري، ولتأطيره المميّز لما عُرف بالاشتراكية الأفريقية. ولم تكن أوجاما مجرّد موقف أيديولوجي مجرّد، بل مشروعاً سياسياً متكاملاً يهدف إلى بناء الثقة بالنفس على المستوى الوطني. وقد ارتكزت آلياته على قيادة الدولة، والدعم الفني للتعاونيات الريفية، وتشكيل مجتمعات زراعية تُدير شؤونها ذاتياً، وكل ذلك في سبيل إحداث تحوّل بنيوي في الإنتاج الزراعي (Sheikheldin, 2015).

وفي قلب هذا المشروع، سعت أوجاما إلى المواءمة بين هدفين توأمين: المساواة والإنتاجية. وهما مفهومان رياديان ارتبطا بالبحث في «التكنولوجيات الملائمة» وبمقاربات التنمية التشاركية، ولا يزالان حتى اليوم موضع اهتمام أكاديمي عالمي (Morehouse, 1979; Sheikheldin, 2018). ومن العناصر اللافتة في إرث نيريري الفكري أن هذه المفاهيم لم تبقَ حبيسة التنظير، بل طُبّقت على مستوى الدولة بأكملها، وهو أمر نادر تاريخياً، أتاح اختبار إمكاناتها الواقعية، وكشف في الوقت نفسه عن التحديات الملازمة لها، وعن متطلبات السياسات الضرورية لإنجاحها.

أكّد نيريري باستمرار أن المسار التاريخي لأوروبا، الذي صاغته الثورة الصناعية، يختلف جذرياً عن المسار الأفريقي، ومن ثم فإن الاشتراكية في أفريقيا لا يمكن أن تكون محض استنساخ لوصفات جاهزة مستوردة من الخارج

وقد استندت رؤية نيريري لتنظيم العمل الاشتراكي في أفريقيا، وتنزانيا على وجه الخصوص، إلى مبدأين أساسيين. أولهما المركزية الموضوعية للاقتصاد الريفي، الذي يضم الغالبية الساحقة من السكان ويولّد القسم الأكبر من عوائد الدولة. وثانيهما التقدير العميق لأشكال التنظيم الاجتماعي الأفريقية التاريخية، ولا سيما أواصر القربى الممتدة وتقاليد الملكية الجماعية. واقترن ذلك برفض صريح للنموذج الاشتراكي المعياري، أو لفكرة تطبيق الاشتراكية وفق قالب واحد على سياقات تاريخية واجتماعية متباينة. فقد أكّد نيريري باستمرار أن المسار التاريخي لأوروبا، الذي صاغته الثورة الصناعية، يختلف جذرياً عن المسار الأفريقي، ومن ثم فإن الاشتراكية في أفريقيا لا يمكن أن تكون محض استنساخ لوصفات جاهزة مستوردة من الخارج (Nyerere, 1977c). وفي هذا السياق، نُقل عنه قوله الساخر والدال: «لو وُلد ماركس في سامباوانغا لكتب إعلان أروشا بدلاً من رأس المال» (Shivji, 2012: 108).

وانطلاقاً من هذه الأرضية، نظّر نيريري لمسار تنزانيا نحو المساواة والاشتراكية باعتباره مساراً فِلاحياً بالضرورة، يستند إلى الموارد الأساسية المتاحة في القارة: الأرض، والعمل، والقيم الجماعية والمجتمعية القائمة فعلياً. وقد برّر هذا الخيار بدوافع براغماتية وباعتبارات السيادة. فمن جهة، لم تمتلك تنزانيا رأسمالاً كبيراً ولا خبرات تقنية متخصصة تتيح إطلاق مسار تنموي قائم على الصناعة الثقيلة واسعة النطاق. كما أن الاعتماد على الموارد الخارجية لتأمين هذه المتطلبات كان، في نظره، ينطوي على مخاطر جدّية تهدد السيادة السياسية التي تحققت بشق الأنفس، وتفتح الباب أمام أشكال جديدة من التبعية. ومن جهة أخرى، رأى أن ارتفاع كلفة أدوات الزراعة الحديثة يجعل الملكية الفردية لوسائل الإنتاج الزراعي بعيدة المنال عن الغالبية الساحقة من السكان. وبناءً عليه، اعتبر أن تحقيق الكفاءة الإنتاجية يتطلب الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج الزراعي، مع اضطلاع الدولة بدور تنظيمي وداعم، يترجم تمثيلها للمواطنين في الممارسة الفعلية، لا في الخطاب فقط.

وتكررت هذه الأفكار في خطابات نيريري الموجهة إلى الشعب طوال الستينيات، وقد ربط بينها وبين تجارب التحرر الأفريقية، وأكّد أهمية المشروعات السياسية والإنمائية الملائمة للسياق التاريخي والاجتماعي للقارة. وقد شكّلت هذه الرؤية المهاد الأيديولوجي لمشروع «أوجاما» للقرى الجماعية (villagisation). ووفق هذا التصور، كانت قرى أوجاما وحدات سكنية وإنتاجية-زراعية متكاملة، تُفلح الأرض جماعياً باستخدام خدمات الدولة، وتوزّع المهام والعوائد عبر آليات ديمقراطية وتعاونية. وبعد تأسيس هذه القرى، جرى تأميم الأراضي التي كان الاستعمار قد استولى عليها، وتنظيم الانتفاع بما تبقى من الأراضي الزراعية عبر نظم إيجار تقودها الدولة (Patnaik et al., 2011).

في مرحلته الأولى بين 1968 و1973، حظي المشروع بدعم شعبي واسع، وارتفعت عوائد الدولة الزراعية في خلال السنة الأولى، متجاوزةً في أهميتها التدفقات المالية الأجنبية المتراجعة وغير الموثوقة (Ibhawoh & Dibua, 2003). غير أن الحفاظ على هذا الزخم الأوّلي تبيّن أنه أمر بالغ الصعوبة، إذ تباطأت المشاركة الطوعية، ويُعزى ذلك إلى حدّ كبير إلى غياب الحوافز المالية المباشرة للمزارعين الأفراد. وأدّى هذا إلى تحوّل في السياسات، فبحلول العام 1973 جرى التخلي عن الطابع التطوعي لمشروع القرى الجماعية، وأصبح السكن في قرى أوجاما إلزامياً لسكان المناطق الريفية.

وقد دفع السعي إلى رفع الإنتاجية ضمن إطار أوجاما نيريري إلى تجاوز حدود السياسة الزراعية الضيقة. فقد لفت إلى أن النساء الريفيات يعملن لساعات طويلة، في حين تلتزم قطاعات أخرى من السكان بأنماط عمل لا تتوافق مع متطلبات التنمية الوطنية (Nyerere, 1977a). كما دعا إلى إعادة نظر جذرية في التعليم، مطالباً بإعادة تصميم المناهج وبُنى النظام التعليمي، بما في ذلك سن الالتحاق بالمدارس، بهدف تخريج أفراد قادرين على خدمة مجتمعاتهم ودعمها، بدل تكريس التعليم كمسار نخبوية يتيح التقدم لقلة محدودة من أصحاب الامتياز (Nyerere, 1977d).

والأهم أن تركيز أوجاما على الفِلاحة والريف لم ينطوِ على رفض مبدئي للتحول الصناعي، بل على العكس، اعتُبر النهوض بالقطاع الزراعي مرحلة انتقالية ضرورية نحو التصنيع. فقد نظرت فلسفة أوجاما إلى الزيادة المتوقعة في الإنتاجية الزراعية بوصفها شرطاً مسبقاً لتوليد فائض رأس المال اللازم لتمويل التوسع الصناعي. وفي الوقت ذاته، تضمّن النموذج إدارة صناعات صغيرة النطاق بصورة تعاونية، لتصنيع المنتجات الزراعية. ولم تكن هذه الصناعات، بحسب التصور الأصلي، مصانع ضخمة كثيفة رأس المال، بل وحدات إنتاج لامركزية، تعتمد على العمالة المحلية والمواد الخام المحلية، وتتفادى الحاجة إلى استثمارات رأسمالية هائلة.

أما الصناعات الإستراتيجية اللازمة لخدمة السوق الوطنية، مثل مصنع نسيج «الصداقة» المدعوم صينياً، فقد أعطى نيريري أولوية واضحة للكفاءة اللوجستية، فتمّ توطينها في المراكز الحضرية حيث تتوافر بنى تحتية قائمة، بما يقلل من الكلفة الإضافية لإنشائها وتشغيلها (Nyerere, 1977b). وعلى هذا الأساس، صاغت فلسفة أوجاما تصوراً للتقدم الجدلي، يقوم فيه تحوّل القطاع الزراعي بتهيئة المهادين المادي والاجتماعي لمسار تنزاني لامركزي وفريد نحو التصنيع.

غير أن هذا النموذج لم يخلُ من ثغرة بنيوية أساسية، تمثلت في إغفاله للصراع الطبقي داخل المجتمع التنزاني، الأمر الذي أتاح للفلاحين الأكثر ثراءً استخدام القرى الجماعية لتعزيز مصالحهم وتوسيع نفوذهم داخل الريف (Shivji, 1970). 

سياسة الاعتماد الذاتي الصناعية: حرية وتنمية

كما هو الحال مع مختلف روافد مشروعه السياسي، انطلقت السياسات الصناعية لنيريري من أهداف كلية واضحة، تمحورت حول تحقيق الاعتماد الذاتي في تنزانيا، وتأمين الحرية والتنمية لشعبها. وقد شكّلت الصلة الجدلية بين الحرية والتنمية أحد أهم إسهاماته الفكرية، إذ بلور هذه الرؤية في وقتٍ كان الخطاب التنموي السائد يتجاهل مفهوم الحرية إلى حدّ بعيد. ففي فلسفة نيريري، لا تقوم الحرية – بما تشمل السيادة الوطنية، والتحرر من الجوع والفقر، وضمان الحريات الفردية – إلا على أسس مادية وفكرية متينة، تتمثل في اتساع الثروة والمعرفة داخل المجتمع، أي في التنمية ذاتها. وفي المقابل، أكّد أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر توجيه من شعب حر ودولة ذات سيادة، قادرين معاً على تحقيق مصالحهما باستقلال عن الإملاءات الخارجية (Nyerere, 1973). وقد شكّل هذا الإطار الجدلي الأساس النظري لإستراتيجيته الصناعية، ويتجلّى ذلك بوضوح في منطقه الداعم لسياسات إحلال الواردات، التي برّرها بوصفها ضرورة لتحرير الأمة من الوهن والاعتمادية الناتجين عن الحاجة المزمنة إلى النقد الأجنبي.

شكّلت الصلة الجدلية بين الحرية والتنمية أحد أهم إسهاماته الفكرية، إذ بلور هذه الرؤية في وقتٍ كان الخطاب التنموي السائد يتجاهل مفهوم الحرية إلى حدّ بعيد

وقد شكّل «إعلان أروشا» الصادر في العام 1967 المهاد الفكري والبرنامج العملي لأجندة نيريري الصناعية. وربطت هذه الوثيقة، التي صدرت عن «تانو» وصاغها نيريري بنفسه، بصورة صريحة بين ملكية وسائل الإنتاج من جهة، وأهداف الاعتماد الذاتي وبناء الصناعة الوطنية من جهة أخرى. ونصّ الإعلان على ملكية الدولة لقطاع واسع من الأصول الإستراتيجية، شملت «الغابات والمعادن والمياه والنفط والكهرباء والإعلام والاتصالات والبنوك وشركات التأمين وتجارة الواردات والصادرات وتجارة الجملة، وقطاعات الحديد والصلب وصناعة الآلات والأسلحة والسيارات والإسمنت والأسمدة وصناعة النسيج، وكل مصنع كبير يعتمد عليه قطاع واسع من الناس في معاشهم، أو ينتج مدخلات ضرورية لصناعات أخرى، فضلاً عن المزارع الكبيرة، ولا سيما تلك التي تنتج مواد خام أساسية للصناعات الحيوية».

وفي مقال تحفيزي مهم نُشر بعد شهر من إعلان أروشا (Nyerere, 1968a)، شدّد نيريري على أن بعض القطاعات يجب أن تكون مملوكة للدولة ملكية مباشرة وصريحة، واصفاً إياها بالسبل الأساسية للإنتاج والتبادل، مثل المعادن والكهرباء والاتصالات والأسمدة، والقطاعات المورّدة للمواد الخام للصناعات الأساسية. وأضاف إلى ذلك صناعة الأسلحة، مؤكداً أنه لا ينبغي السماح لأي استثمار خاص في «أدوات الموت» هذه. أما في القطاعات الأخرى التي قد تستوعب مستثمرين، فقد أصرّ على ضرورة احتفاظ الدولة بحصة الأغلبية. وسرعان ما تُرجمت هذه المبادئ إلى برنامج واسع للتأميم والاستثمار بقيادة الدولة.

وازداد الطابع الراديكالي لهذه السياسة في منشور لاحق بعنوان «الاشتراكية والتنمية الريفية» (Nyerere, 1977c)، حيث اقترح نيريري أن تكون حصص الحكومة في الشركات المشتركة بين القطاعين العام والخاص – كلما أمكن – مملوكة لتعاونيات العمال، بما يعمّق نموذج ملكية المواطنين. وفي السياق نفسه، أكّد على توظيف أرباح الشركات العامة في خدمة التنمية الوطنية وتحقيق الرفاه الاجتماعي.

وقد أسهم هذا الإطار في إنشاء عدد من الشركات العامة التي اضطلعت بدور قيادي في الاقتصاد، من بينها شركة الكهرباء التنزانية «تانيسكو»، والشركة الوطنية للتنمية، وهي شركة قابضة ضمّت مؤسسات عامة في قطاعات الإسمنت والنسيج والجعة وغيرها من السلع الاستهلاكية. واستكمل نيريري نموذج الملكية العامة هذا بسياسات عمالية تقدمية، شملت فرض حد أدنى للأجور على المستوى الوطني.

وكان نهجه في تنظيم السوق براغماتياً إلى حدّ بعيد. ففي خطاب رئاسي في العام 1967، تناول تعقيدات ضبط الأسعار، موضحاً أن توحيدها على مستوى البلاد لن يكون ممكناً ما لم تدعم الدولة وسائل النقل، بما يسمح بفرض بنية تكاليف متقاربة على الباعة (Nyerere, 1977a). واستخدم هذا المثال للتحذير من تطبيق أدوات تنظيمية دوغمائية بصورة متعجلة، تتجاهل الفوارق الاقتصادية الجهوية والمحلية، مقترحاً بدلاً من ذلك إنشاء مجلس وطني يتولى مسألة ضبط الأسعار.

وفي العام 1970، أصدر نيريري قراراً رئاسياً يقضي بـ«مشاركة العمال» في إدارة الشركات العامة. وبموجب هذا التعميم، أُنشئت مجالس عمالية تضم ممثلين عن العمال والإدارة العليا، وتعمل كهيئات استشارية ضمن مجالس إدارات الشركات. وقد صُمّمت هذه المبادرة للحد من النزاعات الصناعية، ولمواجهة اغتراب العمال، وتحسين الإنتاجية عبر تعزيز منطق الملكية الجماعية. غير أنّ الفترة اللاحقة، بين 1971 و1976، شهدت تصاعداً في الخلافات والإضرابات الصناعية. ويعزو الباحثون ذلك إلى سياسة الإبقاء على كوادر الإدارة من حقبة ما قبل التأميم، وإلى الدخول في اتفاقات إدارة مع الشركات متعددة الجنسيات نفسها التي جرى تأميم أصولها (Shivji et al., 2020). وقد أفضى ذلك إلى صراع طبقي حاد وغير منظّم بين العمال من جهة، والإدارة ورأس المال الأجنبي من جهة أخرى، بما يعكس مرة أخرى كلفة تجاهل الصراع الطبقي المحلي، كما حدث سابقاً في القطاع الزراعي.

الرسالة الجوهرية لعدم الانحياز تتمثل في «تأكيد حق الدول الصغيرة والأضعف عسكرياً في رسم سياساتها بما يحقق مصالحها»

وفي سياق إعطائه الأولوية للقطاعات التي تعزّز الاعتماد الذاتي عبر إحلال الواردات البسيطة وتصنيع المنتجات الزراعية، لم يستبعد نيريري السعي إلى اكتساب التكنولوجيا الحديثة، بل شدّد على توظيفها بصورة استراتيجية. فقد أكّد بوضوح أن الهدف ليس تبنّي أحدث الماكينات في العالم، بل استخدام التكنولوجيا بالقدر الملائم لمستوى مهارات قوى العمل المحلية، بما يجنّب البلاد نشوء تبعيات جديدة للخبرات الأجنبية (Nyerere, 1977b).

وفي المقابل، استثمرت تنزانيا أيضاً في مشروعات إستراتيجية طموحة لتسريع بناء قدراتها التكنولوجية الوطنية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مشروع التعلم التكنولوجي في مجال محركات السيارات، الذي قادته منظمات البحث والتطوير التنزانية، إلى جانب مركز تكنولوجيا السيارات التنزاني وهيئة التصميم الهندسي والصناعي. وقد نجح هذا المشروع، الممول حكومياً، في محاكاة وتصنيع محرك احتراق داخلي معقد التصميم 1، وأسهم في تدريب جيل كامل من المهندسين والفنيين التنزانيين. وعلى الرغم من أن التوسع التجاري في إنتاج هذا المحرك لم يتحقق، نتيجة التحولات السياسية اللاحقة وضغوط إعادة الهيكلة بعد نهاية حكم نيريري (1961–1985)، فإن المشروع يظل شاهداً حياً على البنى التحتية التقنية والمؤسساتية التي أفرزتها سياساته الصناعية والاقتصادية والتعليمية.

ويُظهر هذا المثال أن سياسات نيريري الصناعية، على الرغم من ما شابها من قصور وكان يمكن تحسينه، خلّفت إرثاً يتضمن تجارب نجاح حقيقية تستحق الدراسة والتعلّم. وهي خلاصة لا تقتصر على الحالة التنزانية، بل تمتد دلالتها إلى بلدان الجنوب العالمي التي تواجه اليوم تحديات مشابهة، وتسعى، كما سعت تنزانيا في ذلك الحين، إلى تحقيق الاعتماد الذاتي، والحرية، والتنمية.

التكامل الإقليمي كنموذج للاعتماد الذاتي الجماعي

في معرض عرضه لفلسفته عن «الاعتماد الذاتي»، شدّد نيريري بوضوح على أن هذا المفهوم لا يعني الانكفاء أو العزلة، بل يشكّل شرطاً سابقاً لإقامة نمط أكثر عدالة ومساواة من التعاون الدولي. فقد قدّم الاعتماد الذاتي بوصفه أساساً للسيادة الجماعية، حيث تستطيع الأمم المتحرّرة من علاقات التبعية أن تنخرط في شراكات حقيقية. ويُجسّد مثاله الشهير عن صناعة الحديد والصلب هذا المنطق بجلاء. إذ رأى نيريري أن دولة واحدة، تفتقر إلى رأس المال الكافي، لا يمكنها تحمّل كلفة إنشاء صناعة وطنية للحديد والصلب، على الرغم من أن هذه الصناعة تُعد من ركائز التنمية والتصنيع في العصر الحديث. غير أن تجميع الاستثمارات والموارد بين دول متجاورة يحوّل هذا المشروع من طموح وطني غير قابل للتحقق إلى مشروع إقليمي مجدٍ اقتصادياً وقابل للتنفيذ. فهذا النموذج لا يخفّف الأعباء عن كل دولة على حدة فحسب، بل يضمن أيضاً قيام أسواق إقليمية أوسع لاستيعاب الإنتاج، بما يعزّز استدامة المشروع وقوته.

وانطلاقاً من هذا التصور، أكّد نيريري أن الوحدة الاقتصادية يجب أن تسند التحالفات السياسية، وهي فكرة شكّلت محوراً أساسياً في خطابه الافتتاحي للاجتماع التحضيري لمؤتمر حركة عدم الانحياز في دار السلام في العام 1970 (Nyerere, 1974). ففي ذلك الخطاب، شدّد على أن الرسالة الجوهرية لعدم الانحياز تتمثل في «تأكيد حق الدول الصغيرة والأضعف عسكرياً في رسم سياساتها بما يحقق مصالحها». غير أنه حذّر من أن هذا الحق السياسي يظل مجرّد إعلان نظري إذا لم يُدعَم بقدرة اقتصادية فعلية. فالوهن الاقتصادي، بحسب نيريري، هو ما يتيح «للقوى الكبرى» فرض إرادتها على الدول الأضعف، حتى من دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة. ومن هنا، أرجع أحد أهم أسباب هذا الوهن إلى نقص رأس المال والخبرات التقنية في بلدان الجنوب العالمي، ما يحدّ من قدرتها على تجاوز حالة الضعف الاقتصادي.

وبناءً على ذلك، حاجج نيريري بضرورة أن تتحوّل حركة عدم الانحياز إلى تحالف اقتصادي أيضاً، لا يقتصر على التنسيق السياسي. وطرح في هذا السياق أمثلة عملية، من بينها التشارك في الاستثمارات الصناعية الكبرى، وتنفيذ مشاريع بنية تحتية مشتركة، وإبرام اتفاقات تجارية مصمّمة خصيصاً لبناء القدرات الإنتاجية، وخلق أسواق تفضيلية متبادلة، بما يترجم التزام الحركة المعلن بالاستقلال السياسي إلى واقع اقتصادي ملموس.

وقد جرى تطوير هذه الرؤية وصياغتها بصورة أكثر تفصيلاً من خلال «لجنة الجنوب» (أو مفوضية الجنوب)، وهي مبادرة رفيعة المستوى أُطلقت في العام 1987، وضمت قادة ومفكرين بارزين من بلدان الجنوب العالمي، وأسستها حركة عدم الانحياز وترأسها نيريري نفسه 2. وفي تقريرها البارز المعنون «تحديات الجنوب»، الصادر في العام 1990 (Nyerere & Independent Commission of the South on Development Issues, 1990)، قدّمت اللجنة إطاراً فكرياً وسياساتياً شاملاً للتعاون بين دول الجنوب في مجالات التنمية الكبرى. وتناول التقرير، من بين قضايا أخرى، ترتيبات التجارة الدولية والعمل الجماعي، وإمكانات التكامل الإقليمي في ميادين الصناعة والتكنولوجيا، مقدّماً أطروحات نوعية بديلة للنماذج النيوكولونيالية والنيوليبرالية السائدة آنذاك. وفي الوقت نفسه، دعا التقرير إلى مسارات تنموية قائمة على الاعتماد على الذات، ولكن على أساس تضامن جنوبي واسع وقاعدة جماعية صلبة.

حينما جرى التطرّق إلى بعض عناصر تجربة نيريري، بما في ذلك مرحلة «أوجاما» في تنزانيا، غالباً ما قُدّمت ضمن سرديات اختزالية تُركّز على الإخفاقات، أو تُصوّر التجربة بوصفها مثالاً على الفرص الضائعة

ولم يقتصر التزام نيريري بأفكار التكامل الإقليمي على التنظير الفكري، بل تجسّد أيضاً في ممارساته السياسية العملية الهادفة إلى توحيد الأمم الأفريقية، من خلال أطر متعددة، من بينها الدفع نحو إنشاء منطقة تجارة تفضيلية لشرق وجنوب أفريقيا. ولم تكن هذه الجهود الفكرية والسياسية هامشية في مشروع نيريري، بل مثّلت امتدادات منطقية له، وجزءاً لا يتجزأ من استراتيجية شاملة تهدف إلى بناء قاعدة اقتصادية إقليمية قادرة على الصمود في وجه ضغوط نظام عالمي غير متكافئ، وضمان مستقبل تؤسّسه السيادة الجماعية.

تآكل إرث نيريري: لماذا خفت صوته بين روافد الخطاب السائد؟

عند نشر تقرير «لجنة الجنوب» في العام 1990، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من جميع أجهزتها دراسة توصيات التقرير وإدماجها في أعمالها. وفي العام نفسه، صدر أول «تقرير للتنمية البشرية» بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. في ذلك التوقيت، كان نيريري قد ألّف بالفعل عدداً من الكتب التي نشرتها مطبعة جامعة أوكسفورد، وحظي بعضها بإشادة واسعة من مراجعي الكتب. ومنذ السبعينيات وحتى مطلع الثمانينيات، كان اسمه حاضراً بقوة في النقاشات الدائرة عن الحوكمة والتنمية في الجنوب العالمي، بما في ذلك في الأوساط الأكاديمية المرموقة في بلدان الشمال. وحتى أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، ظل نيريري فاعلاً ومؤثراً في الدوائر المعنية بالتعاون بين دول الجنوب.

غير أنّ هذا الحضور بدأ يتراجع تدريجياً منذ أواسط التسعينيات، لتتقلّص المعرفة بإسهاماته الفكرية على نحو ملحوظ بحلول الألفية الجديدة. وقد تزامن هذا التراجع مع مرحلة شدّدت فيها النيوليبرالية قبضتها على السياسات العامة في أفريقيا، وعلى حقل دراسات التنمية الأكاديمي، بالتوازي مع هيمنة برامج إعادة الهيكلة، وانتشار الخطابات التنموية التي روّجت لها المؤسسات المالية الدولية. صحيح أنّ «جيوب مقاومة» محدودة ظلت قائمة داخل أوساط باحثي التنمية وبعض صانعي السياسات، وواصلت إنتاج أدبيات نقدية مهمّة توثّق «السنوات العصيبة» التي مرّت بها التنمية الأفريقية (أنظر.ي مثلاً: Adésínà, 2009; Mkandawire, 1999, 2001)، إلا أنّ الصورة العامة بقيت قاتمة.

في تلك اللحظة التاريخية، كان المناخ الفكري والسياسي السائد على النقيض تماماً من مواقف نيريري المناهضة للإمبريالية، والداعية إلى الاشتراكية، والحراك الأفروعمومي، وإلى تبنّي نموذج الدولة التنموية، والسياسات الصناعية، والاعتماد الذاتي، والتعاون بين دول الجنوب. وقد ازدادت المؤسسات المالية الدولية جرأة في ترسيخ هذا المسار، مدعومة بخطابات سياسية واقتصادية هدفت إلى تثبيط أي محاولة جادة لاستعادة النموذج الذي مثّله نيريري. ومن حين إلى آخر، كان يُشار إلى اسمه أو إرثه إشارة شرفية عابرة، من دون أن يتجاوز ذلك حدود المجاملة الرمزية. ونادراً ما تناولت الأجيال اللاحقة من باحثي التنمية الأفارقة – ولا سيما الاقتصاديين – أو صانعي القرار، أو مديري منظمات المجتمع المدني، أو حتى «النشطاء» ومستشاري المؤسسات المالية الدولية، فكر نيريري أو تجربته بجدّية. بل إن كثيرين لم يكونوا على دراية بأعماله الفكرية من الأساس.3

والحق أن هذا التهميش لم يقتصر على إرث نيريري وحده، بل طال، بدرجات متفاوتة، إرث عدد من قادة التحرّر الوطني الأفارقة، مثل أميلكار كابرال وروبرت سوبوكوي وغيرهما. وفي السنوات الأخيرة، حينما جرى التطرّق إلى بعض عناصر تجربة نيريري، بما في ذلك مرحلة «أوجاما» في تنزانيا، غالباً ما قُدّمت ضمن سرديات اختزالية تُركّز على الإخفاقات، أو تُصوّر التجربة بوصفها مثالاً على الفرص الضائعة. 

غير أنّ هذا الإهمال يشهد، في اللحظة الراهنة، مرحلة من المراجعة النقدية. فقد بدأ عدد متزايد من الباحثين الأفارقة المعنيين بالتنمية، إلى جانب صانعي السياسات الإنمائية، في إعادة النظر في الأفكار والرؤى التي بلورتها مرحلة التحرر الوطني والعقود الأولى من الاستقلال السياسي (Adésínà, 2009; Oqubay, 2015; Sheikheldin, 2015). وعادت إلى صدارة النقاش قضايا مثل الدولة التنموية، والسياسات الصناعية، والتكامل الإقليمي الأفريقي، والتعاون بين دول الجنوب (Chang et al., 2016; Cramer et al., 2020; Sheikheldin, 2025; Wade, 2018). وفي هذا السياق، يشهد إرث نيريري بعثاً جديداً، من خلال مقاربات فكرية تتعامل معه بتقدير جاد، من دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن النقد الصارم.

ما أغفلته تجربة نيريري: الاشتباك النقدي مع إرثه

إن أي تناول وتقييم لإرث نيريري يقدره حق قدره يجب أن يكون نقدياً في الوقت نفسه. هكذا يمكننا البناء على الرؤى والنجاحات التي يمثّلها هذا الفكر مع إعادة النظر في مثالبه النظرية والعملية. في هذا القسم، نسلط الضوء بشكل موجز على بعض مواطن النقد لإرث نيريري.

من النقاط الأساسية، نظرياً وإستراتيجياً، في الأسس الفلسفية لفكر نيريري الإخفاق المبكّر في فهم الصراع الطبقي في تنزانيا المستقلة. ففي كتاباته التأسيسية، مثل إعلان أروشا، عالج نيريري «تنجانيقا/تنزانيا المستقلة» وكأنها منطقةٌ خاليةٌ من الصراع الطبقي، لم تتلوّث بعد بالصراعات والخلافات بين الطبقات في مجتمع ما بعد الاستعمار. لقد رأى نيريري فرصة لإعادة البناء قبل ظهور علاقات الإنتاج الرأسمالية، لكن عدداً من الباحثين الجادّين في إرث نيريري الفكري اعتبروا هذه النقطة من الجوانب الإشكالية في إطاره النظري، نظراً إلى أن مجتمع تنجانيقا/تنزانيا كانت قد ظهرت عليه بالفعل بوادر التناقضات الطبقية في مرحلة ما بعد الاستعمار (Rodney, 1972; Shivji, 1970). وقد انعكست هذه المثالب النظرية والإستراتيجية، بطبيعة الحال، في إطاره الخاص بالتخطيط وصناعة القرار.

أي سياسة تقدّمية اقتصادياً يجب أن تُصمّم استناداً إلى تحليل واضح تماماً لبُنى القوّة الوطنية، كي تتجنَّب هيمنة البرجوازية الكمبرادورية والطبقات الريعية عليها، أو تحوُّلها إلى نسخة من «التنمية» التي تروّج لها المؤسسات والقوى النيوليبرالية

إضافةً إلى ذلك، فإن مرحلة القرى الجماعية الإجبارية (أو التجميع القروي) لتنفيذ أوجاما – وقد ناقشناها سلفاً في هذا المقال – أصبحت الهدفَ الأساسي لانتقادات مشروع أوجاما وإرث نيريري بالكامل. وبينما ثبت، بشكل خطير، غياب اتساق المرحلة الإجبارية من تسكين الفلاحين مع فكر وممارسة أوجاما في المجمل – ولهذا السبب فهي مرحلة مستحقّة للنقد – فإن هناك دراسات قدّمت روايات متوازنة لمشروع أوجاما في مجمله (Freyhold, 1979; Hydén, 1980).

ثمّة جانبان من المهم تسليطُ الضوء عليهما في هذا الصدد. الأوّل هو أن التجميع القروي الإجباري سجّل «نجاحات» في دول أخرى، إذ حقّق الأهداف التي طُبِّق من أجلها، والتي تشمل أن يُنتِج الفلّاحون فائضاً كبيراً يمكن للدولة استثماره في التحوّل الاقتصادي والتصنيع، فضلاً عن المساعدة على التخطيط الإسكاني، بما يسمح بتقديم الخدمات العامة وتنمية البنية التحتية للسكان. فقد «نجح» التوطين الجماعي الزراعي في الاتحاد السوفياتي (Davies, 1980) وفي الصين بهذا المعنى، أي حقّق الأهداف المقصودة منه، واشتمل على قسرٍ وإجبارٍ أكبر ممّا حدث في مرحلة التجميع القروي الإجباري لأوجاما. وبهذا المعنى، لا يمكن وصف التجميع القروي الإجباري نفسه بأنه «السبب» وراء فشل أوجاما.4

أمّا الجانب الثاني، فهو أن خطة أوجاما بدأت بالتجميع القروي الطوعي، ونجحت بقدر نسبي في تلك المرحلة. غير أن دراسات فريهولد (1979) وهايدن (1980) وغيرهما سلّطت الضوء على جملة من العوامل الخارجية – تشمل الجفاف المطوّل غير المتوقَّع في تنزانيا، والتدخّلات الإشكالية من هيئاتٍ مثل البنك الدولي – التي أسهمت في تزايد الضغوط. وكان من بين هذه العوامل أيضاً تباطؤ معدّل التجميع القروي الطوعي، على النقيض من المرحلة المبكِّرة لأوجاما. وفي نهاية المطاف، وبعد نجاح مبكّر، عانت خطط أوجاما من صعوبات في التنفيذ المستمر. وكان التجميع القروي الإجباري بمثابة محاولة إنقاذ لم تُحقّق النتيجة المرجوّة منها، لكنه لم يكن هو نفسه سبب الإخفاق. وفي هذا السياق، يحمل النجاح النسبي لأوجاما من الدروس المستفادة بقدر ما تحمل إخفاقاته من دروس.

تسلِّط بعض الدراسات كذلك الضوء على التضارب بين الإستراتيجية والإدارة التشغيلية في مشروع أوجاما، بوصف هذا التضارب إشكاليةً أخرى من إشكاليات إرث نيريري (Sheikheldin, 2015). وتُبرز هذه الحجة المثالبَ والمشكلات التقنية والإدارية. والحقّ أن نيريري نفسه أشار إلى بعض هذه المشكلات، بوصفها نقداً ذاتياً للتجربة. فعلى سبيل المثال، تحدّث عن خطأ التعجّل في تأميم بعض الصناعات قبل ضمان توفُّر ما يكفي من القدرات البشرية والمؤسسية في القطاع العام التنزاني لإدارتها إدارة جيدة، وهو ما فتح، في الوقت نفسه، باباً خلفياً أمام الشركات الأجنبية التي كانت تملك تلك المنشآت الصناعية للعودة عبر عقود الإدارة.

بينما نحن بصدد أفول لحظة «القوّة العالمية الكبرى» الوحيدة، فإن ظهور عالم متعدّد الأقطاب ليس ضمانة للخلاص من هذا الوضع

وثمّة انتقاد آخر يتمثّل في أنه، على الرغم من انشغال نيريري بمكافحة الفساد وسياقه، وتعاطيه مع فساد القيادة السياسية، فإنه لم ينجح، في نهاية المطاف، في إعادة إنتاج وتوسيع نموذج قيادته الرفيعة المستوى داخل النخبة الحاكمة. وكما أوضح بعض الباحثين، فإنه حين تنحّى نيريري عن رئاسة تنزانيا لم يكن في الصفوف الأولى للحزب الحاكم من هو مستعدّ للدفاع صراحة عن مشروعه، وفي ذلك دلالات مهمّة. وفي أيامه الأخيرة، أصبح نيريري أكثر وعياً بالحاجة إلى إحداث تحوّلات في جهاز الدولة والنخبة الحاكمة، وكذلك في المشهدين الاجتماعي-السياسي والاجتماعي-الاقتصادي على نحوٍ أعمّ. وفي العام 1995، وفي خلال اجتماع عامّ للحزب الحاكم (حزب الثورة، CCM)، قال مقولته المشهورة: «التنزانيون يريدون التغيير، وإذا لم يجدوه في الحزب فسوف يسعون إليه خارج الحزب».

في المجمل، فإن ما أغفلته تجربة نيريري بالغ الدلالة وبعمق؛ إذ يوضّح أن أي سياسة تقدّمية اقتصادياً يجب أن تُصمّم استناداً إلى تحليل واضح تماماً لبُنى القوّة الوطنية، كي تتجنَّب هيمنة البرجوازية الكمبرادورية والطبقات الريعية عليها، أو تحوُّلها إلى نسخة من «التنمية» التي تروّج لها المؤسسات والقوى النيوليبرالية. ومن الدروس المستفادة أيضاً أنه، بغضِّ النظر عن مدى صحّة النظرية، فإنها لا تستطيع إثبات نفسها في غياب إستراتيجية جيِّدة. ودون تنفيذٍ فعّال، وبناء القدرات اللازمة لذلك التنفيذ، لن تسود حتى الإستراتيجية السليمة. وفي تعاملنا مع إرث نيريري – وإرث غيره من المفكِّرين الرؤيويين من ماضينا – علينا أن نتذكَّر المبدأ الأساسي القائل بأن «الرؤية تُلهم، والممارسة تُعلِّم» (Shivji, 2008).

استعادة الإرث: بوصلة نيريري من أجل جنوب عالمي جديد

إن التهديدات البنيوية التي شخّصها نيريري في الستينيات من القرن العشرين قد تجسّدت قوية في صورة أصفاد تُقيِّد التنمية في الجنوب العالمي حالياً. فمخاطر التبعية الاقتصادية، وإخفاق المشروع النيوليبرالي، والصلة القوية بين السيادة الوطنية والحرية الإنسانية، كلّها ليست بالحواشي التاريخية، إنما هي حقائق مُعاشة. في الواقع، وعلى الرغم من أن الخطاب النيوليبرالي بدأ يفقد أرضيّته على جبهة الدوائر الأكاديمية وفي الممارسة، فإنه ما زال يهيمن على السياسة. وقد تزايدت أعباء الديون على أقطارنا، ما منح المؤسّسات المالية الدولية قدرة غير مسبوقة على إملاء السياسات الداخلية. وبينما نحن بصدد أفول لحظة «القوّة العالمية الكبرى» الوحيدة، فإن ظهور عالم متعدّد الأقطاب ليس ضمانة للخلاص من هذا الوضع. ومن دون وضع إستراتيجيات جماعية واضحة، وتجديد المبادرات المتعلّقة بالسيادة الجماعية التي تعلّمناها من حركة عدم الانحياز، ولجنة الجنوب، والتجارب الأخرى، يُخاطر الجنوب العالمي بألّا يحدث له شيء سوى إحلال سادة جدد بدلاً من السادة القدامى.

إن الأزمات الوجودية الجديدة تُفاقم التحدّيات المزمنة، وتشمل: انعدام اليقين في ما يخصّ تغيّر المناخ، والنزوح بسبب الحروب والنزاعات، والجوائح. ومثل حالات الطوارئ هذه – في تاريخنا الحديث – كثّفت من الاحتياج إلى الاعتماد على الذات في السلع الإستراتيجية، واستدعت ضرورة توفّر نظم رفاه اجتماعي قويّة تكفلها الدولة.

في هذا المشهد المعقّد، يمكن لطرح نيريري في صياغة العلاقة الجدلية بين الحرية والتنمية أن يقدّم بوصلة لا غنى عنها لصوغ السياسات الصناعية. فهو يوجّهنا نحو نماذج تتمركز حول الناس، وتُعلي أولوية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. إن فلسفته، التي يقودها هدف توسيع نطاق الحريات، توفّر إطاراً هامّاً لا غنى عنه للسير على خيطٍ رفيع بين التنمية والإفقار. وهو يتحدّانا كي نرسم مسارات نحو التحوّل الصناعي لا تقود إلى الحدّ من الحرية عبر الانهيار البيئي، والحروب على الموارد، أو اللامساواة في توزيع الثروة. كما أن تجاربه الموسّعة حول الملكية الجماعية، وملكية العمّال، والديمقراطية المباشرة – حتى وإن لم تكن ناجحةً بالكامل – ما زالت بمثابة مخزن لا غنى عنه للمعرفة العملية. وهي تقدّم لنا – على سبيل المثال – رؤىً مهمّة عن محاولاتنا المعاصرة لحلّ المعضلات المزمنة، مثل تدخل الدولة والديمقراطية. وكما أوضح نيريري نفسه بجلاء: «إذا لم يشارك الشعب في الملكية العامة ولم يتمكّن من السيطرة على السياسات ذات الصلة، فسوف تؤدّي الملكية العامة إلى الفاشية وليس الاشتراكية. وإذا لم يكن للناس سيادة، فسوف يعانون من طغيان بشع يُفرَض عليهم باسمهم» (Nyerere, 1968b).

كما أن مقترحات نيريري عن التكامل الإقليمي تكتسب أهميّة بالغة بدورها في اللحظة الراهنة. ففي عصر تشظّي سلاسل القيمة وتوزّعها عبر العالم، والتسلّح بأدوات اقتصادية مثل العقوبات والتعريفات الجمركية، يصبح منطق الاعتماد على الذات والتعاون بين بلدان الجنوب بشكل مستقلٍّ (أي بلا خضوعٍ للإمبراطورية) ضرورة إستراتيجية. وبينما قد لا نعتبر تكتيكات نيريري في ملفّ التصنيع عبر تنمية الزراعة أولاً برنامجاً موحّداً صالحاً لكلّ الحالات، فإن نهجه في تصميم خارطة طريق صناعية تتوازن فيها الموارد المتوفّرة مع الأهداف الإنمائية الواضحة التعريف يشكّل دليلاً قويّاً على أهمية تحرّي السياسات الملائمة للسياق في مجال التحوّل الصناعي.

ثمّة دافعية فكرية مُلحّة لاستعادة إسهامات «مواليمو»5 ج. ك. نيريري في نقاشات التنمية والسياسات الصناعية. فإرثه ليس مجرّد أثرٍ من الماضي ينتمي إلى الأرشيفات، بل هو تقاليد حيّة في فلسفة الجنوب الاشتراكية، ومورد ثريّ ومهمّ وعملي لأي مشروع يسعى إلى بناء مستقبل تكون فيه الحرية نتاجاً لنظام اقتصادي عادل.

نُشِر هذا المقال في 30 كانون الأول/ديسمبر 2025 على موقع المعهد العابر للقوميات (TNI)، ونُشِرت النسخة العربية منه على موقع «صفر» بموجب شراكة مع الجهة الناشرة. 

 

المراجع

Adésínà, J. O. (2009). Social policy in sub‐Saharan Africa: A glance in the rear‐view mirror. International Journal of Social Welfare, 18(s1). https://doi.org/10.1111/j.1468-2397.2009.00629.x 

Brockmann, M. D. (2009). Address by the President of the Sixty-Third Session of the United Nations General Assembly, at the Launch of the World Day of Social Justice. United Nations.

Burton, E. (2024). Frontline Citizens: Liberation Movements, Transnational Solidarity, and the Making of Anti-Imperialist Citizenship in Tanzania. International Review of Social History, 69(S32), 197–225. https://doi.org/10.1017/S002085902400004X 

Chang, H., Grabel, I., & Wade, R. (2014). Reclaiming Development: An Alternative Economic Policy Manual (2nd ed). Zed Books.

Chang, H.-J., Hauge, J. L., & Irfan, M. (2016). Transformative industrial policy for Africa. UNECA.

Cramer, C., Sender, J., & Oqubay, A. (2020). African Economic Development: Evidence, Theory, Policy (1st ed.). Oxford University PressOxford. https://doi.org/10.1093/oso/9780198832331.001.0001 

Davies, R. W. (1980). The Socialist offensive: The collectivisation of Soviet agriculture, 1929-1930. Harvard University Press.

Freyhold, M. von. (1979). Ujamaa villages in Tanzania: Analysis of a social experiment. Monthly Review Press.

Hydén, G. (1980). Beyond Ujamaa in Tanzania (Reprint 2020). University of California Press. https://doi.org/10.1525/9780520312593 

Ibhawoh, B., & Dibua, J. I. (2003). Deconstructing Ujamaa: The legacy of Julius Nyerere in the quest for social and economic development in Africa. African Journal of Political Science, 8(1), 59–83.

Magama, T. (2020, June 5). Palestine, Julius Nyerere and international solidarity. Middle East Monitor. https://www.middleeastmonitor.com/20200605-palestine-julius-nyerere-and-international-solidarity/ 

Mkandawire, T. (1999). Globalization and Africa’s Unfinished Agenda. Macalester International, 7(Spring), 71–107.

Mkandawire, T. (2001). Thinking about Developmental States in Africa. Cambridge Journal of Economics, 25(3), 289–313.

Morehouse, W. (1979). Science, Technology, Autonomy, and Dependence: A Framework for International Debate. Alternatives: Global, Local, Political, 4(3), 387–412. https://doi.org/10.1177/030437547900400308 

Msekwa, P. (2005). Tanganyika’s Independence Struggle. First Magazine, 40–42.

Mwakikagile, G. (2006). Life Under Nyerere. New Africa Press.

Nyangoro, J. (2002). The Challenge of Development in Tanzania. In D. McDonald & E. N. Sahle (Eds.), The Legacies of Julius Nyerere: Influence on Development Discourse and Practice in Africa. Africa World Press, Inc.

Nyerere, J. K. (1968a). Detailing public ownership: Public ownership in Tanzania (published in the Sunday News of 12 February 1967). In Freedom and Socialism: Uhuru Na Ujamaa; a Selection from Writings and Speeches, 1965-1967. Oxford University Press. 

Nyerere, J. K. (1968b). The Varied Paths to Socialism, Address to Cairo University, 10 April 1967. In Ujamaa—Essays on socialism. Oxford University Press.

Nyerere, J. K. (1973). Freedom and Development: A Selection from Writings and Speeches 1968-1973. Oxford University Press. 

Nyerere, J. K. (1974). Opening address to the Preparatory Meeting of the Non-Aligned Nations Conference, Dar es Salaam. 13 April 1970. In Man and Development. Oxford University Press. 

Nyerere, J. K. (1977a). After the Arusha Declaration: Presidential address to the TANU National Conference, 17 October 1967. In Ujamaa—Essays on socialism. Oxford University Press.

Nyerere, J. K. (1977b). Purpose of Man—A speech at Dar es Salaam University college, 5 August 1967. In Ujamaa—Essays on socialism. Oxford University Press.

Nyerere, J. K. (1977c). Socialism and Rural development, (a policy booklet published in September 1967). In Ujamaa—Essays on socialism. Oxford University Press.

Nyerere, J. K. (1977d). The Arusha Declaration. In Ujamaa—Essays on socialism. Oxford University Press.

Nyerere, J. K. & Independent Commission of the South on Development Issues. (1990). The Challenge to the South: The Report of the South Commission. Oxford University Press. 

Oqubay, A. (2015). Made in Africa: Industrial Policy in Ethiopia (1st ed.). Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780198739890.001.0001

Patnaik, U., Moyo, S., & Shivji, I. G. (2011). The agrarian question in the neoliberal era: Primitive accumulation and the peasantry. Pambazuka.

Rodney, W. (1972). Tanzanian Ujamaa and Scientific Socialism. African Review, 1(4), 61–76.

Saul, J. S. (2012). Tanzania fifty years on (1961–2011): Rethinking ujamaa, Nyerere and socialism in Africa. Review of African Political Economy, 39(131). https://doi.org/10.1080/03056244.2012.662386 

Sheikheldin, G. (2018). Liberation and Technology: Development possibilities in pursuing technological autonomy. Mkuki na Nyota Publishers; JSTOR. https://www.jstor.org/stable/j.ctvh8qzw7 

Sheikheldin, G. H. (2015). Ujamaa: Planning and Managing Development Schemes in Africa, Tanzania as a Case Study. The Journal of Pan African Studies, 8(1), 78–96.

Sheikheldin, G. H. (2025, January 7). Recalling earlier Pan-African development debates: Nyerere, South Commission, and developmental states. Pan-Africanism in the Contemporary World: Policy, Politics, and Practice, Addis Ababa.

Shivji, I. G. (1970). Tanzania: The Silent Class Struggle. Zenit.

Shivji, I. G. (2012). Nationalism and pan-Africanism: Decisive moments in Nyerere’s intellectual and political thought. Review of African Political Economy, 39(131). https://doi.org/10.1080/03056244.2012.662387 

Shivji, I. G. (with Organization for Social Science Research in Eastern and Southern Africa). (2008). Pan-Africanism or pragmatism? Lessons of the Tanganyika-Zanzibar union. Mkuki na Nyota Publishers ; Organization for Social Science Research in Eastern and Southern Africa.

Shivji, I. G., Yahya-Othman, S., & Kamata, N. (2020). Development as rebellion: A biography of Julius Nyerere. Mkuki na Nyota Publishers.

Stiglitz, J. (2018, May 3). The Stockholm Statement: New Strategies for Inclusive Development. The Economic and Social Research Foundation (ESRF) in Tanzania High Level Roundtable Forum, Dar es Salaam.

Townsend, M. K. (1998). Political-economy issues in Tanzania: The Nyerere years, 1965-1985. Edwin Mellen Press.

Wade, R. H. (2018). The Developmental State: Dead or Alive? Development and Change, 49(2), 518–546. https://doi.org/10.1111/dech.12381 

  • 1

    أجرى المؤلف الثاني بحوثاً مطولة عن القدرات التكنولوجية الوطنية التنزانية، عبر مشروعات بحثية عدّة. أثناء عملية البحث، ظهرت روايات من مقابلات فردية مع كبار المسؤولين بالهيئات ذات الصلة، وقد تحدثوا من واقع تجاربهم الخاصة، من ثم يمكننا تأكيد دقة هذه الرواية. تتطابق الرواية نفسها مع روايات أخرى من دول أخرى بالجنوب العالمي في ذلك التوقيت، لا سيما الدول التي أعلت أولوية التصنيع في خططها الإنمائية.

  • 2

    رُشح لهذا الدور من قادة حركة عدم الانحياز حينئذ، بما أنه كان قد انتهى دوره كرئيس لتنزانيا في 1985.

  • 3

    من الخبرة المباشرة، قابل المؤلفان عدداً من الباحثين الاقتصاديين والباحثين في مجال التنمية، في مختلف المنظمات متعددة الأطراف والمؤسسات المالية الدولية والجامعات الأفريقية، وأقرّوا بأن معرفتهم بإرث نيريري في القضايا التي هم خبراء فيها هي معرفة جد محدودة وغير مباشرة.

  • 4

    التوطين الجماعي (التجميع) الإجباري في الاتحاد السوفياتي وجمهورية الصين الشعبية كان وراء معاناة عظيمة ووفيات بلا حصر في أوساط السكان. هذه مسألة غطتها الدراسات بشكل جيد. وقد نجحت هذه التجارب أيضاً في تحقيق الأهداف الاقتصادية المنشودة منها. ليس في هذا دفع بدعم التجميع الإجباري، إنما فقد للتدليل على أن التجميع لا يمكن اعتباره السبب الأساس وراء إخفاق أوجاما. كما نوضح في هذا القسم، فإن أخفاق ترجمة قرى أوجاما في النهاية كان وراءه تضافر عدد من العوامل. 

  • 5

    «مواليموُ» باللغة السواحلية تعني المعلم، ولم يكن هذا مجرد لقب تكريمي لنيريري، بل انعكاس عميق لدوره على مدار حياته العملية بصفته الفيلسوف والمعلم في الأمة التنزانية. الأهم، أن الكلمة فيها أيضاً التواضع والعمل مع الناس وبينهم، فهو لقب موروث من مساره المهني الأول كمعلم بالمدارس الثانوية.

مزن النيل

باحثة وكاتبة من السودان، ذات خلفية عملية وأكاديمية تجمع ما بين الهندسة والاقتصاد والسياسات العامة. من مؤسسي مركز استناد العامل في أبحاث الابتكار والعلوم والتكنولوجيا من أجل التنمية النافعة للناس. تركز في عملها البحثي على مواضيع السياسات الصناعية ولها أوراق علمية منشورة في المجال. لمزن مقالات منشورة في الشأن السياسي السوداني على منصات الاشتراكيين الثوريين، الجزيرة إنكليزي، معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط وغيرها.